خطاب أمام مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة حول إسرائيل-فلسطين
خطاب أمام مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة حول إسرائيل-فلسطين
Cracks show on a mural covering the wall of the United Nations Relief and Works Agency (UNRWA) headquarters in Gaza City's Rimal neighbourhood, on May 18, 2021. Majdi Fathi / NurPhoto

خطاب أمام مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة حول إسرائيل-فلسطين

في تعليقات لها أمام مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في 30 تشرين الثاني/نوفمبر، طرحت النائبة المؤقتة لرئيس مجموعة الأزمات، كومفورت إيرو، حجج الدفع إلى إعادة التفكير في إطار صنع السلام في إسرائيل-فلسطين، كما اقترحت خطوات يمكن لمختلف الأطراف اتخاذها لتحسين الوضع على الأرض في هذه الأثناء.

مجموعة الأزمات منظمة تكرّس نفسها لمنع وتسوية الصراعات المميتة. في هذه السنة التي شارفت على نهايتها، هالنا تفجّر العنف من جديد في إسرائيل – فلسطين. ونعتقد أن هذا المجلس، والمجتمع الدولي بشكل عام، لم يفعل شيئاً يذكر لدفع هذا الصراع المأساوي نحو مياه أكثر هدوءاً، من أجل حماية ضحاياه، ودفع الإسرائيليين والفلسطينيين إلى التوصل إلى حل عادل. نشكر المجلس، والرئاسة المكسيكية بشكل خاص، لمنحي هذه الفرصة اليوم لتقديم بعض الأفكار بشأن رسم مسار إلى الأمام.

يشكل العنف الذي اندلع في إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة في نيسان/أبريل وأيار/مايو أحدث تذكير لنا بعدم استقرار الوضع الراهن؛ إذ نلاحظ أن الفلسطينيين – سواء في قطاع غزة، أو الضفة الغربية، أو القدس، أو إسرائيل نفسها أو في الشتات – لم يقبلوا لا بتجزئة الأراضي ولا بالتهميش السياسي. بل على العكس، فإضافة إلى الصواريخ التي يطلقونها من قطاع غزة، رفعوا صوتاً جماعياً وإن كان غير منظم. وقد أكدت الاحتجاجات على قمع الفلسطينيين وتجريدهم من ممتلكاتهم المادية والمعنوية، وعلى أن مسألة القدس هي جوهر قضيتهم. وبين اليهود الإسرائيليين، عزز المزيج المتمثل في الصواريخ المتساقطة عليهم والاحتجاجات في شوارعهم من صلابة قناعتهم بعدم إمكانية التوصل إلى تسوية سياسية.

على طرفي هذا الصراع … تراجع الإيمان بعملية السلام في الشرق الأوسط.

على طرفي هذا الصراع – وبين الكثير من أعضاء المجلس – تراجع الإيمان بعملية السلام في الشرق الأوسط. لقد باتت إسرائيل أكثر ارتياحاً حيال الوضع الراهن، وهي تفرض وقائعها على الأرض في انتهاك لقرارات هذا المجلس. وقد رفضت بشكل مستمر أي تسوية تشبه من قريب أو بعيد حل الدولتين، بما في ذلك الرفض الصريح في ظل حكومتها الحالية. وقد رأى الفلسطينيون إسرائيل وهي تعزز سيطرتها تحت غطاء عملية السلام، وتحرمهم من حقوقهم وحرياتهم بوتيرة متزايدة. رغم ذلك، لم تظهر أية مقاربة بديلة أو مكمّلة. لأكثر من عقد من الزمن، حثّت منظمتي المجتمع الدولي على تجنب ذلك النوع من اتفاقات السلام الذي يحظى بجائزة نوبل. بدلاً من ذلك، نعتقد أنه ينبغي على المجتمع الدولي أن يعمل على وضع لبناتٍ لمستقبل أكثر سلاماً وعدالة للأجيال القادمة من الإسرائيليين والفلسطينيين.

في أعقاب أحداث العنف التي وقعت الربيع الماضي، جددنا تلك الدعوة. وفي آب/أغسطس، نشرنا تقريراً يأسف لاستمرار الصراع، ولسقوط أعداد كبيرة من الضحايا وحدوث قدر كبير من الدمار، خصوصاً بين الفلسطينيين وفي قطاع غزة. وحثثنا جميع أطراف الصراع – إسرائيل، والسلطة الفلسطينية وحماس – على اتخاذ خطوات على الأقل لوقف نزيف الدماء. وتحدّينا المجتمع الدولي ليس فقط كي يعمل بشكل عاجل على خفض حرارة الصراع من خلال الضغط على جميع الأطراف لوقف العنف والأفعال الاستفزازية، بل أيضاً لبذل جهد جاد لإعادة التفكير بمجمل الصرح المسمى عملية السلام. ينبغي لعملية إعادة التفكير تلك أن تعترف بانعدام توازن القوى البنيوي بين دولة محتلة وشعب واقع تحت الاحتلال، وضرورة تحدّي الإفلات من العقاب الذي باتت إسرائيل تعتبره أمراً مسلماً به في سلوكها حيال الفلسطينيين.

للأسف، فإننا لم نرَ جهداً ملموساً يذكر في هذا الاتجاه منذ ذلك الحين. بل يمكن القول إن العكس هو ما حدث. ففي حزيران/يونيو، استلمت حكومة إسرائيلية جديدة مهامها. وقد صدر عن هذه الحكومة إشارات بشأن استعدادها للانخراط مع السلطة الفلسطينية بشأن الإجراءات اليومية والأمن، ولإيجاد السبل للتوصل إلى ما تسميه "تقليص" حدة الصراع من خلال تحسين الظروف الاقتصادية في الأراضي المحتلة وتعزيز قوة السلطة الفلسطينية ولو بشكل هامشي. إلا أن الحكومة الجديدة استمرت بتوسيع مستوطناتها غير الشرعية في الضفة الغربية واتخذت تدابير قمعية ضد الفلسطينيين بطرق لا تختلف عما كانت تفعله سابقاتها.

في تشرين الأول/أكتوبر، حظرت الحكومة ست منظمات مجتمع مدني فلسطينية محترمة جداً على أساس اتهامات مريبة بأنها "إرهابية". في الواقع، فإن هذه المنظمات نشطت منذ سنوات إن لم يكن منذ عقود في توفير خدمات أساسية للمحتاجين – خدمات لم تقدمها إسرائيل بصفتها القوة المحتلة – وقامت بعمليات التوثيق والإبلاغ والمناصرة من أجل تحقيق المساءلة الدولية عن الانتهاكات الإسرائيلية لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة. وهي تتلقى تمويلاً خارجياً، خصوصاً من الحكومات الأوروبية وجهات أخرى، وكانت نشطة في حشد دعم الكونغرس الأميركي والعواصم الأوروبية، وكذلك محكمة العدل الدولية في لاهاي، لدعم قضيتها. وطبقاً لجميع الأدلة المتوافرة، فإن تلك المنظمات كانت تقوم بعملها بطريقة قانونية ولمصلحة المجتمع الفلسطيني ودفاعاً عن المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان.

تعطي هذه الإجراءات الانطباع بأن السياسة الإسرائيلية لـ "تقليص" حدة الصراع وتعزيز قوة السلطة الفلسطينية تمضي يداً بيد عملياً مع عمليات الضمّ بحكم الأمر الواقع.

وفي الوقت نفسه، لم يُبذل أي جهد جاد من قبل السلطة الفلسطينية لإعادة إحياء الحياة السياسية الفلسطينية عبر الانتخابات، التي وعد الرئيس محمود عباس في وقت سابق من هذا العام بإجرائها لكنه ألغاها فجأة. وفي غياب تفويض شعبي جديد، أصبحت السياسة الفلسطينية متحجرة بشكل خطير، وتحولت السلطة الفلسطينية – كحماس في قطاع غزة – إلى هيئة حاكمة ذات صلاحيات محدودة لا تستجيب للاحتياجات، ولا تخضع للمساءلة، وسلطوية وقمعية. لقد فاقمت السلطات الفلسطينية الحاكمة في الضفة الغربية وقطاع غزة على حد سواء القيود المفروضة على حريات مجتمعها المدني في تنظيم نفسه والتعبير العلني عن مطالبه.

المجتمع الدولي ليس مراقباً بريئاً. فعبر موقفه السلبي، يوفر الغطاء لممارسات الحكومة الإسرائيلية..

المجتمع الدولي ليس مراقباً بريئاً. فعبر موقفه السلبي، يوفر الغطاء لممارسات الحكومة الإسرائيلية.

بالأمس احتفل العالم بالذكرى الرابعة والسبعين لصدور قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 181، المعروف بخطة الأمم المتحدة للتقسيم. وبهذه الطريقة أعلنت الأمم المتحدة عن إقرارها بفكرة دولتين لشعبين. ولنحو ثلاثة أرباع القرن، فشل العالم في الوفاء بوعده. في القرار رقم 2334 لعام 2016، أشار المجلس إلى "نزعات سلبية تؤدي إلى تآكل مستمر في حل الدولتين وترسخ واقع الدولة الواحدة". تعكس هذه الكلمات إعادة التقييم الإجمالي لنموذج التقسيم الذي يحدث في الكثير من الأماكن.

نحن في مجموعة الأزمات نعتقد بقوة بأنه ينبغي على المجتمع الدولي، في الوقت الراهن، التركيز بشكل أقل على النماذج السياسية وبشكل أكبر على ما يحدث على الأرض.

في المحصلة، فإن هذا الصراع ستتم تسويته فقط من خلال المفاوضات السياسية. لكن هذه المفاوضات لن تنجح إلى أن يتم توفير شروط أساسية معينة. أولاً، استعداد إسرائيل للحوار مع الفلسطينيين سواء فردياً وكأشخاص متساوين أو جماعياً كشعب له تطلعاته بتقرير المصير الوطني – ومع وجود هيكلية تحفيزية خارجية مصممة على هذا الأساس. ثانياً، كيان سياسي فلسطيني متماسك يتمتع بقيادة يمكنها رسم مسار إلى الأمام وتحدي الوضع الراهن بوسائل غير عنيفة وبطرق تنسجم مع القانون الدولي. وثالثاً، عكس الإجراءات القانونية والسياسية التي أحدثتها إسرائيل على الأرض والتي كلفت الفلسطينيين كثيراً من حقوقهم الأساسية.

لكثير من السنوات، أُعطيت الأولوية لهدف حل الدولتين على حساب حماية الناس وتعزيز رفاههم. اليوم، يُحدث التشاؤم بشأن إمكانية تحقيق حل الدولتين نفس الأثر في أوساط القوى الدولية والإقليمية، ما يدفع إلى الإحجام عن العمل بدلاً من العمل.

ليس هذا هو الطريق الصحيح إلى الأمام. السيد الرئيس، أعضاء المجلس: من واجب هذا المجلس اتخاذ إجراءات ملموسة لحماية حقوق جميع الناس في إسرائيل – فلسطين، واللاجئين الفلسطينيين، حتى في غياب عملية سلام قابلة للحياة حتى الآن، وبصرف النظر عن الشكل الذي قد يتخذه الحل السياسي النهائي. فيما يتعلق بهذا الحل، ينبغي على هذا المجلس أن يوضح بجلاء أنه إذا استمرت إسرائيل بإعاقة تأسيس دولة فلسطينية قابلة للحياة وذات سيادة كاملة، فإن أي بديل يظهر في المستقبل سيترتب عليه حماية الحق بالمساواة الكاملة ومنح الحقوق السياسية الكاملة لجميع أولئك الذين يعيشون في أي مكان تسيطر عليه إسرائيل.

وبشكل عاجل، ينبغي على المجتمع الدولي أن يدفع لتحقيق ما يلي:

  • هدنة طويلة الأمد في قطاع غزة؛
     
  • العودة إلى ترتيب الوضع الراهن التاريخي في الأماكن المقدسة في القدس، كما وضعت عام 1967 عندما احتلت إسرائيل مدينة القدس القديمة، وإجراء التعديلات التي يتفق عليها جميع الأطراف المعنية فقط؛
     
  • وقف إصدار أوامر الإخلاء في القدس الشرقية؛
     
  • وقف النشاط الاستيطاني في الأراضي المحتلة؛
     
  • إلغاء القرار القاضي بحظر منظمات المجتمع المدني الفلسطينية الست؛
     
  • إجراء انتخابات فلسطينية في أسرع وقت ممكن، وبمشاركة فلسطينيي القدس الشرقية؛
     
  • مراجعة الشروط الدولية المعروفة بمبادئ الرباعية بحيث يُسمح لحماس بالمشاركة في أي حكومة وحدة وطنية فلسطينية. المقاربة الراهنة، القائمة منذ عام 2006، مكّنت حماس بينما أعاقت المصالحة الفلسطينية وعملية التجدد السياسي.

السيد الرئيس، أعضاء المجلس، النصوص القانونية موجودة. والأدوات في أيديكم. ما نفتقر إليه هو الاستعداد لاستخدام هذه القوانين والأدوات لتحقيق السلام في إسرائيل – فلسطين.