icon caret Arrow Down Arrow Left Arrow Right Arrow Up Line Camera icon set icon set Ellipsis icon set Facebook Favorite Globe Hamburger List Mail Map Marker Map Microphone Minus PDF Play Print RSS Search Share Trash Crisiswatch Alerts and Trends Box - 1080/761 Copy Twitter Video Camera  copyview Youtube
جَسر الفجوة في الصراع على مياه النيل
جَسر الفجوة في الصراع على مياه النيل
Building site machines stand on the construction site of the Grand Ethiopian Renaissance Dam in Guba in the North West of Ethiopia on 24 November 2017. Gioia Forster/DPA
Report 271 / Africa

جَسر الفجوة في الصراع على مياه النيل

ما الجديد؟ تمضي أثيوبياً قُدماً في بناء أكبر سد في أفريقيا، رغم مخاوف مصر من أنه سيقلص تدفق مياه النيل أسفل النهر الذي يشكل مصدراً لنحو 90% من إمداداتها من المياه العذبة. من الحاسم أن تسوي الأطراف نزاعها قبل بدء السد بالعمل.

ما أهمية ذلك؟ يمكن أن تنجر دول حوض النيل إلى الصراع لأن الرهانات مرتفعة للغاية؛ فأثيوبيا ترى في السد ذي الاستخدامات المائية والكهربائية مشروعاً تنموياً محورياً وطنياً؛ والسودان متلهفة للحصول على الكهرباء الرخيصة وتوسيع الإنتاج الزراعي، الأمران اللذان يعد بهما السد؛ بينما مصر ترى في احتمال خسارتها للمياه تهديداً وجودياً.

ما الذي ينبغي فعله؟ ينبغي على الدول الثلاث تبني مقاربة من خطوتين: أولاً، عليهما بناء الثقة بالاتفاق على شروط ملء خزان السد بحيث لا تتضرر البلدان الواقعة في أسفل النهر. ثانياً، ينبغي عليها التفاوض على إطار عمل عابر للحدود لتقاسم الموارد من أجل تحاشي الصراعات المستقبلية.

الملخص التنفيذي

يبقى الصراع الثلاثي بين أثيوبيا ومصر والسودان حول تقاسم مياه النيل في حالة استعصاء. خفَّفَ وصول قيادة جديدة في أثيوبيا إلى السلطة في نيسان/أبريل 2018 من التوترات بين القاهرة وأديس أبابا. غير أن الطرفين لم يحرزا تقدماً يذكر في تسوية الأزمة التي أحدثها قرار أثيوبيا في العام 2011 ببناء سد النهضة الأثيوبي العظيم. الذي توقع أن يكون أكبر محطة لتوليد الطاقة من المياه في أفريقيا. تخشى مصر من أن السد سيقلص بشكل كبير تدفق المياه إليها ويعرض أمنها الوطني للخطر. أثيوبيا والسودان تؤكدان حقهما باستغلال مياه النيل من أجل تطوير اقتصادهما. على البلدان الثلاثة العمل الآن لتحاشي أزمة أشد خطورة عندما يبدأ السد بالعمل، والاتفاق على الانطلاق في خطوات فورية للحد من الأضرار، خصوصاً خلال عملية ملء خزان السد، عندما يحتمل أن يتراجع تدفق المياه في أسفل النهر. ثم ينبغي على البلدان الأخرى الواقعة على ضفة نهر النيل أن تسعى للتوصل إلى اتفاق عابر للحدود حول تقاسم الموارد يحقق التوازن بين احتياجات جميع بلدان حوض النيل ويوفر إطاراً لتحاشي الصراع على مشاريع مستقبلية.

الرهانات مرتفعة في هذا النزاع؛ فمصر تعتمد على النيل للحصول على نحو 90% من احتياجاتها من المياه العذبة. وتجادل حكومتها بأن التلاعب بتدفق مياه النهر سيحول ملايين المزارعين ‘إلى عاطلين عن العمل ويهدد إمدادات البلاد من الغذاء. في أثيوبيا يقدر المهندسون أن سد النهضة سينتج نحو 6,450 ميغاوات من الكهرباء. ما يمثل جائزة كبرى تعزز تطلعات البلاد للوصول إلى مكانة البلد متوسط الدخل بحلول العام 2025. لقد روجت السلطات للسد بوصفه مشروعاً وطنياً محورياً؛ حيث اشترى ملايين الأثيوبيين سندات لتمويل بناءه، ما ساعد على غرس المبادرة عميقاً في الوجدان الوطني. إلا أن الدعم الشعبي المتحمس للسد خفت مؤخراً في أعقاب اتهامات بسوء الإدارة المالية.

بين عامي 2011 و2017، وضع القادة المصريون والأثيوبيون النزاع حول سد النهضة في إطار من الخطاب القومي المفرط وتبادلا تهديدات عدائية. دعا سياسيون في القاهرة إلى تخريب السد؛ وأجرت وسائل الإعلام في كلا البلدين مقارنات لقوة البلدين العسكرية استعداداً لأعمال العدائية. مصالحة تم الوصول إليها مؤخراً هدّأت من حدة النزاع؛ حيث قام رئيس وزراء أثيوبيا الجديد آبي أحمد، بزيارة القاهرة في حزيران/يونيو 2018 ووعد بألا تلحق المشاريع التنموية الأثيوبية الضرر بمصر. بالمقابل، قال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إن بلاده تعترف بأن لا حل عسكرياً للنزاع. لكن رغم تحسن العلاقات، لم يتم تحقيق تقدم ملموس نحو إيجاد حل.

الاضطرابات السياسية في البلدان الثلاثة تعقّد هذه المهمة بدرجات متفاوتة. ففي السودان، يتمسك الرئيس عمر البشير، الموجود في السلطة منذ العام 1989، بمنصبه بشكل يزعزع الاستقرار وسط موجة مستمرة من الاحتجاجات لم تشهدها البلاد منذ عقود. وفي أثيوبياً، بينما يحظى آبي بشعبية كبيرة، فإنه يصارع لإحكام قبضته على السلطة. الرئيس السيسي في مصر آمن نسبياً في منصبه، إلا أن اندفاعه لإطالة أمد مكوثه في المنصب على الأقل حتى العام 2034 أحدث انقساماً في المؤسسة العسكرية التي تشكل قاعدته المحلية الأساسية. هذه الديناميكيات الداخلية تعني أن القادة الثلاثة لا يخصصون ما يكفي من وقتهم لقضية السد على نهر النيل. وثمة احتمال في أن يدخلوا في أزمة ما لم يتوصلوا إلى صفقة قبل بدء سد النهضة بالعمل.

ينبغي على السلطات المصرية والأثيوبية والسودانية أن تنظر في مقاربة على مراحل للاتفاق على تحديد مسار إلى الأمام. تتمثل القضية الأكثر إلحاحاً في مدى السرعة التي سيتم فيها ملء خزان السد. في البداية، اقترحت أثيوبيا ملأه في ثلاث سنوات، بينما اقترحت مصر عملية تستمر إلى 15 عاماً. لتحقيق اختراق في هذه القضية، ينبغي على أثيوبيا أن تتعاون بشكل كامل مع شركائها في الدول الأقرب إلى مصب النهر ودعم الدراسات الساعية لوضع المخطط الزمني الأمثل لملء السد. ينبغي أن تضع حداً لسياستها غير المعلنة في المماطلة حيال هذا الموضوع. وإذا لزم الأمر، ينبغي على البلدان الثلاثة طلب الدعم من طرف ثالث، شريك متفق عليه للخروج من المأزق. ينبغي على أثيوبيا أن توافق على تنظيم معدل ملء السد بحيث يتسارع في السنوات التي ترتفع فيها الهطولات المطرية، ما من شأنه أن يقلص احتمال انقطاع تدفق المياه.

ومن أجل تقليص الشكوك المتبادلة، ينبغي على القادة اتخاذ عدد من إجراءات بناء الثقة. ينبغي على رئيس الوزراء آبي دعوة نظيريه المصري والسوداني إلى جولة في موقع بناء سد النهضة، ما سيبرز استعداد أثيوبياً لمعالجة هواجس البلدين أسفل النهر. من شأن هذا التعبير الأثيوبي عن حسن النية أن يوفر للسلطات المصرية مساحة لإجراء التعديلات الضرورية، خصوصاً تحسين أنظمة الإدارة المائية غير الكفؤة في البلاد. كما ينبغي على القاهرة من جهتها أن تعلن أنها لن تدعم مجموعات المعارضة الأثيوبية المسلحة، من أجل تهدئة مخاوف أديس أبابا.

كما يمكن للشركاء الخارجيين أن يساعدوا في عملية بناء الثقة. يمكن لبنك الاستثمار الأوروبي، الذي يعتبره الأثيوبيون أقل محاباة لمصر من البنك الدولي، أن يقدم التمويل لأديس أبابا في المرحلة الأخيرة من بناء السد. ويمكن لهذا التمويل أن يكون مشروطاً بتعاون أثيوبيا حول النقاط العالقة مثل معدل ملء السد. كما ينبغي على الاتحاد الأوروبي أن يتابع محادثاته مع بلدان أسفل النهر حول ضمانات محتملة (بما في ذلك القروض) وأدوات أخرى لدعم تلك البلدان في السنوات التي يعرّض فيها الجفاف أو الصدمات الأخرى الأمن الغذائي للخطر. كما يمكن للسعودية والإمارات العربية المتحدة، إضافة إلى قطر وتركيا، أن تقدم استثمارات ثنائية أو ثلاثية في القطاع الزراعي في أثيوبيا و/أو السودان توفر لمصر مصدراً يمكن الركون إليه من المواد الغذائية الرئيسية، خصوصاً القمح والأرز. كما يمكن للولايات المتحدة والصين، اللتان تتمتعان بعلاقات وثيقة مع بعض حكومات حوض النيل، أن تشجعا الأطراف على تسوية نزاعاتها قبل اكتمال بناء سد النهضة.

بعد ذلك، ينبغي على أديس أبابا والقاهرة والخرطوم وضع الأرضية لنقاشات جوهرية حول إطار طويل الأمد لإدارة حوض النيل لتفادي أزمات مماثلة في المستقبل. ينبغي على مصر أن تنضم لمبادرة حوض النيل، المنصة الوحيدة التي تجمع جميع البلدان التي يمر بها النهر وأفضل منبر متوفر لمناقشة تقاسم الموارد بشكل يحقق الفائدة المتبادلة. يمكن لمثل تلك المحادثات أن تنظر في المقترحات المصرية التي تقوم بموجبها بلدان أعلى النهر بتنفيذ مشاريع تنموية كبرى بالتشاور مع بلدان أسفل النهر. كما يمكن لإطار مؤسساتي دائم أن يساعد البلدان أيضاً على تحضير نفسها للتحديات المستقبلية، بما في ذلك الصدمات البيئية الناجمة عن التغير المناخي, خصوصاً الأنماط المتغيرة للهطولات المطرية، التي من شأنها أن تتسبب بدرجة أكبر من الشدة المائية.

ينبغي على الشركاء الخارجيين تشجيع مصر، وأثيوبيا والسودان على مقاربة النزاع ليس بوصفه صراعاً وجودياً بل بوصفه فرصة لتأسيس شراكة لتقاسم الموارد. إن التأخير في إكمال بناء سد النهضة وتحسن المزاج في أعقاب وصول رئيس الوزراء آبي إلى السلطة تجعل من هذه اللحظة مواتية للتفاوض على كيفية المضي إلى الأمام. إن الانتظار حتى يكتمل السد ويبدأ بالعمل – عندما سيكون أثره على بلدان أسفل النهر أشد وضوحاً – سيزيد من مخاطرة نشوب صراع عنيف.

نيروبي/أبو ظبي/اسطنبول/بروكسل 19 آذار/مارس 2019