تربيع الدائرة: إصلاح الأمن الفلسطيني تحت الاحتلال
تربيع الدائرة: إصلاح الأمن الفلسطيني تحت الاحتلال
Table of Contents
  1. ملخص تنفيذي
Biden’s New Policy on Security Assistance, NSM-20, Will Not Save Gaza
Biden’s New Policy on Security Assistance, NSM-20, Will Not Save Gaza
Report / Middle East & North Africa 6 minutes

تربيع الدائرة: إصلاح الأمن الفلسطيني تحت الاحتلال

  • Share
  • حفظ
  • الطباعة
  • Download PDF Full Report

ملخص تنفيذي

من يمكنه أن يعترض على إصلاح الأمن الفلسطيني؟ خلال السنوات القليلة الماضية، تمكنت السلطة الوطنية الفلسطينية إلى حد بعيد من استعادة النظام والشعور بالسلامة الشخصية في الضفة الغربية، وهو أمر ما كان بوسع أحد أن يتخيله خلال الانتفاضة الثانية. لم تعد الميليشيات تجوب الشوارع، وعادت قوى الأمن لمهامها بلباسها الرسمي. يبدو أن الفلسطينيين سعداء لذلك بشكل عام؛ وحتى إسرائيل – التي لديها أسبابها كي تكون متشككة، ورغم الهجمات التي شنت مؤخراً على المستوطنين في الضفة الغربية – فإنها تشعر بالتشجيع. وقد تم اتخاذ خطوات، كان يفترض أن تتخذ منذ وقت طويل، لإعادة تنظيم القطاع الأمني الذي لا ينصاع بسهولة، والذي كانت فروعه متقاطعة المهام وغير خاضعة للمساءلة قد أصبحت إقطاعات لرؤساء الأجهزة الأمنية الأقوياء. يشيد سكان الضفة الغربية بهذه التغييرات لكنهم لم يبدوا ارتياحاً لما رافقها من تعاون أمني مع إسرائيل وقمع لجماعات المعارضة – خصوصاً حماس، رغم أن القمع لم يقتصر عليها – وهو ما طال المجتمع المدني بشكل عام. دون تحقيق تقدم جاد نحو إنهاء الاحتلال ووضع حد للانقسامات الداخلية الفلسطينية، فإن ثمة مخاطرة في أن يتراجع الدعم للإجراءات الأمنية وتتقلص شرعية السلطة الوطنية الفلسطينية وينفد صبر الفلسطينيين العاديين الذي لا يمكن دونه استدامة أي من هذه الإجراءات.

احتلت الإصلاحات الأمنية مكانة متقدمة على أجندة الرئيس عباس منذ استلامه مهام منصبه في كانون الثاني/يناير 2005. غير أن عدم تعاون إسرائيل، ومقاومة رؤساء الأجهزة الأمنية للإصلاحات، وفوز حماس في الانتخابات التشريعية بعد عام، كانت عوامل أعاقت تنفيذ هذه الأجندة. لكن الظروف تغيرت بعد استيلاء الإسلاميين على غزة في حزيران/يونيو 2007. لقد وجدت رام الله، وإسرائيل والجهات المانحة معاً أن تعزيز قوى الأمن الفلسطيني يشكل ضرورة ملحة. وقد تقاطعت أسباب هذه الجهات؛ فالسلطة الوطنية الفلسطينية سعت لفرض احتكار على استعمال القوة ومنع حماس من تشكيل أي تهديد لحكمها في الضفة الغربية؛ وإسرائيل كانت عازمة على تفكيك الجماعات المتشددة. أما الغرب فرأى فرصة سانحة لدعم حلفائه من الفلسطينيين وتوجيه ضربة لخصومهم الإسلاميين. لم يكن مفاجئاً أن المرحلة الأولى من الإصلاح ركزت بشكل رئيسي على ضبط حماس، لكن أيضاً على كبح جماح متشددي فتح واستعادة النظام.

وقد نجحت السلطة الوطنية الفلسطينية في ذلك إلى حد بعيد؛ فمعظم الفلسطينيين – بمن فيهم المتعاطفين مع حماس – أعجبهم ما رأوا. فقد سرّتهم عودة الحياة الطبيعية، وهو أمر كان بعيد المنال قبل بضع سنوات فقط. كما أن تأسيس خطوط أوضح للسلطة وتقليص عديد القوى الأمنية كانت أهدافاً واضحة لكن أقل أهمية.

غير أن الإنجازات لا تستطيع أن تخفي الديناميات الإشكالية الكامنة تحتها. تتمثل الدينامية الأولى في التعاون الأمني المعمَّق بين إسرائيل والفلسطينيين. لقد كان العمل مع الجيش الإسرائيلي شرطاً رئيسياً للسلطة الفلسطينية منذ نشأتها. لقد كان ذلك في الواقع شرطاً مسبقاً لتأسيسها وهو كامن في طبيعتها الهجينة بوصفها كياناً شبه مستقل تحت الاحتلال. غير أن ذلك لم يقلل من الخلاف الناشئ عن ذلك. لا يرتاح الفلسطينيون لرؤية قواتهم الأمنية تتعاون مع محتليهم. الرد الأكثر وضوحاً على ذلك جاء من رئيس الوزراء سلام فياض، ومفاده أن العمل مع إسرائيل لاستعادة الأمن يمكّن الفلسطينيين من اكتساب ثقة إسرائيل والمجتمع الدولي، وتحييد إحدى الحجج الإسرائيلية الرئيسية التي تسوقها ضد إقامة الدولة الفلسطينية وتمهيد الطريق نحو الاستقلال. الحجة منطقية لكنها كانت ستكون أكثر قوة لو أن هناك عملية سلام واعدة في الأفق. ويمثل استئناف المفاوضات المباشرة في 2 أيلول/سبتمبر 2010 خطوة في ذلك الاتجاه، رغم هشاشتها وعدم تمتعها بأي صدى أو مصداقية بين الفلسطينيين.

ما يزيد في تعقيد المشكلة هو طبيعة التعاون، الذي ترى فيه السلطة الوطنية الفلسطينية تعاوناً أحادياً، وعملية غير متوازنة قوامها الانصياع للأوامر الإسرائيلية. التوغلات المتكررة وغير المبررة في معظم الأحيان والمهينة دائماً التي يقوم بها الجيش الإسرائيلي في المدن الفلسطينية، إضافة إلى القيود الصارمة المفروضة على مناطق عمل قوى الأمن الفلسطيني، تقوّض رموز وواقع تمكين السكان الأصليين. إسرائيل تقدم منظوراً مختلفاً. فمع ذكرياتهم عن الانتفاضة الثانية – عندما أدار عناصر قوى الأمن الفلسطيني بنادقهم نحو الجيش الإسرائيلي – وذكرياتهم عن غزة – عندما تمكنت حماس دون جهد يذكر من طرد قوات السلطة الوطنية الفلسطينية – هذه الذكريات التي لا زالت حاضرة في الأذهان لا زالت أيضاً تثير الشكوك لدى العديد من المسؤولين الأمنيين الإسرائيليين، حتى عندما يشيدون بالتقدم الذي يحرزه الفلسطينيون. إنهم يشككون بمصداقية القوات الفلسطينية في حال تجدد الاضطرابات في الضفة الغربية، وكذلك في قدرتها على التصدي لهجوم تشنه حماس في حال انسحاب الجيش الإسرائيلي. والنتيجة هي مقاربة إسرائيلية حذرة وصارمة باستثناء مجال واحد يتمثل في الجهود التي تبذلها السلطة الوطنية الفلسطينية ضد حماس، حيث تتلاقى مصالح الطرفين أكثر مما تتلاقى في أي مجال آخر.

أما الدينامية الإشكالية الثانية فتتعلق بالعلاقات الفلسطينية الفلسطينية. لا شك أن استعادة النظام ودفع أجندة بناء الدولة كانت تعني ملاحقة المنظمات التي تلتزم بقواعدها وأجنداتها الخاصة وتدّعي أنها تمارس المقاومة المسلحة ضد إسرائيل وبشكل فعال، وتتحدى محاولات السلطة الفلسطينية لاحتكار استعمال القوة؛ وتجتذب الهجمات الإسرائيلية؛ وتعيق الجهود الدبلوماسية. وبهذا الشكل فإن ملاحقة الأجنحة المسلحة للجماعات المتشددة كان امتداداً طبيعياً للجهود الرامية إلى استعادة النظام. لكن الخط الفاصل بين التعبيرات السياسية والعسكرية للجماعات المتشددة لم تكن واضحة في أي وقت من الأوقات؛ وفي سياق استيلاء حماس على غزة، بات هذا الخط أكثر تشوشاً واختلاطاً. من وجهة نظر السلطة الفلسطينية، فإن أي نشاط تقوم به حماس في الضفة الغربية بات يشكل تحدياً محتملاً لحكمها في الضفة الغربية. وقد توسع قمع الأجنحة العسكرية للإسلاميين ليشمل عملية قمع أوسع وأكثر إشكالية ضد تجلياتها الاجتماعية والسياسية وغير ذلك من أشكال المعارضة.

هذا لا يعني أن التعاون الأمني على وشك الانتهاء أو أن الفلسطينيين على وشك العودة إلى الصراع المسلح. الواقع أبعد ما يكون عن ذلك. ثمة عدد من العوامل الكابحة. فسكان الضفة الغربية متعبون ومنهكون من الصراع وسعداء بعودة شيء من الحياة الطبيعية. لا يمكن منع جميع أعمال العنف، وقد أظهرت حماس أنها لا زالت قادرة على شن هجمات مسلحة. لكن على وجه الإجمال، فإن الجهات التي يمكن أن تشكل تحدياً، خصوصاً الأجنحة المسلحة لحركتي حماس وفتح، قد تم إضعافها. وتبقى قيادة السلطة الفلسطينية مقتنعة بأن أي اندلاع للعنف يمكن أن يضر بالفلسطينيين أكثر مما يضر بإسرائيل. إضافة إلى ذلك، وطالما أن للسلطة مصلحة مشتركة مع إسرائيل في مواجهة حماس، فإن السلطة لن يكون لديها الدافع لتغيير الوضع الراهن.

لكن، ولأن العملية الحالية تبدو مستدامة في الوقت الحاضر، فإن هذا لا يعني أنها ينبغي أن تستمر. لقد استند النجاح المؤكد لأجندة الإصلاح حتى الآن جزئياً إلى الوهن واليأس الشعبيين – الإحساس بأن الوضع كان قد تدهور إلى حد أن الفلسطينيين باتوا مستعدين لتقبّل الكثير مقابل الاستقرار، بما في ذلك التعاون المعمق مع عدوهم. رغم ذلك، ومع عودة الأمور إلى طبيعتها بمرور الوقت، فإن طاقتهم على التحمل والتسامح قد تتتراجع. في حال انهيار المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية – ومعها بقايا أي أمل بالتوصل إلى اتفاق – فإن قوى الأمن الفلسطيني يمكن أن تجد من الصعوبة بمكان المحافظة على موقفها الحالي.

وقد استندت أجندة الإصلاح أيضاً إلى الانقسام بين الفلسطينيين الذي ساعد، على المدى القصير، في تعزيز التعاون بين السلطة الفلسطينية والجيش الإسرائيلي. رغم ذلك، فإن شدة ونطاق الحملة ضد حماس تنطوي على عدد من التبعات الهامة. لقد قوضت ادعاءات السلطة الوطنية الفلسطينية بأنها السلطة الوطنية الحقيقية، وأضعفت تفويض الرئيس عباس بالتحدث باسم الفلسطينيين وقلصت احتمالات المصالحة، وبالتالي زادت من تعقيد المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية وتعزيز دوافع حماس لتعطيلها. على المدى البعيد، فإن الخلاف مع حماس وتجاهل الأعراف الديمقراطية تتعارض بعمق مع نشوء حركة وطنية قوية وشرعية يعتمد عليها ليس فقط الفلسطينيون، بل الإسرائيليون أيضاً في تحقيق واستدامة اتفاقية سلام تاريخية.

تقدم مجموعة الأزمات فيما يلي توصيات لتخفيف حدة الاحتكاكات بين قوى الأمن الفلسطيني والجيش الإسرائيلي، وتوسيع قدرة هذه القوات على العمل في الضفة الغربية، ووضع حد لانتهاكات حقوق الإنسان والسماح بنشوء مناظرة ديمقراطية أكثر حيوية. لا شك أن العديد من الفلسطينيين سيرحبون بتوسيع سلطة قواهم الأمنية، وبقدر أقل من تدخل إسرائيل واحترام أكبر لحقوق الإنسان. لكن لا ينبغي لأحد أن يتوهم أنه وفي ظل الظروف الراهنة، فإن كثيرين، إن لم تكن الأغلبية، سيرون في هذه الإجراءات تجميلاً للاحتلال – لا إنهائه – والتغطية على حقيقة التعاون مع أولئك الذين يعتقدون أن على قوى الأمن أن تقاومهم. كما أن الخطوات المقترحة لتعزيز احترام حقوق الإنسان لا يمكن أن تنجح طالما بقيت الحركة الوطنية منقسمة بين لاعبيها المهيمنين.

دون وجود عملية سلام ذات مصداقية بين الإسرائيليين والفلسطينيين أو عملية مصالحة وطنية حقيقية، فإن الفلسطينيين سيظلون عالقين في محاولة طويلة وواهنة لتربيع الدائرة؛ أي بناء الدولة بينما لا يزالون تحت الاحتلال؛ وتعميق التعاون مع المحتل في المجال الأمني حتى عندما يسعون لمواجهته في المجالات الأخرى؛ والتوصل إلى تفاهم مع عدوهم التاريخي حتى عندما يثبتون عدم قدرتهم على التوصل إلى تفاهم بين بعضهم البعض.

رام الله/القدس/بروكسل، 7 أيلول/سبتمبر 2010

Subscribe to Crisis Group’s Email Updates

Receive the best source of conflict analysis right in your inbox.