You must enable JavaScript to view this site.
This site uses cookies. By continuing to browse the site you are agreeing to our use of cookies. Review our legal notice and privacy policy for more details.
Close
Homepage > Regions / Countries > Africa > Horn of Africa > Sudan > إدانة البشير أمام المحكمة الجنائيّة الدوليّة: هل هي نقطة تحوّل بالنسبة إلى السودان؟

إدانة البشير أمام المحكمة الجنائيّة الدوليّة: هل هي نقطة تحوّل بالنسبة إلى السودان؟

, Asharq Alawsat  |   5 Mar 2009

صدر أمس (الأربعاء) عن قضاة المحكمة الجنائيّة الدوليّة قرار بإصدار مذكرة توقيف بحقّ الرئيس السوداني عمر البشير عن الجرائم بحقّ الإنسانيّة وجرائم الحرب المرتكبة في دارفور، ويُشكّل القرار خطوةً أساسيّة لطي صفحة اللاعقاب التي زادت من حدّة النزاع في دارفور خلال السنوات الخمس الأخيرة. بالنسبة إلى الحكومة السودانيّة، تفضي إدانة البشير إلى نتائج معقّدة وأساسيّة. وهي ستجبر الأكثريّة الحاكمة أي حزب المؤتمر الوطني على الاعتراف بأنّ الجهود الدوليّة لملاحقة المسؤولين عن الفظائع المرتكبة في دارفور لا يُمكن تلافيها. ومن شأن هكذا اعتراف أن يُخرج إلى العلن التوتر الذي يتخبط فيه حزب المؤتمر الوطني على أعلى المستويات حيال الإستراتيجيّة والتكتيكات التي تتبعها قيادة النظام في السنوات الأخيرة. ففي حزب المؤتمر الوطني يتنامى عدد كبار المسؤولين الذين يعتقدون أنّ سياسة البشير القائمة على مواجهة المناطق المحاذية (أي دارفور، وكردفان وشرق السودان وجنوبه) أتت بغير النتائج المرجوّة وأمعنت في زعزعة الأمن وفي فرض عزلةٍ دوليّةٍ.

تفيد بعض الأدلّة بأنّ الحكومة السودانية قد تذهب إلى حدِّ إعلان حال الطوارئ ومطاردة المعارضة السياسيّة الداخليّة لكي تفهم المجموعات المسلحة في دارفور أنّها لن تستطيع استغلال هذا التطوّر لخدمة مصلحتها العسكريّة والسياسيّة. و قد تُبدي الحركة الشعبيّة لتحرير السودان وهي شريك حزب المؤتمر الوطني في الحكومة معارضةً شديدة حيال إعلان حال الطوارئ لا بل قد تنسحب من اتفاقيّة السلام الشامل الموقعة بين الشمال والجنوب في حال أقدم الحزب على إعلان أحادي الجانب. وتوقع هذه المخاطر السودان مجدداً في دوّامة نزاعٍ شامل. كما تُلاحظ ضوابط داخليّة مفروضة على حزب المؤتمر الوطني. فبالإضافة إلى الخلاف بشأن الإستراتيجيّة، نجحت شخصيّات نافذة في حزب المؤتمر الوطني وعلى أعلى مستويات قوّات السودان المسلّحة في جمع الثروات بفضل الاستثمار الاقتصادي في السودان وعليه، ستحرص على عدم تبخّر مثل هذا الاستثمار نتيجة الانفلات في الردّ على الإدانة. ولحلفاء السودان العرب والدوليين مصلحة في استقرار البلاد وعليهم هم أيضاً ممارسة ضغوط على النظام ليضبط النفس. فللصين مصلحة في صناعة النفط، ومصر ترغب في الأمن الإقليمي وفي الوصول إلى مياه النيل، ودول الخليج أقدمت على استثمارات كبيرة، ويجب عليها تالياً أن تدفع بالسودان إلى الانضباط.

ولا شكّ بأنّ فقدان البشير شرعيّته بنظر الفعاليّات الخارجيّة وسكان السودان يُمكن أن يدعّم موقف معارضي مقاربة التشدد الأمني في صفوف حزب المؤتمر الوطني. ولا شكّ في أنّ احتمال عزلة البشير لا بل إقالته كليّا احتمال فعلي بيد أنّه مستبعد. أمّا الحصيلة المرجحة فهي أنّه سيبقى في السلطة من دون احتمال أن ينتهي به الأمر أمام المحكمة الجنائيّة الدوليّة في المستقبل المنظور. ولكنّ الوضع الراهن غير قابل للاستمرار. فيُمثّل احتمال فشل اتفاقيّة السلام الشامل وبالتالي العودة إلى النزاع، خطراً كبيرة على التفكك الوطني وهي محصّلة يخشاها النظام وجيرانه. ويجد السودان نفسه في وضع اقتصادي متأزم سيّما على ضوء تدهور أسعار النفط. ويُرجح أن يغدو الشركاء الاقتصاديّون أكثر وأكثر قلقاً من كلفة التعاطي مع بلدٍ يرأسه قائد مُدان لارتكابه جرائم حرب. وحفاظاً على مصالح حزب المؤتمر الوطني الاقتصاديّة وضماناً لبقائه، يُتوقّع منه البحث عن مخرجٍ من هذا الوضع. وفي الماضي ردّ على الضغوط الدوليّة عبر القيام بتنازلات تكتيكيّة والمماطلة كسباً للوقت.

ولقد آن الأوان اليوم لإحداث تغيّر فعلي في سياسات حزب المؤتمر الوطني و تقتضي إدانة البشير عن الجرائم المرتبكة في دارفور تدخّلا فوريّا على جبهات عدّة. يجب أولا على الحكومة والمقرّبين منه الامتناع عن إنزال العقاب بالمواطنين أو الفعاليّات الدوليّة ردّا على الإدانة. ويجب عليهم الحرص على أن تكون أي تظاهرات تدعم القرار أو تدينه، منظمة وسلميّة فلا تُستغلّ ذريعة لفرض حال الطوارئ. ويجب على الأسرة الدوليّة وبشكلٍ خاص جيران السودان والدول العربيّة، دعوة النظام إلى ضبط النفس وعدم فرض حال الطوارئ. ويجب على مدعي عام المحكمة الجنائيّة الدوليّة أن يوضح أنّه في حال ارتكاب أعمال عنف بحقّ العاملين في مجال حفظ السلام، أو الوكالات الإنسانيّة أو المخيّمات في دارفور، سيتعيّن عليه التحقيق في الجهات المسؤولة التي قد تنضمّ إلى البشير في قفص الاتهام. يجب ثانيا تغيير السياسات التي تحرّك خيوط النزاع في السودان، ترتبط إدانة البشير واعتبارها نقطة تحوّل لأجل الأفضل في السودان بمدى قبول حزب المؤتمر الوطني الفعلي ضرورة تغيير السياسات القمعيّة والجرميّة التي يطبقها النظام ووقف الجرائم الحاليّة بحقّ مدنيين في دارفور وضمان السلام المستدام. ويجب على الحكومة أن تتخذ خطوات فوريّة وفعليّة لإقامة نظام مساءلة قضائيّة ذات مصداقيّة وإنشاء بيئة مؤاتية لتسوية سلميّة لنزاع دارفور.

ويجب على الأسرة الدوليّة أن توفّر حوافز فعليّة مثل رفع العقوبات وتوفير المساعدة الدوليّة إذا ما أقدم النظام على مثل هذه الخطوات. كما يُمكنها التلويح بتأجيل الملاحقة كخطوةٍ تحفيزيّة إضافيّة ردّا على تغيّر فعلي على الأرض ووضع اللاجئين. ولكن إذا رفض النظام من الناحية الأخرى التسوية فعلى الأسرة الدوليّة إذاً اتخاذ جميع التدابير المتوفّرة تطبيقاً للمذكرة وإمعاناً في عزلة النظام.

ويجب مقاربة أي خطوة ترمي إلى تأجيل الملاحقة بحذرٍ شديد. فالمادة 16 من نظام روما تمنح مجلس أمن الأمم المتحدة سلطة تأجيل ملاحقات المحكمة الجنائيّة وتحقيقاتها لما فيه خدمة السلام والأمن لفترة قدرها اثنا عشر شهراً قابلة للتجديد. وقبل الموافق على أي تأجيل، يجب على المجلس أن يلتمس تحسناً من جانب الحكومة السودانيّة على هذه الجبهات. ومن شأن إبراز بوادر حسن نيّة أن تقتضي اتخاذ جميع الخطوات التالية:

1. بذل جهود فعليّة توصّلا إلى تسوية سلميّة لنزاع دارفور بما في ذلك عن طريق جهود المفاوضة الحاليّة في الدوحة وقفاً للمواجهات وضماناً لمشاركة دارفوريّة في الانتخابات العامة المقبلة.

2. إقامة تدابير قضائيّة محليّة ذات مصداقيّة لضمان مساءلة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة في دارفور وفي سائر مناطق السودان المتخبطة في النزاع.

3. الحرص على تنحّي الرئيس البشير وعدم تقدمه كمرشح عن حزب المؤتمر الوطني في الانتخابات الرئاسيّة المقبلة لعام 2009.

4. تطبيق اتفاقيّة السلام الشامل تطبيقا كاملا لتعزيز الحوكمة الديمقراطيّة؛ وترسيم حدود عام 1956 بين الشمال والجنوب وإبطال القوانين القمعيّة بحق الإعلام وحريّة التجمّع وتعديل أطر عمل أجهزة الأمن والاستخبارات الوطنيّة القانونيّة بحيث تُصبح أكثر مساءلةً أمام مؤسسات وطنيّةٍ أخرى.

ويجب على مجموعات دارفور المسلحّة وعلى الحركة الشعبيّة لتحرير السودان أن تُبرهن عن التزام معادل في تسويةٍ سلميّةٍ في دارفور وفي تطبيق اتفاقيّة السلام الشامل وكلاهما أساسي لتشجيع حزب المؤتمر الوطني على العمل بمسؤوليّة. وتُشكّل إدانة المحكمة فرصة ليرصّ الشعب السوداني الصفوف ويُعلي قضيّة السلام والعدالة خصوصاً في دارفور ويحوّل المؤسسات والسياسات التي جلبت على السودان عقوداً من النزاع. ولكن في غياب تغيّر أساسي في سياسات الدولة، ستظلّ الإدانة ساريةً ويُصبح البشير وحزب المؤتمر الوطني أكثر عزلةً ويستمر الشعب السوداني في تحمّل أوزار وأثمان سياسات كارثية.

*خاص بـ«الشرق الأوسط»

Asharq Alawsat

 
This page in:
English
العربية