خطأ هيرتسوغ وإصلاح تردّي اليسار الإسرائيلي
خطأ هيرتسوغ وإصلاح تردّي اليسار الإسرائيلي

خطأ هيرتسوغ وإصلاح تردّي اليسار الإسرائيلي

فاز بنيامين نتنياهو السباق ليصبح رئيس وزراء اسرائيل للمرّة الرابعة. إلّا أنّ فوزه لم يأت نتيجة تركيزه واصراره فحسب، بل جاء أيضا نتيجة فشل منافسه الرئيسي، زعيم حزب العمل ورئيس الائتلاف الصهيوني، يتسحاق هرتسوغ، في بلورة رؤية سياسيّة بديلة لتلك التي طرحها نتانياهو. فسوف يستمر نتنياهو و اليمين بهزيمة اليسار الاخذ بالتضاؤل لطالما يفشل الأخير في استيعاب أهميّة بناء تحالفات عميقة ومعنويّة مع بعض الدوائر الانتخابية للأحزاب و خصوصا الدينيّة والعرقيّة والوطنيّة الرئيسيّة.

بما أنّ النظام الانتخابي في إسرائيل يمنح رئيس الحزب - وليس زعيم اكبر حزب - بأفضل فرصة لتشكيل ائتلاف، فحتى لو فاز هرتسوغ بحصوله على مقاعد أكثر في الكنيست من نظيره نتنياهو، فإنّ عدم وجود حلفاء له من شأنه أن يضعه مجدّداً في خانة المعارضة. علاوة على ذلك، فإنّ استراتيجية هرتسوغ الانتخابية في جذب اصوات "اليمين الليّن" قد أخطأت في قراءة الوضع الاسرائيلي لعام 2015، فبينما قام بالتركيز على القضايا الاجتماعية والاقتصادية بما فيها ارتفاع تكاليف المعيشة وتزايد عدم المساواة بالدخل، الّا أنّه لم يقدم إجابات مقنعة حول الأسئلة المتعلّقة بتحدّيات إسرائيل الأمنيّة. وبينما شدّد اليمين على أهميّة الاعتماد على الذات في مواجهة التحديات الأمنيّة، قام الاتحاد الصهيوني بعرض "خطة دبلوماسية" هزيلة وجوفاء وفي وقت متأخر بدلا من تقديم مزيج مبتكر من الأمن والدبلوماسيّة. الكثير من الإسرائيليين الذين يؤيدون بشدّة أجندة هرتسوغ الاجتماعيّة والاقتصادية لم يصوتوا لقائمته لأنّهم يشككون في مصداقيته حول موضوع الأمن.

الأسوأ من ذلك أنّ تصوّر هرتسوغ "للهويّة الإسرائيلية" والصهيونيّة بدت غير مكتملة، فالهوية اليهودية ليست أقل أهميّة في إسرائيل عما كانت عليه في السابق، وحتّى الناخبين الاسرائيليين من الوسط والذين يدعمون أجندته الاجتماعيّة والاقتصاديّة لم يثقوا بائتلاف الاتحاد الصهيوني عندما تعلّق الأمر بتعليم أبنائهم وضمان استمرارية يهوديّة الدولة. كان يجب على هرتسوغ أن يشكّل تحالفات عمليّة مع "صانعي الملوك" في السياسة الإسرائيلية، ومن ضمنها الإسرائيليين المتشدّدين والعرب واليهود الشرقيّين "المزراحيم" والمهاجرين من الاتحاد السوفياتي السابق.

صحيح أن هرتسوغ يتمتّع بعلاقات شخصيّة ممتازة مع أعضاء هذه المجموعات، الّا أنّ العلاقات الشخصيّة وحدها لا تكفل بتحقيق توافق بين المواقف المتباينة من اليهود المتديّنين "الحريديم" (شاس ويهدوت هتوراة)، والأحزاب الليبرالية (يش عتيد وميرتس)، جميعهم كان الاتحاد الصهيوني بحاجة لكسب دعمهم من أجل تشكيل الائتلاف. لهذا، يترتّب عليه العمل معهم على عقد اجتماعي جديد فيما يتعلّق بالهويّة اليهودية لإسرائيل.

وإذا أراد هرتسوغ كسب تأييد الحزب العربي (القائمة الموحدة)، كان عليه مواجهة مطالبهم أيضاً. فقد كان عليه أن يؤكّد على تساوي العرب في المواطنة في اسرائيل. فمثلا، كان بوسعه تقديم مشروعاً لبناء جامعة تعلّم باللغتين العبرية والعربية، أو إصدار أوراق نقد اسرائيليّة تحمل صورة شخصيّة عربيّة بارزةُ أمثال الكاتب إميل حبيبي للتأكيد على اعتراف الدولة بالأقليّة العرب.

كما كان بإمكانه أن يعد ببناء خمس أو عشر مدن عربية جديدة لاستيعاب السكان العرب المتزايد؛ يذكر أنّه منذ تأسيس إسرائيل، أنشأت مدينة واحدة فقط، و لم تحظ بشعبية العرب.

أمّا بالنسبة لليهود الشرقيّين، فيسكن أغلبهم في المناطق الحدوديّة والهامشيّة في البلاد، والأغلبيّة منهم تعمل خارج حدود بلدياتها و بالتالي، فإن الضرائب التي يدفعونها نادراّ ما تعود عليهم بالفائدة. هذه الفئة لربّما صوّتت لهرتسوغ اذا ما وعد مثلاً باسترجاع أموال الضرائب المستحقّة للبلديات التابعة لهم كجزء من تطوير هذه البلدات المهمّشة. كما انه كان من الممكن أن يتطرق الى مخاوفهم بتدفق العمالة الفلسطينية الرخيصة التي من شأنها أن تزيد معدّل البطالة في اسرائيل في حال نجاح اتفاق سلام مع الفلسطينيّين.

إعادة هرتسوغ الصف السياسي سيكون له ارتدادات بطبيعة الحال، فنمو علاقة قويّة مع الحريديم سيدفع بعض ناخبي الاتحاد الصهيوني الى المعسكر الليبرالي (ميرتس ويش عتيد)، كما قد ينتقل ناخبون آخرون إلى اليمين الوسط في حال حصول هرتسوغ على تأييد العرب.

هرتسوغ هو سياسي موهوب وذو دهاء، وقد جدّد شباب حزب العمل ، كما عرض نفسه في نهاية المطاف منافساً خطيراً لمنصب رئيس الوزراء. كونه في المعارضة مجدّداً، سيحتاج لإعادة بناء اليسار من خلال بلورة اهتمامات ومخاوف المجتمع الإسرائيلي المتنوعة إلى رؤية سياسية مقنعة. وإذا كان أركان السياسة الإسرائيلية قد صادقوا عليه لرئاسة الوزراء، فمن غير المرجح أن يؤثر عليه فقدان بعض الأصوات الليبرالية أو حتى بضعة مقاعد في الكنيست. كما أن من شأنه ضمان استمرار قوة ائتلاف اليسار في أي عملية سلام لحل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني.

President of the European Commission Ursula von der Leyen is welcomed by Palestinian Prime Minister Mohammad Shtayyeh in Ramallah, in the Israeli-occupied West Bank June 14, 2022. Mohamad Torokman / REUTERS

إعادة مواءمة السياسة الأوروبية حيال فلسطين مع الوقائع على الأرض

لقد أبرزت الأحداث التي وقعت في عام 2021 - ولا سيما حرب غزة - بجلاء مدى حاجة السياسة الأوروبية حيال الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني إلى التحديث. لقد بات يتعين على الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء استخدام الأدوات التي يمتلكونها للدفع نحو تحقيق هدفهم المعلن المتمثل في التوصل إلى تسوية سلمية.

  • Share
  • Save
  • Print
  • Download PDF Full Report