NoScript
General.CookieInfo
General.Confirm
Homepage > المناطق / البلدان > الشرق الأوسط > العراق/سوريا/لبنان > سوريا > مرحلة التحوّل نحو الراديكالية في سورية

مرحلة التحوّل نحو الراديكالية في سورية

Middle East Briefing N°33 10 أبريل 2012

نظرة عامة

بحلول 10 نيسان/إبريل، وهو الموعد النهائي الذي حدده كوفي عنان (المبعوث المشترك للأمم المتحدة والجامعة العربية) لتنفيذ خطته من أجل السلام، طرأ تحولٌ بشع ومقلق على ديناميكيات الصراع.  ينتاب السوريين على مختلف مشاربهم الذهول والصدمة جرّاء المستويات المرعبة للعنف والكراهية اللذين ولدتهما الأزمة.  لقد استهدفت قوات النظام أحياء بكاملها بالقصف المكثف، زاعمة القضاء على جماعات المعارضة المسلحة لكن من دون الاكتراث لوجود المدنيين.  داخل المدن الكبرى، فقد أبرياء حياتهم بسبب تفجيرات واسعة قرب مواقع أمنية رئيسية.  قد تكون الصور الأكثر إثارة للاشمئزاز هي تلك التي تعرض مجازر ارتكبت بحق أُسرٍ بكاملها، بما في ذلك الجماجم المهشمة لأطفال صغار.  حلّت الذكرى الأولى لما بدأ بشكل أساسي كحركة احتجاجية سلمية ومضت مع مظاهرات شعبية متفرقة وحسب.  بدلاً من ذلك، كان هناك قدر هائل من سفك الدماء.

قوبلت مبادرة عنان لوضع حدٍ للعنف وإطلاق مرحلة انتقالية بقدرٍ كبير ومبرر من التشكك؛ حتى إن القبول الأولي للنظام السوري بها أثار قدراً أوسع من عدم التصديق.  ويبدو أن المشككين كانوا على حق.  قبل يوم واحد من حلول الموعد الذي كان يفترض بدمشق فيه أن تسحب قواتها من المدن والبلدات، جعلت ذلك مشروطاً بالحصول على ضمانات خطية من جماعات المعارضة والدول المعادية للنظام بتخليها عن العنف.  ما سهّل مثل هذه التكتيكات المواربة هو موقف المجتمع الدولي المنقسم والمتردد، والمتمثل في مزيج من التعهدات الفاترة بدعم المقاومة المسلحة والدعم الشكلي لبعثة دبلوماسية كان دائماً يُتوقَّع فشلها.

من شبه المؤكد أن التنفيذ الكامل لخطة عنان وفي الوقت المحدد لم يكن متوقعاً على الإطلاق.  لكن ذلك لا يدعو إلى التخلي عن الدبلوماسية بشكل عام أو عن مهمة عنان بشكل خاص.  ينبغي أن تُعطى الأولوية في هذه المرحلة لمنع مزيد من التدهور الخطر وغير القابل  للاستدراك.  في غياب بديل واقعيٍ وعملي، فإن الفرصة الأفضل لتحقيق ذلك ما تزال تتمثل في البناء على مبادرة المبعوث وتحقيق قدرٍ أوسع من الإجماع الدولي حول خارطة طريق مفصّلة.

يتمثل أحد الأوجه الأكثر إثارة للقلق في  التصعيد الأخير في أنه لم يدفع إلى أي رد دراماتيكي من أيٍ من اللاعبين الرئيسيين، ما يجعل من المرجح تدهور الأوضاع أكثر فأكثر.  لقد علق النظام منذ فترة طويلة في حلقة مفرغة، مضاعفاً قمعه رداً على التحول الراديكالي الذي كان نتيجة لممارسات النظام  نفسه.  أما المعارضة فتبدو في حالة استقطابٍ عميق، بين أولئك الذين ما يزالون يغذون الأمل المضلِل إلى حدٍ بعيد في أن النظام سيتخلى عن مسعاه الصعب لإنجاز "حل أمني"، وأولئك الذين يدعون إلى تسليح الثوار على الأرض ويحشدون الدعم من أجل التدخل العسكري الدولي، وبالتالي يطمحون لإنجاز "حل أمني" خاصٍ بهم.

بشكل عام، فإن العالم الخارجي عالق بين أربعة مواقف مكلفة.  حليفا النظام، إيران وحزب الله، دعماه بشكل غير مشروط ولديهما كل الدوافع الممكنة للاستمرار بفعل ذلك.  روسيا والصين راهنتا على أعداء النظام في الداخل والخارج لحلحلة الوضع، بتوقعهم من الطرف الأول التخلي عن السلاح والانضمام إلى "حوار" غير محدَد المعالم، وعلى الطرف الأخير لوقف جميع أشكال الضغوط.  ويبقى الغرب مشوشاً ومتردداً، بعد أن استنفد جميع مصادر النفوذ الدبلوماسي والاقتصادي، بالإضافة إلى خشيته من المستقبل والاقتراب بحذر من مسألة الخيارات العسكرية.  لقد تحدثت السعودية وقطر وبصوت مرتفع عن عزمهما تسليح الثورة لكن، حتى على فرض إظهارهما للالتزام والمتابعة الضروريين لتأسيس خطوط إمداد ذات معنى، فمن الصعب رؤية كيف يمكن لمثل تلك الجهود أن تُركع نظاماً حسن التسليح.  ومع التجاذب الذي علقت به مهمة عنان بين هذه المواقف المتصارعة فإنها لم تحقق شيئاً حتى الآن باستثناء الدعم اللفظي من قبل جميع المعنيين.

كما يُشير تجاوز عتبات أكثر إثارة للرعب، فإن الوضع الراهن لا يشكل مأزقاً ثابتاً وإنما صراعٌ  في حالة تغير مستمر وبأشكال تزداد خطورة.  سواء كانت عناصر النظام أو جماعات المعارضة المسلحة هي المسؤولة عن تفجير معين أو عن مذبحة للمدنيين فإن ذلك يمثل جدلاً عقيماً.  الحقيقة هي أن سلوك النظام هو الذي غذى المتطرفين على الجانبين، وبسماحه بانزلاق البلاد إلى حالة من الفوضى، وفرّ لهم مجالاً يتحركون ويعملون فيه.  من المرجح أن أجهزته الأمنية ستفعل كل ما في وسعها لتشويه سمعة المعارضة وإدانتها؛ كما أن المعارضة ستبذل كل إمكانياتها للانتقام من العنف الذي لا يحتمل الذي تعرضت له.  ونتيجة لذلك، فقد توافرت الظروف التي قد تصبح فيها أشكال العنف المفرط أمراً روتينياً.  وبالمقابل، فإن ذلك سيعزز من قوة العناصر الأكثر راديكالية على جميع الجهات، بما يبرر أسوأ أشكال وحشية النظام ويدفع لأعمال انتقامية مرعبة رداً على ذلك.  إذا استمر هذا الاتجاه، فإن الحصيلة الحالية لعدد القتلى – التي هي أصلاً بالآلاف – ستبدو متواضعة باعتبار ما سيكون.

لقد ساجل المعلقون السوريون والأجانب على مدى شهور حول ما إذا كانت البلاد تنزلق نحو الحرب الأهلية.  لا يمكن للجواب أن يكون قاطعاً؛ إذ إن الحروب الأهلية نادراً ما يكون لها نقاط بداية واضحة المعالم، رغم أن الأعراف السائدة تُشير لاحقاً إلى حدث دراماتيكي واحد بوصفه اللحظة التي أشعلت فتيل تلك الحرب.  لا شك أن سورية باتت عالقة في ديناميكية حرب أهلية. وقد تشكل المذابح التي جرت أخيراً والتي راح ضحيتها أسر بأكملها، في وقت ما من المستقبل، الحدث الذي يمثل عبور هذه العتبة.  في الوقت الراهن، يجب القيام بكل ما يمكن لمنع حدوث مزيد من التدهور.

كما جادلت مجموعة الأزمات في وقت سابق، فإن النظام سيغير مقاربته فعلياً فقط إذا ما واجه توازناً مختلفاً للقوى – سياسياً، من خلال تغير في موقف موسكو؛ أو عسكرياً، من خلال تغيرات على الأرض.  كما أن مجموعة الأزمات عبّرت وبقوة عن تفضيلها للاحتمال الأول وعن قلقها العميق إزاء الاحتمال الثاني.  ووقت كتابة هذه الإحاطة، فإن كلا هاتين الحالتين تبدوان محتملتين في المستقبل المنظور.

بالنظر إلى التغير المستمر في ديناميكيات الوضع، فإن مهمة عنان، ومهما كانت محبطة، فإنها على الأرجح ستبقى الخيار المتوافر الوحيد لبعض الوقت.  لا ينبغي تبديد تلك الفترة بانتظار نهايتها أو المراهنة على انهيارها.  من دون التخلي عن احتمالات للتوصل إلى اتفاق سياسي حقيقي حول نقل السلطة، فإن الأولوية اليوم يجب أن تكون خفض حدة التصعيد في عمليات العنف.  وينبغي محاولة القيام بذلك من خلال التركيز على الأفكار التي يقدمها عنان وتوسيعها والتي يُذكر أن النظام قد وافق عليها.

يأتي على رأس هذه الأفكار إرسال بعثة مراقبة تابعة للأمم المتحدة، التي لم تتم الموافقة على تفاصيلها بعد.  كما تبين خلال البعثة قصيرة الأجل التي أرسلتها الجامعة العربية، فإن وجود المراقبين لا يمكن أن ينهي العنف – لكن يمكن أن يقيّد النظام ويوفر المناخ أمام الاحتجاجات السلمية.  هذه المرة، ومن أجل تعزيز قوة بعثة المراقبين وضمان استمرارها إذا نجحت، فإن تفويض المراقبين، الذي يتضمن الحق في الوصول إلى الأماكن والخطوات المصاحبة لذلك، ينبغي أن تكون مُعرّفة بدقة، مع التركيز على القضايا التالية:

  • مناطق تجريبية يمكن التوصل فيها إلى وقف إطلاق النار ونشر بعثة المراقبين فوراً، من أجل تحقيق أدلة ملموسة على أن هذه المقاربة يمكن أن تحدث أثراً طيباً على السكان؛

  • الترتيبات التي يمكن للنظام أن يسمح بموجبها في المحصلة بجميع الاحتجاجات السلمية، وامتناع المعارضة عن تنظيمها في مناطق محددة داخل دمشق بالنظر إلى حساسيات النظام؛

  • بموازاة ما ورد أعلاه، وسائل التأكد من التزام جيران سورية، والتحقق من هذا الالتزام، بتجميد عمليات نقل وتهريب الأسلحة عبر حدودها مع سورية؛

  • وضع طرائق لإجراء تحقيقات ذات مصداقية في أسوأ أعمال العنف من أجل تقليص مخاطر تكرارها.

لا بد من الإقرار بأن احتمالات النجاح ضئيلة.  لكن الأسوأ بكثير من إعطاء هذه المحاولة فرصة سيكون تكرار الأخطاء التي ارتكبت خلال المبادرة الدبلوماسية الأخيرة التي رعتها الجامعة العربية، والتي اشتملت أيضاً على بعثة مراقبة: بمعنى توقع فشلها؛ والاندفاع إلى التوقف عن دعم سياسة غير مرضية؛ وانتظار ظهور بديل لم يتم الاتفاق عليه ولا حتى التفكير به.  ومن ثم التفرج على استمرار القتل.

دمشق / بروكسل، 10 نيسان/إبريل 2012

 
ترجمات متوفرة:
English
العربية