You must enable JavaScript to view this site.
This site uses cookies. By continuing to browse the site you are agreeing to our use of cookies. Review our legal notice and privacy policy for more details.
Close
Homepage > Regions / Countries > Middle East & North Africa > Iraq, Iran & the Gulf > Iraq > هل سيخرج العراق من أزمته هذه المرة

هل سيخرج العراق من أزمته هذه المرة

Joost Hiltermann, القدس العربي   |   6 Aug 2012

للوهلة الأولى، تبدو الأزمة السياسية العراقية الراهنة مجرد عقبة متوقعة على الطريق الطويل من الديكتاتورية إلى الديمقراطية. كل عامين أو أكثر أو أقل، تمر الطبقة السياسية بمأزق طويل، ويتم تخطي المأزق بنفس التواتر. وهكذا فإن المرء قد يعتقد أن الأمر سيكون كذلك هذه المرة أيضاً. لكن إذا نظرنا بإمعان فإن الصورة تختلف. إذ يُشير التجاذب الدائر حول الفترة الثانية لرئيس الوزراء نوري المالكي في السلطة إلى أمر أكثر سوءاً بكثير وهو أن العملية السياسية التي تمت صياغتها على نحو سيء والتي يعتريها الكثير من الخلل تحولت إلى أزمة مزمنة من شأنها أن تُطيح بالبنية السياسية القائمة

يضرب المأزق الراهن جذوره المباشرة في اتفاق إربيل الذي أفضى إلى تشكيل حكومة المالكي الثانية. ثمة عناصر في هذا الاتفاق لتقاسم السلطة لم يتم تنفيذها أبداً، بدلاً من ذلك، فإن نقاد رئيس الورزاء يتهمونه بانتهاك الدستور، ومراكمة السلطة بين يديه بشكل مستمر على حساب الفروع الأخرى للحكومة، ووضع قوات الأمن تحت سيطرته الشخصية المباشرة، وإخفاقه بإجراء توزيع عادل للمناصب الأمنية الحساسة

عندما أصدرت السلطة القضائية في كانون الأول 2011 أمراً باعتقال نائب الرئيس طارق الهاشمي، تلاشى ما تبقى من النوايا الطيبة. قاطع العديد من شركاء رئيس الوزراء الحكومة، وجادلوا بأنه يتحول بشكل متزايد نحو الحكم الأحادي المطلق. ورغم عودتهم إلى مجلس الوزراء، فإنهم تعهدوا منذ ذلك الحين بالإطاحة به من خلال تصويت في البرلمان لسحب الثقة منه

ُقاد رئيس الوزراء على حق، فقد دأب على تركيز السلطة بين يديه بفضل مهارته في المناورة في المناطق الرمادية للقانون والدستور منذ عام 2006. لكنهم يتحملون في نفس الوقت قدراً من المسؤولية، حيث أنهم أخفقوا في استعمال قوتهم البرلمانية لتمرير تشريعات تُقيّد السلطة المتنامية للمالكي. يمكن المجادلة بأنهم لو كرسوا طاقاتهم للمهمة الصعبة المتمثلة في مواجهته من خلال المؤسسات، لما وجدوا أنفسهم مضطرين للجوء إلى التصويت بسحب الثقة منه كملاذ أخير لمنعه من التحرك نحو الحكم الأحادي. إذا كان المالكي قد زاد من سلطاته خلال فترته كرئيس للوزراء، فإن جزءاً كبيراً من نجاحه يرد إلى عدم قدرة خصومه على إحباط جهوده بالوسائل المؤسساتية

يبدو من الممارسات الراهنة أنه ما لم يحدث تغيير ملموس في سلوك جميع الأطراف، فمن شبه المؤكد أن الأمور ستنتهي على نحو سيء. بصرف النظر عما إذا تمكن من الاحتفاط بمنصبه، فإن المالكي فقد ثقة شرائح واسعة من الطبقة السياسية، بما في ذلك بين حلفائه الشيعة السابقين. وفي نفس الوقت، فإن أعضاء المعارضة منقسمون على نفسهم بشدة، سواء بشأن القضايا الجوهرية أو فيما يتعلق بما إذا كان ينبغي دفع المالكي لتنفيذ اتفاق إربيل أو الإطاحة به بشكل نهائي. من غير المرجح أن يتمكنوا من حشد الأصوات اللازمة للإطاحة به، وحتى لو نجحوا، فمن غير المرجح أن يتفقوا على أرضية مشتركة لتشكيل حكومة بديلة. وهذا سيترك المالكي رئيساً لحكومة تصريف أعمال إلى أن يحين موعد الانتخابات القادمة عام 2014. في هذه الأثناء، فإن حكومته ستجد صعوبة متزايدة في الحكم. وسيدفع جميع العراقيين الثمن. يمثل المأزق العراقي عرَضاً لمشكلة أعمق بكثير من مشكلة عدم تنفيذ تفاهم إربيل أو حتى شخصية المالكي. إنه مرتبط بشكل مباشر بعدم القدرة على تجاوز إرث نظام صدام حسين وممارساته القمعية، والمتمثلة في ثقافة مبنية على الشكوك العميقة مصحوبة بشكل من الممارسات السياسية يقضي باستحواذ الفائز على كل شيء وخسارة المهزوم لكل شيء. حيث أن المساومات السياسية التي أعقبت سقوط النظام لم تُفضي إلى توزيعٍ عادل ومتفق عليه للسلطة، والأرض والموارد. لقد كان النظام الدستوري الذي أشرفت الولايات المتحدة كقوة محتلة على ولادته نسيجاً مُرقّعاً لم يعالج القضايا الجوهرية، كطبيعة النظام الفيدرالي وسلطات الرئيس، ورئيس الوزراء والبرلمان، أو حتى هوية الدولة وشعبها. الأسوأ من ذلك أن تعزيز الطبيعة العرقية-الطائفية للنظام السياسي ساعد في تغذية صراعات تفاوتت حدة عنفها، لكنها لم تختف بشكل كامل

تمثل الأزمات السياسية المتكررة التي ابتُلي بها العراق تجليات منطقية لهذا الخلل الأصلي. لم تؤد أيٌ من نتائج هذه الحالات الأخيرة إلى التصدي لمصدر المأزق، ناهيك عن معالجته. بدلاً من ذلك فإنها كانت في الغالب مجرد تصليحات، واتفاقات سطحية تترك القضايا إما دون تسوية أو تسويها دون إيجاد آلية تنفيذ قابلة للتطبيق. الأكثر من ذلك هو أنه مع كل حادث تزداد الجراح عمقاً بحيث تتسع الفـــجوة بين الأحزاب السياسية، وتتعزز القوة النابذة التي ظهرت أول مرة في عملية صياغة الدستور عام 2005 وكذلك في جوهر النص

هذه المرة، على القادة السياسيين القيام بأكثر من مجرد عملية ترقيع والبقاء في مواقعهم لتجاوز معركة أخرى، دون معالجة الأسباب الجذرية. يمكن لحل سريع اليوم أن يؤدي إلى انهيارٍ شامل غداً. تلوح الانتخابات البرلمانية لعام 2014 في الأفق، والرهانات أعلى من أي وقت مضى بالنسبة لجميع الأطراف. ودون التوصل إلى اتفاق حول القواعد الدستورية والقانونية للعبة، فإن رئيس الوزراء سيسعى جاهداً للتشبث بالسلطة مع ما يترتب على ذلك من مخاطرة بوجود ممارسات انتخابية سيئة؛ وهذا ما سيجعل أي نتيجة مشكوكاً بها وبالتالي عرضة للنقض. في المحصلة، فإن النظام الدستوري لفترة مابعد عام 2005 يمكن أن يتداعى في مناخ قد يكون حافلاً بالعنف

ما يجعل التوصل إلى تفاهم أمراً أكثر إلحاحاً هو الوضع القلق للمنطقة. ففي حين يتركز كل الاهتمام اليوم على سورية، فإن اللاعبين الإقليميين، بما في ذلك حكومة المالكي، يرون في العراق الساحة التالية للمعارك الطائفية، خصوصاً إذا سقط نظام بشار الأسد. سواء كان التصور القائم في بغداد مستنداً إلى الواقع أم لا فإنه يرى بأن نشوء سورية واقعة تحت الهيمنة السُنية سيشجع الجماعات المسلحة السُنية في العراق؛ كما يُشعر رئيس الوزراء بأن تحالفاً سنياً واسعاً تقوده السعودية، وقطر وتركيا سيعتبره هدفاً وسيصوّب عليه كجزء من الحرب الباردة لهذه الدول مع إيران، وبشكل أوسع، مع الإسلام الشيعي. وهكذا فإن المالكي رمى بأسهمه مع النظام المجاور، رغم علاقاتهما المتوترة في السنوات السابقة؛ كما أن بعض جيرانه مقتنعون بأنه أصبح أكثر قرباً من طهران

لن يكن من السهولة تصحيح مسار سفينة العراق الجانحة، إلا أن المالكي، وخصومه والبلدان المجاورة للعراق تتشاطر المصلحة في تقليص حدة التوترات والعودة إلى تقاسم السلطة، حيث أن البديل سيكون تجدد الحرب الأهلية مع قدرٍ أكبر من التدخل الأجنبي. ولأنه تبين أن تعديل الدستور أمر شبه مستحيل، فإن التغييرات السلمية ينبغي أن تحدث من خلال الإجماع السياسي المستند إلى الدستور والشروع أخيراً في معالجة القضايا التي تم تجاهلها لوقت طويل

ينبغي على المالكي وخصومه أن يقدموا تنازلات مؤلمة: على رئيس الوزراء أن ينفذ اتفاق تقاسم السلطة الذي تم التفاوض عليه عام 2010 والتعهد بالتنحي في نهاية فترته كرئيس للوزراء؛ وبالمقابل، على خصومه التخلي عن محاولتهم للإطاحة به وبدلاً من ذلك استعمال قوتهم البرلمانية لبناء مؤسسات دولة قوية، مثل الهيئة المستقلة العليا للانتخابات، وضمان إجراء انتخابات حرة ونزيهة بعد عامين

' نائب مدير برنامج الشرق الأوسط في مجموعة الأزمات الدولية

 القدس العربي

 
This page in:
English
العربية