منافسو حماس في غزة
منافسو حماس في غزة

منافسو حماس في غزة

يُعيد التصعيد الأخير بين إسرائيل وحماس شهر آذار/مارس الماضي تسليط الضوء على غزة وعلاقة الحركة الإسلامية بالمنظمات الأكثر تشدداًً. تثير غزة مخاوف متعددة: هل تسعى حماس لفرض الشريعة الإسلامية؟ هل أدى ترويجها للأفكار الدينية الإسلامية إلى نمو المجموعات السلفية الجهادية؟ وهل ستجد المجموعات التي تدين بأفكار القاعدة موطئ قدم هناك؟ تواجه حماس منافسة من المجموعات الإسلامية الأكثر تشدداً، رغم أن أعدادها قليلة، وتنظيمها سيء، وإنجازاتها ضد إسرائيل تبقى حتى الآن ثانوية وفرصها في تهديد الحكومة في غزة ضئيلة. إلا أنه لا تتمثل أهمية السلفيين الجهاديين في غزة بقدراتهم العسكرية بقدر ما تتمثل في القيود التي يفرضونها على حماس:إذ إنهم يمثلون تحدياً أيديولوجياً؛ ويشكلون مصدر جذب لأعضاء الجناح العسكري، وهو المكون القوي فيها؛ من خلال الهجمات التي تتم داخل غزة وتنطلق منها، فإنهم يهددون الأمن؛ وبانتقادهم لحماس لعدم محاربتها إسرائيل وعدم تطبيق الشريعة الإسلامية، فإنهم يمارسون الضغوط لفرض مزيد من التشدد والأسلمة. لقد أدت سياسة عزل غزة وتجاهل حماس إلى تفاقم هذه المشكلة. وبما أن المجتمع الدولي يسعى لإيجاد طرق جديدة في التعامل مع الإسلام السياسي في أعقاب الانتفاضات العربية، فإن غزة تشكل مكاناً جيداً للشروع في هذا الجهد

خلال السنوات القليلة الماضية، واجهت حماس مجموعات إسلامية أخرى شكلت تهديداً لها في غزة. تُعرف هذه المجموعات من المتشددين بالسلفيين الجهاديين الذين يعتنقون تفسيراً صارماً للشريعة الإسلامية ولا ينظرون لأنفسهم كمحررين لفلسطين بل كجزء من الحركة العالمية للمقاتلين المسلحين الذين يدافعون عن المسلمين ضد الأعداء من غير المسلمين ويدخل الشيعة والعلمانيون الفلسطينيون ضمن هذا التصنيف. ورغم أن قوتهم الحالية متواضعة، فإن هذه المجموعات المسؤولة عن نسبة لا بأس بها من الهجمات الصاروخية التي تشن من غزة باتجاه إسرائيل يمكن أن تتسبب في تصعيد له تبعات خطيرة على غزة، وإسرائيل والمنطقة برمتها، كما تبين في آذار/مارس الماضي

بمرور الوقت، تحولت علاقة حماس بمثل هؤلاء المتشددين من التعاون إلى العدائية.
إحدى أقدم المجموعات السلفية الجهادية في غزة، هي 'جيش الإسلام'، حيث شارك مع حماس و فصيل آخر في اختطاف العريف الإسرائيلي غلعاد شاليط في عام 2006. وفي السنوات التي تلت ذلك، قمعت حماس 'جيش الإسلام' والمجموعات المماثلة له، وتصرفت بحزم ضد أي محاولة تشكل تحدياً مباشراً لسلطة حكومتها

في آب/أغسطس 2009، عندما أدان الزعيم الروحي لجند أنصار الله، وهي مجموعة سلفية جهادية حديثة تتخذ من رفح مقراً لها، حماس، وأعلن عن إمارة إسلامية في فلسطين، وطالب بفرض الشريعة الإسلامية، واجهته حماس بوحشية، مما أسفر عن مقتل أكثر من 20 شخصاً، وجرح أكثر من 100 والقضاء شبه الكامل على المجموعة

اتسمت سياسة حماس منذ ذلك الحين بأنها سياسة احتواء، ليس فقط حيال المتشددين السلفيين الجهاديين، الذين يتم اعتقالهم أثناء انتهاكهم لوقف إطلاق النار الذي حافظت عليه حتى وقت قريب، بل أيضاً مع أعضاء حماس الذين يتعاطفون مع هذه المجموعات. معظم السلفيين الجهاديين في غزة من الشباب هم من الأعضاء السابقين أصحاب الرتب الدُنيا في الأجنحة العسكرية للفصائل الأقدم، خصوصاً حماس والجهاد الإسلامي و أيضاً لجان المقاومة الشعبية وفتح. تختلف أسباب انشقاق هؤلاء، غير أن أغلبيتهم يقولون أن مصادر استيائهم من حماس تمثلت في مشاركتها في الانتخابات التشريعية عام 2006، وقبولها بوقف إطلاق النار مع إسرائيل وعدم تطبيقها للشريعة الإسلامية بعد استيلائها على غزة

لا يتمتع السلفيون الجهاديون بنفوذ كبير، غير أنه لا يمكن تجاهله كليا. فهم يتهمون حماس بالتراخي في تطبيق الشريعة الإسلامية، وهي تهمة تلقى صدى لدى الكثير من أنصار الحركة وتؤدي إلى تنامي تصميم الحكومة على تطبيق الشريعة الإسلامية. في نفس الوقت، فإن ضرورات الحكم، والأمل بتحسين العلاقات الدبلوماسية مع الغرب والضغوط من العديد من سكان غزة و نشطاء حقوق الإنسان كما الضغوط الغربية تدفعها في الاتجاه المعاكس. ونتيجة لذلك أصبحت سياساتها تترنح يميناً ويساراً تُعلن فيها قرارات تتعلق بفرض الشريعة الإسلامية، وتُسحبها أحياناً عندما تتعرض لانتقادات المواطنين، و أحياناً يتم فرضها رغم ذلك. الأمر الأكثر إثارة للقلق يتمثل في سلسلة من التفجيرات، وحوادث إطلاق النار وإشعال الحرائق والتخريب التي استهدفت أماكن تبدو غير إسلامية ورغم ذلك لم يتم محاكمة أي مشتبه به. في العديد من الحالات، لازال من غير الواضح من قام بهذه الأعمال ولماذا. البعض يشك في المجموعات السلفية الجهادية، وآخرون يشكون بأعضاء حماس الأكثر تشدداً، والذين يصعب عقابهم. في الوقت التي كانت الحكومة تواجه فيه انتقادات لفرضها لوقف إطلاق النار الذي انهار الآن وهو ما لم يقنع إسرائيل بفتح حدودها مع غزة ولا وضع حد للعزلة الدبلوماسية للحركة

لقد كانت سياسة المجتمع الدولي في تجاهل حماس وعزل غزة سياسة غير حكيمة منذ البداية، لأسباب عددتها مجموعة الأزمات منذ وقت طويل. إضافة إلى الحكم على أهل غزة بحياة تندر بها المواد الضرورية، فإن هذه السياسات لم تضعف الحركة الإسلامية، ولا أرخت قبضتها على غزة، ولا عززت من وضع فتح ولا دفعت عملية السلام إلى الأمام. وينبغي للمرء أن يضيف إلى ذلك المساعدة التي وفرها ذلك للسلفيين الجهاديين، الذين يستفيدون من افتقار غزة إلى الانفتاح على العالم الخارجي وعدم جدوى إستراتيجية حماس في سعيها لمزيد من الانخراط مع المجتمع الدولي، وضبط الهجمات ضد إسرائيل حتى وقت قريب وتقييد سياسات فرض الشريعة الإسلامية التي يدعو إليها زعماء أكثر تشدداً. ليس هناك ضمانة بأن الانخراط مع حماس سياسياً وعودة الأوضاع إلى طبيعتها في غزة سيجعل الحركة الإسلامية أكثر برغماتية أو سيقلص من جاذبية البدائل الأكثر تطرفاً. غير أن ذلك يستحق المحاولة. من المرجح أن إقصاء الرئيس مبارك عن الحكم ستتبعه مراجعة لعلاقة مصر بغزة وبشكل أساسي التخفيف من القيود المفروضة على الحدود وتحسين العلاقات مع حماس. سيبدو ذلك نتيجة طبيعية لانتخاب حكومة أكثر تمثيلاً وأكثر خضوعاً للمساءلة تعكس آراء مواطنين مستائين من سياسات النظام السابق. ينبغي أن ينظر إلى مثل هذا التحول على أنه فرصة للآخرين الأوروبيين والأمريكيين على وجه الخصوص لمراجعة حساباتهم. كما ينبغي فهم أن بديل حماس في غزة ليس بالضرورة فتح، بل يتمثل في المنظمات الإسلامية المتطرفة التي لهم كل المصلحة في محاربتها

Subscribe to Crisis Group’s Email Updates

Receive the best source of conflict analysis right in your inbox.