NoScript
General.CookieInfo
General.Confirm
Homepage > المناطق / البلدان > الشرق الأوسط > شمال أفريقيا > الإسلام السياسي في شمال أفريقيا (1): تركات التاريخ

الإسلام السياسي في شمال أفريقيا (1): تركات التاريخ

Middle East/North Africa Briefing N°12 20 أبريل 2004

إن هذه الخلفية العامة هي الأولى في سلسلة الأوراق الموجزة  للمجموعة الدولية لمعالجة الأزمات ICG التي تتناول مجموعة وتنوع النشاط المذهبي الإسلامي في دول شمال أفريقيا، حيث تمكنت هذه الظاهرة من التطور بشكل كامل تماماً – في كل من مصر والجزائر والمغرب. إن كل ورقة لاحقة تبحث، بالنسبة لبلد من هذه البلدان الثلاثة، في النظرة المستقبلية واستراتيجيات الحركات والتنظيمات الإسلامية [1] الرئيسية، وعلاقاتها بالدولة مع بعضها البعض، وخاصة الطرق التي تطورت بموجبها في السنوات الأخيرة. ويركز التحليل على العلاقة بين النشاط المذهبي الإسلامي والعنف، بشكل خاص ولكن ليس فقط الإرهاب، ومشكلة الإصلاح السياسي بشكل عام والتحول إلى الديمقراطية بصفة خاصة.

نبــــــذه عامــــــة

الإسلام السياسي، الإرهاب، الإصلاح: إن المثلث الذي يتكون من هذه المفاهيم الثلاثة والحقائق المعقدة والمتغيرة التي تشير إليها، هو محور النقاش في وحول شمال أفريقيا في هذه الأيام. إن دور العناصر المصرية في زعامة تنظيم القاعدة التابع لأسامة بن لادن معروف جيداً، إن لم يكن بالضرورة مفهوماً تماماً. إن تورط أشخاص مغاربة في شبكات الإرهاب في أوروبا – سواء كانت أو لم تكن مرتبطة بالقاعدة- قد تأكد مؤخراً من خلال التورط المشبوه للمغاربة في الهجوم الذي وقع في 11 آذار 2004 في مدريد. كما أن مصر ذاتها قد عانت لسنوات من العنف الإرهابي. كذلك، فإن القليل من البلدان، إن وجدت، قد عانت من الإرهاب بقدر ما عانته الجزائر على مدى الاثنتي عشرة سنة الأخيرة. كما أن التفجيرات التي حدثت في الدار البيضاء في 16 أيار 2003 توحي بأن المغرب ليست مستثناة أو معفاة منه.

وفي الوقت ذاته، فقد كانت كل من مصر والجزائر والمغرب مواقع لمحاولات هامة للإصلاح السياسي التعددي. فقد أظهر النظام السياسي المغربي قدراً معتدلاً من التعددية السياسية الحزبي منذ السنوات الأولى للاستقلال. كما جربت مصر التعددية السياسية قبل عام 1952. وفي عهد كل من أنور السادات وحسني مبارك تم السماح بقدر من التعددية في بعض الفترات ولكن فقط لكبتها في فترات أخرى. وفي الجزائر، تم إدخال التعددية الحزبية الرسمية في عام 1989 واستمرت بعد ذلك، على الرغم من أنها تقل كثيراً عن كونها ديمقراطية أساسية وحقيقية.

ورغم، ذلك، فإن النقاش حول هذه القضايا قد غاص في مستنقع من الأفكار الثابتة ولكن الخاطئة. وتتمثل إحداها في الفكرة العامة التي تفترض سلسلة بسيطة من العلة والمعلول: إن غياب الإصلاح السياسي يولد التطرف الإسلامي والذي يولد بدوره الإرهاب. إن هذا التحليل المفرط في التبسط يتجاهل التنوع الهام داخل النشاط المذهبي الإسلامي المعاصر، والذي كان الجزء الأكبر منه مجرداً من العنف بشكل مستمر. كما أنه يتجاهل حقيقة أن ظهور الحركات الإسلامية في شمال أفريقيا لم ينسب إلى غياب الإصلاح، ولكنه حدث بشكل عام بالاقتران مع مشاريع الإصلاح الحكومي الطموحة. لقد حدث التوسع في النشاط المذهبي السياسي الإسلامي في مصر ضمن سياق الانفتاح الاقتصادي والسياسي الجريء الذي حققه الرئيس السادات في السبعينات من القرن الماضي. كما أن الصعود المثير للجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر في الأعوام 1989-1991 حدث ضمن سياق قيام الحكومة بتحرير النظام السياسي ومتابعتها لإصلاح اقتصادي جذري.

لذلك، فإن مشكلة الإصلاح لم تكن بسبب غيابه بقدر ما هي بسبب الطبيعة الخاصة لمشاريع الإصلاح التي اعتمدتها حكومات شمال أفريقيا والتحالفات والمناورات السياسية التي شاركت ضمن العملية، وعواقبها المعقدة وغير المتوقعة والكارثية أحياناً.

إن مشكلة الحركة الإسلامية لم تكن تتمثل في تطلعها المذهبي أو العقائدي –فقد كان ذلك متنوعاً ومتقلباً- بقدر ما كانت تتمثل في الصعوبة التي واجهتها دول مصر والجزائر والمغرب في استيعاب أشكال النشاط المذهبي اللاعنفي الأكثر ديناميكية، وخاصة عدم قدرتها على دمج حركة إسلامية رئيسية ضمن النظام السياسي الرسمي. لقد رفضت مصر إضفاء الشرعية على الإخوان المسلمين. كذلك، بعد أن قامت الجزائر بإضفاء الشرعية على الجبهة الإسلامية للإنقاذ وسمحت لها بالتنافس والفوز في عمليتين انتخابيتين، فقد قررت بأنها لا تستطيع التغلب على العواقب وبالتالي اتخذت القرار المصيري لحل الحزب. أما المغرب فقد رفضت باستمرار إضفاء الشرعية على حركة "العدالة والإحسان" التي يتزعمها الشيخ عبد السلام ياسين. ومهما كانت المبررات التي تم تقديمها لهذا القرار، فإنه من المحتمل أن أحد العناصر الرئيسية للأساس المنطقي كان يتمثل في القلق البراغماتي الواقعي بشكل أساسي من أن صداها وديناميكيتها الخاصين قد جعلا هذه الحركات عسيرة الهضم لدرجة أن إضفاء الشرعية عليها كان يهدد بالإطاحة باستقرار النظام السياسي.

يجب عدم استبعاد ورفض هذا الاعتبار. وفي حين يمكن المبالغة وتشويه الحجج المتعلقة بالاستقرار، فإن طريقة تحقيق الإصلاح الديمقراطي في شمال أفريقيا دون الإطاحة باستقرار النظم السياسية في المنطقة هو سؤال أساسي وشرعي تماماً لم يحصل سوى على قدر ضئيل للغاية من الاهتمام. ومن المظاهر اللافتة المتعلقة بالنقاش والجدل الذي يدور في الغرب والمنطقة على حد سواء هيمنة الحجج الأيديولوجية في مواجهة الحجج السياسية. لقد كان اللاعبون المتعددون منشغلين بمسائل تتعلق بالشرعية – من هم الديمقراطيون الحقيقيون؟ من يحق له المشاركة في اللعبة السياسية؟ -بدلاً من السياسية- كيف يمكن تغيير شكل الحكومة؟ ما هي الإصلاحات المحددة المرغوبة والمجدية؟

لذلك، من الضروري أن تكون هناك مقاربة جديدة في كل النقاشات الدائرة في كل من الغرب وشمال أفريقيا حول الإصلاح السياسي ومكانة الحركات الإسلامية ودورها المحتمل، وليس أقلها بسبب التغييرات اللاحقة في تطلع وسلوك الناشطين السياسيين الإسلاميين في المنطقة على مدى العقد الماضي.

توضيح الفارق بين النشاط الديني والسياسي. في حين أن العديد من الحركات الإسلامية كانت تميل في الماضي إلى دمج والخلط بين الأغراض الدينية والسياسية، فإن بعضها يقوم حالياً وبصراحة بحصر أغراضه وأنشطته في المجال الديني، بينما يقوم غيرها بوصف ذاتها كحركات أو أحزاب سياسية ذات أغراض سياسية وليس دينية.

إن استيعاب الحركات السياسية الإسلامية ضمن النظم السياسية الرسمية في شمال أفريقيا لا يزال أمراً متناقضاً، إلا أن هذه الحركات ليست المصدر لمشكلة الإرهاب. وتتمثل إحدى النتائج الطبيعية في أن الفارق بين النشاط الإسلامي المعتدل والمتطرف هو ذو قيمة تحليلية محدودة، وأن النزعة إلى تعريف النشاط الديني بالاعتدال والنشاط السياسي بالتطرف هو فهم خاطئ. إن الأشكال العنيفة للنشاط الإسلامي هي نتاج لعملية تطريف أكثر النزعات تحفظاً في النشاط الديني، وبالرغم من أن أهدافها قد تكون "سياسية" بالمعنى الأوسع لدرجة أنها تهدف إلى الإطاحة بالحكومات أو تنصيبها أو إيقاع الفوضى بها، إلا أنها لا تسعى إلى الفوز بالانتخابات أو تجادل بهدف تغيير سياسة الحكومة: إن دوافعها تظل دينية بشكل أساسي. إن الاتجاهات التي ترفض أو تتجاهل أو ببساطة لا تثق بالعمل السياسي من المحتمل جداً أن تلجأ، عند إثارتها، إلى العنف نظراً لعدم وجود أي خيار آخر لها.

تكييف الحركات السياسية الإسلامية مع المبادئ الديمقراطية والفكرة الوطنية. لم تعد الحركات السياسية الإسلامية في شمال أفريقيا تشجب الديمقراطية بصفتها غير إسلامية أو تفرض فكرة الدولة الإسلامية على الدول المتواجدة فعلياً. وفي الواقع، فإنها ترفض بصراحة الأفكار الثيوقراطية (لحكومة دينية) وتعلن قبولها للمبادئ الديمقراطية والتعددية واحترامها لقواعد اللعبة كما حددتها الدساتير القائمة. بناءً على ذلك، فإن معارضتها لأنظمة الحكم قد تغيرت، حيث أخذت تركز على طلب العدالة والحاجة إلى تطبيق الدستور حسب الأصول (أو، على الأكثر تعديله) بدلاً من استبداله بمجمله. وفي ذات الوقت، فإنها لم تعد تحاول فرض الأمة الإسلامية المتجاوزة للسلطة الوطنية على الدولة القومية، ولكنها تقبل بهذه الأخيرة كدولة شرعية وكإطار رئيسي لنشاطها. وقد انعكست هذه التغييرات في موقفها من القانون. وفي حين أنها مستمرة في مطالبتها بتطبيق الشريعة الإسلامية، فإنها تقر بالحاجة إليها لكي تأخذ في الاعتبار الحقائق الاجتماعية المعاصرة، وبالتالي إلى الاجتهاد والعمليات المتأنية لتلعب دورها في تطويرها. لقد أصبح من غير الملائم بأن يتم وصف هذه الحركات بأنها أصولية (متزمتة) أو حتى بأنها محافظة تماماً. إنها تدافع عن المواقف المحافظة في بعض المسائل، إلا أن من المظاهر المثيرة قيامها، بعد احتجاب طويل، بإحياء الأفكار المتعلقة بحركة التجديد الإسلامية التي كانت قائمة في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.

ويعتبر ذلك أمراً هاماً نظراً لأن المظاهر الرئيسية للتيار الإسلامي المتجدد والأصيل كانت تتمثل تماماً في توجهه الإيجابي بشكل مهيمن نحو عناصر الفكر العلمي والسياسي الغربي، واهتمامه بتكييف التقاليد الشرعية الإسلامية مع الأوضاع الاجتماعية والسياسية المعاصرة، وعلاقته الوثيقة بالحركات القومية. لقد كان إضعاف القومية المتجددة في شمال أفريقيا عاملاً رئيسياً في احتجاب التجدد الإسلامي وظهور نشاط مذهبي إسلامي محافظ ومعاد للغرب. ولكي يثمر الاسترداد الذي جرى مؤخراً للأفكار المتجددة داخل الحركات الإسلامية، فإنه يلزم القيام باستعادة أوسع للفكرة القومية في الحياة السياسية بشمال أفريقيا.

التفريق داخل الحركات الدينية الإسلامية بين الاتجاهات العنيفة وغير العنيفة. إن الجزء الأكبر من النشاط الديني الإسلامي ليس عنيفاً ولا يشكل تهديداً للدولة أو الأمن العام أو حقوق الإنسان الخاصة بالأفراد. ولكن مشكلة العنف رغم ذلك متجذرة في نظرة ودوافع بعض الحركات الدينية الإسلامية المعيّنة تماماً. إن الاتجاهين الهامين في هذا السياق هما الحركة السلفية التي أصبحت بشكل واسع (وإن لم يكن بشكل كامل) مماثلة للتقليد الوهابي في المملكة العربية السعودية، وتيار النشاط المذهبي المتميز الذي أوحى به المفكر الإسلامي المصري، سيّد قطب (1906-1966).

إن الحركة السلفية في هذه الأيام هي حركة أصولية (متزمّتة) ومحافظة جداً. كما أنها لا تميل إلى الاعتراف بالهويات القومية أو إعطائها قيمة، وتؤكد بدلاً من ذلك على الهوية والأمة الإسلامية المتجاوزة للسلطة القومية. وفيما يتعلق بالاتجاه السائد للحركة، التي يسيطر عليها العلماء الدينيون والتي تعرف بالتالي بالسلفية العلمية، فإن الدافع إلى العنف متأصل في طموحها لإملاء والسيطرة على السلوك الفردي وتقويمه، كما أنها تتخذ شكل إجراءات عقابية في بعض الأحيان ضد أفراد أو مجموعات تعتبرهم "مسلمين أشرار أو غير صالحين". ويوجد هذا النمط من العنف بشكل ملحوظ في الجزائر والمغرب، وخاصة في مدن الأكواخ والضواحي السكنية الرثة والخربة الواقعة في أطراف المدن الكبرى. ومهما كان الأسى الذي تثيره، إلا أنها تشكل تهديداً ضئيلاً لحكومات شمال أفريقيا أو المصالح الغربية. ويشكل اللجوء إلى العنف كاستراتيجية أساسية الميزة التي يتسم بها جناح معين من الحركة السلفية يعرف بالسلفية الجهادية[2]. وقد نشأت أثناء الحرب ضد النظام الأفغاني المدعوم من السوفييت وتأصلت عبر شمال أفريقيا عندما عاد المقاتلون العرب الذين شاركوا في الصراع المذكور إلى بلادهم. إن السلفية الجهادية، وهي محافظة إلى أبعد حد، إن لم تكن رجعية، تقوم بشكل نموذجي بمهاجمة الأهداف الغربية في حملة تعتمد على دوافع عقلانية قد لا تكون حقيقية في أشكال مذهبية تقليدية كجهاد تقليدي دفاعاً عن العالم الإسلامي ضد العدوان الغربي. وبالمقارنة، فإن الحركات العنيفة التي استهدفت دول شمال أفريقيا كانت موجهة بمبادئ وتعاليم سيد قطب غير التقليدية على الإطلاق. لقد كانت جميع الحركات العنيفة الرئيسية في مصر تنتمي إلى قطب، وفي حين أن بعض الحركات العنيفة في الجزائر قد وصفت نفسها بالسلفية، فقد تأثرت هي أيضاً إلى حد كبير بأفكار قطب.

هزيمة الحركات القطبية (المنتمية لسيد قطب) في مصر وإعادة توجيه الطاقات الجهادية نحو المجال الدولي. إن الحركتين الرئيستين اللتين تتبنيان العنف في مصر، وهما تنظيم الجهاد والجماعة الإسلامية قد انهزمتا، إلا أنهما تفاعلتا بأساليب وطرق مختلفة. فقد عكفت الجماعة على إجراء مراجعة أيديولوجية وقام زعماؤها بنبذ والتخلي عن تطلعاتهم السابقة بشكل فعال. أما تنظيم الجهاد فقد قام، من الناحية الأخرى، باستثمار طاقاته في الجهاد الدولي الذي يقوده تنظيم القاعدة التابع لأسامة بن لادن، حيث اندمج فيه حالياً بشكل تام. إن إعادة التوجيه المذكورة للطاقة الجهادية المصرية نحو الساحة الدولية، والتي بدأت في الثمانينات من القرن الماضي واستنفذت في عام 1998، تعني أن الناشطين المعنيين قد تخلوا عن رؤية قطب السابقة في الإطاحة بالدولة المصرية، ولكن ليس كلياً وربما مؤقتاً فقط [3].

إن هذه التطورات تنطوي على مضامين سياسية هامة:

  • إن تكيف الحركات السياسية الإسلامية مع المبادئ الديمقراطية والفكرة القومية يعني أن حكومات شمال أفريقيا لن تستطيع بعد الآن أن تتذرع بأيديولوجيات سابقة معادية للديمقراطية أو معادية للقومية كمبرر كاف للاستمرار في حرمان هذه الحركات من الحقوق الديمقراطية، ناهيك عن عدم تنفيذ الإصلاحات الديمقراطية الأوسع. وفي حين أن الخصوم سوف يستمرون بالطبع في إخفاء الشك حول حوافزهم وصدقهم، فإنه يجب الحكم على الحركات السياسية الإسلامية من خلال سلوكهم وليس من خلال النوايا التي ينسبها أعداؤها إليها.
  • إن القوى والمنظمات العلمانية أو غيرها من المنظمات المتجددة من خلال وعيها الذاتي، والتي كانت من الناحية التقليدية معادية إلى أبعد حد للحركات الإسلامية، لن تتمكن بعد الآن من التذرع بالنظرة الظلامية التي تهدف إلى إعاقة التقدم، أو العائدة للقرون الوسطى أو المتعصبة والغير متسامحة كتلك الحركات كأسباب أو حجج لرفضها المتعصب في الدخول في نقاش سياسي جاد معها. إن الحقيقة المتمثلة في أن الحركات السياسية الإسلامية أصبحت تُظهر مرونة وانفتاحاً عقلياً جديداً في مقاربتها المتعلقة بمسألة القانون، تعني أنه سوف يتسنى لكافة الاتجاهات في السياسات السائدة في شمال أفريقيا أن تبدأ بالدخول في نقاش تمس الحاجة إليه كثيراً حول الخطوات اللازمة لتطوير حكومة ملتزمة بالقانون.
  • بشكل أكثر عمومية، يمكن بل ويجب أن يقوم الآن النقاش الجاري حول الإصلاح الديمقراطي في شمال أفريقيا بالقفز فوق حجر العثرة المتمثل في الإسلام السياسي وأن يركز بدلاً من ذلك على العقبات الهيكلية في طريق التطور الديمقراطي داخل الأنظمة السياسية الأفريقية، كغياب الضوابط على السلطة التنفيذية ودور الجيش (العسكر) وضعف الجمعيات التمثيلية والطبيعة التبعية للسلطة القضائية.
  • يجب أن يركز النقاش المذكور أيضاً، وبشكل جوهري، على المدى الذي تقوم ضمنه الأبعاد الخارجية لصنع السياسة في دول شمال أفريقيا بتقييد الديمقراطية. إن الأساليب التي قامت العولمة بموجبها باقتلاع السيادة الوطنية، حيث لم تعد دوائر السياسة الجوهرية هي موضوع القرارات السياسية المحلية (الداخلية)، قد شكلت قيداً على الإصلاح الديمقراطي يفوق إلى حد كبير ما هو متعارف عليه بشكل عام. إن الوصفات المتعلقة بالسياسة الاقتصادية الواردة من الحكومات الغربية والمؤسسات المالية الدولية كانت تميل إلى تفريغ ومنع النقاش السياسي المحلي حول السياسة الاقتصادية والاجتماعية. إن ذلك قد شجع الخلاف السياسي المحلي للتركيز على قضايا الهوية والشرعية المتعفنة بشكل أكبر كثيراً. إن تسييس هذه القضايا يشرح جزئياً سبب ظهور الإسلام المتطرف في المنطقة ومدى قيام الاتجاهات الحصرية والمتعصبة وغير المتسامحة بتسميم الحياة السياسية في شمال أفريقيا.
  • يتعين على صنّاع السياسة الغربيين أيضاً أن يدركوا أن الخيارات السياسية الأخرى تجاه الشرق الأوسط وشمال أفريقيا قد ساهمت في نشوء توجهات النشاط الإسلامي المعادية للغرب والإرهاب. ويجب عليهم أن يواجهوا الحقيقة بأن القضية الفلسطينية كانت حافزاً رئيسياً لظهور النزعات العنيفة، وخاصة داخل الإسلام المذهبي المصري [4]، وأن يعترفوا بحصة رئيسية من المسؤولية في نشوء جناح جهادي في الحركة السلفية، والتي قاموا برعايتها بفعالية في أفغانستان منذ عام 1979 وصاعداً.
  • كذلك، فإن صنّاع السياسة الغربيين في حاجة إلى إعادة التفكير بموقفهم تجاه الوعي القومي في شمال أفريقيا. لقد كان الموقف التقليدي عدائياً لسببين رئيسيين: الأول، لأنه تم مماثلة الوعي القومي بالحكم الفاشستي، وبالتالي تم النظر إليه كعقبة في طريق التحول إلى الديمقراطية، والثاني لأنه تم مماثلته بالسياسات والممارسات الاقتصادية التي تعتبر ضارة بالتجارة الحرة. وبينما توجد بعض الحقيقة في كلا النظرتين، فقد تجاهلت الآراء الغربية نقاطاً أساسية أخرى: أولاً، الدور التاريخي للوعي القومي في تلطيف الأفكار والنشاط المذهبي الإسلامي بشكل عام، وثانياً حاجة الأنظمة في شمال أفريقيا للشرعية القومية إذا كانت تريد أن تصمد في وجه حركات المعارضة الإسلامية ناهيك عن تهذيبها وترويضها، وثالثاً الحاجة إلى دعم الفكرة أو المفهوم الوطني والهويات الوطنية كأرضية مشتركة يمكن أن تتطور فيها التعددية الدينية والسياسية في مناخ من التسامح.


[1]  في الاستخدام المتبع من ICG فإن كلمة "الإسلام" (Islamism ) تعني الإسلام في شكله السياسي وليس الديني: "الحركات الإسلامية" هي تلك الحركات التي تنطوي على مراجع أيديولوجية إسلامية تسعى بصفة رئيسية نحو أهداف سياسية، أما عبارتا "إسلامي" (Islamist ) و"سياسي إسلامي" (Political Islam )، فهما مترادفتان. إن كلمة "إسلامي" هو تعبير أكثر شمولاً وشيوعاً: عادة ما يشير إلى الإسلام في شكله الديني وليس السياسي، إلا أنه قادر، اعتماداً على السياق، على أن يشمل كليهما معاً (على سبيل المثال الإشارات في النص إلى "النشاط المذهبي الإسلامي" (Islamic activism ).

[2]  إن كلمة جهادي (أو في صيغتها المؤنثة، جهادية) هي النعت (الصفة) المشتقة من كلمة جهاد والتي تعني حرفياً الجهد أو النضال. إن العديد من المفكرين الإسلاميين يميزون بين "الجهاد الأكبر" والجهاد الروحي للمؤمن الذي يسعى إلى الخلاص، و"الجهاد الأصغر" الذي يشير إلى الدفاع المسلح عن الأمة (مجتمع المؤمنون) ضد التهديدات الخارجية. ويمكن، بحسب بعض المفكرين ولكن ليس جميعهم، أن يشمل الهجوم المسلح لتوسيع دار الإسلام (العالم الإسلامي). ويتم استخدام الصفة جهادي (جهادية) في هذا التقرير للإشارة بشكل حصري إلى الجماعات والأفراد الذين يلجئون إلى العمليات المسلحة.

[3]  هناك اتجاه خامس، وهو يقع خارج نطاق هذه السلسلة من الملخصات، يتعلق بتغييرات أخرى تجري حالياً. إنه يتمثل في الأهمية المتزايدة لعناصر مستمدة من الشتات الشمال أفريقي في النشاط الجهادي الدولي. إن عدداً كبيراً من المسلمين الذين تم اعتقالهم عبر أوروبا وفي أمريكا الشمالية بتهم تتعلق بالإرهاب منذ 11 أيلول 2001، كانوا مواطنين من أصل شمال أفريقي، وخاصة مغربي. وفي العديد، إن لم يكن في معظم الحالات كانوا مهاجرين من الجيل الأول أو حتى الثاني، وبالتالي فإنهم نتاج الشتات الشمال أفريقي وليست لهم جذور راسخة في بلادهم (أو بلاد آبائهم) الأصلية. وبما أنهم منفصلون عن خلفياتهم الوطنية الأصلية، فقد تأثروا بصفة عامة بأشكال النشاط الإسلامي الذي يتجاوز الحدود القومية، وخاصة الحركة السلفية التي منحتهم هوية مستقرة، إن لم تكن مجردة، كأعضاء في الأمة العالمية، أينما يجدون أنفسهم. بناءً على ذلك، فإن تطلعهم المستقبلي هو نتاج مباشر لعمليات العولمة، وينطوي على نزعة قوية للتماثل مع المسلمين المستعدين للقتال في أماكن أخرى. ومع تكاثر مساحات الصراع التي تشمل الشعوب الإسلامية (في كل من أفغانستان والبوسنة والشيشان والعراق، وبالطبع، فلسطين) فإن الأقلية الناشطة في القتال داخل الشتات الشمال أفريقي أصبحت تقبل بشكل متزايد نحو شكل النشاط الإسلامي الدولي الذي طورته القاعدة، بصرف النظر عن التطورات في بلادهم الأصلية.

[4]  تتصدر القضية الفلسطينية قائمة المواضيع التي استشهد بها الإسلامي المصري أيمن الظواهري في مقالته البحثية في عام 1996 "شفاء صدور المؤمنين". إن تفكير الظواهري قد حدد بشكل مثير للجدل تطلع القاعدة إلى مدى بعيد. راجع مها عزّام، "Al-Qa'eda: The Misunderstood Wahhabi Connection and the Ideology  of Violence" "، لندن، الجمعية الملكية للشؤون الداخلية، برنامج الشرق الأوسط– الملخّص رقم(1)، شباط 2003.

 
ترجمات متوفرة:
English
Français
العربية

المزيد