دعوة لسياسة إطارية حيال سورية
دعوة لسياسة إطارية حيال سورية
A Vital Humanitarian Mandate for Syria’s North West
A Vital Humanitarian Mandate for Syria’s North West

دعوة لسياسة إطارية حيال سورية

مقدمة

وفقاً للمسار الراهن للحرب في سورية، حيث لا يلوح اختراق عسكري أو دبلوماسي في الأفق، فإن هذا المسار مرشّح للاتجاه نحو الأسوأ. بعد أربع سنوات من انطلاق انتفاضة شعبية انزلقت تدريجياً إلى صراع أهلي وحرب إقليمية بالوكالة، فإن أطراف الصراع في سورية ـ النظام والميليشيات الموالية له من جهة في مواجهة طيف واسع من فصائل المعارضة المسلّحة والمعارضة السياسية الخارجية ـ تتسم بدرجة من التشرذم، والهشاشة والإمعان في مسارها الحاليً إلى درجة تمنعها من تغيير الديناميكيات الراهنة بشكل جوهري. كما بات من الواضح الآن أنها غير قادرة على تحقيق نصر عسكري في حرب تغذّي بسرعة متزايدة نمو فئة ثالثة من اللاعبين تتمثل في المجموعات السلفية الجهادية. إن الدول الداعمة لهذه الأطراف هي في وضع أفضل يمكّنها من تغيير مواقفها وبالتالي التأثير في مسار الأحداث، إلاّ أن هذه الدول هي في الواقع أسيرة لنواقصها، ومخاوفها وتفكيرها الرغبوي.

مهما كان ما قد تعتقده أطراف الصراع، فإن ما من طرف منتصر في هذه الحرب. حتى مع تعزيز القوات الموالية للنظام لسيطرتها على مناطقها الرئيسية في غرب سورية (من دمشق إلى الساحل، عبر حمص)، فإن الوضع العسكري الأوسع للنظام يتدهور. إن محدودية القوى البشرية التي يمكنه حشدها والمعدّلات المرتفعة لاستنزاف هذه القوى تجعله غير قادر على التعويض عن النضوب المستمر في صفوفه عن طريق حشد قوة فعّالة من الجنود أو الميليشيات؛ ونتيجة لذلك، فقد بات يعتمد بشكل متزايد على المقاتلين الأجانب، بما في ذلك حزب الله وميليشيات شيعية غير سورية أخرى متحالفة مع إيران. لكن حتى مع مثل هذا الدعم، فإن النظام يتراجع خارج مناطقه الرئيسية ـ كما ظهر جليّاً في المكاسب التي حققتها المجموعات المسلّحة في الجنوب بين آب/أغسطس 2014 ونيسان/أبريل 2015؛ وسقوط مدينة إدلب عاصمة المحافظة التي تحمل الاسم نفسه في آذار/مارس 2015؛ وتقدّم تنظيم الدولة الإسلاميّة ضد قوات النظام في وسط سورية خلال شهري آذار/مارس ونيسان/أبريل 2015.

المعارضة السورية غير الجهادية هي أيضاً تحقق نتائج متفاوتة. رغم أن فصائل المعارضة المدعومة عربياً وأمريكياً في الجنوب لها اليد العليا على المجموعات الجهادية ولعبت دوراً قيادياً في المكاسب التي حققتها المعارضة، والتي أشير إليها أعلاه، فإن نظراءها في الشمال تراجعوا أمام جبهة النصرة المرتبطة بتنظيم القاعدة في أواخر عام 2014 ومطلع عام 2015. تمكّنت جبهة النصرة من القضاء على فصائل أساسية مدعومة أمريكياً في محافظتي إدلب وحلب؛ رغم أن طيفاً من الفصائل الإسلامية التي ترفض أجندتها الجهادية العابرة للأوطان وتتمتع بعلاقات مع تركيا وقطر لا تزال قوية في الشمال، فإنها تعتمد على المشاركة الرئيسية لجبهة النصرة في المعارك ضد النظام وكذلك في جهودها لمنع تنظيم الدولة من تحقيق تقدّم شمال حلب.

لقد ساعدت الضربات الجوية التي تقودها الولايات المتحدة في إخراج تنظيم الدولة من المناطق الكردية الواقعة إلى الشرق من حلب لكنها لم تضعف قبضته بشكل كبير في شرق سورية. كما أنها لم تمنعه من تحقيق المزيد من المكاسب في مناطق أخرى، كما ظهر في هجوم تنظيم الدولة في نيسان/أبريل 2015 على مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين المحاصَر والذي يشكّل أحد أحياء دمشق.

إن تجنيب سورية والأطراف الخارجية المعنية بالشأن السوري المزيد من سنوات الحرب، وارتفاع التكاليف، والمزيد من التدمير للنسيج الاجتماعي الممزَّق في البلاد وتفاقم حدة التطرف العابر للحدود، يتطلب جهداً جاداً، أولاً وقبل كل شيء، لتعريف المعايير الرئيسية لحل سياسي نهائي. لا بدّ للطرفين وللدول الداعمة لهما من تقديم تنازلات كبيرة لمعالجة وقائع لا يمكن التغاضي عنها والمتمثلة في أن بشار الأسد لا يمكنه أن يحكم سورية ما بعد الحرب؛ وأن النفوذ الإيراني في بلاد الشام لا يمكن إزالته أو إنهاؤه بشكل كامل.

على اللاعبين الخارجيين المتخوفين من الخيارات الصعبة أن يفكّروا ليس فقط في الدرجة المروّعة التي انزلقت إليها هذه الحرب، بل بما ينطوي عليه استمرارها من احتمالات لزعزعة الاستقرار. تتبدى في الصراع في سورية جملة من الظواهر المدمّرة تتمثل في استخدام النظام للأسلحة الكيميائية والصواريخ الباليستيّة والبراميل المتفجرة ضد شعبه؛ والاعتقالات بالجملة، وعمليات التعذيب والإعدام التي تقوم بها أجهزة الأمن التابعة للدولة؛ والعقوبات الجماعية من خلال التجويع والقصف الذي لا يميّز بين مدنيّين ومقاتلين (وهي تكتيكات قامت بها كلا من الطرفين، ولكن بدرجات ونطاقات مختلفة)؛ والتطهير الطائفي؛ والهجمات الانتحارية؛ واستعمال المقاتلين المتطوعين الأجانب؛ وظهور أمراء الحرب والعصابات؛ واستخدام الاغتصاب كسلاح حرب؛ وانتشار الأوبئة بسبب انهيار الخدمات العامة. نسبة كبيرة من الأطفال الذين عاشوا خلال هذه الظروف الصعبة لم يداوموا في المدارس منذ عدة سنوات. إن ما يطلق عليه بشكل مضلل "الجيل الضائع"، الذي لا مخرج أمامه سيكون، في السرّاء والضرّاء، هو الجيل الذي سيشكّل مستقبل سورية. كل هذا يجري في قلب المنطقة وعلى أعتاب أوروبا.

افتراضات خاطئة

الولايات المتحدة والغرب: حرب جديدة على "الإرهاب"؟

في الغرب، يستحضر الصراع في سورية شعوراً بالإعياء، والخطاب المتناقض والمنفصل عن السياسات، ومقاربة لمكافحة الإرهاب معرّفة بشكل ضيق على أنها مواجهة التطرّف العربي السني من خلال مزيج من البيانات العامة والضربات الجوية. لقد دأبت الحكومات الغربية على القفز من موضوع إلى آخر.

السياسة الغربيّة المهيمنة، أي سياسة واشنطن، تبدو الأكثر تناقضاً، إلى حد أن بعض اللاعبين في كلا المعسكرين المتصارعين في سورية ليسوا على يقين أي الجانبين هو الجانب الذي تسانده الولايات المتحدة حقاً. من وجهة نظر مسؤولين في البيت الأبيض، فإن واشنطن تدعم المعارضة؛ إلاّ أن سياستها تتمثل بشكل أساسي في تقليص انخراط الولايات المتحدة في الصراع إلى الحد الأدنى وتخفيض التكاليف السياسية قصيرة الأجل لهذا الانخراط المحدود.

لقد أدّى صعود تنظيم الدولة وما تلاه من تشكيل التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة لمواجهة التنظيم إلى إبراز التناقض الذي تنطوي عليه هذه المقاربة. إدارة أوباما تقول إن مشاركة القوات العربية السنّية المعتدلة أمر جوهري لإلحاق الهزيمة بتنظيم الدولة، إلاّ أنها تقول أيضاً إنها تفتقر إلى مثل أولئك الشركاء الذين يمكن أن تعمل معهم في سورية ـ وهي مقولة مهمة، بالنظر إلى شهور من الدعم الأمريكي المتواضع لفصائل مختارة من المعارضة المسلّحة. في محاولة لمعالجة هذا التناقض، تعمل واشنطن ببطء على تحضير الأرضية لتدريب وتسليح خمسة آلاف من مقاتلي المعارضة كل عام بعد دراسة خلفياتهم بينما تؤجّل القرارات الحاسمة المتعلقة بما إذا كانت ستحميهم من الضربات الجوية التي يشنّها النظام، وهو ما تعتبره المجموعات المسلّحة أكبر تهديد يواجهها.

في هذه الأثناء، فإن الرسائل التي تبعث بها واشنطن إلى دمشق وداعميها تبدو مختلطة أيضاً. تتغاضى الولايات المتحدة عن الضربات الجوية التي يشنّها النظام والتي لا تميّز بين مدني ومقاتل في المناطق التي يسيطر عليها الجهاديون والتي تشن عليها هي نفسها ضرباتها الجوية، وهو ما يجعل الخط الفاصل بين منطقيهما غامضاً. كما أنها امتدحت الجهود الأحادية التي تبذلها روسيا لتيسير المسار السياسي، رغم عدم وجود ما يشير إلى أن موسكو مستعدة (أو قادرة) على انتزاع مشاركة ذات معنى من قبل النظام. ولهذا ليس من العجب أن النظام وحلفاؤه يعبّرون عن التفاؤل بأن الولايات المتحدة ستقبل في النهاية باستمرار حكم الأسد. من شبه المؤكد أن توقعاتها في ذلك لن تتحقق. إن التكلفة السياسية، المحلية والدولية، لتبنّي سياسة معاكسة لسياستها الحالية القائمة على ضرورة تنحّي الأسد هي تكلفة باهظة، كما أن مثل هذا التحوّل من شأنه أن يفاقم من المشكلة الجهادية (كما سيتم بيانه أدناه).

إذا كانت سياسة واشنطن غامضة، فإن هناك وضوحاً في الخطاب على الأقل حيال هدف واحد يتمثل في إضعاف تنظيم الدولة وتدميره في النهاية. يبدو أن التطرّف العربي السنّي يطغى على الأولويات الأخرى، ويعيد تأطيرها من هذا المنظور نفسه، ويفرض نفسه بوصفه البند الأكثر إلحاحاً على جدول الأعمال. إلاّ أن هذا محكوم بالفشل لثلاثة أسباب أساسية:

  • إن التطرّف العربي السنّي هو نتاج لكل ما لم تتم معالجته في هذا الصراع: القمع المفرط الذي يمارسه النظام، وانقسام المعارضة وغير ذلك من نواقصها المدمّرة، وانهيار الوضع الإنساني، وتلاقُح التشدّد السنّي والشيعي والعلوي المتصاعد. إن معالجة الأعراض بينما يتم تجاهل الأسباب من شأنه فقط أن يصرف الانتباه عن الديناميكيات المدمّرة العميقة للصراع، وأن يوفّر غطاء للأطراف الضالعة فيه ويعزز العوامل التي تمنح المتشددين المزيد من القوّة.
  • ليس هناك حالياً أي أساس للدول على طرفي الصراع للتعاون ضد عدو جهادي مشترك. في حين أن الدول الداعمة للمعارضة، بما فيها الولايات المتحدة، تَعدُّ تمكين لاعبين سنّة معتدلين وذات مصداقية أمراً جوهرياً لإلحاق الهزيمة بالجهاديين (وإنهاء الحرب في النهاية)، فإن إيران تعمل في الاتجاه المعاكس، فحلفاؤها، وعملاؤها وقادتها الميدانيون (المتواجدون بشكل متزايد) يستخدمون تكتيكات عسكرية وسياسية تسهم ـ من حيث النتيجة إن لم يكن من حيث النية ـ في إضعاف وتهميش الشركاء السنّة المعتدلين الذين تَعدُّهم واشنطن أساسيين في عكس المكاسب التي يحققها الجهاديون.
  • انتصار النظام لن يكون مفيداً: إن ما يُعتقَد أنه واقعية سياسية، مثل السماح للنظام السوري بوصفه "الشر الأقل خطراً" أو "الشيطان الذي نعرفه" بالانتصار من خلال سحق جميع أشكال المعارضة، أمر أبعد ما يكون عن الواقعية السياسية؛ بل على العكس، سيجعل الأمور أسوأ. إن "انتصار" النظام، إذا كان ممكناً فعلاً، فإنه في أفضل الأحوال سيستغرق سنوات؛ وسينطوي على أشكال ومستويات من القمع لا تقبل بها الولايات المتحدة والآخرون؛ وسينطوي على إشراك أعداد إضافية من الجهاديين الشيعة للتعويض عن محدودية القوى البشرية المتاحة للنظام؛ وسيتطلب، من أجل تحقيق درجة أكبر من التطبيع المستدام، عملية إصلاح وإعادة بناء لم يُظهر النظام أي قدرة على القيام بها ولا يبدي داعموه اهتماماً يذكر بها؛ وسيرفع من حدّة التطرف وبالتالي سيؤدي إلى نتائج عكسية؛ وإلى اختلال في التوازن الإقليمي بشكل يمكن أن يفضي إلى مزيد من عدم الاستقرار.

 

اللاعبون الإقليميون وروسيا: منطق أن أي مكسب يحققه أي من الطرفين يعني خسارة للطرف الآخر

الداعمون غير الغربيين الرئيسيين لكل من الطرفين مقيّدون بمجموعة من الرؤى الضيقة المختلفة. تنظر كل من إيران، وروسيا، وتركيا، والسعودية وقطر إلى الصراع على أن توازن القوى فيه يعكس ويرسّخ تراتبية إقليميّة ودوليّة أوسع. ومن هذا المنظور، فإن النصر ينشأ عن السيطرة على المزيد من الأراضي، وهي وظيفة البنادق، والمقاتلين، والموارد والقدرة على التحمّل. أما الناس الذين يتعرضون لهذا العنف فيُتوقّع منهم إما أن يتحملوه أو أن يتحوّلوا إلى لاجئين.

طهران وموسكو تدعمان ـ لوجستياًّ ومالياًّ ودبلوماسيّاً ـ محاولة النظام الانتصار على هذا الأساس. لم تستعملا أيّاً من نفوذهما الكبير لمنع دمشق من تدمير بنيتها التحتيّة وتهشيم مؤسساتها الرئيسية (باللجوء على نطاق واسع إلى الميليشيات والمقاتلين الأجانب لمواجهة خصومها)؛ وتنفير السوريين إلى حد تحويل الحياديين إلى خصوم من خلال العنف المفرط؛ وإلحاق الضرر بمكانتها الدولية بشكل لا يمكن إصلاحه؛ ومن اتخاذ خطوات أحاديّة تسهم في تعقيد أي حل سياسي محتمل (كما في حالة "إعادة انتخاب" الأسد الاستفزازية عام 2014).

رغم ذلك فإن دمشق ورعاتها يؤكدون على أن النظام قد انتصر بشكل أساسي لأنه لم يُهزَم، وأنه استعاد هذه المدينة أو تلك، وأنه يتمتع بالدعم لدى شرائح واسعة من المجتمع ويواجه معارضة معتدلة فقدت قوتها في بعض أنحاء البلاد. ويعتقدون أن هذا "النصر" ينبغي أن يخوّل النظام فرض تسوية سلميّة لصالحه، ولو من خلال تعهدات غامضة وغير ملزمة بالإصلاح والمصالحة. ويأسفون لرفض الطرف الآخر الإقرار برؤيتهم للواقع.

إن هذا الموقف بعيد جداً عن الوقائع العسكرية والجيوسياسية. من غير المحتمل أن يتوقف الداعمون عن دعمهم للمعارضة غير الجهادية طالما ظل الأسد رئيساً، حيث إن ثمن دعم المعارضة المسلّحة يظل أقل من الكلفة السياسية للاستسلام؛ كما ينظر إلي هذه المعارضة المسلّحة على نطاق واسع على أنها جزء محوري من الحرب ضد تنظيم الدولة. علاوة على ذلك، فإن النظام بمفرده لا يستطيع استعادة معظم الأراضي التي خسرها، كما أن داعميه الخارجيين لا يستطيعون تحمّل كلفة انتزاع هذه الأراضي واحتلالها نيابة عنه.

إنّ التلاشي المستمر لقوة النظام العسكريّة أمر واضح: في النصف الثاني من عام 2014 تعرّض لخسائر ملفتة في الجنوب والشرق بينما لم يحقّق تقدّماً يذكر في أماكن أخرى؛ وفي آذار/مارس 2015، خسر مدينة إدلب كما خسر أحد مواطئ قدمه الرئيسية في محافظة درعا خلال أسبوع واحد. لقد بات يعتمد بشكل حاسم على المقاتلين الأجانب (خصوصاً حزب الله، لكن أيضاً على الطواقم الإيرانية والمقاتلين الشيعة من العراق وأماكن أخرى) للتعويض عن محدودية القوى البشرية المتاحة له؛ وقد لعب ضباط الحرس الثوري الإيراني ومقاتلو حزب الله أدواراً رئيسية وعلنية في الهجوم الذي شُنَّ في شباط/فبراير 2015 لتعويض الخسائر التي مُني بها جنوب دمشق (وهي محاولة لم تحقق سوى مكاسب متواضعة). إذا أضيف إلى ذلك الضائقة المادية الشديدة التي يعاني منها النظام، فإن النتيجة هي أن إيران، بوصفها الداعم الرئيسي للأسد، ستتحمل التكاليف المتصاعدة للمحافظة على نظام ألحقت وحشيته ضرراً لا يقاس بسمعة طهران في أوساط العرب السنة.

تركيا والسعودية وقطر، من جهتها، تبنّت نفس المنطق الذي يرى في أي مكسب يحققه أحد الطرفين خسارة للطرف الآخر. بعد إخفاق هذه القوى في محاولتها لإسقاط النظام، فإنها خفّضت سقف طموحاتها إلى إفساد وتعطيل تطلعات المعسكر الآخر (إضافة إلى السعي، في حالة أنقرة، إلى احتواء الفصيل الكردي السوري المرتبط بالمتمردين الأكراد الأعضاء في حزب العمال الكردستاني في تركيا). نظراً لعدم ثقة هذه الدول بتماسك شركائها السوريين وقدراتهم في الميدان، فإنها كانت أقلّ ثباتاً ووضوحاً في دعمهم مما أظهرته روسيا وإيران في دعمهما للنظام، ما جعل المعلّقين يلجؤون إلى التنبؤ بشأن طبيعة علاقاتها مع مختلف المجموعات المسلّحة، خصوصاً الإسلامية منها، وبما فيها الفصائل الجهادية. لقد تسبّب تبايُن حساسيتها السياسية إلى تعايش مضطرب بدلاً من نشوء تحالف حقيقي، وهو ما يسهم في جعل الصورة أقل وضوحاً وإضعاف المعارضة. لقد أخفقت هذه القوة بالتنسيق بالشكل الكافي مع بعضها بعضاً ومع الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا للتحفيز على الفعالية والاعتدال والتماسك بين الخصوم السياسيين والمسلّحين داخل المعارضة. وكما هو متوقّع، فإن المجموعات الجهادية استغلّت هذا التشتت.

من أجل تغيير التوازن القائم على الأرض والتغلّب على نقاط ضعفهم، حاول الداعمون الإقليميون للمعارضة، لكن دون نجاح، اجتذاب الولايات المتحدة إلى صفّهم، فطالبوا بفرض منطقة حظر جوي وتقديم أسلحة متقدّمة تُظهر بشكل أساسي أنّ القوة العسكرية الأبرز في العالم تقف وراءهم. وفي انتظار تحقيق اختراق لا يبدو قريب المنال، فإن الموقف الذي تبنّوه كان اللجوء إلى حرب الاستنزاف. وهكذا فإن الهدف الوحيد الذي يمكن تبنّيه في إطار سياسة سعودية غائمة، في هذه المرحلة، يتمثل في إغراق إيران في صراع بعيد نسبياً، ومُكلف ولا يمكن الانتصار فيه، يستنزف مواردها وشعبيتها. يمكن لهذا الهدف أن يكون منطقياً من الناحية الاستراتيجية لولا التطرّف المتزايد الذي يمكن القول إنه يهدد السعودية أكثر مما يهدد إيران، وحدوث تصعيد إقليمي مكلف للجميع ولا يمكن لأحد الانتصار فيه.

عناصر الحل

إطار لتسوية سياسية

إن القبول بالوضع الراهن في سورية سيعني حرباً مستمرة تغذّي المزيد من التطرّف. لتحاشي ذلك، على اللاعبين الخارجيين أن يتوصّلوا في النهاية إلى تحديد مطالبهم الجوهرية التي يمكنهم تحقيقها، بدلاً من السعي لتحقيق أهداف متعددة ووهمية. عندها يمكن لديناميكية إيجابية أن تتولّد وتفضي في النهاية إلى التفاوض على تسوية سياسية مستدامة يستطيع هؤلاء اللاعبون ضمانها. وهذا يتطلب تنازلات متبادلة صعبة، إلاّ أن الحصيلة ستكون أفضل بكثير من حيث حماية مصالح الجميع ـ والأكثر أهمية حماية مصالح السوريين ـ من استمرار الحرب. ويمكن لمثل تلك التسوية أن تبدو على النحو الآتي:

إن أفضل طريقة يمكن للولايات المتحدة وحلفائها الغربيين الخروج من الدوامة السورية هي وضع استراتيجية واضحة لتعزيز قوة المعارضة غير الجهادية بالتنسيق مع أنقرة والرياض والدوحة، وفي الوقت نفسه أن تبعث برسالة إلى إيران باستعدادها للتفاوض على تسوية مستدامة تأخذ مخاوف طهران الجيوسياسية الجوهرية بعين الاعتبار. وستسعى تلك الاستراتيجية إلى تحقيق هدفين جوهريين:
1. تغيير توازن القوى فيما بين المجموعات المسلّحة بحيث لا يكون لصالح تنظيم الدولة وجبهة النصرة بل لصالح المجموعات المستعدّة للتوصّل إلى حل سياسي مستدام.

يمكن تحقيق ذلك بتعزيز قوة الفصائل غير الأيديولوجية وتحفيز الانخراط السياسي البناء في أوساط العناصر الإسلامية المستعدة لاستبعاد نفسها عن المجموعات الجهادية العابرة للأوطان. في المحصلة، ستهدف هذه الاستراتيجية إلى إجبار المجموعات المسلّحة السورية على الاختيار بين الدعم الخارجي الكبير والحصول على دورٍ في المستقبل السياسي التعددي في بلادها من جهة، واستمرار التعاون مع جبهة النصرة (أو أي مجموعة جهادية عابرة للأوطان) من جهة أخرى. ينبغي دقّ هذا الإسفين بشكل تدريجي؛ فالجماعات المسلّحة غير الجهادية لن تتخلى عن مساعدة جبهة النصرة في الميدان ما لم يكن لديها قدرات ودعماً خارجياً كافيين للعمل دون مساعدة جبهة النصرة.
2. تمكين المجموعات غير الجهادية من الصمود ضد قوات النظام والتقدّم على حسابها.

من شأن هذا أن يقلّص العائد على الاستثمارات الإيرانية والروسية في قوات النظام، وفي الوقت نفسه تحسين قدرات المعارضة غير الجهادية ومصداقيتها على حساب أعدائها ومنافسيها الجهاديين. مع ازدياد قوة الجماعات المسلّحة غير الجهادية، يصبح بوسعها الاستيلاء على المزيد من المناطق من المجموعات الجهادية؛ لكن على الحكومات الغربية أن تدرك أن الوقائع العسكرية والسياسية تربط الصراع ضد الجهاديين بالحرب الأوسع ضد النظام. لا تستطيع المعارضة غير الجهادية أن تحقق المكاسب ضد المجموعات الجهادية بينما تتجاهل النظام.
كل هذا سيتطلب تنسيقاً أوسع وأعمق مع وبين الدول الإقليمية الداعمة للمعارضة. ينبغي أن تنسّق جميعاً دعمها بحيث تواجه فصائل المعارضة المسلّحة مجموعة متماسكة من العصي والجزرات التي تشكّل حوافز على الانخراط السياسي البراغماتي واحترام المجتمع المدني المحلّي، ومعاقبة التكتيكات التي لا تميّز بين مدني ومقاتل، والسلوك الإجرامي والخطاب الطائفي. كما يتطلب سياسة أمريكية جادة لردع النظام وحلفائه عن الاستمرار في جهودهم للقضاء على نفس القوى التي تعبّر واشنطن عن التزامها الآن بتدريبها وتسليحها. يمكن تحقيق ذلك بإرسال إشارة واضحة إلى النظام وداعميه مفادها أن الهجمات التي تستهدف المجموعات التي درّبتها الولايات المتحدة، أو المناطق المدنية المجاورة لها، ستواجَه بردّ متناسب من قبل الولايات المتحدة أو حلفائها.

إن إظهار هذا التصميم سيلغي الفكرة القائمة في أذهان رعاة النظام والقائلة بأن الوضع الراهن يؤدي إلى تسوية الصراع بشروطهم. ينبغي تخفيف حدّة مخاطر إثارة تصعيد إيراني معاكس، أو تغذية الآمال المتجددة في أوساط المعارضة بإمكانية تحقيقها لنصر عسكريّ حاسم من خلال رسائل واضحة تبعثها واشنطن باستعدادها للتفاوض على حل سلمي ينهي حكم بشار الأسد لكن يشمل أيضاً المحافظة على مؤسسات الدولة وإصلاحها؛ وتقديم ضمانات أمنية فعلية لجميع مكونات المجتمع؛ ووضع ترتيبات أمنية لا مركزية تمكّن القوى المحلية من لعب دورٍ قيادي في توفير الحماية لنفسها؛ وتحديد المسؤوليات من خلال بنود دستورية تحدد أسس الدولة السورية التعددية الجديدة.

يمكن لإيران أن تحافظ على مصالحها في لبنان من خلال هيكلية بديلة للسلطة في سورية غير متحالفة مع أي محور إقليمي معيّن ولا تهدد طهران. ولا يمكن لها أن تفرض نفسها كلاعب إقليمي مقبول بالقوة ، كما لا يمكنها بسهولة تحمّل التكاليف بعيدة المدى للاستمرار في دعم الأسد مالياً وعسكرياً. إذا كانت إيران راغبة بتحاشي الانزلاق أعمق وأعمق إلى حرب لا نهاية لها يُنظر إليها وإلى عملائها بتزايد على أنها قوى محتلّة، فإنّ عليها القبول بأقل مما كانت تتمتع به حتى الآن، وهو نفوذ غير قابل للتنافس على دولة سورية داخل "محور المقاومة" التابع لها ـ والتفاوض من أجل الحصول على ما تتطلبه أجندة سياستها الخارجية: استمرار صلتها بحزب الله في لبنان، ووجود سورية غير متحالفة حصرياً مع منافسيها الإقليميين. يمكن لمثل هذا الحل أن يبقى منسجما مع بعض عناصر مقترح إيراني تم طرحه في عام 2013 ودعا (إضافة إلى إعادة توضيبه لطروحات النظام الدبلوماسية) إلى نقل الصلاحيات الرئاسية إلى حكومة ومن ثم إجراء انتخابات حرّة ونزيهة بمراقبة دوليّة.
وعلى نحو مماثل، يمكن للداعمين الإقليميين الرئيسيين للمعارضة ـ السعودية وتركيا وقطر ـ تحقيق أهدافهم المشتركة في سورية وذلك من خلال تقديم تنازلات فيما يتعلق بالأولويات الثانوية التي لا تمتلك هذه الدول القدرة على تحقيقها. بالموافقة على دعم ترتيبات أمنية لا مركزيّة والقبول بسورية غير منحازة بدلاً من الانضمام إلى محور سعودي أو تركي أو سني أوسع، يمكن للداعمين الإقليميين للمعارضة الحصول في النهاية على رحيل الأسد كجزء من عملية انتقالية.
إن دور تركيا مهمّ على نحو خاص. بالنظر إلى أنها قوة إقليمية تتشاطر حدوداً طويلة مع شمال سورية وتمتلك نفوذاً كبيراً على الفصائل المسلّحة العاملة في تلك المنطقة، فإن دورها محوري في تغيير توازن القوى بين المجموعات المسلّحة المعارضة (كما تم وصفه أعلاه) وفي النهاية ضمان التوصل إلى حل سياسي. ينبغي أن تؤخذ مصالحها الجوهرية بعين الاعتبار والمتمثّلة في دولة قادرة ومستعدة للمساعدة على احتواء المجموعات العاملة حالياً في تركيا، وحماية حدودها؛ وعودة ما يقارب مليوني لاجئ سوري تستضيفهم تركيا؛ وفتح المناطق ذات الأغلبية الكردية في الشمال (والتي يسيطر عليها حالياً الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني) للمشاركة التعددية والمنصفة من قبل جميع القوى الاجتماعية والسياسية بشكل يضمن وجودها كجزء لا يتجزأ من سورية.

ستستفيد روسيا من التيسير والرعاية المشتركة لحل حقيقي في سورية أكثر مما تستفيد من التصدّي للمخططات الغربية دون تقديم بدائل ملموسة. سيفضي ذلك ليس إلى تعزيز مكانتها الدولية وحسب، بل إلى معالجة أفضل للتهديد الجهادي. إن ازدياد اعتماد النظام على الميليشيات المدعومة إيرانياً يعني أن نفوذ موسكو على دمشق سيتقلّص، بشكل يتناسب عكسيّاّ مع نفوذ طهران، مع استمرار الحرب، على الأقل لأن تنامي الميليشيات سيسرّع في تآكل أجهزة الدولة التي استثمرت بها روسيا، وخصوصاً القوات المسلّحة. إذا كانت روسيا ترغب بتعظيم دورها في تسوية الصراع ـ وبالتالي تعزيز نفوذها على معايير الحل التفاوضي ـ ينبغي أن تتحرك إلى الأمام وبسرعة على جبهة الحل السلمي. أما لعبها دوراً ثانوياً في محاولة محكومة بالفشل لإعادة الشرعية لرئاسة الأسد فيمكن أن يكون مكلفاً وأن يعود بالفائدة على الجهاديين.
يمكن للحكومات الأوروبية التخفيف من حدة التهديد المزدوج المتمثل في الجهادية المتنامية فيها وهجرة اليائسين إليها بتطبيق أكثر فعاليّة للأداة الوحيدة في السياسة الخارجية التي لا تثير الانقسامات والمتمثلة في المساعدات الإنسانية. وهذا يتطلب، أولاً وقبل كل شيء، المزيد من الأموال لبرامج تخدّم 12.2 مليون شخص بحاجة للمساعدات داخل سورية و 3.9 مليون سوري لاجئين في البلدان المجاورة. كما أن ثمة حاجة لدرجة أفضل من التنسيق، بين المانحين أنفسهم وبين الشركاء المنفّذين. وتشمل الأولويات في هذا المجال الضغط على دمشق للسماح بإيصال المساعدات الإنسانية إلى المناطق المحاصرة وإزالة العقبات الإدارية التي تعيق تقديم المساعدات في أماكن أخرى؛ ومقاربات إبداعية للأزمة التعليمية الخطيرة، حيث هناك أكثر من مليوني طفل سوري خارج المدرسة؛ وزيادة التمويل لمعالجة نقاط الضعف في برامج الأمم المتحدة الداعمة للاجئين؛ وزيادة المساعدات التنموية للبلدان المجاورة التي تتحمل أعباء أزمة اللاجئين.
ستتحسن القدرة على التعامل مع هذا المستنقع إذا ركّز الجميع على الحدود الدنيا لمطالبهم. سيستمر كل من النظام والمعارضة بالسعي للانتصار والهيمنة على الآخر ـ سواء من خلال الجهود العسكرية أو فرض شروط على الانخراط السياسي. إلاّ أن القوى التي تتمتع بالنفوذ على الطرفين يمكنها على الأقل الشروع في الحديث عما ينبغي أن يُفرَض في نهاية المطاف.

عملية سياسية تقودها الأمم المتحدة

حالما يتم تحديد مرتسمات الوضع النهائي، يمكن للعمل الصعب المتمثل في تحديد عناصر خارطة طريق أن يبدأ. وقد كان هذا غائباً حتى الآن، وهو ما يفسّر إخفاق ثلاثة مبعوثين متعاقبين للأمم المتحدة في تحقيق أي اختراق. لم تتمخض محادثات "جنيف 2" بين وفدي النظام والمعارضة في مطلع عام 2014 عن الكثير؛ أما النقاشات التي جرت في موسكو والتي تغيَّب عنها كثيرون بعد عام من الزمن فإنها كانت أقل نجاحاً حتى من محادثات جنيف. الوثيقة التي كانت الأساس لمحادثات "جنيف 2"، أي إعلان جنيف الصادر في حزيران/يونيو 2012، مهمّ من حيث دعوته لتأسيس هيئة انتقالية متفق عليها تتمتع بسلطة تنفيذية كاملة. أُقِر هذا الإعلان من قبل مجلس الأمن، وهو بالتالي يجسّد إجماعاً ثميناً بين موسكو وواشنطن. إلاّ أن هذا الإجماع الضيق وحده لا يشكل أساساً كافياً لإطلاق عملية سياسية. تمكّنت روسيا من إقناع النظام بحضور جنيف 2 لكنها لم تكن مستعدة أو قادرة على إقناعه بالانخراط ـ ولو شكليّاً ـ بجوهر إعلان جنيف. وعملت الولايات المتحدة والدول الأخرى الداعمة للمعارضة على تحقيق أداء أفضل لممثلي المعارضة، إلاّ أن ذلك النجاح لم يحقق الكثير مقارنة بإخفاقاتهم الأوسع، في جميع الحالات الأخرى، في تشجيع المعارضة بشكل فعّال على الانخراط السياسي المثمر.

مع فشل جنيف 2، ونظراً لأن أي من الديناميكيات العسكرية أو السياسية ذات الصلة لم تكن بوضع أفضل، فإن المبعوث الحالي للأمم المتحدة، ستيفان دي ميستورا، ضيَّق مبدئياً من تركيزه من أجل تحقيق "تجميد" للقتال في حلب، كخطوة يتم الانتقال منها إلى حالات تجميد مشابهة في أماكن أخرى. وكان المقصود من مصطلح "التجميد" الذي استخدمه لتمييز الهدف الذي يسعى لتحقيقه عن "حالات وقف إطلاق النار" التي تم التوصل إليها سابقاً في أماكن أخرى من البلاد. لقد جعل النظام من حالات وقف إطلاق النار عنصراً أساسياً في استراتيجيته العسكرية، مع لجوئه إلى العقاب الجماعي المصمَّم لإجبار المدنيين على الضغط على فصائل المعارضة المسلّحة المحلية للقبول بحالات من الهدنة بشروط تميل لصالح دمشق. ونظراً للأساليب الوحشية المستخدمة لتحقيق ذلك، ولأنها مكّنت النظام (وفي بعض الحالات فصائل المعارضة المسلّحة) من تحويل مواردها العسكرية إلى جبهات أخرى، فإن حالات وقف إطلاق النار هذه لم تفضي إلى الحد من إراقة الدماء ولا إلى تحسين ظروف عملية سياسية أوسع. علاوة على ذلك، من غير الواضح كيف يمكن لوقف التصعيد على المستوى المحلي أن يسهم في عملية سياسية، بالنظر إلى الافتقار إلى فهم مشترك حول الاتفاق النهائي.

لكن في التفاوض على وضع حد للصراع، فإن وقف إطلاق النار العادل سيكون أمراً لا غنى عنه في النهاية. في حين أن حالات وقف إطلاق النار المحلية قد تكون مفيدة للسكان المحليين، ينبغي تحقيق الشروط الآتية لوقف إطلاق النار أو التجميد إذا كان له أن يسهم في عملية سياسية تنهي الصراع:

1. التجميد يعني التجميد، وليس الاستسلام. ينبغي أن يحتفظ الجانبان بالسلطة في المناطق التي يسيطران عليها. وهذا يعني عدم عودة الأجهزة الأمنية للنظام إلى المناطق الواقعة حالياً تحت سيطرة المعارضة، أو العكس، رغم أن الترتيبات الأمنية المشتركة وتقديم الخدمات يمكن أن يخضعا للتفاوض.

2. ينبغي ألاّ يشجّع التجميد على إعادة نشر الموارد العسكرية من قبل أي من الطرفين لدعم شنّ هجمات في مناطق أخرى ضد الطرف الآخر. إذا لم يكن من الممكن منع ذلك من خلال وضع القواعد، ينبغي رسم المناطق بحيث تصبح إعادة نشر القوات أمراً غير ممكن عملياً. ويمكن تحقيق ذلك من خلال رسم مناطق تحتوي على توازن في القوة (أو النفوذ) بين النظام والمعارضة، وبذلك لا يتشجّع أي منهما على إعادة الانتشار خشية استغلال الطرف الآخر لهذا التغير.

3. لا يجوز لحالات التجميد أن تكون بديلاً لتسوية القضايا الجوهرية للصراع ولا ينبغي أن تهدف إلى استعادة الشرعية السياسية التي خسرها أي من الطرفين.

من هنا، وبناءً على النوايا الطيبة المشتركة المتولّدة عن التفاهمات النووية التي يتم التفاوض عليها بين إيران ومجموعة الخمسة زائداً واحداً، ينبغي أن يركّز مبعوث الأمم المتحدة بشكل رئيسي على تحديد المكوّنات الجيوسياسية لحل مستدام وتيسير الحراك الدبلوماسي الضروري لتحقيقها. في المحصلة، فإن عملية سياسية ناجحة ستتطلب مشاركة إيرانية ـ حيث إن نفوذ طهران في دمشق أكبر بكثير من نفوذ موسكو ـ والتعاون الاستراتيجي (بدلا من تعاون تكتيكي بحت في كل حالة على حدة) بين القوى الداعمة للمعارضة. إن تحقيق ذلك، ومعالجة الحدود الدنيا الواردة أعلاه، سيتطلب دبلوماسية هادئة، وثنائية في معظم الأحيان، بين الأمم المتحدة واللاعبين الخارجيين الرئيسيين المؤثّرين في الصراع، وبين هؤلاء اللاعبين أنفسهم. من المرجح جداً أن تفرز هذه البيئة نقاشات جدية لأساسيات الحل الجيوسياسي؛ وحالما تتقدم هذه النقاشات، فإن جهود بناء مسار سياسي عام أكثر شمولية تقوده الولايات المتحدة سيكون لها آفاق مستقبلية أفضل. عند تلك النقطة، ستكون المفاوضات بين ممثلي النظام والمعارضة، وجهود "تجميد" أو "وقف تصعيد" الصراع محلياً، جوهرية كي يؤتي الاتفاق ثماره.

الخلاصة

يمكن لاتفاق جيوسياسي حقيقي كالذي تم عرضه أعلاه أن ينطلق فقط من مفاوضات شاملة وحذرة، وليس من تلميحات غير مؤكدة بوجود النوايا الطيبة. يمكن لهذا الاتفاق أن يبني على الزخم المتولّد من الاتفاق النووي المحتمل بين إيران والقوى العالمية الست وأن يساعد في تحاشي التداعيات السلبية التي يمكن أن تنشأ دونه عن اتفاق نووي تَحقَّق وسط استقطاب إقليمي، وسباق تسلح وحرب بالوكالة. الأمر الأكثر أهمية هو أن الاتفاق الجيوسياسي يوفّر أفضل فرصة لإنقاذ سورية، والمنطقة، والعالم، من صراع تتصاعد كلفته الإنسانية وقدرته على تغذية تنامي التطرّف العابر للحدود ـ الذي وصل أصلاً إلى مستويات مرعبة ـ بمعدلات كارثية.

Subscribe to Crisis Group’s Email Updates

Receive the best source of conflict analysis right in your inbox.