معالجة أزمة الأمن الغذائي في الصومال
معالجة أزمة الأمن الغذائي في الصومال
Climate Change and Conflict in Somalia
Climate Change and Conflict in Somalia
Op-Ed / Africa

معالجة أزمة الأمن الغذائي في الصومال

بعد عامين شحت فيهما الأمطار وانعدم الأمن وارتفعت أسعار المواد الغذائية عالميا، انفجرت أزمة الأمن الغذائي الطاحنة التي تعصف بأجزاء من الصومال وإثيوبيا وكينيا وعلى الأرجح ستطال إريتريا. يقع الصومال في عين العاصفة التي تجوب الإقليم، ومن المتوقع أن تستمر الرقعة التي تضربها المجاعة بالتوسع إذا لم يتصرف المجتمع الدولي على الفور لتأمين الغذاء وعمليات الإغاثة على نطاق واسع. أما الأمطار الموسمية، فبدلا من أن تحيي الأرض والإنسان، سترفع من معدل الوفيات لأنها ستساعد على نشر الأوبئة بين السكان المنهكين أصلا، ولا سيما كبار السن والأطفال. تحذر الأمم المتحدة من أن الأزمة الإنسانية الحالية ستحصد حياة 750000 شخص بحلول ديسمبر (كانون الأول). ولوضع حد لهذه الكارثة الإنسانية، يتعين على المجتمع الدولي أن يزيد من أعمال الإغاثة الإنسانية، ويزيل جميع الحواجز المتبقية التي تعيق وصولها للمتضررين، وأن يدعم الجهود طويلة الأمد بغية تعزيز السلام والاستقرار في المنطقة.

لم تندلع هذه الكارثة بين ليلية وضحاها بل بدأت بالتفاقم منذ وقت طويل إذ عانت الآليات التقليدية للتصدي لها من انهيار تدريجي جراء سنوات من أعمال العنف وتفشي حالة عدم الاستقرار مما أثر بشكل كبير على إنتاج الأغذية والأمن الغذائي في الأجزاء الخصبة من الجنوب. كان قطاع الزراعة، وزراعة الكفاف على وجه الخصوص، في حالة تدهور بشكل مطرد على مدى العقدين الماضيين، ما يعزى إلى شح الاستثمارات، وتردي خصوبة الأراضي الزراعية، والتغير المناخي، واندلاع الصراعات.

بيد أن المشكلة لا تكمن تماما في شح المواد الغذائية في الصومال، بل ببساطة في عدم قدرة الذين لا يملكون أرضا والفقراء في المناطق الحضرية على شرائها. الكثير من أولئك الذين قضوا نحبهم أو الذين يفرون الآن ينتمون إلى طبقة دنيا ضخمة في الصومال متمثلة في مجتمعات فلاحية فقيرة تقتات على الزراعة في المناطق النائية والجماعات الرعوية التي كثيرا ما عانت من الاحتقار والتهميش. كما أنهم لم يكونوا من بين المستفيدين من الطفرة الاقتصادية التي نتجت عن التحويلات المالية من الصوماليين في المهجر، ولذا فإنهم يفتقرون إلى المال لشراء الطعام.

الاستجابة الإنسانية الراهنة لا تتناسب وحجم الكارثة، كما تتركز معظم أعمال الإغاثة في العاصمة مقديشو مما يزيد من عجز نظام التوزيع الذي تديره جزئيا الحكومة الاتحادية الانتقالية. يشكو الكثير من أن مواد الإغاثة تتراكم في المخازن، تعرقلها بيروقراطية الحكومة الاتحادية الانتقالية واستفحال الفساد. يزيد استمرار تردي فعالية الحكومة الاتحادية الانتقالية، فضلا عن المحاولات التي تقوم بها الجهات الفاعلة المحلية للتلاعب والاستفادة من عملية تسليم المساعدات الإنسانية، من العوائق التي تواجه جهود الإغاثة في مقديشو وأفغوي المجاورة حيث يوجد الكثير من النازحين.

أما الوصول إلى السكان المتضررين الآخرين في المناطق التي تسيطر عليها حركة الشباب في جنوب ووسط البلاد فقد كان أكثر صعوبة لعدم وجود شركاء دوليين، ولوجود قيود لوجيستية بالإضافة إلى المشاكل التي خلقتها بعض العناصر داخل حركة التمرد الإسلامية. أعلنت معظم الجهات المانحة والوكالات أنها لن تستأنف أعمالها إلا إذا كانت هناك ضمانات بأنها لن تجبر على دفع «الضريبة» على عملياتها، وبأن لا ينحرف مسار المعونات الغذائية. بيد أنه من غير الواقعي أن لا ينحرف مسار بعض المساعدات على الإطلاق، أو حتى أن ينتهي المطاف ببعضها في الأيادي «الخطأ» عن غير قصد، مما يعرض هذه المنظمات للمساءلة لخرقها القيود الأميركية والأممية.

خففت إدارة أوباما في أغسطس (آب) من القيود التي يفرضها مكتب مراقبة الأصول الخارجية، إلا أن منظمات الإغاثة لا تزال تشعر بالقلق من أنه لا يزال ممكنا انتهاك القيود القانونية الأميركية، أو من أن يتم استغلالها في السياسات الحزبية الداخلية. ولهذا، تفضل الكثير من المنظمات الجلوس على الهامش بدلا من القيام بأعمال الإغاثة الملحة للجياع.

قد أثبتت عدد من منظمات الإغاثة أنه من الممكن بالفعل العمل في الجنوب مع الحد من تسريب المعونات الغذائية، على الرغم من وجود ادعاءات مناقضة. وللعمل بأمان فقد أسسوا علاقات جيدة وبنو جسور الثقة مع السلطات المحلية والمنظمات غير الحكومية. حركة الشباب بعيدة كل البعد عن كونها حركة موحدة إذ إنها منقسمة حول الحكمة من التلاعب بالمعونات. فهي ليست بحركة هرمية، بل يتم قيادتها من قبل مجلس الشورى المكون من قادة تتمتع بقدر كبير من حرية التصرف على المستوى المحلي في المناطق التي تسيطر عليها.

يتطلب التفاقم السريع للأزمة الإنسانية في جنوب ووسط الصومال التصرف حالا. لا يتعين على الولايات المتحدة رفع جميع القيود المفروضة على منظمات الإغاثة التي تمنعهم من العمل في مناطق تسيطر عليها حركة الشباب لفترة مؤقتة فحسب، بل أن توفر رخصا مؤقتة لمنظمات الإغاثة العاملة في الصومال تعفيها من القيود القانونية. وبينما يجدر توقع أن لا تدفع هذه المنظمات «الضرائب» وأن تفعل كل ما في وسعها لمنع وصول المعونات إلى حركة الشباب، إلا أنه سينتهي المطاف ببعض منها في الأيادي «الخطأ» لا محالة. ومع ذلك، فإن الاستجابة للحاجات الإنسانية والنوايا الحسنة التي قد يولدها ذلك في أوساط الصوماليين، والمسلمين بشكل عام، تفوق بكثير الفوائد الهامشية التي يمكن لحركة الشباب أن تحصدها. هناك فرصة لا تعوض لبدء تغيير الصور النمطية السائدة في أوساط شعب الصومال ومسلمي العالم بأسره بأنه لا يهم الولايات المتحدة سوى حربها على «الإرهاب».

أما المشكلة على المدى الأبعد تتمثل في إعادة إحلال السلام والاستقرار في جنوب ووسط الصومال. فليس عجبا أن تكون الأزمة أقل خطورة في أرض الصومال وإقليم بونت لاند وذلك لتمتعهما باستقرار نسبي. ولطالما جادل الكثيرون بأن الاستقرار في جنوب ووسط الصومال يتطلب استعدادا أكبر بكثير من قبل الحكومة الاتحادية الانتقالية للتصالح مع السلطات المحلية ونقل الصلاحيات إلى الإدارات المحلية والإقليمية. وينبغي أن يصحب ذلك استعداد العناصر الأكثر البراغماتية داخل حركة الشباب إلى نبذ الإرهاب.

وقد أظهرت الحكومة الانتقالية منذ يونيو (حزيران) الماضي بعض الاستعداد لتحسين التماسك السياسي وخاصة بسبب انسحاب حركة الشباب من مقديشو. رغم فقدان حركة الشباب لبعض الزخم جراء الجفاف، فإن الحركة قد أثبتت مرات كثيرة فيما مضى أن لديها إمكانات كبيرة تعرف التوقيت المناسب لاستخدامها على أفضل وجه ممكن.

وافقت الحكومة الانتقالية الصومالية والشركاء الصوماليون في أوائل سبتمبر (أيلول) على خريطة طريق طموحة لإنهاء المرحلة الانتقالية في الصومال تتضمن الالتزام بنقل السلطة وصياغة الدستور، والإصلاحات البرلمانية، وانتخاب قيادة جديدة في غضون عام. يتعين على المؤسسات الاتحادية الانتقالية أن تظهر الإرادة السياسية والقدرة على دعم خريطة الطريق. كما يجب أن تصب تركيزها على القضايا الوطنية وتوفير الخدمات الأساسية للسكان دون التنافس المباشر مع أمراء الحروب و«رجال الأعمال»، وإلا فقد تعيد حركة الشباب توحيد صفوفها وتعود إلى مقديشو.

ثمة المزيد من الأمور التي يمكن القيام بها. لطالما أيدت الولايات المتحدة والمانحون الرئيسيون الآخرون سياسة «المسار المزدوج» لدعم الحكومة الانتقالية وغيرها من الإدارات المحلية المسؤولة على حد سواء. ومع أنه لا يوجد شك حول صواب هذا السياسة، إلا أن الانخراط الفاتر وغياب الإجماع الدولي والتنسيق بشأن كيفية تنفيذ هذه السياسة يزيد من تعقيد الوضع. الالتزام المعلن من قبل المجتمع الدولي بمساعدة الإدارات المحلية المتضررة من خلال مساعدتهم على إطعام سكانها الجياع سيكون بمثابة تضامن مرحب به، كما سيساعد على توليد إجماع حول تقديم المعونات بشكل مباشر في إدارات أخرى في الصومال ويحفز على إنشاء سلطات أخرى تكون مستقلة عن حركة الشباب. بيد أنه يتعين أن توزع المساعدات بحذر شديد بسبب الفساد المستشري الذي من الممكن أن يقوي المفسدين.

لن ينقذ الإعفاء المؤقت من القيود القانونية الأرواح فحسب، بل من شأنه أن يساعد الولايات المتحدة في بلوغ أهدافها السياسية والأمنية.

Subscribe to Crisis Group’s Email Updates

Receive the best source of conflict analysis right in your inbox.