icon caret Arrow Down Arrow Left Arrow Right Arrow Up Line Camera icon set icon set Ellipsis icon set Facebook Favorite Globe Hamburger List Mail Map Marker Map Microphone Minus PDF Play Print RSS Search Share Trash Crisiswatch Alerts and Trends Box - 1080/761 Copy Twitter Video Camera  copyview Whatsapp Youtube
سُبُل الخروج من المأزق الأوروبي في إعادة إعمار سورية
سُبُل الخروج من المأزق الأوروبي في إعادة إعمار سورية
A retired stone cutter stands on the balcony of his house with his wife and their grandchildren in Aleppo's Salaheddine district, Syria. April 13, 2019. REUTERS/Omar Sanadiki
Report 209 / Middle East & North Africa

سُبُل الخروج من المأزق الأوروبي في إعادة إعمار سورية

تشكل إعادة إعمار سورية التي مزقتها الحرب تحدياً للحكومات الأوروبية، غير المستعدة لإضفاء الشرعية على نظام دمشق عبر تمويل إعادة الإعمار. بدلاً من ذلك، يمكن للاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه تمويل مشاريع صغيرة دون تدخّل النظام واختبار مقاربة قائمة على مبادلة المساعدات بالإصلاحات.

  • Share
  • Save
  • Print
  • Download PDF Full Report

هذا ملخص تنفيذي لتقرير أطول. النسخة الكاملة متوافرة هنا

ما الجديد؟ تقترب الحرب في سورية من نهايتها، أما قدرة النظام في دمشق على تحقيق الانتصار في السلام أيضاً فهي غير مؤكدة. يبدو أن ثمة قلة ممن هم مستعدون أو قادرون على الاستثمار جدياً في إعادة إعمار البلاد؛ وأوروبا، القادرة على توفير مبالغ مالية كبيرة، تحجب دعمها في غياب عملية انتقال سياسي حقيقي.

ما أهمية ذلك؟ دون إعادة الإعمار، من المحتمل أن تتدهور الأحوال المعيشية للسوريين وأن يتأجل تعافي البلاد إلى ما لا نهاية، الأمر الذي من شأنه إطالة أمد الحالة الراهنة من عدم الاستقرار. إلا أن العديد من القادة الأوروبيين يعتقدون أن تقديم الدعم لإعادة الإعمار دون إجراء إصلاحات جوهرية من شأنه أن يحدث أثراً مماثلاً، وأن يعزز قوة نظام عازم على القمع، وليس على إعادة الإعمار.

ما الذي ينبغي فعله؟ ينبغي أن تدرس أوروبا تقديم الدعم لمشاريع إعادة تأهيل على نطاق محدود شريطة عدم تدخل النظام. كما يمكن أن تختبر مقاربة تراكمية قائمة على تقديم الحوافز، بمعنى رفع العقوبات بشكل تصاعدي، والتطبيع التدريجي للعلاقات وتقديم الدفعات المالية لإعادة الإعمار بالتتابع مقابل إجراء إصلاحات سياسية وخطوات يتخذها النظام لتخفيف حدة ممارساته القمعية والتمييزية.

 

الملخص التنفيذي

خلال ثماني سنوات من الحرب، دُمر أو تضرر أكثر من ثلث البنية التحتية في سورية. لكن بينما بدأ الصراع بالخمود، فإن من غير المرجح أن تتدفق أموال إعادة الإعمار قريباً. لقد أعلن الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه أنهم لن يمولوا إعادة الإعمار قبل أن يروا عملية انتقال سياسي "تسير بثبات". ويعتبرون تقديم التمويل غير المشروط أمراً غير بناء وربما مضراً بمصالحهم الاستراتيجية من حيث الاستقرار طويل الأمد. هذا الموقف، مضافاً إليه العقوبات الأمريكية والأوروبية على سورية، يمنع مشاركة استثمارات غربية كبيرة في تعافي سورية. دمشق وموسكو من جهتهما لا تظهران استعداداً لتلبية التوقعات السياسية الأوروبية. في هذا المأزق، ينبغي على أوروبا أن تستكشف طرقاً لتخفيف محنة السوريين في إطار القيود السياسية التي تفرضها، على سبيل المثال من خلال تمويل مشاريع إعادة تأهيل محدودة النطاق شريطة عدم تدخل النظام في تقديم المساعدات. كما أن بوسعها اختبار مقاربة قائمة على الحوافز، بحيث يتم تقديم المزيد من الدعم الاقتصادي إذا اتخذ النظام خطوات نحو إجراء إصلاحات سياسية ووضع حداً لممارساته القمعية والتمييزية.

بعد أكثر من ثماني سنوات من القتال، يبدو أن النظام السوري يخرج منتصراً. إلا أنه يفتقر إلى القدرة على معالجة الأضرار التي تسببت بها الحرب على البنية التحتية المادية في البلاد، وعلى الموارد البشرية والاقتصاد. رغم ذلك، فإن دمشق لا تبدي استعداداً لتقديم تنازلات أو دفع ثمن سياسي مقابل الدعم الدولي لإعادة الإعمار، الذي تعتقد أن شروطه، إذا تمت تلبيتها، ستضعف من قبضتها على السلطة. بعبارة أخرى، فإنها لا تجد مبرراً لتمنح خلال فترة من الهدوء ما لم تتنازل عنه خلال مواجهة الضغوط العسكرية الشديدة. تتمثل أولوية النظام عند الحصول على الدعم لإعادة الإعمار في تهيئة الظروف التي من شأنها أن تسمح له بإعادة فرض سيطرته والتصرف بصفته القوة السيادية التي كانها قبل الحرب. ولتحقيق ذلك فهو بحاجة لقيام الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي برفع العقوبات عن سورية، أو تخفيفها في الحد الأدنى.

لقد حاولت موسكو، الحامي والداعم الرئيسي للنظام، الحصول على مساعدات دولية لإعادة إعمار سورية، جزئياً لإعادة الشرعية إلى النظام وجزئياً لتحقيق الاستقرار في البلاد وتحضير الأرضية لخروجها العسكري منها. وتبدو مستعدة في الحد الأقصى للضغط على النظام كي يوافق على قيام عملية سياسية محدودة، بما في ذلك وضع دستور جديد، لكنها لا تظهر لا الاستعداد ولا القدرة على دفع النظام إلى تقديم أي تنازلات كبيرة تخاطر بإضعافه. وقد أبلغت القادة الأوروبيين بأن عليهم التوقف عن التمسك بالوهم المتمثل في أن أوراق العقوبات وإعادة الإعمار ما يزال من الممكن أن تحقق تغيير النظام الذي أخفقت ثماني سنوات من الحرب في تحقيقه.

رغم ذلك، فإن لروسيا مصلحة في إقناع أوروبا بالمساهمة في إعادة إعمار سورية من أجل تقليص كلفة تدخلها هي وضمان الاعتراف الدولي بحلها السياسي – العسكري لإنهاء الحرب. ولهذا السبب قادت موسكو حملة مكثفة في أواسط العام 2018 لإقناع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بدعم إعادة الإعمار، ليس مقابل عملية الانتقال السياسي، بل استناداً إلى الحجة القائلة بأن ذلك سيساعد في معالجة أزمة اللاجئين السوريين في أوروبا وفي الدول المجاورة لسورية.

لقد حذرت روسيا الأوروبيين من إساءة تفسير دوافعها؛ فهي قد تسعى إلى الحصول على الأموال لإعادة الإعمار لتحقيق أهداف معينة في سورية، لكن ليس لديها حاجة ملحة لهذه الأموال، لأنها تعتبر أن مصالحها الجوهرية قد تحققت أصلاً من خلال بقاء النظام. ولذلك فإنها تجادل بأنها ليست بحاجة للأوروبيين بقدر ما أن الأوروبيين بحاجة إليها، وأنها قد تتخذ خطوات نحو إجراء إصلاحات معينة غير محددة في سورية، لكن فقط إذا رفع الاتحاد الأوروبي عقوباته وبدأ بتقديم التمويل لإعادة الإعمار أولاً.

بالنسبة للولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي والعديد من الدول الأعضاء فيه، فإن هذا غير مقبول، فلا الولايات المتحدة ولا الاتحاد الأوروبي مستعدان لرفع العقوبات الآن. أما بالنسبة لإعادة إعمار المناطق التي يسيطر عليها النظام، فمنذ العام 2016 جعل الاتحاد الأوروبي التمويل مشروطاً بتحقيق تقدم حقيقي نحو الانتقال السياسي، كما يعرّفه قرار مجلس الأمن رقم 2254. وقد وضعت سياستها لتقديم المساعدات طبقاً لذلك، حيث ركزت على المساعدات الإنسانية ومنعت تقديم المساعدات لأي شيء آخر. هذا الموقف السياسي، الذي تقوده بريطانيا، وفرنسا وألمانيا (مجموعة الثلاث)، يفترض أن دعم إعادة الإعمار دون تحقيق عملية انتقال سياسي حقيقية سيشكل استثماراً مهدوراً، إن لم يكن ضاراً، حيث سيسبغ الشرعية على نظام يعتبرونه مجرماً. علاوة على ذلك، إنهم يعتبرون سياسة إعادة الإعمار التي يتبعها النظام لا تخدم أغلبية السكان وبالتالي فإنها تفاقم أحد الدوافع الرئيسية للصراع. الأهم من كل ذلك، هو أن الأوروبيين يريدون استخدام الوعد بتمويل إعادة الإعمار لدفع النظام نحو عملية انتقال سياسي حقيقي، يعتبرونه الطريق الوحيد لتحقيق الاستقرار طويل الأمد في سورية وبالتالي حماية مصالحهم الاستراتيجية.

رغم ذلك، فإن الموقف الأوروبي اتسم بوجود انقسامات داخلية واضحة حول كيفية لعب ورقة إعادة الإعمار، وبشكل عام، حول الموقف السياسي الذي ينبغي تبنيه حيال دمشق. حيث يعارض مسؤولون أوروبيون مقاربة تستند حصرياً إلى الحوافز السلبية؛ كما أنهم يؤكدون على الأثر الضار المحتمل الذي يمكن أن تحدثه استراتيجية مساعدات أوروبية تقتصر على المساعدات الإنسانية. حيث إن هذا قد لا يكون كافياً لمنع انهيار الخدمات العامة، والتسبب بمصاعب إنسانية أكبر، وعدم استقرار وما يترتب على ذلك من آثار. آخرون، بمن فيهم مجموعة الثلاث، يجادلون بأن عدم وجود ضمانات بأن المساعدات ستحقق هدفها المرجو ولا تؤدي إلى تعزيز قوة النظام، وعدم وجود انفتاح سياسي، يمنعها من مراجعة موقفها واستراتيجيتها في تقديم المساعدات.

بصرف النظر عن الانقسامات، فإن سياسة إعادة الإعمار التي تساهم فيها أوروبا تبقى مستقرة إلى حد بعيد بفضل ثلاثة عوامل: المبالغ المحدودة نسبياً من التمويل التي تخصصها بعض دول الاتحاد الأوروبي لمشاريع إعادة التأهيل الصغيرة وغيرها، والتي تعتبرها دول أخرى تطبق تعريفاً أقل مرونة للمساعدات "الإنسانية"، مثيرة للجدل؛ والآلية القائمة على الإجماع عند تجديد عقوبات الاتحاد الأوروبي، والتي تشكل عائقاً أمام دولة أو حتى بضع دول أعضاء تعارض الأغلبية؛ والإمكانات المالية المحدودة المتوافرة للدول الأعضاء التي قد تكون مستعدة لعدم الالتزام بالخط الرسمي للاتحاد الأوربي بشأن إعادة الإعمار.

أسهَم عدم تطابق التوقعات بين اللاعبين الرئيسيين في الوصول إلى المأزق الراهن. ما تأمل أوروبا بتحقيقه من حجب التمويل لإعادة الإعمار يصطدم مع أولويات دمشق واستعداد روسيا أو قدرتها على التأثير في تلك الأولويات. وهذا ما يضع أي احتمال لتحقيق الاستقرار في المناطق التي يسيطر عليها النظام موضع شك. بالنسبة لأوروبا، فإن الاستثمار بشكل كامل في إعادة الإعمار قد لا يساعد في نقل البلاد إلى وضع أفضل، إلا أن حجب أموال إعادة الإعمار من شأنه أن يعيق التعافي الاقتصادي وأن يترك السوريين في حالة عوز دائمة.

للخروج من هذا المأزق، يمكن لأوروبا أن تدرس المضي إلى أبعد من المساعدات الإنسانية وأن تبدأ بتقديم الأموال لمشاريع إعادة التأهيل في المناطق التي يسيطر عليها النظام مما سيساعد في منع انهيار الخدمات العامة الأساسية. في البداية، يمكن القيام بذلك على نطاق محدود، مثل عدم الاكتفاء بإصلاح نوافذ المستشفيات أو المدارس وحسب، كما تفعل بعض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي الآن، بل أيضاً إعادة بناء الجدران والأسقف. ويمكن أن تفعل ذلك شريطة أن تقدم الأموال بشكل مستقل، ودون تدخل النظام.

بالطبع، من غير المرجح لمثل هذه الاستراتيجية أن تحسّن الآفاق المستقبلية للاستقرار طويل الأمد. ولذلك ينبغي أن تستمر أوروبا في الدفع من أجل تحقيق تغيير سياسي، مهما كان تقدمه متواضعاً. ويمكن للأوروبيين أن يختبروا مقاربة تدريجية وتراكمية حيال إعادة إعمار قائمة على الحوافز الإيجابية، أي تمويل مشاريع إعادة تأهيل صغيرة، ورفع تدريجي للعقوبات، وتطبيع تدريجي للعلاقات وتقديم أموال إعادة الإعمار بشكل متتابع، مقابل شروع النظام، بدعم من روسيا، بتنفيذ القرار 2254 أو اتخاذ خطوات ملموسة حيال قضايا مهمة تتعلق بالانتهاكات المستمرة التي تمارسها الأجهزة الأمنية (بما فيها الاعتقال العشوائي والتعذيب) والمهجرين داخلياً، وحقوق الملكية، والتجنيد الإجباري، والمعتقلين والمختفين. مثل تلك الخطوات لن تنهي الصراع السوري الرهيب، ناهيك عن تحقيق نهاية مرضية له. لكنها قد تحقق قدراً من التغيير الإيجابي للشعب السوري.

بروكسل/بيروت/عمان، 25 تشرين الثاني/نوفمبر 2019