icon caret Arrow Down Arrow Left Arrow Right Arrow Up Line Camera icon set icon set Ellipsis icon set Facebook Favorite Globe Hamburger List Mail Map Marker Map Microphone Minus PDF Play Print RSS Search Share Trash Crisiswatch Alerts and Trends Box - 1080/761 Copy Twitter Video Camera  copyview Whatsapp Youtube
النفط أو لا شيء: التعامل مع المالية العامة النازفة في جنوب السودان
النفط أو لا شيء: التعامل مع المالية العامة النازفة في جنوب السودان
This picture shows spent munitions lying on the ground at an abandoned oil treatment facility at Thar Jath in Unity State, South Sudan, 28 February 2015. AFP PHOTO / Tony Karumba
Report 305 / Africa

النفط أو لا شيء: التعامل مع المالية العامة النازفة في جنوب السودان

عند استقلال جنوب السودان عام 2011، كان كثيرون يأملون بأن ثروة البلاد النفطية ستساعد في بناء الدولة وإخراج مواطنيها من حالة الفقر. بدلاً من ذلك، حوّل السياسيون هذه العائدات إلى شبكات الوصاية والمحسوبية والإثراء الشخصي، الأمر الذي غذى الصراعات الداخلية. والآن بات هناك حاجة ملحة للشفافية والمساءلة.

ما الجديد؟ يفرض حكام جنوب السودان قبضة محكمة على ثرواته النفطية، فيمنعون التدقيق الخارجي ويعيقون إصلاحات مطلوبة بشكل ملحّ لمعالجة المصاعب التي يعاني منها السكان وتخفيف حدة التوترات السياسية. بالتوازي مع دعم يقدمه صندوق النقد الدولي، أطلق اتفاق سلام تم التوصل إليه جهوداً جديدة لإصلاح المالية العامة المنهارة في البلاد.

ما أهمية ذلك؟ لقد أدت الحرب الأهلية في جنوب السودان التي دامت خمسة أعوام إلى مقتل نحو 400,000 شخص ودفعت الدولة الشابة إلى حافة الانهيار. إذا بدأت حكومة الرئيس سيلفا كير بتنظيف ميزانية البلاد، كما تعهدت، فإنها ستضعف حوافز خصومها لحمل السلاح مرة أخرى.

 ما الذي ينبغي فعله؟ ينبغي على الإصلاحيين في جنوب السودان وشركائهم الخارجيين التركيز على جعل الاقتصاد القائم على النفط أكثر شفافية وخضوعاً للمساءلة من خلال ضمان وضع إيداعات العائدات النفطية في حساب عام واحد ومن خلال إجراءات أخرى لمكافحة الفساد. ويتعين على المانحين الضغط على المقرضين التجاريين للكشف عن مدفوعاتهم لجوبا والالتزام بالقانون المعمول به في جنوب السودان. 

 

الملخص التنفيذي

يتسبب تعفّن المالية العامة في دولة جنوب السودان في حرف الدولة الشابة عن مسارها الحافل أصلاً بالمشاكل نحو السلام والاستقرار بعد حرب أهلية وحشية. يبقي كبار المسؤولين الثروات النفطية في البلاد تحت سيطرتهم المحكمة، فيمنعون التدقيق في الإنفاق ويسمحون باستشراء ظاهرة إنفاق الأموال في غير مقاصدها الرسمية. ويشكل الحكم الغارق في وحل الفساد جوهر النظام القائم في جنوب السودان والمتمثل في سياسة ’الفائز يأخذ كل شيء‘، ويساعد في تفسير التردي الكبير لقدرٍ كبير من الأشياء وبسرعة كبيرة بعد الاستقلال الذي تحقق عام 2011. يمكن لاتفاق السلام الذي وُقّع عام 2018 أن يساعد، بالنظر إلى أنه يشمل إصلاحات مصممة لمحاربة الفساد وبناء مالية عامة أكثر خضوعاً للمساءلة. لكن في معظم الحالات، دأبت الحكومة الجديدة على التباطؤ وتحاشي التنفيذ. ينبغي على الإصلاحيين في جنوب السودان وشركائهم الخارجيين تضييق تركيزهم على تلك الإجراءات التي بدأت برفع الغطاء المفروض حتى الآن على الثروات النفطية للبلاد، وضمان إيداع العائدات النفطية، أولاً وقبل كل شيء، في حسابٍ عامٍ واحد. وعلى نحو مماثل، ينبغي على المانحين التفكير في استعمال الأدوات التجارية لجعل مالية جنوب السودان أكثر شفافية وخضوعاً للمساءلة أمام شعبه، الأمر الذي يشكل خطوة محورية في وقف التردي المتسارع للبلاد.

لقد عانى شعب جنوب السودان بشكل مريع من فشل قادته في وضع أساس سلمي للدولة الجديدة. فبعد سنتين فقط من الاستقلال، دخلت البلاد أتون حرب أهلية اضطرمت لسنوات وأدت إلى مقتل نحو 400,000 شخص، وهي خسارة صادمة في بلدٍ لا يتجاوز عدد سكانه 12 مليون نسمة. أفضت محادثات سلام قادها قادة دول مجاورة إلى اتفاق عام 2018 وإلى ترتيب لتقاسم السلطة بين الرئيس سيلفا كير وخصمه الرئيسي، ريك مشّار، رغم استمرار تمرد مسلح في الجنوب. إلا أن الحكومة تمزقها صراعات داخلية على السلطة ويعيق امتناعها عن رفع الغلالة التي تغطي اقتصاد النفط الإصلاحات التي من شأنها أن تحقق الاستدامة لتسوية سياسية أوسع.

لقد شكل النفط دائماً عاملاً محورياً في الحظوظ السياسية لجنوب السودان. فقد منحت اتفاقية السلام التاريخية التي تم التوصل إليها عام 2005 والتي مهدت الطريق لانفصاله عن السودان، منحت جوبا 50 بالمئة من العائدات النفطية للجنوب، ما أتاح ضخ المليارات للحكومة الجديدة شبه المستقلة مع استعدادها للاستقلال الناجز. وسرعان ما بنت الأموال السهلة نظاماً واسعاً للمحسوبية ساعد على توحيد المعسكرات المتخاصمة لكنه أدى أيضاً إلى إخفاء الانقسامات الإثنية – السياسية العميقة في البلاد. لكن هذا النظام الذي يوزع الأموال بسخاء انتهى فجأة مع تحرك الرئيس كير لتثبيت السلطة في يده بعد الاستقلال، وقيامه بتهميش خصومه وإحكام قبضته على اقتصاد النفط. النتيجة كانت لتقسيم البلاد بين معسكرات إثنية – سياسية متحاربة ما تزال تشكل مصدراً لعدم الاستقرار رغم تشكيل حكومة وحدة وطنية عام 2020.

مع استمرار صراع جنوب السودان للتعافي من آثار الحرب الأهلية، تجتذب ماليته العامة المنهارة اهتماماً متجدداً. خلال الحرب، رهن كير الصادرات النفطية المستقبلية مقابل قروض دفعت مقدماً من مجموعة صغيرة من تجار المواد الخام والمصارف التجارية، وراكم ديوناً في الوقت الذي أخفى فيه الوضع المالي للبلاد بشكل متزايد عن نظر الجميع. في هذه الأثناء، وجّه الموالون له أجزاء كبيرة من عائدات الدولة إلى خارج الميزانية الرسمية، المستنزَفة إلى درجة أن الحكومة لا تتمكن بشكل متكرر من دفع الرواتب. والنتيجة دولة في ضائقة مالية وسكان يشكون من مظالم عميقة وتنعدم ثقتهم بقادتهم، وتضخم العداوات السياسية والإثنية.

يبدو تحقيق الاستقرار في البلاد مستحيلاً دون إصلاح اقتصاده. فجنوب السودان دولة مقسمة وهشة تتطلب تقاسماً للسلطة بشكل أكثر انصافاً في المركز وتفويض درجة أكبر من السلطات إلى خارج جوبا، لكن الأطراف لا تستطيع التوصل إلى مثل تلك التسوية السياسية ما لم يتم ضبط العائدات النفطية بشكل سليم ومن ثم تقاسمها. كما أن قدراً كبيراً من الإحباط يتفاعل في أوساط المانحين، الذين يعتقدون بشكل متزايد أن المبالغ الهائلة التي ينفقونها على شكل مساعدات إنسانية تحافظ على بقاء نخبة فاسدة.

فتحت أزمة اقتصادية حادة تسبب بها انخفاض أسعار النفط عام 2020 نافذة للضغط من أجل إحداث تغييرات، إلا أن استعمال مقاربة غير منسقة يمكن أن يبدد هذه الفرصة. فعلى مدى فترة امتدت عشرة أشهر بداية من تشرين الثاني/نوفمبر 2020، تلقى جنوب السودان نحو 550 مليون دولار على شكل مساعدات إغاثية من صندوق النقد الدولي، وهو مبلغ يساوي الميزانيات السنوية السابقة. وتلقى صندوق النقد الدولي وعوداً من بعض الإصلاحيين لكنه لم يفرض شروطاً تذكر. ساعد هذا الدعم جوبا على تفادي حدوث المزيد من انخفاض قيمة عملتها لكنه دفع العديد من الإصلاحيين في جنوب السودان والمانحين إلى الإحباط وقد رأوا حكومة سيئة السمعة إلى هذه الدرجة وتقاوم الإصلاحات بشكل كبير تتلقى هذه المبالغ المالية الكبيرة دون أن تفعل شيئاً يذكر بالمقابل.

ثمة حاجة إلى استراتيجية أكثر تنسيقاً. فبالاستناد إلى الأجندة الإصلاحية الطموحة الواردة في اتفاق السلام سلام عام 2018، والالتزامات التقنية التي قدمتها الحكومة لصندوق النقد الدولي، ينبغي على الإصلاحيين في جنوب السودان والجهات الفاعلة الخارجية التركيز على أولويات إصلاح مالية أكثر تحديداً من شأنها إعادة إدخال العائدات النفطية في سجلات الميزانية الوطنية. وينبغي لهذه الأولويات أن تشمل الإفصاح عن موارد الحكومة وديونها، إضافة إلى تخصيص حساب واحد للعائدات النفطية، وأيضاً بذل جهود لتعزيز قوة الإجراءات الوقائية التي لم تتمكن حتى الآن من منع نهب الإيداعات الحكومية. وينبغي أن تكون مدفوعات صندوق النقد الدولي ودعم المانحين مشروطة بتحقيق الشفافية في إجمالي العائدات النفطية، بدلاً من القبول ببساطة بإدارة أفضل للأموال المصرح عنها في الميزانية الرسمية.

طريقة أخرى إضافية يمكن للمانحين استخدامها لتعزيز نفوذهم المحدود في جوبا تتمثل في الانخراط المنهجي مع شركات تجارة المواد الخام، والمصارف التي تمولها وشركات التأمين التي تتعامل معها، والتي يعتمد عليها جنوب السودان. على سبيل المثال، ينبغي على الحكومات المانحة أن تستخدم التهديد بفرض الأنظمة لتشجيع الشركات على الكشف عن مدفوعاتها لجوبا، انسجاماً مع الطريقة التي تكشف هذه الشركات من خلالها عن مدفوعاتها في أماكن أخرى. وإذا لم تفعل ذلك، يمكن للحكومات أن تفكر في طلب تراخيص خاصة تتطلب مثل هذا الإفصاح وتمنح شهادة التزام بقوانين جنوب السودان للشركات الواقعة ضمن ولايتها القضائية للعمل في القطاع النفطي في جنوب السودان. وينبغي على المصارف وشركات التأمين حماية نفسها من الانكشاف القانوني وتعريض سمعتها للخطر وذلك بطلب نفس الالتزامات من زبائنها الذين يقومون بأعمال في جنوب السودان.

في الوقت نفسه، يجب على سلطات جنوب السودان والقوى الخارجية الشروع بالتفكير الآن بانتقال جنوب السودان الوشيك من اقتصاد قائم على النفط مع تراجع إنتاجه النفطي، وبالنظر إلى أن الاستثمارات الجديدة فيه تبدو أقل جاذبية، ومع وضع العالم لأهداف أكثر جرأة في تخفيض انبعاث غاز ثاني أوكسيد الكربون. على نحو خاص، ينبغي على الجهات المانحة دراسة الكيفية التي يمكن لدعمها الحالي والمستقبلي أن يساعد في إعادة تشكيل، بدلاً من تعزيز، الاقتصاد السياسي المركزي المركب من القمة إلى القاعدة والذي أدى إلى مثل هذا التدمير الدموي. لن يكون الإصلاح سهلاً، بالنظر إلى الحوافز الماثلة أمام الرئيس كير وحلفاءه للتمسك بالثروة النفطية لجنوب السودان. لكن إذا لم تنجح الطبقة السياسية والقوى الخارجية في إقناع كير بتنفيذ هذه الإصلاحات، يمكن للبلاد أن تبدد فرصة لتجد موطئ قدم لها قبل أن تجف آبارها.

جوبا/نيروبي/بروكسل، 6 تشرين الأول/أكتوبر 2021