الانتخابات اللبنانيّة: في تفادي دوّامة جديدة من المواجهات
الانتخابات اللبنانيّة: في تفادي دوّامة جديدة من المواجهات
Table of Contents
  1. Executive Summary
Time to Resolve the Lebanon-Israel Maritime Border Dispute
Time to Resolve the Lebanon-Israel Maritime Border Dispute

الانتخابات اللبنانيّة: في تفادي دوّامة جديدة من المواجهات

الملخص التنفيذي

 

يُشكّل استحقاق الانتخابات اللبنانيّة المرتقبة في السابع من حزيران/يونيو موعداً موقوتاً. فلا يجب في توافق الأطراف اللبنانيّة على نقل النزاع إلى صناديق الاقتراع المسالمة أن يكون مصدر تضليل وخداع: فلا شكّ بأنّ الانتخابات ستُعيد إلى الواجهة نزاعاً هي أعجز من معالجته لكونها سوف تقيم في المجلس، على ضوء نتائج يُحتمل فيها أن تكون شديدة التقارب، ذلك الانفصام الذي يقطع أوصال المشهد السياسي إلى معسكرين لا يقبلان المصالحة. وفي مطلق الأحوال، أكان النصر من حليف الائتلاف الذي يُسيطر عليه حزب الله أو الائتلاف المؤيد للغرب، لا شكّ في أنّ تشكيل حكومة مستدامة سيكون مخاضاً عسيراً وسيقتضي من الجميع القيام بتنازلات. وستضع هذه الانتخابات الأسرة الدوليّة موضع الاختبار لكون هذه الأخيرة اتخذت في خلال الانتخابات التي تعاقبت على المنطقة في السنوات الأخيرة موقفاً يميل إلى الانتقائيّة في قبول النتائج. ويقضي التحدي في هذه المرّة بالتقريب بين الفائزين والخاسرين بدلاً من الإمعان في الشرذمة وإغراق البلاد في حلقةٍ مفرغةٍ من المواجهات التي لا تعرف لها مخرجاً.

ولبنان غارق منذ العام 2004 في مستنقع نزاع بلغ ذروته يوم شنّ حزب الله اعتداءً على بعض أحياء بيروت السنيّة وجبل الدروز (في ردٍّ على محاولة طرح علامة استفهام بشأن عدم إحراز أي تقدم حول مسألة السلاح) وهو نزاع دفع بالبلاد إلى شفير الهاوية. وتم التوصّل في شهر أيار/مايو 2008 إلى اتفاق في الدوحة جمع بين جميع أطياف المشهد السياسي. وقضى الاتفاق بتحقيق هدنة تحافظ على مصالح الجميع الأساسيّة وإعادة المياه المؤسسيّة إلى مجاريها (عن طريق انتخاب رئيس توافقي وتشكيل حكومة وحدة وطنيّة)، وعبر إلقاء مهمّة الفصل بين المعسكرين على عاتق الانتخابات البرلمانيّة. وعليه، نُظر ضمناً إلى هذه الانتخابات على أنّها السبيل الذي سينحوه كلّ من الطرفين ليميل بكفّة ميزان القوّة لصالحه وإسناد الخيارات السياسيّة لشرعيّة شعبيّة جديدة.

أمّا الهدنة فاقتصرت، أقلّه لدواعي مفهومها، على تجميد الاختلافات التي تؤجج نار النزاع والتي عادت لتظهر إلى الواجهة يوم بلغت الحملات أوجها. ومن أبرز الاختلافات التي تعود دائماً وأبداً ما يتعلّق بسلاح حزب الله، والشرخ السنّي/الشيعي، والمنافسة على الزعامة المسيحيّة، أو حتّى التأويلات والتفسيرات المختلفة بشأن هويّة لبنان وتحالفاته الدوليّة. ولا شكّ في أنّ مبالغة المعسكرين في تسخير المحكمة الدوليّة المعنيّة بالنظر في قضية اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري هي تمهيد لحجم التوترات المرتقبة غداة فرز الأصوات.

وفي حين ُشكّل الإعلان عن القيام بالانتخابات تلبيةً للرغبة العامة بتلطيف الأجواء، إلاّ أنّ الاقتراب من موعد الاستحقاق استحال منطقاً يرتكز إلى المواجهة. هذا والحملات الانتخابيّة تتسم بالسلبيّة وترتكز على التنديد بالخصم أكثر منه على وضع برنامج انتخابي. أمّا الحجج ذات الصبغة الطائفيّة فيُجاهر بها علناً ناكئةً في جراح الحرب الأهليّة المؤلمة. ويُستشف من المواقف السياسيّة الأصوليّة من هذا الطرف كما من ذاك بأنّ مفاوضات التوصل إلى تسويةٍ ستكون طويلةً ومتأزمة. ويُساهم الأطراف الخارجيّون من ناحيتهم في التجاذبات لكونهم يصطفون في صفّ أحد المعسكرين. ولا شكّ في أنّ التوافق الدولي بشأن ضرورة عقد انتخابات سلميّة قد لا يتعدّى مجرّد الكلام وبالتالي لا يتوقّع منه أن يُترجم حياداً حيال الفائزين والخاسرين. وفي هذه الحالة، وهي الأكثر احتمالاً، لا يُحتمل أن تنتهي دوّامة المواجهة بل يُتوّقع أن تستمر بإتباع وسائل أخرى.

فشتّان ما بين الآمال التي رافقت يوماً الانتخابات وما هو حاصل اليوم. فهذه الانتخابات هي الأولى التي تنعقد منذ الحرب الأهليّة والتي لا يُسيّرها قانون انتخابي موحى به من سوريا، ولقد حُمِّلت بآمال الإصلاح التي علّق عليها المجتمع المدني والتي رجّحت صداها وعود المسؤولين السياسيين من شتّى الأطرف. ولكنّ القانون الانتخابي الذي تفاوض عليه الجميع في الدوحة ضمن روحيّة الحفاظ على الوضع الراهن، قد أدّى إلى مزيدٍ من الاحتقان الطائفي وإلى الابتعاد عن آفاق الإصلاح. ولن تفلح هذه الانتخابات في تشكيل آليةٍ للتغلب على النزاعات، لا بل ستديم النخب السياسيّة الحاليّة والنظام الذي يعود عليها بالمنفعة وما يستتبع ذلك من شلّ للهيكليّات.

والمشكلة هي أنّ اتفاق الدوحة لمّا يرى النور إلاّ بعد مواجهة تأزّمت لتبلغ حدّ تهديد مصالح الطبقة السياسيّة المشتركة. واليوم، تنمّ المواقف التي يعتمدها كلا الطرفين عن رغبة في العودة إلى سياسة شفير الهاوية أي إلى مواقف وقرارات متطرّفة ترمي إلى حمل الخصم على التنازل من خلال ابتزازه عبر التهويل بفقدان البلاد استقرارها. فهل يجب مجدداً المخاطرة بالانزلاق قبل التوصّل إلى تسوية؟ وفي هذه الحالة، هل يُمكن في حلّ مبني على أدنى قاسم مشترك أن يكون مستداماً على المدى البعيد إذا كان يقتصر على ترسيخ شلل ”حكومة وحدة وطنيّة“ عاجزة عن الحكم؟

وعليه، فإنّ مبدأ حصر الحكومة بين يدي الأكثريّة البرلمانيّة وهو ما ينادي به الائتلاف المناصر للغرب المعروف باسم ”14 آذار“ وما يُعتبره معسكر ”8 آذار“ حلّ انكفاء في حال رفض خصومه المشاركة في حكومة وحدة وطنيّة، هو مبدأ غير مستساغ ويفتقر إلى الواقعيّة. في حال مني حزب الله وحلفاؤه بالهزيمة الانتخابيّة، فهو برهن في الماضي عن قدرة على فرض المعوقّات إذا نوى معسكر 14 آذار أن يحكم وحده. ولكنّه إذا نجح فسيبذل ما بوسعه لتفادي أن يصيبه ما أصاب حركة حماس فيُحتم على سلطته العقم نتيجة قرار الأسرة الدوليّة وضعه موضع التهميش. وليس لرئيس الجمهوريّة ميشال سليمان أي مصلحة في حكومة أحادية الطرف تُفقده صفة الحَكَم التي يستمد منها سلطته المحدودة أصلاً.

وعليه، وبصرف النظر عن محصّلة مساومات ما بعد الانتخابات، جلّ ما يُمكن توقّعه هو تفادي مواجهةٍ عنيفةٍ جديدة ولو جاءت على حساب شلل سياسي وتجدد النزاعات الكامنة. وتتوافق الأطراف اللبنانيّة على القول إنّ عقدة الاختلافات لا يُمكن أن تُعالج إلاّ بتوافق بين الجهات الراعية الأجنبيّة المعنيّة التي يُمكنها أن تُقرر تضييق خناق العقدة. ويتعيّن على هذه الجهات الراعية أن تتفادى منزلقات الماضي وتعترف بشرعيّة النتائج وتشجّع حلفائها على التسوية.

ويُمكن للأسرة الدوليّة لا بل يتعيّن عليها أن تبذل جهوداً أكبر. ويجب عليها أن تدعم مجتمعاً مدنيّاً توّاقاً إلى تحقيق إصلاحات جوهريّة عبر التشديد على إعادة إحياء المجلس الدستوري الذي تفضّل النخبة السياسيّة شلّه وعبر اتخاذ قرارات واضحة وعلنيّة بشأن الممارسات الانتخابيّة الفاسدة (شراء الأصوات، غياب ورقة اقتراع معياريّة، الخ) التي تلطّخ صفحة الانتخابات اللبنانيّة. ويجب في الانتخابات الأولى بعد انتهاء الحقبة السوريّة أن ترفع مستوى المطالب تمهيداً للانتخابات المقبلة. ويجب العمل على تشييد بعض قواعد إصلاح النظام السياسي، ولو جاءت تدريجيّة، سيّما وأنّ الاحتلال السوري ما عاد يُشكّل ذريعةً للإخفاقات والمطبات كلّها.

بيروت/بروكسل، 4 حزيران/يونيو 2009

Executive Summary

Lebanon’s 7 June elections risk offering a false hope. That the parties agreed to shift their conflict from street to ballot box is surely a good thing, but it should not be misinterpreted. The results almost certainly will be close and so replicate the schism that divides the political arena into two irreconcilable camps. With the crisis that pushed the country to the brink of new civil war in 2008 apparently past, the parties are reverting to form, thus reviving rather than resolving the underlying conflicts. Regardless of who ultimately prevails – the Hizbollah-dominated alliance or the pro-Western coalition – forming a viable government and agreeing on a common program will in the best case be time-consuming and require difficult compromise from all.

The ballot is also an important test for an international community that in recent Middle East elections has shown a disquieting tendency to accept results selectively. The challenge will be to bring winners and losers together rather than exacerbate their differences and threaten to trigger another cycle of violent confrontation.

The current phase of the conflict which began in 2004 reached its climax as Hizbollah took over several Sunni neighbourhoods in Beirut as well as the Druze mountains in response to attempts to challenge its military status. The May 2008 Doha agreement brought the country back from the brink. But the accord was akin to a temporary truce preserving all sides’ fundamental interests and restoring a degree of institutional normalcy (with the election of a consensual president and establishment of a unity government) until parliamentary elections could resolve the political standoff. From the outset, the June voting was thus viewed as a way for one side or the other to impose a more favourable balance of power and legitimise its preferred political outlook.

In this sense, the truce obscured the issues that fuelled the conflict and have gradually re-emerged as the campaign intensified. These include the status of Hizbollah’s weapons, the Sunni-Shiite split, an intra-Christian competition for leadership and differing views of Lebanon’s identity and foreign alliances. The shamelessness with which both sides are making use of the international tribunal looking into the assassination of former Prime Minister Hariri is a likely precursor of profound and perilous post-election friction.

As election day nears, battle lines are becoming starker. Campaigning essentially is negative, based on aggressive denunciation of one’s opponent at the expense of clear exposition of one’s political program. Sectarian and communitarian arguments, held in check for a time, are openly displayed, awakening painful civil war memories. Increasingly radical positions on both sides foreshadow, in the best of circumstances, arduous negotiations to reach a compromise. External actors are contributing to polarisation by taking sides, more and more openly, for their respective allies. International consensus on the need for peaceful, legitimate elections could well come to a halt as soon as balloting concludes; at that point, the game of backing one side and ostracising the other looks likely to resume. Under this scenario, which today appears the more probable, the confrontation will not end. It will be pursued by different means.

All this is far from the initial hopes. The elections – the first since the civil war to be held under a law that was not made-in-Syria – once carried the potential for reforms long advocated by civil society activists and which the political class had pledged to undertake. The law agreed upon by the major parties betrayed this initial promise. It is aimed above all at perpetuating the status quo and bolstering communal loyalties. The elections will further entrench existing political elites, the system of which they are prime beneficiaries and the structural paralysis it produces.

The reason is straightforward: the Doha agreement was made possible only once the conflict had spiralled out of control, jeopardising the political class’s collective interests. The peril for now having passed, all actors are returning to old practices. Both camps are engaging in brinkmanship, seeking to intimidate opponents by implicitly warning of widespread instability should results not be to their liking. Will Lebanon once more need a brush with disaster before a new compromise is forged? And, assuming it is achieved, would such a formula be sustainable over the longer term or would the country yet again be led by a government that cannot govern?

The pro-Western “March 14” coalition is claiming it wishes to govern alone if it wins and to shun the cabinet should it lose. But one-sided government is an unrealistic and inadvisable prospect. Hizbollah and its allies have amply demonstrated their ability to obstruct political life and block institutional decisions if they are excluded. Likewise, the Hizbollah-led “March 8” group will do all in its power to avoid a repeat of Hamas’s experience, when triumph at the polls was followed by incapacity to govern due to the international diplomatic and economic boycott. Besides, President Michel Suleiman has nothing to gain from a mono-colour cabinet that would erode his mediating role – the single most important source of his fragile authority.

This means that, regardless of post-electoral manoeuvring, the best one can expect is avoiding a new violent confrontation, even as political paralysis and underlying conflicts persist. Central in this regard will be the attitude of foreign powers, whose local allies are quick to admit that Lebanon’s domestic conflict only can be resolved if they reach a deal. At a minimum then, the coalitions’ respective external supporters ought to avoid past mistakes, recognise the legitimacy of electoral results and press their allies toward peaceful compromise.

They can and should do more. They could support civil society’s reform efforts, insisting for example on reviving the Constitutional Court, which both March 14 and March 8 political leaders prefer to enfeeble. They also could clearly and publicly denounce abusive electoral practices, from vote-buying to the lack of a standardised ballot. At the very least, the first elections of the post-Syrian era should raise the bar for future votes. They are an opportunity to lay the ground for changes, however modest and incremental, to a political system that no longer has the luxury of blaming the Syrian occupation for all its many shortcomings.

Beirut/Brussels, 4 June 2009

Subscribe to Crisis Group’s Email Updates

Receive the best source of conflict analysis right in your inbox.