الدروس المستقاة من إخفاق الحوار الفرنسي - السوري
الدروس المستقاة من إخفاق الحوار الفرنسي - السوري
A Vital Humanitarian Mandate for Syria’s North West
A Vital Humanitarian Mandate for Syria’s North West

الدروس المستقاة من إخفاق الحوار الفرنسي - السوري

تركزت جهود الوساطة الفرنسية في لبنان أساسا على نظرية أن الحوار مع سورية سيكون مثمرا على عكس الضغوط التي تمارسها إدارة بوش. لذلك ترك انهيار هذا المسعى النشيط انطباعات لدى العديد من المسؤولين الغربيين والعرب تفيد بأن فكرة الحوار بحد ذاتها عقيمة. وبالتالي يفتح ذلك المجال واسعا أمام سياسة عزل وعقوبات مشكوك بجدواها. إن الإدارة الأميركية المقبلة إذا أرادت تجاوز هذا المأزق فإن عليها استلهام الدروس من هذا التقارب الخائب .

أما بالنسبة إلى باريس ودمشق فقد كانت الخيبة والشعور بالإحباط متبادلين. كان الرئيس ساركوزي يريد أن يسجل انتصارا سريعا ومذهلا، وبصورة أكثر عمقا فإنه كان يخشى على مصداقيته أمام واشنطن التي أطلقت يده في لبنان وهذا ما جعله لا يتسامح طويلا أمام وضعية الركود وعدم اليقين .

في المقابل فإن سورية لم تكن في وارد الركض وراء حلول مستعجلة ذلك أن التحديات المتعلقة بالحلول الممكنة تدعو أكثر إلى الصبر. لقد عرفت الساحة اللبنانية إعادة تشكل عميقة منذ الانسحاب السوري من لبنان في2005. أدت هذه العملية إلى فتح آفاق جذابة لسورية أكثر منها مقلقة، بمعنى أنه يمكن لتأثيرها أن يزداد قوة أو أن يشهد ضعفا ملحوظا، وهو الهدف المعلن لواشنطن وحلفائها اللبنانيين، خاصة أن عملية استبدال الرئيس اميل لحود المقرب من سورية من المحتمل أن تخلق ارتدادات عميقة على نظام سياسي حيث التوازنات دقيقة وكل القواعد خاضعة لإعادة التفاوض من جديد .

وسواء كانت سورية تريد إعادة سيطرتها على جارها لبنان أم لا، فإن ذلك يظل مسألة مفتوحة للنقاش، أما ما هو مؤكد فإن للبنان في نظر سورية أهمية أساسية لا يمكن للمبادرة الفرنسية أن تزيلها من التجربة التاريخية لدمشق. إن الشعور بأن بيروت تاريخيا شكلت جسرا لكل المحاولات التي تهدف إلى زرع عدم الاستقرار في دمشق لا يزال حاضرا في الذهنية السورية. كذلك يعتبر «حزب الله» بالنسبة الى سورية ورقة أساسية لإعادة الجولان المحتل وهو بذلك يظل الأداة الرئيسية لسورية لاستمرار تأثيرها في لبنان في مواجهة المشاريع الموصوفة بالعدوانية للأغلبية النيابية المقربة من الغرب . هناك اعتقاد قوي بأن دمشق لا يمكنها أن تعمل على فرض حل على «حزب الله» لا يرحب به هذا الأخير. ضمن هذا السياق فإن الجهة الفرنسية التي أوكلت اليها مهمة التباحث مع سورية كانت تفتقر إلى الوسائل الضرورية لفهم هذه الوضعية وبالتالي القدرة على تجاوز خطوط دمشق الحمراء. فقد حاول الأليزيه لي ذراع دمشق من ناحية ومن ناحية أخرى تعامل مع اللاعب الآخر القوي في المعارضة اللبنانية وهو الجنرال عون وكأن ليس لديه أي مستقبل سوى الانتحار السياسي .

في النهاية فإن سورية لا يمكنها أن تكون إلا جزءا من الحل في لبنان وهي ليست مستعدة لعمل زائد في أي وساطة بهدف تقليص الفجوة بين الفرقاء التي تزداد اتساعا بين يوم و آخر. فرنسا أيضا لم تكن إلا جزءا من الحل من وجهة النظر السورية التي لا ترى في هذا التقارب أي معنى إذا لم يعمل على إطلاق ديناميكية أكثر اتساعا باتجاه صفقة طموحة تتمثل في الاعتراف بالمصالح السورية في لبنان، والمصالحة مع الدول العربية، تغير السياسة الأميركية وتعيد المفاوضات حول الجولان. لقد أرادت دمشق بصورة أولية أن ترى إن كان بمقدور باريس تجاوز السياسة المتبعة في واشنطن ولذلك قدمت بعض الخطوات الانفتاحية الأولية عبر قبولها مرشحاً توافقياً ثم قامت بتسهيل مغادرة لحود بصورة سلسة وعبر المشاركة في مؤتمر أنابوليس، وهي بذلك زرعت بعض الشكوك في معسكر حلفائها .

أمام بالنسبة الى الثمن المحتمل العالي الارتفاع لأي تنازلات إضافية بالنسبة لدمشق، فإن الأمور ظلت ثابتة الأمر الذي رافقه شعور من الإحباط في دوائر الاليزيه وساد اعتقاد بأن دمشق كانت تريد أن تربح المزيد من الوقت. ففي كل مرة كانت تتوجه إلى الفرنسيين بضرورة الحل وسرعته، وفي ذات الوقت كان حلفاؤها اللبنانيون يؤجلون الموعد وإذا أضفنا بعض التصريحات السورية التحريضية وعودة مسلسل الاغتيالات السياسية فإن كل ذلك أدى في النهاية إلى قناعة في باريس بأن دمشق تلعب لعبة مزدوجة، وبالتالي فإن عودة سياسة القوة لإدارة بوش إلى لبنان سوف تقود دمشق إلى استنتاجات قياسية .

اليوم وبغض النظر عن التوعدات فإن الاليزيه ينظر في وسائل مختلفة لمعاقبة دمشق، والرئيس ساركوزي، الذي كان يفترض أن يكون الصديق الأفضل للرئيس الأسد، يبدو أنه قد ينقلب إلى ألد أعدائه إذا تحرك باتجاه عقوبات ضد سورية بالحيوية نفسها التي تحرك بها في الاتجاه المعاكس. وفي دمشق هناك عودة قوية لخطاب حربي يستند إلى مفاهيم «الكرامة» و «السيادة» وأن سورية لا تقبل بالمطلق أي إملاء. والسؤال الذي يطرح نفسه هو أي مقاربة يمكنها أن تساعد على حل أزمة تزداد تعقيدا وحدة؟ «الحوار» البسيط لا يغير شيئا في المعادلة، وعلى الإدارة الأميركية أن تتجاوز مجرد الحوار إلى مفاوضات جدية بهدف صفقة شاملة للتحقق من أن الحل في لبنان يمكن أن يمضي قدما والتأكد من ذلك قبل أن يصبح اللجوء إلى القوة خياراً لا يمكن استبعاده .

Subscribe to Crisis Group’s Email Updates

Receive the best source of conflict analysis right in your inbox.