You must enable JavaScript to view this site.
This site uses cookies. By continuing to browse the site you are agreeing to our use of cookies. Review our legal notice and privacy policy for more details.
Close
Homepage > Regions / Countries > Middle East & North Africa > North Africa > Tunisia > الاستثناء التونسي

الاستثناء التونسي

William Lawrence, صحيفة الشرق الاوسط  |   4 Jun 2012

تبرز تونس كاستثناء في سياق الربيع العربي الذي طغت عليه العمليات الانتقالية المتعثرة والدموية. فمنذ يناير (كانون الثاني) 2011 لم يُسقط الشعب التونسي الرئيس السابق زين العابدين بن علي فحسب، بل إن تونس شهدت تغييرا كاملا للنظام بشكل سلمي نسبيا. وثمة مؤشرات تقدم واضحة، إذ تم انتخاب اللجنة التأسيسية، التي نتجت عن أول انتخابات حرة ونزيهة في البلاد منذ استقلالها عام 1956، كما بدأت منظمات المجتمع المدني المستقلة في النمو. تشارك اليوم في تونس وسائل الإعلام ونقابات العمال والأحزاب السياسية في العملية الديمقراطية.

لعل أكثر رموز الثورة دلالة يتمثل في وصول حمادي جبالي السجين السياسي السابق لمنصب رئيس الوزراء، والمنصف المرزوقي الذي عاش في المنفى لزمن طويل إلى منصب رئيس الجمهورية.

إلا أن ثمة ما يدعو للقلق، إذ لم يرافق انتخاب الجمعية الوطنية التأسيسية الجديدة حتى الآن استقرار يسمح بالعودة إلى الحياة الطبيعية، كما لا يزال الوضع الأمني هشا، مما يتطلب بذل الجهود على المدى الطويل للتخلص من شبح الماضي.

لقد دعت الحكومات الانتقالية المتعاقبة، بما فيها الحكومة الحالية، إلى مقاربة تدريجية وحذرة حيال بقايا النظام الديكتاتوري، حيث تمت محاكمة مسؤولين في النظام السابق، وأطلقت لجان مستقلة عمليات تحقيق في حالات الفساد والعنف والانتهاكات في الماضي، وسعت السلطات جاهدة لتحاشي المضي في عملية تصيّد قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار. إلا أن بطء العملية الشديد يشكل عائقا كبيرا. ومنذ اندلاع الثورة غدت المطالبة بتحقيق العدالة ومكافحة الإفلات من العقاب والمساءلة القانونية صرخة تحشد الكثيرين حولها. يصر ذوو الذين قتلوا أو جرحوا خلال الأيام التي سبقت هروب بن علي على الحصول على تعويضات مادية ومعنوية، كما يخشون عودة الإفلات من العقاب خلف قناع مصالحة وطنية عقيمة.

لم يسقط رأس النظام السابق فحسب، وإنما النظام بأكمله قد سقط. النظام القضائي الانتقالي الهش قد بدأ بالكاد في إحداث الإصلاحات القضائية، وهو غير قادر على تلبية مطالب الضحايا المتنامية، كما أن ثمة افتقارا للموارد التقنية والمالية لمواجهة التحديات الراهنة خاصة في ظل سوء التنظيم والتنسيق الذي يعاني منه. يتمثل العنصر المفقود في إيجاد رؤية متماسكة وجامعة لمسألة العدالة الانتقالية تكون قادرة على معالجة حقوق الضحايا وفي الوقت نفسه على التغلب على مرارات الماضي. فاستياء ضحايا قمع الدولة، مصحوبا بالركود الاقتصادي الذي أصاب بشدة المناطق التي يتحدرون منها، قد يزيد من حدة شعورهم بالتهميش، ومفاقمة مظالمهم تجاه الدولة المركزية، مما يعوق العودة إلى الاستقرار والأمن الضروريين لترسيخ المكاسب الديمقراطية.

من الناحية الأمنية، تحسنت الأوضاع إلى حد ما في المراكز الحضرية الكبيرة بعد فترة صعبة أعقبت الثورة. إلا أن ثمة تباينات جغرافية كبيرة. ففي مناطق المرتفعات الوسطى، مهد انتفاضتي ديسمبر (كانون الأول) 2010 ويناير 2011، كما في غرب البلاد، لا يزال دور الشرطة غائبا إلى حد كبير، مما يجعلهم موضع ازدراء الشعب، ويفاقم حالة انعدام الأمن، ويزيد من وقوع تجاوزات عنيفة. تعاني البلاد بشكل منتظم من أحداث عنف ذات طبيعة اقتصادية، أو قبائلية أو إجرامية، في بعض الأحيان تكون ذات صلة بالأشكال الجديدة للتطرف الديني، مما يشوه صورة العملية الانتقالية ذات الطابع السلمي عموما.

إن استعادة الأمن تتطلب استعادة الشرطة لثقة التونسيين، ولتحقيق هذه الغاية ينبغي على وزارة الداخلية تنفيذ إصلاحات داخلية. قد يكون ذلك أمرا صعبا ومعقدا؛ حيث إن شرائح واسعة من السكان لا تزال لا تشعر بالريبة تجاه الشرطة، وهو إرث عقود من الديكتاتورية والقمع لا سيما في المناطق الوسطى، حيث يُنظر إلى قوات الأمن إجمالا على أنها قوات عنيفة ينبغي معارضتها وعدم الثقة بها.

على عكس تجارب بلدان عربية أخرى، أو على الأقل بسرعة أكبر مما جرى في تلك البلدان، بدأت تونس مرحلتها الانتقالية بانسجام نسبي، مع ظهور إجماع على قواعد ديمقراطية معينة للعمل. غير أنه ليس من اليسير التخلص من الماضي. إن غياب التواصل بين المناطق الوسطى والمناطق البعيدة، وبين القوى الإسلامية والعلمانية، وبين ورثة النظام القديم ومؤيدي النظام الجديد، يبقى ماثلا أبدا. وستتمثل المهمة الأساسية للحكومة الحالية والحكومات المستقبلية في تسوية الخلافات التي تبدو حتى الآن غير قابلة للحل وذلك من خلال الحوار والتسويات. أما مهمة المجتمع الدولي فتتمثل في دعم الجهود المبذولة لمكافحة الفساد والإفلات من العقاب خلال المرحلة الانتقالية التي تمر بها تونس.

مدير مشروع شمال أفريقيا في مجموعة الأزمات الدولية

صحيفة الشرق الاوسط

 
This page in:
English
العربية