سوريا بعد لبنان، لبنان بعد سوريا
سوريا بعد لبنان، لبنان بعد سوريا
Table of Contents
  1. Executive Summary
A Vital Humanitarian Mandate for Syria’s North West
A Vital Humanitarian Mandate for Syria’s North West

سوريا بعد لبنان، لبنان بعد سوريا

ملخّص تنفيذي

جاء اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري المأساوي تتويجا لسلسة من الأحداث كانت تحمل بذور تغيير جذري ليس لمستقبل لبنان فحسب بل لمستقبل سوريا والساحة الإقليمية الأوسع كذلك. وقد اتسم تصرّف معظم القوى الفاعلة الدولية وفي داخل لبنان حتى الآن بالحكمة المطلوبة؛ وبات احتمال الانسحاب السوري من لبنان الذي طال انتظاره وإجراء انتخابات لبنانية بدون تدخل خارجي أقرب إلى الواقع أكثر من أي وقت مضى. ولكن مخاطر حدوث أعمال عنف خطيرة ما تزال حقيقية جدا. فالنظام السوري، وقد استشعر الخطر المحدق ببقائه، قد يرد على ذلك باللجوء لما تبقى لديه من أدوات وحلفاء في لبنان وخارجه؛ والولايات المتحدة التي تشعر بأن أهدافها الإقليمية الأوسع باتت قاب قوسين أو أدنى قد تتمادى في توجهها غير المجدي هذا مما قد يوّلد ردود فعل عنيفة من قبل سوريا وحزب الله والمجموعات الفلسطينية المسلحة؛ والطبقة السياسية اللبنانية المعروفة بتفسخها قد تخلق ظروفا جديدة لتدخل أجنبي ممهدة الطريق للفوضى الداخلية. فما يحدث في لبنان اليوم على الأرجح سيترك آثاره الواضحة الإقليمية وبالتأكيد على سوريا وحزب الله وربما العملية السلمية بين إسرائيل والفلسطينيين وحتى على العراق. ولكن التعامل مع هذه المواضيع قبل معالجة الوضع اللبناني هو أبعد الخيارات عن جادة الصواب.

ومهما كانت الدوافع وراء اغتيال الحريري فانه قد نجح في زيادة الضغط على سوريا وأدّى إلى التقاء بين الفاعلين الرئيسيين وأهدافهم المتناقضة؛ الولايات المتحدة أعطت الأولوية لوقف الدعم السوري للمجموعات الفلسطينية المسلحة وحزب الله والتمرد في العراق؛ وفرنسا كانت أكثر المهتمين بالوضع اللبناني والتي عقدت الآمال على الرئيس السوري؛ والنشطاء اللبنانيين الذين لم يتفقوا على الكثير من المواضيع في السابق. ولأن سمعة الحريري ونفوذه تجاوزا حدود لبنان، ولأنه جسّد حلقة الوصل مع معظم أجزاء العالم الخارجي فان اغتياله عجّل،على الأقل مؤقتا، على التقاء وتوّحد مطالب أعداء سوريا على مختلف مشاربهم والتي تتلخص في: الانسحاب الكامل للقوات والمخابرات السورية من لبنان؛ كشف الحقيقة حول اغتيال الحريري وإجراء انتخابات لبنانية حرة وبإشراف دولي.

فالمعارضة اللبنانية ركزت معظم جهودها على المحافظة على الوحدة الوطنية وقللت من شأن البعد الديني (الطائفي) الضمني وتجنبت المواقف الاستفزازية التي يمكن أن تستبعد حزب الله القوي أو الطائفة الشيعية الكبيرة. وحاول حزب الله أن يؤكد تضامنه مع سوريا والدعوة إلى حوار وطني في آن واحد؛ وبعبارة أخرى اعترف الحزب بأن وجود سوريا في لبنان قد انتهى وأنه لن يجني أية ثمار من أي صراع أهلي داخلي وان أولويته هي المحافظة على مكانته على الساحة الداخلية. وبعد شيء من التردد أظهرت واشنطن أيضا قدرا ملحوظا من ضبط النفس وبدأت تركز الآن على الساحة اللبنانية وتقاوم إغراء الوقوع في الأبعاد الإقليمية والدولية الأوسع (والمتشابكة بطبيعة الحال) مثل موضوع نزع سلاح حزب الله كجزء من متابعة الحرب ضد الإرهاب أو تغيير النظام في دمشق.

وفي مطلع عام 2004 حاولت كرايسز جروب أن تبرهن على أنه من أجل تجنّب أزمة أمريكية- سورية على الطرفين أن يغيّرا أسلوبهما، كأن تعلن واشنطن بوضوح ماذا تتوقع وماذا يمكن لدمشق أن تتوقعه مقابل ذلك؛ وأن توضح دمشق بشكل لا يقبل التأويل قرارها بتغيير سياستها. وفي الوقت الذي لم يبدي فيه أي من الطرفين أي اهتمام بذلك فمن الصعوبة بمكان القول بأن استراتيجية الولايات المتحدة الحازمة في ممارسة الضغط ورفضها التفاوض على مطالبها لم تنجح. فالنظام البعثي يعيش في عزلة أكثر من أي وقت مضى وهو على وشك أن يفقد مصدر قوة إقليميا رئيسيا له (أي لبنان) إضافة لتساؤلات خطيرة حول قدرته على البقاء في وضعه الحالي. ومن وجهة نظر إدارة بوش فالوقت مناسب الآن للضغط وليس للتفاوض.

ومع كل ذلك فليس باستطاعة الولايات المتحدة ولا بقية المجتمع الدولي عدم الاهتمام بما قد تفعله سوريا والقوى المؤثرة اللبنانية. فحتمية خروج سوريا من لبنان باتت مؤكدة الآن، ولكن ما هو غير مؤكد هو كيف ستخرج وماذا ستترك وراءها؟ وكثير من السيناريوهات المرعبة –كالفوضى والحرب الأهلية أو المواجهة الشاملة بين إسرائيل وحزب الله – لم تعد تبدو اليوم واردة أو هي مبالغ فيها أصلا. ولكن بذور العنف موجودة. فمن وجهة نظر دمشق فالحماس المفاجئ إزاء سيادة لبنان هو آخر محاولات الولايات المتحدة لزعزعة النظام في دمشق وبالتالي التمهيد لنظام إقليمي جديد في المنطقة. وعلى الرغم من الضعف الملحوظ الذي أصاب النظام السوري إلا أن النظام ما يزال يملك الوسائل والحلفاء لدب الفوضى في المنطقة إذا ما توصل هذا النظام إلى استنتاج مؤداه أن بقاءه بات معرضا للخطر. أما من وجهة نظر حزب الله فان الانسحاب السوري يشكل الفصل الأول؛ فالخطوة التالية على أجندة الولايات المتحدة وإسرائيل هي نزع سلاحه وهو، أي الحزب، قادر في المدى المنظور على الأقل على مقاومته باستخدام القوة إذا لزم الأمر. ومن وجهة نظر المجموعات اللبنانية المتفككة، سواء في المعارضة أو تلك الموالية لدمشق، فان نهاية التواجد السوري في لبنان تعني إعادة فتح ملفات كانت مغلقة منذ نهاية الحرب الأهلية، بدءا بالعلاقات الطائفية وتقاسم السلطة إلى حزب الله واللاجئين الفلسطينيين. وكل هذه العناصر القابلة للاشتعال ستغري اللبنانيين الساخطين ومعهم جهات خارجية لاستغلالها. ففي بلد تتكدس فيه الأسلحة ومعتاد أن يكون مسرحا للحروب بالإنابة بين العرب والفلسطينيين والإسرائيليين، وعلى أبواب إعادة توزيع كبرى للسلطات والموارد فان أدوات ودوافع العنف كثيرة.

على ضوء هذه التفاصيل يمكن تفهم رغبة الولايات المتحدة القوية بشكل خاص للاستفادة من الوضع الحالي لتحقيق أهدافها الأكبر. ولكن هذا التوجه خطير ليس لأحد أكثر من اللبنانيين أنفسهم. والمبدأ الأهم في هذا يجب أن يكون الفصل والتمييز بين إعادة السيادة الكاملة للبنان واستقلاله واستقراره، بما في ذلك إجراء انتخابات حرة بدون تأخير وبإشراف دولي، وإجراء تحقيق دولي في اغتيال الحريري، وبين المواضيع الأخرى الأوسع التي يمكن أن تعيق الهدف الأول. وهذا يتطلب من الولايات المتحدة السيطرة على شهيتها ويتطلب من المعارضة اللبنانية المحافظة على اعتدالها ومن سوريا تجنب سياسة الأرض المحروقة.

بيروت/عمان/بروكسل، 12 نيسان 2005

Former Prime Minister Rafiq al-Hariri's tragic assassination capped a series of events that carry the potential of fundamentally altering not only Lebanon's future, but also Syria's and the broader regional landscape as well. For now, most international and Lebanese actors have acted with welcome wisdom; the prospect of Syria's long-overdue withdrawal from Lebanon and of Lebanese elections free from outside interference appears closer than ever. But risks of serious violence remain very real. The Syrian regime, sensing its survival at stake, may lash out using its remaining instruments and allies in Lebanon and beyond; the U.S., feeling its broader regional goals within striking distance, may well over-reach, triggering violent reactions from Syria, Hizbollah or militant Palestinian groups; Lebanon's political class, notoriously fractured, could create fresh opportunities for outside interference and pave the way for domestic chaos. What happens in Lebanon likely will have momentous regional implications -- certainly on Syria and Hizbollah, possibly on the Israeli-Palestinian peace process and even Iraq. But dealing with those matters before getting the question of Lebanon right is the surest way to get it all wrong.

Whatever the intent, Hariri's assassination heightened pressure on Syria, bringing together once disparate actors and objectives: the U.S., which had given priority to ending Syrian support for militant Palestinian groups, Hizbollah and the Iraqi insurgency; France, which was most interested in Lebanon and still invested hopes in Syria's president; and Lebanese activists, who traditionally had been unable to agree on much. Because Hariri's influence far exceeded Lebanon's confines, and he embodied its links with much of the outside world, his killing accelerated the -- at least temporary -- convergence of the Syrian regime's multiple foes on a set of demands: complete withdrawal of Syria's military and intelligence (mukhabarat) from Lebanon; the truth on Hariri's assassination; and free Lebanese elections under international supervision.

The Lebanese opposition, in the main, has sought to stress national unity, de-emphasise the underlying confessional dimension and avoid overly provocative positions that could alienate the powerful Hizbollah or the large Shiite community. Hizbollah has tried both to evince solidarity with Syria and urge a national dialogue, in effect acknowledging that Syria's time in Lebanon is over, that it has nothing to gain from civil conflict and that its priority is to preserve its position in the domestic arena. After some hesitation, Washington also displayed noteworthy restraint, intent on working closely with the French, focusing for now on the Lebanese arena and resisting the temptation to drag in broader (and evidently connected) regional and international dimensions, such as disarming Hizbollah, prosecuting the war against terrorism or changing the regime in Damascus.

Writing in early 2004, Crisis Group argued that, in order to avert a U.S.-Syria crisis, both needed to alter their approach, Washington by clearly articulating what it expected and what Damascus could expect in return; Syria by unequivocally demonstrating a decision to change course. But while neither paid heed, it is hard to dispute that a U.S. strategy of firm pressure and refusal to negotiate its demands appears to have paid off. The Baathist regime is more isolated than ever, on the verge of losing a major regional asset, and with serious questions about how long it can survive as is. From the perspective of the Bush administration, this is the time to squeeze, not to talk.

Still, neither the U.S. nor the rest of the international community can afford indifference to how Syrian and Lebanese actors react. That Syria should and will leave Lebanon is now certain but not how it departs and what it leaves behind. Many of the most apocalyptic post-withdrawal scenarios -- chaos and civil war; full-scale confrontation between Israel and Hizbollah -- appear, today, either no longer relevant or exaggerated from the start. But ingredients of violence remain. Seen from Syria's vantage, sudden excitement over Lebanon's sovereignty is just the latest U.S. ploy to destabilise it and usher in a new regional order; although significantly weakened, its regime retains instruments and allies to create havoc in the region should it conclude its survival is at risk. Seen from Hizbollah's perspective, the withdrawal is only chapter one; what comes next on U.S. and Israeli agendas is its disarmament which, in the short run at least, it is likely to resist, if necessary by force. Seen from the angle of Lebanon's fractious groups -- whether in the opposition or loyal to Damascus -- the end of Syria's presence means re-opening issues suppressed since the close of the civil war, from sectarian relations and the distribution of power through to Hizbollah and Palestinian refugees. All these are combustible elements that disgruntled Lebanese and outside actors will be tempted to exploit. In a country awash with weapons, accustomed to being a theatre for proxy wars between Arabs, Palestinian and Israelis, and on the verge of a major redistribution of power and resources, the means and motivations for violence abound.

The temptation for the U.S. in particular to use the current situation to achieve larger objectives is understandable. But it also is dangerous, for none more than the Lebanese. The guiding principle ought to be to separate the reestablishment of Lebanon's full sovereignty, independence and stability -- including the holding of free elections without delay and with international monitors and an international investigation into Hariri's assassination -- from broader issues that could impede achieving that goal. That will require the U.S. to curb its appetite, Lebanon's opposition to maintain its moderation, and Syria to avoid a scorched-earth policy.

Beirut/Amman/Brussels, 12 April 2005

Workers carry boxes of humanitarian aid near Bab al-Hawa crossing at the Syrian-Turkish border, in Idlib governorate, Syria, June 30, 2021. Picture taken June 30, 2021. REUTERS/Mahmoud Hassano

تفويض إنساني حيوي لشمال غرب سورية

ينظر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في تجديد تفاهم تنقل بموجبه وكالات الأمم المتحدة المساعدات إلى إدلب، وهي منطقة تسيطر عليها المعارضة المسلحة السورية. فيما يلي من أسئلة وأجوبة يشرح خبراء مجموعة الأزمات ريتشارد غوان، ودارين خليفة وآشيش برادان لماذا ما يزال هذا الترتيب جوهرياً.

ما الرهانات في مجلس الأمن؟

من المزمع أن يصوّت مجلس الأمن الدولي قريباً على تجديد تفويض يسمح لوكالات الأمم المتحدة بتقديم المساعدات لإدلب التي تسيطر عليها المعارضة المسلحة في شمال غرب سورية من خلال معبر حدودي مع تركيا دون طلب الموافقة من الحكومة السورية في دمشق. وطبقاً لحسابات الأمم المتحدة فإن ما يقارب مليونين ونصف مليون شخص يعتمدون على شريان الحياة هذا للحصول على الأغذية وغيرها من الإمدادات الجوهرية. إلا أن هذا الترتيب إشكالي. فمنذ عام 2019، تعمل روسيا، حليفة النظام السوري، على تقليص التفويض، قائلة إنه ينبغي على الأمم المتحدة أن تعمل مع دمشق بشأن تسليم المساعدات احتراماً للسيادة السورية.

في عام 2021، بذلت الولايات المتحدة جهوداً متضافرة لإقناع موسكو بإبقاء التفويض على قيد الحياة، إلا أنها لم تطلق اندفاعة مماثلة في عام 2022، بالنظر إلى أن العلاقات بين القوتين انهارت بسبب حرب روسيا في أوكرانيا. ويشعر كبار مسؤولي الأمم المتحدة بالقلق من أن روسيا قد تستعمل حق الفيتو للاعتراض على التفويض – الذي ينبغي تجديده بحلول 10 تموز/يوليو – ما سيتسبب في انخفاض كبير في المساعدات الإنسانية لإدلب وقد يفضي إلى تدفق للاجئين إلى تركيا. ما يحدث للتفويض يشكل هاجساً للأمم المتحدة، والأمر الأكثر أهمية، للناس الذين يعيشون في إدلب.

فوّض مجلس الأمن في البداية الأمم المتحدة بتقديم مساعدات عبر الحدود للمناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة في سورية دون موافقة دمشق في عام 2014. في البداية، كان هذا التفويض يغطي أربعة معابر، ما يوفر لوكالات الأمم المتحدة إمكانية الوصول إلى جنوب وشمال شرق سورية إضافة إلى الشمال الغربي. كان تعاون أعضاء المجلس بشأن القضايا الإنسانية، رغم خلافاتهم الأوسع بشأن الحرب في سورية، نقطة مضيئة نادرة في دبلوماسية الأمم المتحدة. لكن في نقاشات عدائية في أواخر عام 2019 ومنتصف عام 2020، استخدمت روسيا والصين خلالها حق الفيتو ثلاث مرات لمنع صدور قرارات تجدد التفويض، نجحت موسكو في استصدار قرار يقضي بأن تقتصر عمليات الأمم المتحدة عبر الحدود على معبر واحد هو باب الهوى بين تركيا وإدلب. كما أوضحت روسيا أنه لا يمكن تجديد التفويض إلى ما لا نهاية.

في عام 2021، حددت إدارة بايدن استمرار توفير المساعدات لإدلب بوصفه مجالاً لتحسين العلاقات مع روسيا. وفاوض المسؤولون الأميركيون على مستقبل التفويض ثنائياً مع نظرائهم الروس في فيينا وجنيف. وفي حين أن الموقف الرسمي الأميركي كان أن المجلس ينبغي أن يفوض بفتح جميع المعابر الأصلية الأربعة – وهي حصيلة لم يعتقد كثير من مسؤولي الأمم المتحدة ودبلوماسييها أنها مرجحة الحدوث – وافقت روسيا في تموز/يوليو من ذلك العام على المحافظة على معبر باب الهوى مفتوحاً. كما طالبت موسكو أيضاً بأن تبذل الأمم المتحدة جهداً أكبر لتمرير المساعدات إلى إدلب من المناطق السورية التي تسيطر عليها الحكومة (وهي ما يشار إليها بـمساعدات "عابرة للخطوط، على عكس المساعدات العابرة للحدود من تركيا") ودعت لتوفير تمويل دولي أكبر لمشاريع "التعافي المبكر" في المناطق السورية التي تسيطر عليها الحكومة. أخيراً، أصرت روسيا على أن يضع الأمين العام للأمم المتحدة تقارير حول المساعدات عبر الخطوط في منتصف مدة التفويض في كانون الثاني/يناير 2022، في إشارة منها إلى أنها قد تحاول إعاقة استمرار التفويض عند تلك النقطة (رغم أنها لم تنفذ هذا التهديد). رغم هذه التحفظات، قدمت إدارة بايدن حقيقة أن روسيا كانت مستعدة للمحافظة على التفويض حياً – وغياب الخلافات العلنية واستعمال حق النقض في الأمم المتحدة كما فعلت في عامي 2019 و 2020 – كدليل على أن الولايات المتحدة يمكنها أن تتعامل مع الكرملين.

[يشعر] أعضاء مجلس الأمن بالقلق من أن روسيا والدبلوماسيين الغربيين سيخفقون في التوصل إلى اتفاق حول مستقبل المساعدات إلى سورية.

بعد مرور سنة على ذلك، يبدو ذلك التفاؤل جزءاً من الماضي. فمنذ هجوم روسيا على أوكرانيا في شباط/فبراير والتدهور الحاد في علاقات موسكو بالقوى الغربية، شعر أعضاء مجلس الأمن بالقلق من أن روسيا والدبلوماسيين الغربيين سيخفقون في التوصل إلى اتفاق حول مستقبل المساعدات إلى سورية. الوضع الراهن الآن هو أن مصير التفويض يبقى غامضاً رغم أن أسبوعاً واحداً فقط يفصلنا عن الموعد النهائي لتجديده.

إيرلندا والنرويج، العضوان المنتخبان في مجلس الأمن اللذان يقومان بمهمة "حاملي الأقلام" (مطلقي المبادرات الدبلوماسية) بشأن هذه القضية، قدما مشروع قرار لتجديد التفويض لإيصال المساعدات عبر باب الهوى لمدة اثني عشر شهراً في 27 حزيران/يونيو. لم تقدم روسيا حتى الآن رداً محدداً، ويتوقع أعضاء المجلس أنه قد يكون هناك نقاشات وخلافات مكثفة على النص قبل التصويت. وسيكون للنتيجة أثر رئيسي على حياة المدنيين في إدلب. كما أن ذلك سيشكل أيضاً اختباراً حيوياً للمدى الذي يمكن لروسيا والغرب أن يستمرا في العمل معاً في مجلس الأمن – ولو على مضض – مع استعار الحرب في أوكرانيا وبعد أن أصبحت سياستهما أكثر عدائية حيال بعضهما بعضاً.

ما مدى أهمية التفويض لإدلب وهل هناك بدائل؟

رغم المستوى المرتفع للتوتر في مجلس الأمن بشأن المساعدات عبر الحدود، فإن هذا التفويض منح الأمم المتحدة دعماً سياسياً جوهرياً لتوجيه العمليات الإنسانية في إدلب. وقد لعب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) على وجه الخصوص دوراً محورياً في إيصال المساعدات عبر الحدود. إذ سمح تفويض المجلس لأوتشا بتنسيق استجابات المانحين، وبقيادة المفاوضات مع السلطات المحلية، وضمان درجة كبيرة من الشفافية للمساعدات التي يتم تقديمها إلى هذه المناطق التي تسيطر عليها المعارضة المسلحة. كما ساعد أوتشا المنظمات غير الحكومية الضالعة في العمل الإغاثي لتذليل العقبات القانونية والسياسية الماثلة في العمل في منطقة تحت سيطرة هيئة تحرير الشام، الميليشيا الإسلامية التي تدير معظم إدلب. تخضع هيئة تحرير الشام لعقوبات من قبل الأمم المتحدة وهي مصنفة من قبل روسيا، والولايات المتحدة وتركيا على أنها منظمة إرهابية.

كما قادت الأمم المتحدة مفاوضات شاركت فيها دمشق وحكومة الإنقاذ المدعومة من هيئة تحرير الشام التي تدير إدلب حول التوازن بين عمليات المساعدات عبر الحدود وعبر الخطوط. الحكومة السورية وروسيا تصران على زيادة كمية مساعدات الأمم المتحدة عبر الخطوط كبديل لتمرير المساعدات عبر باب الهوى، كجزء من محاولاتهما لإعادة فرض نفوذ دمشق على تسليم المساعدات لكل سورية. مسؤولو الأمم المتحدة والدبلوماسيون الغربيون يشكون في واقعية هذا المقترح، لاسيما بالنظر إلى سجل النظام السوري في منع وصول المساعدات لمعاقبة المدنيين في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة وعدوانية خطابه حيال إدلب وسكانها. من وجهة نظر تقنية، فإن المساعدات العابرة للحدود تبقى الطريقة الأرخص، والأسرع والأكثر موثوقية لتلبية احتياجات إدلب. تقرير من الأمين العام للأمم المتحدة في حزيران/يونيو قال إن المراقبين الإنسانيين التابعين للأمم المتحدة أحصوا نحو 1,686 شاحنة تحمل الإمدادات (أربعة أخماسها أغذية) من تركيا إلى إدلب في نيسان/أبريل وأيار/مايو فقط. على النقيض من ذلك، لاحظ التقرير أن الأمم المتحدة كانت قد أشرفت على خمس قوافل فقط عبر الخطوط بين تموز/يوليو 2021 وحزيران/يونيو 2022، وسلط الضوء على إحدى هذه القوافل في أيار/مايو التي تكونت من 14 شاحنة فقط.

وافقت الولايات المتحدة وحلفاؤها على أنه ينبغي للأمم المتحدة أن تجرب إيصال المساعدات عبر الخطوط ... إلى إدلب.

رغم ذلك، وافقت الولايات المتحدة وحلفاؤها على أنه ينبغي للأمم المتحدة أن تجرب إيصال المساعدات عبر الخطوط، بشكل رئيسي كتنازل سياسي لروسيا على أمل المحافظة على موافقة موسكو على العمليات عبر الحدود. في عام 2021، وافق مجلس الأمن على "تشجيع الجهود الرامية إلى تحسين إيصال المساعدات الإنسانية عبر الخطوط" من المناطق التي تسيطر عليها الحكومة إلى إدلب. تشكو موسكو من أن القرار لم يُحترَم بشكل كامل، حيث ظل تسليم المساعدات عبر الخطوط غير منتظم، في حين تصف هيئة تحرير الشام (ومجموعات المجتمع المدني في إدلب) وأيضاً العديد من موظفي الوكالات الإنسانية هذه الجهود بأنها رشوة للكرملين وليست مساعدات جدية.

كما أصبح هذا النقاش موضع خصام كبير بين القوى المحلية في إدلب. فقد وافقت هيئة تحرير الشام وحكومة الإنقاذ على مضض على بعض عمليات إيصال المساعدات عبر الخطوط، ووفرت لها الأمن وسمحت بالتوزيع الآمن. إلا أن هيئة تحرير الشام تعرضت لانتقادات حادة من شرائح من السكان ومن خصومها في المعارضة السورية بسبب "التعاون" مع النظام الذي قتل الآلاف وهجر ملايين السوريين. في المجالس الخاصة، يعبّر أعضاء هيئة تحرير الشام عن قلقهم من أن آلية إيصال المساعدات عبر الخطوط تشكل ورطة بالنسبة لهم. فإذا تعاونوا، يتعرضون للانتقادات المحلية؛ وإذا لم يتعاونوا، سيدانون دولياً. وفي كلتا الحالتين لا تلبي المساعدات العابرة للخطوط جزءاً ضئيلاً من الاحتياجات الإنسانية في إدلب. في الوقت الراهن وجدت هيئة تحرير الشام أن من الحكمة تيسير المرور الآمن لعدة قوافل مساعدات عبر الخطوط لتفادي منح موسكو ذريعة لإيقاف تفويض الأمم المتحدة العابر للحدود ولتقوية يد تركيا في المفاوضات مع روسيا. وطبقاً لهيئة تحرير الشام، سيكون هناك صعوبة أكبر بشأن تعاونها في مجال المساعدات العابرة للخطوط إذا استعملت موسكو حق النقض على تجديد التفويض عبر الحدود.

ما الذي سيعنيه الفيتو الروسي؟

إذا اعترضت روسيا على تجديد تفويض إيصال المساعدات عبر الحدود، فإن التداعيات الفورية يمكن أن تكون فوضوية. فمن غير الواضح ما إذا كان سيترتب على أوتشا أن يوقف بشكل مفاجئ عملياته بشأن سورية في تركيا أو ما إذا كان بوسعه الاستمرار في لعب وظيفة تنسيقية في الحد الأدنى خلال مرحلة انتقالية. بصرف النظر، فإن غياب البنية التحتية للمساعدات التي يوفرها أوتشا والتي لا يمكن لأي آلية أخرى أن تحل محلها والتفويض بإيصال المساعدات عبر الحدود سيقلص بشكل كبير حجم المساعدات وكفاءة استجابة المانحين. كما أن ذلك سيترك المنظمات غير الحكومية والجهات المانحة تصارع لإدارة تنسيق المساعدات والإشراف، بينما يتقلص نفوذها في التعامل مع السلطات في تركيا وإدلب. يقدر مسؤولو الأمم المتحدة أن المنظمات غير الحكومية يمكن أن توفر في أحسن الحالات 30 إلى 40% من المساعدات التي تقدمها الأمم المتحدة. ومن الناحية العملية فإن ذلك يعني زيادة الجوع، وعدم معالجة الحالات الطبية، وتعرض الملايين لخطر فقدانهم المأوى والمساعدات.

يوافق المتحدثون إلى مجموعة الأزمات في إدلب على أن انقطاع تدفق المساعدات من شأنه أن يدفع كثيرين من سكان المنطقة – الذين هرب كثيرون منهم من أجزاء أخرى من سورية في وقت سابق من الحرب – إلى محاولة الخروج من المنطقة، غالباً عبر محاولة الدخول إلى تركيا. أما كيف ستردّ أنقرة على الفوضى التي ستحدث على الحدود فيبقى غير واضح؛ لاسيما وأن وجود ما يقدر بـ 3.7 مليون لاجئ سوري في تركيا يشكل مصدراً لتوتر سياسي – اجتماعي، يتصاعد بسبب المشاكل الاقتصادية والانتخابات المزمع إجراؤها في حزيران/يونيو 2023. رغم أن الأحوال المعيشية في إدلب تحسنت بشكل كبير منذ توصلت موسكو وأنقرة إلى وقف إطلاق للنار بحكم الأمر الواقع في عام 2019، يبقى السكان قلقين بشأن الوضع الهش. أحد سكان إدلب قال: "حياتنا تعتمد على المزاج في الكرملين كل بضعة أشهر. وهذا أمر غير إنساني وغير مستدام".

ما فرص استمرار التفويض؟

مباشرة بعد الهجوم الروسي على أوكرانيا، بدا أعضاء مجلس الأمن عموماً متشائمين بشأن فرص تجديد التفويض للمساعدات العابرة للحدود في أحاديثهم مع مجموعة الأزمات. لكن الآن، فإن بعضهم متفائل بحذر بأن موسكو ستبقي التفويض حياً. والمسألة على الأغلب مسألة تكهنات. إذ تنتظر البعثة الروسية في نيويورك عادة حتى مرحلة متأخرة من المفاوضات بشأن هذا الملف لتحصل على تعليمات واضحة من موسكو حول كيفية التصرف. في المفاوضات على مسودة القرار المقدم من قبل إيرلندا والنرويج في 27 حزيران/يونيو الذي يمدد التفويض، بدا أن لا الدبلوماسيين الروس ولا الصينيين لديهم توجيهات محددة من عاصمتيهم. يأمل الدبلوماسيون الغربيون بأن موسكو ستقرر بأنها ستحتفظ بنفوذ أكبر على الأحداث في إدلب بالموافقة على تجديد التفويض – الأمر الذي سيمنحها منصة لدفع الأمم المتحدة لتعمل بجهد أكبر فيما يتعلق بالمساعدات عبر الخطوط – بدلاً من إحداث أزمة.

يأمل المسؤولون الغربيون بأن موسكو [ستحجم عن استعمال الفيتو] في هذه المناسبة.

رغم أن العلاقات بين الدبلوماسيين الغربيين والروس في مجلس الأمن تتسم بالسمّية بسبب أوكرانيا، فإن موسكو أحجمت عن استعمال الفيتو على قرارات أخرى، مثل منح تفويض جديد لبعثة الأمم المتحدة للمساعدة في أفغانستان، التي خشيت دول أخرى من أنها ستعيقها. ويأمل المسؤولون الغربيون بأن موسكو ستظهر ضبطاً مشابهاً للنفس في هذه المناسبة، لاسيما وأن الاعتراض على القرار سيصعد التوترات مع تركيا (على النقيض من ذلك، تصر مصادر تركية على أنها لا تستطيع منع روسيا من استعمال الفيتو، ويجادلون بأنه لا ينبغي توقع أن تحل أنقرة هذه المشكلة نيابة عن الولايات المتحدة والدول الأوروبية). كما أن الصين يمكن أن تساعد في تعديل حسابات روسيا. فخلال المفاوضات التي جرت في عام 2021 على التفويض الإنساني لسورية، أبلغ دبلوماسيون صينيون نظراءهم الغربيين بأنهم لم يرغبوا بتكرار النزاعات العلنية التي سادت في عامي 2019 و 2020. في عام 2022، أكدوا على الحاجة لتفادي حدوث عدد أكبر مما ينبغي من الانفجارات في مجلس الأمن في الوقت الذي تستمر فيه الحرب الروسية – الأوكرانية.

ثمة وجهات نظر مختلفة بشأن ما ستتمخض عنه مفاوضات المجلس. فبعض أعضاء المجلس يتكهنون بأن روسيا يمكن أن تقدم مطالب في اللحظة الأخيرة – على الأرجح بشأن المساعدات عبر الخطوط وتمويل التعافي – في الأيام القادمة. وفي حين من المزمع أن يصوّت المجلس على تجديد التفويض في 7 تموز/يوليو، فإنه يمكن أن يؤجل هذا الموعد، حيث تتجاوز المفاوضات ربما موعد انتهاء صلاحية التفويض في 10 تموز/يوليو. كما يتكهن مسؤولو الأمم المتحدة بأن روسيا لن تتسبب في هذا النوع من التعطيل، ما يعني أن العملية ستنتهي بتصويت سريع.

كيف يبدو المستقبل بعيد المدى للمساعدات عبر الحدود إلى سورية؟

من الواضح أن أفضل نتيجة للدبلوماسية الحالية التي تقوم بها الأمم المتحدة بشأن سورية يمكن أن تتمثل في قيام مجلس الأمن بتجديد التفويض للمساعدات عبر الحدود لمدة عام. إذ لا توجد مجموعة من الترتيبات يمكن الركون إليها تشكل بديلاً للمساعدات عبر الحدود. إذا اعترضت روسيا على التفويض، فإن التداعيات ستتسبب بمعاناة إنسانية هائلة، وعمليات تهجير إضافية، وربما اضطرابات سياسية في إدلب وما حولها. وفي حين لم تظهر موسكو اعتباراً يذكر لعدم رضا الأعضاء الآخرين في مجلس الأمن بشأن حربها على أوكرانيا، فإنها قد تكون حذرة بشأن توتير علاقاتها مع أنقرة – وبشأن خلق أزمة جديدة لنفسها في سورية بينما تركز على أوكرانيا.

رغم ذلك يترتب على الأعضاء الغربيين في مجلس الأمن ومسؤولي الأمم المتحدة أن يستعدوا لانتهاء التفويض العابر للحدود، سواء في تموز/يوليو أو في تاريخ لاحق. إذ استند تفويض المجلس الأصلي للمساعدات عبر الحدود إلى سورية في عام 2014 على افتراض أن الجيوب الخاضعة لسيطرة المعارضة المسلحة في سائر أنحاء البلاد كانت ظاهرة مؤقتة، وكذلك التفويض. في الوقت الراهن، يبدو من الأكثر ترجيحاً أن الصراع السوري يتجه إلى مأزق طويل الأمد دون تسوية عسكرية أو سياسية واضحة في الأفق. وقد تبقى مناطق شمال سورية حيث يعيش ملايين السوريين المهجرين خارج سيطرة الحكومة – وبحاجة لمساعدات خارجية كبيرة – لبعض الوقت. وما من ضمانة بأن مجلس الأمن سيستمر بتجديد التفويض بشأن المساعدات العابرة للحدود إلى ما لا نهاية.

وقد وضع المانحون، والأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية أصلاً خططاً لاحتمال انتهاء ترتيبات المساعدات عبر الحدود. وقد يتمثل أحد الخيارات – حتى لو تم تجديد التفويض – بأن ينهي أوتشا عملياته لتقديم المساعدات تدريجياً بينما يستمر بلعب دور تنسيقي أصغر والمساعدة في بناء قدرات المنظمات غير الحكومية لتوفير المساعدات لإدلب بدلاً من وكالات الأمم المتحدة. في هذه الحالة، فإن استخدام روسيا للفيتو في المستقبل سيحدث ضرراً أقل على إمدادات المساعدات مما سيحدثه اليوم. لكن في الوقت الراهن، من الجوهري أن يجدد مجلس الأمن التفويض للمساعدات عبر الحدود لتفادي حدوث كارثة إنسانية جديدة في شمال غرب سورية.

What is the longer-term future of cross-border aid to Syria?

It is clear that the best outcome of current UN diplomacy over Syria would be for the Security Council to renew the mandate for cross-border aid for a year. No credible alternative set of arrangements exists for cross-border aid. If Russia does veto the mandate, the fallout would provoke enormous humanitarian suffering, additional displacement and, potentially, political turmoil in and around Idlib. While Moscow has shown scant regard for the disapproval of other Security Council members over its war on Ukraine, it might be wary of straining its relationship with Ankara – and of creating a new crisis for itself in Syria while it is focused on Ukraine.

Nonetheless, Western members of the Council and UN officials need to ready themselves for an end to the cross-border-mandate, either in July or at a later date. The original Council mandate for cross-border aid to Syria in 2014 was based on the assumption that rebel-controlled enclaves around the country were temporary phenomena, and the mandate as well. For now, it appears more likely that the Syrian conflict is moving into an extended stalemate with no clear military or political resolution on the horizon. Areas of northern Syria where millions of displaced Syrians live might remain outside government control – and in need of significant external aid – for some time to come. There is no guarantee that the Security Council will continue to renew the authorisation for cross-border aid indefinitely.

Donors, the UN and NGOs already have plans for the eventuality that the cross-border arrangements end. One option – even if the mandate is renewed – may be for OCHA to gradually wind down its delivery operations while continuing to play a smaller coordination role and helping build up the capacity of NGOs to supply aid to Idlib in place of UN agencies. In this case, a future Russian veto would do less damage to aid supplies than it would do today. For the time being, however, it is essential that the Security Council renew the mandate for cross-border aid to avoid a fresh humanitarian disaster in north-western Syria.

Subscribe to Crisis Group’s Email Updates

Receive the best source of conflict analysis right in your inbox.