الصين وكوريا الشمالية: ما على الغرب إدراكه
الصين وكوريا الشمالية: ما على الغرب إدراكه
Avoiding the Next Taiwan Strait Crisis
Avoiding the Next Taiwan Strait Crisis
Op-Ed / Asia

الصين وكوريا الشمالية: ما على الغرب إدراكه

لا تشعر الصين بالقلق من احتمال انهيار النظام في كوريا الشمالية، فهي مقتنعة من أن ذلك لن يحدث في أي وقت قريب. ما يقض مضجعها أكثر هو احتمال ذوبان الجليد في علاقات كوريا الشمالية مع الغرب، مما سيقلص من نفوذها الاقتصادي والسياسي، أو حتى يؤدي إلى وجود أميركي على حدودها

ستبذل بكين أقصى ما بوسعها خلال الأسابيع والأشهر المقبلة لدعم الشاب كيم جونغ أون وحاشيته، وذلك لزيادة نفوذها عليهم. وفي وقت غدا فيه العالم أكثر اعتمادا على تأثير الصين على كوريا الشمالية من أي وقت مضى، لن تتعاون الصين مع الغرب في هذا المجال. وعليه، فلا بد للعالم أن يدرك أن الصين لن تقوم بالضغط على كوريا الشمالية بشأن برنامجها النووي

وعقب الإعلان عن وفاة الزعيم كيم جونغ إيل، الشهر الماضي، وتحوّل اهتمام الصين إلى ردود فعل كل من الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية. استدعت بكين دبلوماسييها لحثهم على إظهار دعمهم لكيم جونغ أون، كما أرسلت رئيسها ورئيس وزرائها ونائبه إلى سفارة كوريا الشمالية لتقديم التعازي، بالإضافة إلى توجيه دعوة إلى الزعيم الشاب لزيارة الصين. تدفقت في وسائل الإعلام الصينية العناوين التي يعتصرها الألم على رحيل زعيم كوريا الشمالية، حتى بات من السهل الخلط بينها وبين تلك الصادرة عن وسائل الإعلام في كوريا الشمالية

ضاعفت بكين من جهودها لمساندة نظام تدرك تماما أن الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية تتمنيان أن يختفي عن الوجود. ومع أن الصين سئمت في السنوات الأخيرة من تقديم المعونات لكيم جونغ إيل، المتمثلة في فرض أسعار على صادراتها من المواد الغذائية لكوريا الشمالية تتناسب وأسعار سوقها، فإنها اليوم ترغب في أن تكون الدولة الوحيدة التي يلجأ لها الشاب كيم جونغ أون في وقت الحاجة، وذلك لتعزيز نفوذها وإيجاد مدخل لمعلومات النظام السرية. ولا يجدر بالغرب أن يتوقع الاستفادة من ذلك

تباعدت في الآونة الأخيرة سياسة الصين تجاه كوريا الشمالية على نحو متزايد عن سياستي الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية. ففي عام 2008، وبعد أن عانت كوريا الشمالية من كارثة عملية الإصلاح النقدي، وبعد مواجهة الزعيم كيم جونغ إيل لأزمة صحية، دون أن يكون له خليفة معروف، زادت الصين من دعمها السياسي والاقتصادي والعسكري للنظام الاستبدادي، مع الحرص حتى على عدم ذكر مسألة نزع السلاح النووي

وفي عام 2009، عندما أطلقت كوريا الشمالية قمرا صناعيا، وانسحبت من المحادثات السداسية بشأن برنامجها النووي وقامت بتجربتها النووية الثانية، تمكنت الصين وبنجاح باهر من تمييع عقوبات مجلس الأمن الدولي. ولتوضيح مدى صعوبة إلزام بكين بتنفيذ العقوبات، فقد شبهت بعملية خلع الأسنان، مما جعل الدبلوماسيين الصينيين يطلقون اسم «طبيب الأسنان» على المبعوث النووي الأميركي الذي قام بزيارات مكوكية إلى بكين بشأن هذا الموضوع

وفي عام 2010، تركت الصين مخاوفها من الوجود العسكري والسياسي لأميركا في المنطقة تحدد شكل سياساتها وحساباتها إزاء كوريا الشمالية أكثر من أي وقت مضى، مما عزز أهمية هذه الأخيرة، التي تعتبرها بمثابة حاجز استراتيجي في وجه الولايات المتحدة وحلفائها. وما كان إظهار تضامنها العسكري رفيع المستوى مع كوريا الشمالية خلال الاحتفال بالذكرى السنوية الـ60 للحرب الكورية، إلا لإرسال رسالة مفادها أن الصين تقف إلى جانب حليفتها عسكريا وسياسيا. وعقب غرق السفينة الكورية الجنوبية «تشيونان» يوم 26 مارس (آذار)، وقصف كوريا الشمالية لجزيرة «يونبيونغ» التابعة لكوريا الجنوبية في 23 نوفمبر (تشرين الثاني)، منحت بكين الدولة المارقة الحماية الدبلوماسية، في حين وجهت أشد انتقاداتها إلى التدريبات العسكرية التي أجراها الجيشان الأميركي والكوري الجنوبي 

أما في العام الماضي، فقد أثبتت الصين مجددا دعمها لكوريا الشمالية، ولا سيما لتعزيز مصالحها الاقتصادية وإبقاء باب جارتها مفتوحا في وجهها، بينما واصلت الضغط عليها لكي لا تنخرط في استفزازات خطيرة مع الولايات المتحدة، لكي لا تمنح هذه الأخيرة الذريعة لزيادة وجودها العسكري في المنطقة

زار الزعيم كيم جونغ إيل الراحل الصين أربع مرات، خلال مدة 18 شهرا، وزاد حجم التبادل التجاري بين البلدين بشكل ملحوظ، إذ بلغ ثلاثة مليارات دولار خلال الأشهر السبعة الأولى من العام الماضي، أي بارتفاع بنسبة 87 في المائة مقارنة بالفترة ذاتها من السنة السابقة. ومع الانخفاض الحاد في التدفق النقدي، مقرونا بأزمة غذائية طاحنة، وبالضغوط على قادة كوريا الشمالية لتحسين الأحوال المعيشية في البلاد بحلول شهر أبريل (نيسان)، فقد أصبح دعم الصين يمثل شريان الحياة الاقتصادي لبيونغ يانغ

يزداد تهميش الأصوات المعارضة في الصين، التي تندد بالحماية التي تمنحها حكومتهم لجارتها المعزولة. أما المؤسسات الصينية المسؤولة عن نسج سياسات الصين إزاء كوريا الشمالية، فهي من أشد المعارضين على مسألة الانخراط في أي محادثات مع أي فاعلين خارجيين، ناهيك عن أعداء كوريا الشمالية اللدودين

أطلق العنان للقوميين الصينيين لانتقاد ما يعتبرونه استغلالا أميركيا للأحداث في المنطقة، لتطويق واحتواء الصين. والتصريحات الأخيرة بشأن محور الولايات المتحدة الجديد في آسيا، ونشر 2500 من مشاة البحرية الأميركية في أستراليا، بالإضافة إلى زيارة وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون إلى ميانمار، كل هذه المسائل زادت من حدة تلك الأصوات المنددة

في الوقت الذي يمكن القول فيه إن العالم غدا أكثر اعتمادا من أي وقت مضى على تأثير الصين على كوريا الشمالية، فإن مصالح بكين تختلف عن مصالح واشنطن بشكل حاد، ولا بد أن تصيب خيبة الأمل هؤلاء الذين لم يدركوا ذلك بعد، وما زالوا يؤمنون بإمكانية مد جسور التعاون مع بكين

Subscribe to Crisis Group’s Email Updates

Receive the best source of conflict analysis right in your inbox.