You must enable JavaScript to view this site.
This site uses cookies. By continuing to browse the site you are agreeing to our use of cookies. Review our legal notice and privacy policy for more details.
Close
Homepage > Regions / Countries > Africa > Horn of Africa > Sudan > السودان ما بعد الانفصال: حرب في الأفق؟

السودان ما بعد الانفصال: حرب في الأفق؟

Alain Delétroz, القدس العربي   |   27 Dec 2011

في حين ينصب تركيز العالم بأسره على الثورات العربية، يواصل السودان إغراق نفسه في مناخ الحرب والعنف. فلا يبدو أن وسيلة أو أحداً باستطاعته انتشال السودان من هذا المناخ. لقد قام الاتحاد الأفريقي، عبر لجنته المعنية بالسودان برئاسة رئيس جنوب أفريقيا السابق ثابو مبيكي، بجمع الطرفين لاستئناف المفاوضات في أديس أبابا. إلا أن هذه المفاوضات ستكون طويلة ومعقدة لاسيما أن طول قائمة المواضيع التي يتعين التطرق إليها آخذ بالازدياد منذ يوليو/ تموز الماضي. فضلاً عن خطر تجدد الحرب بين الشمال والجنوب، ثمة خطر انحلال دولة السودان الجديدة في الشمال مما قد يغرقه في حرب على نطاق واسع.

 رغم مكابرة السلطة في الخرطوم، إلا أنها أقرت استقلال الجنوب في 9 يوليو / تموز من هذا العام لإدراكها بأنه أمر لا مفر منه. إلا أن مسألة ترسيم الحدود الجديدة بقيت مفتوحة على مصراعيها؛ حيث ما يزال عشرون بالمائة من مسار الحدود موضع خلاف. وبالإضافة إلى المسألة الجوهرية المتعلقة بتقسيم الثروة النفطية، تأتي مشكلة عبور الماشية للحدود الجديدة التي مازالت تنتظر حلاً. وهنا نتحدث عن ملايين من رؤوس الماشية التي تهاجر سنوياً بين الأراضي الجديدة للدولتين. إن صياغة آليات مبسطة تسمح بالهجرة السنوية لتلك القطعان من شأنه أن يسهم إسهاماً كبيراً في تجنب وقوع حوادث لا داعي لها. 

 في هذه الأجواء المحمومة، يطرح إبداء الثقة على أدنى مستوياتها بين الطرفين في أديس أبابا تحدياً كبيراً أمام ثابو مبيكي. فالخرطوم تتهم جوبا بدعم الحركة الشعبية في الشمال، بينما تتهم جوبا الخرطوم بدعم المتمردين في الجنوب. وللأسف، فإن كلاهما على حق. كما أن هذه اللعبة المبنية على قاعدة "عدو عدوي هو صديقي" قد تكون مكلفة للدولتين. إلا أن معالجة هذه المسألة أمر ضروري لإقامة سلام دائم بين دولتي السودان لاسيما بعد إعلان الخرطوم قبيل أيام من بدء المفاوضات بأنها على استعداد لإشهار السلاح في وجه جنوب السودان إذا ما استمر الأخير بتقديم الدعم لمتمردي الحركة الشعبية في الشمال.

 تضم هذه الحركة في صفوفها محاربين قدامى من الجيش الشعبي المنحدرة أصولهم من جبال النوبة وولاية النيل الأزرق كان من المفترض إعادة نشرهم على الجانب الجنوبي من الحدود. لقد كان بإمكان الاتفاق الإطاري الذي جرى التفاوض عليه في يونيو / حزيران الماضي السماح لهؤلاء المحاربين بالبقاء لولا قيام الرئيس البشير برفض هذا الاتفاق في آخر لحظة.

 إن بإمكان هؤلاء المقاتلين الاعتماد على دعم الشعب الساخط في جنوب كردفان وولاية النيل الأزرق بعد أن وجودوا أنفسهم "عالقين" في دولة شمال السودان، في حين أن ميولهم الثقافية والدينية تميل إلى الجنوب.

 ويجاور السودان الآن جنوبٌ يجسد الأمل في إمكانية خلق سودان جديد. إلا على أن الشمال ومواطنيه أن يتأقلموا على العيش في السودان القديم، سودان البشير الذي ما يزال مطلوباً للعدالة الدولية من جانب المحكمة الجنائية الدولية، سودان حزب المؤتمر الوطني الجبار.

 منذ استقلال جنوب السودان لم تأت أي بادرة انفتاح نحو الشعوب غير العربية وغير المسلمة في دولة الشمال الجديدة؛ إذ ما تزال الشريعة تفرض على جميع مواطني الشمال. أما دارفور فلم تحظ على أي وضع خاص. كما لم يتم تعيين نائب للرئيس في الخرطوم يمثل مكونات السودان غير العربية. أضف إلى ذلك الواقع الجديد الذي غابت فيه القوة السياسية الوحيدة، التي كانت بمـثابة ثـقـل موازن لحزب المؤتمر الحاكم في السودان القديم، بعد أن رحلت لتبني دولة مستقلة في الجنوب تاركة وراءها الساخطين على حزب المؤتمر الوطني ينتابهم الشعور بأنه تم التخلي عنهم، والاقتناع بأن حزب المؤتمر الوطني لا يسمع إلا صوت الرصاص. لقد حرمهم رحيل الجنوب والحركة الشعبية لتحرير السودان من حركة سياسية شاركوها الأهداف ليجدوا أنفسهم أيتاماً في دولة جديدة ما تزال غريبة وعدوانية. فسواء في دارفور أو جنوب كردفان أوالنيل الأزرق، لم يعد الساخطون على حزب المؤتمر الوطني يؤمنون بأن مستقبلهم قد يكون مرتبطاً بمستقبله، أو يؤمنون بإمكانية وجود حل  سياسي لهذه الأزمة.

لم تكن هذه القضايا الداخلية لدولة الشمال مطروحة على طاولة المفاوضات في أديس أبابا، فقد كرست الأيام الأولى من المفاوضات لمسألة تقاسم عائدات النفط. فالجنوب يرفض الدخول في مفاوضات على كامل مبلغ عائدات النفط التي تطلبه الخرطوم التي تواجه ضغوطاً مالية. ويبدو أيضاً أن جوبا تعول على أن الصين ستدرك قريباً أن مصلحتها تكمن في التعامل مباشرة مع الجنوب المستقر سياسياً، بدلاً من التعامل مع شمال السودان الذي تمزقه الخلافات الداخلية. أما فيما يتعلق بمسألة ترسيم الحدود، فيبدو أن المحادثات تتحرك ببطء شديد جراء اتساع الهوة بين الطرفين. ورغم ذلك، يبقى من الضروري أن تستمر المفاوضات بين البلدين وأن يدعم جميع الأطراف الدولية الفاعلة في السودان ثابو مبيكي وجماعته رفيعة المستوى وإلا فسيواجه السودان خطر الاشتعال من جديد.

نائب رئيس 'مجموعة الأزمات الدولية' في بروكسل

القدس العربي

 
This page in:
English
العربية