لبنان واستراتيجيات البقاء المضللة
لبنان واستراتيجيات البقاء المضللة
Table of Contents
  1. Executive Summary
Time to Resolve the Lebanon-Israel Maritime Border Dispute
Time to Resolve the Lebanon-Israel Maritime Border Dispute

لبنان واستراتيجيات البقاء المضللة

  • Share
  • Save
  • Print
  • Download PDF Full Report

الملخص التنفيذي

يحافظ لبنان على وجوده رغم كل العوامل التي تهدّده في بيئة مضطربة، وذلك بفضل جهازه المناعي الاستثنائي. غير أن هذه القدرة على البقاء تحوّلت إلى ذريعة لعطالة وتراخي طبقته السياسية، وهو ما يمكن أن يؤدي في النهاية إلى انهيار البلد. جارته سورية، والمرتبطة به كما يرتبط توأمان سياميان، غارقة في الدماء، وتدفع إليه موجات مستمرة من اللاجئين عبر الحدود. حزب الله، الحزب السياسي الشيعي اللبناني والحركة المسلّحة، انجرّ إلى صراع طائفي إقليمي شرس ومكلف ويائس. داخلياً، أخفقت الأطراف اللبنانية المختلفة التي تخشى انهيار التوازن السياسي الهش في انتخاب رئيس للبلاد أو تمكين رئيس الوزراء من الحكم، وفضّلت الشلل على أي خيار تعتقد أن من شأنه إحداث تغيير عميق في الوضع الراهن. يفرز الصراع في سورية جميع أنواع المشاكل، القديمة منها والجديدة والتي، على المدى البعيد، ستحمل جميع الاحتمالات لزعزعة الاستقرار. رغم أن هذا الوضع يتطلب التصدّي له على نحو عاجل، فإن من غير الواقعي توقُّع اتخاذ تدابير جريئة. غير أنه يمكن للسياسيين بل ويجب عليهم أن يتّخذوا خطوات ملموسة من شأنها مجتمعة أن تخفّف من حدة التوترات بانتظار السنوات التي قد تستغرقها تسوية الصراع في سورية.

يستمر لبنان في "أداء وظائفه" في احتواء أزمة تتوالى فصولها ببطء، و إجراءات أمنية ينتج عنها استقطاب متزايد وترتيبات غير رسمية بين الخصوم السياسيين يتوقَّع منها التعويض عن غياب رئيس الجمهورية، وسلطة تنفيذية فعالة، وجهاز قضائي مستقل، ورؤية اقتصادية، وسياسة لمعالجة شؤون اللاجئين. في حين يستمر لبنان في الصمود أمام التهديدات والضغوط الخارجية، فإنه منغمس في هذا التحدّي المرهق إلى درجة يسمح فيها لنفسه بالتردّي والانحلال على نحو بطيء لكن أكيد.

ثمة عدد من العوامل التي تعمل لصالح لبنان؛ فقد توقف عن كونه حلبة رئيسية تجري عليها محاولات تغيير موازين القوى الإقليمية؛ حيث حلّ محلّه كل من سورية، والعراق، واليمن وليبيا (إضافة إلى فلسطين) في لعب ذلك الدور التعس. القوة العسكرية والتنظيمية الكبيرة التي يتمتع بها حزب الله منعت أي محاولة لتحدّيه. ولا تزال الذكريات المريرة للحرب الأهلية بين عامي 1975 و1990 تشكّل تحصيناً للدولة والمجتمع ضد الانخراط مرة أخرى في صراع داخلي جدّي.

إلاّ أن الديناميكيات التي يشهدها لبنان اليوم تشبه على نحو غريب تلك التي سبقت الحرب الأهلية؛ فقد عادت ثقافة الميليشيات، التي سادت في الماضي، والتي تبددت ظاهرياً مع استيعاب المجموعات المسلّحة جزئياً في أجهزة الدولة، عادت إلى الظهور. والفوارق الاجتماعية والاقتصادية القديمة باتت أكثر عمقاً. وتدفُّق أعداد كبيرة من اللاجئين السوريين يعيد إلى الأذهان الموجة السابقة من اللاجئين الفلسطينيين، الذين أدى رفضهم من قبل شرائح واسعة من المجتمع اللبناني، وما تلا ذلك من تسييس لقضيتهم، إلى تحوّل ما كان في البداية مبعث قلق إلى تهديد رئيسي للأمن. وقد انخرط حزب الله في دور إقليمي أدى إلى تعميق الانقسام الطائفي، وأضاف هذا الدور إلى مبرر وجوده كحركة مقاومة ضد إسرائيل، والذي تمتع على أساسه بدعم واسع. ويشهد الجيش اللبناني، المؤسسة العابرة للطوائف والتي تعتبر العمود الفقري لما تبقّى من الدولة، حالة استقطاب متزايد.

وثمة مصدر آخر للقلق يتمثل في الإرباك غير المسبوق الذي تشهده الطائفة السنيّة، إحدى الطوائف الثلاث الأساسية في البلاد، إلى جانب الشيعة والمسيحيين. يعكس خطاب قيادتها المفترَضة والمتمثلة في تيار المستقبل، الإحباطات المتنامية لقواعدها، بينما تخفق في مخاطبة هذه القواعد بشكل فعّال. نظراً لتراجع اهتمامها وانخراطها في مخاوف ومشاكل هذه القواعد، فإنها أفسحت المجال لتيارات متنافسة، بعضها متطرّف أو حتى عنيف، لتمثيل هذه الطائفة التائهة، والمنقسمة والغاضبة، والمصابة بالذهول من قوة عزيمة حزب الله، وتطور الموقف الأمريكي حيال إيران والعنف المستمر ضد السنّة على أيدي النظامين في سورية والعراق. بالمقابل، فإن تحوّل الطائفة التدريجي نحو مواقف أكثر راديكالية، الأمر الذي يثير مخاوف وجودية من الأصولية السنية لدى الجماعات الأخرى، يسهم بتنامي الدعم الذي يحظى به حزب الله وانخراطه في سورية، بصرف النظر عن كلفة ذلك الصراع المتصاعد. كما أن إحجام الجيش عن التصدّي للنشاط الشيعي العسكري، في الوقت الذي يقوم فيه بقمع مثيله السني، كونه يشكّل خطراً أكثر إلحاحاً، يسهم في تعميق الانقسام.

الطبقة السياسية، التي نمت وتغذّت على الصراعات لعدة عقود، عازمة على الاكتفاء باحتواء الأزمة، وتفضّل تحاشي حدوث مواجهة دموية تعرف تماماً أنه لا يمكن الانتصار فيها وأنها ستكون مكلفة للجميع، تفضّل ذلك الاحتواء على معالجة الأسباب الكامنة للأزمة. في حين أن الاتفاقيات المحلية غير الرسمية التي عقدتها تشكل بدائل مؤقتة فعالة، فإنها تساعد في المحافظة على الوضع الراهن وحسب، بينما تسهم في الوقت ذاته بتآكله تدريجياً. التوترات الاجتماعية والطائفية تتصاعد مع التراجع الكبير في جودة الخدمات العامة المقدمة للبنانيين العاديين، وتضاؤل فرص العمل وتحقيق الذات أمام أغلبية السكان واقتصار ذلك على قلّة تتضاءل باستمرار. وبدلاً من حثّ السياسيين على تمثيل مصالحه من خلال مؤسسات الدولة، فإن الشعب اللبناني، القلق والمنهك، خفّض سقف توقّعاته، ولجأ إلى الالتفاف على مؤسسات الدولة واتّباع استراتيجيات المحافظة على البقاء. تؤدي هذه الاستراتيجيات إلى تنشيط شبكات الزبائنية والمحسوبية والفساد وقواعد لعبة تضمن بقاء ورسوخ الطبقة السياسية وبشكل يبقيها بعيدة عن المساءلة ويؤدي إلى تلاشي ما تبقى من الدولة.

من المرجح أن سوء الإدارة، مصحوباً بالسياسات غير الديمقراطية وغير الدستورية، سيفاقم المشاكل إلى درجة يصبح فيها التغيير الجذري الوسيلة الوحيدة لمعالجة هذه المشاكل. من مصلحة الطبقة السياسية الانتهازية تأجيل تلك اللحظة؛ لكن المفارقة هي أن هذا يمكن أن يشكل أيضاً دافعاً يمكن تحويله لمصلحة البلاد، إذا سمح الوقت والظروف الإقليمية بذلك. في حين أن الاستمرار في التأجيل والمماطلة في إصلاح النظام السياسي يشكّل استراتيجية ذات أفق مسدود، فإن أي بديل شامل قد يكون أخطر في البيئة المتفجرة السائدة اليوم.

تشمل الخطوات الصغيرة لكن البناءة التي يمكن اتخاذها: إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية التي طال إجراؤها كثيراً، دون انتظار تدخل خارجي لتحديد نتائجها، كما كان الحال تاريخياً أو كذريعة تستخدم للتأجيل؛ وتبنّي سياسة حيال اللاجئين السوريين تقلّص التهديدات الأمنية وتضمن احترام كرامتهم وحقوقهم؛ وتطبيق محاكمات قضائية عادلة إزاء السجناء الإسلاميين وغيرهم؛ وإخضاع عناصر الأمن للمساءلة عن الانتهاكات التي تتم ممارستها ضد السجناء، واللاجئين والمجموعات الضعيفة الأخرى. أضف إلى ذلك أن لبنان بلد لا يزال يوفر بيئة متسامحة حيال النشاط الشعبي؛ وبالتالي فإن المنظمات غير الربحية الناشطة في مجال الصالح العام  والإصلاح السياسي ينبغي أن تفعّل دورها لتعزيز الحوكمة والقيم الديمقراطية، بما في ذلك محاربة الفساد وتعزيز سيادة القانون.

إذا أخفقت الطبقة السياسية والآخرون الذين يمكنهم التأثير في مسار لبنان في اتخاذ مثل تلك الخطوات الأساسية والبديهية، فإن البلاد لن تنجح إلاّ في تجاوز الحالات الطارئة التي تواجهها في الوقت الحاضر على حساب رهنها لمستقبلها.

بيروت/بروكسل، 20 تموز/يوليو 2015

Executive Summary

Lebanon survives against all odds in a troubled environment thanks to a remarkable immune system, but that resilience has become an excuse for a dysfunctionality and laissez-faire attitude by its political class that could ultimately prove the country’s undoing. Its Syrian neighbour, conjoined as if a Siamese twin, is drowning in blood, pushing waves of refugees across the border. Hizbollah, the Lebanese Shiite political party and armed movement, has been drawn into an increasingly vicious, costly and desperate regional sectarian struggle. Internally, stakeholders, fearing collapse of a flimsy political equilibrium, have failed to elect a president or empower the prime minister, preferring paralysis to anything they believe might rock the boat. Syria’s conflict is bringing out all kinds of problems, old and new, which in the long term have every chance of proving destabilising. Despite the urgency, expecting bold measures is unrealistic, but politicians could and should take a small number of concrete steps that together would help reduce tensions while waiting the years it may take for the Syrian conflict to abate.

The country “functions” by containing a slowly unfolding crisis through increasingly polarising security measures and informal arrangements between political rivals. These must compensate for the absence of a president, an efficient executive, a parliament that actively upholds the constitution, an independent judiciary, an economic vision and a refugee policy. While still holding up to external threats and pressures, Lebanon is so absorbed by this strenuous challenge that it is allowing itself, slowly but surely, to decay.

A number of factors play to its advantage. It has ceased to be a primary arena where attempts to shift the regional balance of forces play out; Syria, Iraq, Yemen and Libya have replaced it (as well as Palestine) in that unhappy role. Massive military and organisational strength has discouraged or quelled any attempt to challenge Hizbollah. And the bitter memories of the 1975-1990 civil war continue to inoculate polity and society against a recurrence of serious domestic strife.

That said, today’s dynamics bear an uncanny similarity to those that preceded the civil war. The militia culture of old, which on the face of it dissipated as armed groups were partially absorbed into the state, is resurgent. Longstanding socio-economic disparities are deepening. A large Syrian refugee influx evokes the earlier wave of Palestinian refugees, whose rejection by wide segments of society and subsequent politicisation gradually turned what started as a concern into a major security threat. Hizbollah has added a highly divisive sectarian regional role to its original raison d’être as a resistance movement against Israel, for which it used to enjoy wide support. The army, a cross-sectarian institution considered the backbone of what remains of the state, is increasingly polarising.

A new concern is the unprecedented disarray among Sunnis, one of the country’s three dominant communities along with Shiites and Christians. Their presumptive leadership, the Future Current party, echoes the growing frustrations of its base while failing to address them effectively; aloof and disinvested, it has opened space for competing claims, some radical or even violent, to represent this disoriented, fragmented and angry community, bewildered by Hizbollah’s assertiveness, the evolving U.S. attitude toward Iran and the relentless violence used against Sunnis by the regimes in Syria and Iraq. In turn, its gradual radicalisation, by stirring existential fears of Sunni fundamentalism among other groups, is contributing to growing Shiite support for Hizbollah and its involvement in Syria, regardless of the cost of that escalating conflict. The army’s reluctance to challenge Shiite militancy while suppressing its more immediately threatening Sunni counterpart is deepening the divide.

The political class, which has emerged from and lived off conflict for several decades, is intent on limiting itself to containing crisis, preferring to avoid a bloody showdown it knows would be unwinnable and costly to all over attempting to address its underlying causes. While the informal domestic agreements it has struck are relatively effective stopgaps, they merely help preserve the status quo, while enabling its gradual erosion. Social and sectarian tensions are rising, as the quality of public services declines dramatically for ordinary Lebanese, and opportunities for jobs and personal fulfilment are available for a decreasing few. Instead of exhorting its politicians to represent their interests via established institutions, a weary population has lowered its expectations, circumventing the state apparatus and resorting to survival strategies. These further invigorate informal networks, relationships based on patronage and corruption and rules of the game that ensure the political class remains entrenched, unaccountable and detrimental to what is left of the state.

Poor governance, along with undemocratic, unconstitutional politics, is likely to make the problems fester to the point at which radical change will be the only means to tackle them. A cynical political class has a vested interest in putting off that moment, but, paradoxically, this is also a motivation that can be turned to the country’s advantage, as long as time and regional circumstances permit. While continuing to dither is a dead-end strategy for fixing the political system, any extensive alternative would be far worse in today’s dangerous environment.

The kinds of small but constructive steps that are feasible, however, include holding long-overdue parliamentary and presidential elections without waiting for an outside intervention to determine their outcomes, as has historically been the case and the excuse for postponement; adopting a policy toward Syrian refugees that both minimises security threats and ensures respect of their dignity and rights; implementing a fair judicial process for Islamist and other prisoners; and holding security personnel accountable for abuses against prisoners, refugees and other vulnerable groups. Moreover, Lebanon is a country where popular activism is still tolerated; its non-profit organisations involved in promoting common good and public reforms must do more to enhance governance and democratic values, to include fighting corruption and promoting rule of law.

If the political class and others who can influence Lebanon’s course fail to take such basic, self-evident steps, the country will succeed in little more than surviving present-day contingencies by mortgaging its future.

Beirut/Brussels, 20 July 2015

Subscribe to Crisis Group’s Email Updates

Receive the best source of conflict analysis right in your inbox.