سوريا تحت حكم بشار (1): تحديات السياسة الخارجية
سوريا تحت حكم بشار (1): تحديات السياسة الخارجية
Table of Contents
  1. Executive Summary
A Vital Humanitarian Mandate for Syria’s North West
A Vital Humanitarian Mandate for Syria’s North West
Report 24 / Middle East & North Africa

سوريا تحت حكم بشار (1): تحديات السياسة الخارجية

ملخّص تنفيذي

منذ انتهاء الحرب العراقية وواشنطن ودمشق، سجينتان لحوار الطرشان. لقد تقلصت سياسة الولايات المتحدة إلى مجرد سلسلة من المطالب والتهديدات. أما السياسة السورية، في وقت ما زال فيه الرئيس بشار الأسد، يصارع من أجل تكوين وتنفيذ استراتيجية متجانسة، فقد كانت قائمة على أساس "فلننتظر ونرى" بحيث لا تقدم إلا القليل من التنازلات، ومؤملة باجتياز العاصفة، في الوقت الذي ترفض فيه التنازل عن ما تراه أسلحة ماضية تتمثل في (تأييد حزب الله والجماعات الفلسطينية الراديكالية) ما دام الصراع ضد إسرائيل محتدماً. ولكن، وعلى الرغم من الطريق المسدودة القائمة حالياً، فإن الأوضاع الإقليمية الراهنة تتيح فرصة لجهود دبلوماسية مكثفة بقيادة الولايات المتحدة، من أجل إحياء عملية السلام السورية الإسرائيلية، وبالتالي، إحداث تغييرات مهمة في السياسة السورية.

لقد كان من شأن سقوط النظام البعثي في العراق، والخطوات التي تقوم بها إيران من أجل معالجة القلق الذي أحدثه برنامجها النووي، وقرار ليبيا المفاجئ بالتخلي عن جهودها في ميدان أسلحة الدمار الشامل، والسعي لإقامة علاقات طبيعية مع واشنطن، لا شك بأن هذه العوامل مجتمعة قد رفعت من درجة الضغط على سوريا. ولكن، وما لم يتم حل النزاع السوري الإسرائيلي، وبغض النظر عن مدى التقدم الذي تمثله تلك التطورات، في سبيل إحداث نقلة نوعية في المنطقة، فإن تلك العوامل سوف تظل غير مكتملة وقابلة للانعكاس.

هنالك من يعارضون التعامل الثنائي في البلدين كليهما. كثيرون في الولايات المتحدة يعتقدون بأنه يجب إرغام سوريا على تغيير سلوكها، دون الحاجة إلى مقابلة المثل بالمثل. إنهم يبنون موقفهم على أساس تجارب الماضي، وينطلقون من ذلك. ويعربون عن خشيتهم من أن التعامل مع سوريا قبل أن تحدث تغييراً جوهرياً في سياساتها، سوف يتيح لقادة سوريا فرصة لالتقاط الأنفاس التي هي في أمس الحاجة إليها ويرغبون في الحصول عليها، وبالتالي يقنعون أنفسهم بأن الولايات المتحدة ليست جادة في اتخاذ توجه جديد.

ومع ذلك، وإذا كانت الإدارات الأمريكية السابقة قد أغمضت عينيها أكثر مما يجب، إزاء سلوكيات سوريا العدائية، فإن الإدارة الحالية تبدي استخفافاً أكثر مما يجب تجاه مصالح سوريا المشروعة. إن سوريا لن تتنازل عن مواقفها التي اعتمدتها منذ أمد طويل، كما أنها لن تتخلى عن دعمها للجماعات التي تقوم بعمليات عسكرية، إلا إذا أقدم الآخرون على اتخاذ خطوات جديدة للاستجابة لمخاوف سوريا الحقيقية وتظلماتها.

وعلى الجانب السوري أيضاً، هنالك من لا يشعر بوجوب التعجل في التعامل. لقد بلغ القلق أوجه في دمشق، مباشرة بعد انتهاء الأعمال العسكرية الكبرى في العراق، ولكن ذلك القلق أخذ يتناقص عندما أصبحت الولايات المتحدة تواجه تحديات متراكمة هناك. وفي الوقت ذاته، بدا أن خارطة الطريق لحل النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني قد انهارت.

ومع أن إمكانية إقدام الولايات المتحدة على عمل عسكري قد تراجعت، فإن القادة السوريين يرتكبون خطئاً، إذا ما قللوا من عمق التغييرات التي طرأت على نظرة واشنطن إلى الأحداث. إن التركيز على محاربة الإرهاب، والشك في الأنظمة التي ينظر إليها على أنها على الجانب الخطأ في تلك الحرب، لن يضعف بمرور الزمن أو بنتيجة تقديم مبادرات شكلية. إن توجه سوريا نحو الاستجابة إلى الضغوط الأمريكية خطوة خطوة، قد فشل في إرضاء الإدارة الأمريكية، كما أنه اقنع واشنطن بأن الضغط يمكن أن يحدث أثراً.

وفي غضون ذلك، تظل سوريا بالقابلية، مجرد خطوة واحدة فقط، بعيداً عن عمل عسكري إسرائيلي كبير إذا ما وقع هجوم انتحاري واحد، تبنته جماعات فلسطينية مقيمة في سوريا.

هنالك توجه مختلف آخر، من شأنه تلبية جوهر الحاجات والمطالب الأمريكية والسورية والإسرائيلية. بالنسبة للولايات المتحدة، فإن الحاجة الأساسية هي إحداث قطيعة لا رجعة فيها مع أية ارتباطات قائمة بين سوريا من جهة، والمنظمات المنغمسة في الإرهاب من جهة أخرى؛ كذلك، تعاون سوريا في إعادة الاستقرار للعراق. بالنسبة إلى سوريا، فإن الحاجة الأساسية هي استعادة الأراضي التي خسرتها عام 1967، بالإضافة إلى خطوات لإعادة بناء اقتصادها. بالنسبة لإسرائيل، التطبيع مع بلد عربي رئيسي، وتحقيق انخفاض جوهري على الأقل، في أخطار الإرهاب. وبالنظر إلى الشكوك المتبادلة، فإن من الضروري البدء في هذه العملية عن طريق خطوات بناء الثقة. ولكن، يتوجب على جميع الفرقاء منذ البداية الموافقة على شمولية البرنامج النهائي.

إن خطاً مباشراً وعلى مستوى عال بين واشنطن ودمشق، هو بشكل واضح الأسلوب المفضل. وإذا لم يكن مثل هذا الأسلوب ممكناً في هذه الآونة، فإن بلداناً أخرى - فرنسا والمملكة المتحدة على وجه الخصوص، يجب أن تستخدما علاقاتهما، لإقناع قادة سوريا بوضع برنامج حزمة متكاملة من الخطوات المتتالية والمتبادلة، يتم تقديمها إلى الولايات المتحدة. وفي نهاية المطاف، يتوجب أن يكون الهدف لدى الرئيس بشار، هو التوصل مع الولايات المتحدة، إلى حقائق استراتيجية مختلفة في المنطقة.

هذا التقرير يحلل العلاقات الأمريكية – السورية، ويوضح معالم استراتيجية شاملة، من شأنها تلبية مصالح الولايات المتحدة وسوريا وإسرائيل سواء بسواء، كما يحدد الخطوات التي يتوجب على كل جانب اتخاذها. إن هذا التقرير ينشر متزامناً مع تقرير آخر يعالج التحديات التي تواجه سوريا على الساحة الداخلية[fn]  تقرير ICG رقم 24، سوريا في عهد بشّار (2): تحديات السياسة الداخلية، 11 شباط 2004 . . الموضوعات مترابطان. إن توافقاً وطنياً أقوى على الساحة الداخلية، بما في ذلك تجديد الشرعية السياسية لقيادتها، سوف يمكن سوريا من أداء دور أكثر فعالية وأكثر ثقة على الساحة الإقليمية. من الناحية المقابلة، فإن ما يحدث على الساحة الدولية، سوف يؤثر على مكانة بشار الداخلية، ومقدرته على تمرير الإصلاحات.

عمان / بروكسل 11 شباط 2004

Bashar al-Assad’s presidency has failed to live up to the hopes for far-reaching domestic reform that greeted it in 2000. After a brief opening, Syria clamped down on dissent, and economic change remains painfully slow. Many who once viewed Bashar as a potential partner, open-minded, and Western-oriented, now perceive him as, if anything, more ideological than and just as tied to the Baathist regime as his father. Both assessments are overly simplistic and poor guides to dealing with a Syria that is at a crossroads. Syrian officials hint at significant steps in mid-2004, including possible changes in the Baath Party hierarchy and doctrine and moves toward a more open and inclusive political system. Scepticism is in order, as such pledges have repeatedly been made in the past only to be ignored. But with reform now a strategic imperative, Syria should turn hints into reality and the international community should find ways to encourage and to assist it.  

There is good evidence that Bashar came to office aware that bold economic measures were needed to rationalise public administration, curb corruption and otherwise modernise the country. But his legitimacy and power base are closely tied to the Baathist system. However much he may understand that his plans cannot succeed with the current regime, he fears that he may not long survive without it. It is not a question of merely ridding the system of remnants of his father’s rule. The system has been shaped by powerful constituents – a political/economic elite entrenched in the public sector, the army, security services and a vast, lethargic bureaucracy accustomed to benefit from the status quo. Far more than his father, Bashar has to share authority with multiple power centres, as Syria’s “pluralistic authoritarianism” becomes less authoritarian, more pluralistic. An aspiring reformist, the President realised that his longevity was tied to the stability of the regime he sought to reform.

In the past, foreign policy dividends – income generated by aid from Iran in the 1980s, from the Gulf in the early 1990s, and from illicit trade with Iraq since then – made up for domestic shortfalls. Those days are gone. Syria urgently needs domestic change. Its economy is plagued by corruption, ageing state industries, a volatile and under-performing agricultural sector, rapidly depleting oil resources, an anachronistic educational system, capital flight and lack of foreign investment.

The image of a regime that owes its durability solely to repression and a narrow, sectarian base is wide of the mark; the Baathists built support from a cross-section of Syria’s socio-economic and religious groups. Still, the regime is by no means immune to internal challenge should the economy continue to deteriorate. At the least, a flagging economy will gradually undercut its legitimacy and undermine its support, and shrinking economic resources will reduce the availability of rents and economic privileges that have been used to ensure backing from key groups.

Syria’s foreign reserves should not be used as a pretext to defer reform but rather to put in place the safety net necessary to protect the population from hardships that will inevitably accompany restructuring. To be effective, however, economic reform must be accompanied by political liberalisation. Without greater accountability, transparency and a freer media, it will be extremely difficult to break the cycle of corruption and inefficiency. And with fewer economic resources to distribute, it is all the more important to build a stronger domestic consensus through greater public participation.

Any reforms will, no doubt, be gradual and carefully managed; even so, some argue that they will spark unrest and open the door to radical Islamism. While the history of the Muslim Brotherhood’s violent activities in Syria certainly is cause for concern, the available evidence suggests that the rise of militant Islam has been nurtured by a repressive, closed system that prevents free expression and association and has badly damaged the bond of trust between citizens and state. The stifling of political participation and the discrediting of official ideology leads to a vacuum that radical Islamic discourse is best equipped to fill.

This report is published simultaneously with another on Syria’s foreign policy challenges.[fn]ICG Middle East Report N°23, Syria Under Bashar (I): Foreign Policy Challenges, 11 February 2004.Hide Footnote  The two subjects are interconnected. A strengthened domestic Syrian consensus, including national reconciliation and renewed political legitimacy for its leadership, will make it possible for Syria to play a more effective and confident role on the regional scene. Conversely, what happens internationally affects Bashar’s domestic standing and ability to push through reform.

Amman/Brussels, 11 February 2004

Workers carry boxes of humanitarian aid near Bab al-Hawa crossing at the Syrian-Turkish border, in Idlib governorate, Syria, June 30, 2021. Picture taken June 30, 2021. REUTERS/Mahmoud Hassano

تفويض إنساني حيوي لشمال غرب سورية

ينظر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في تجديد تفاهم تنقل بموجبه وكالات الأمم المتحدة المساعدات إلى إدلب، وهي منطقة تسيطر عليها المعارضة المسلحة السورية. فيما يلي من أسئلة وأجوبة يشرح خبراء مجموعة الأزمات ريتشارد غوان، ودارين خليفة وآشيش برادان لماذا ما يزال هذا الترتيب جوهرياً.

ما الرهانات في مجلس الأمن؟

من المزمع أن يصوّت مجلس الأمن الدولي قريباً على تجديد تفويض يسمح لوكالات الأمم المتحدة بتقديم المساعدات لإدلب التي تسيطر عليها المعارضة المسلحة في شمال غرب سورية من خلال معبر حدودي مع تركيا دون طلب الموافقة من الحكومة السورية في دمشق. وطبقاً لحسابات الأمم المتحدة فإن ما يقارب مليونين ونصف مليون شخص يعتمدون على شريان الحياة هذا للحصول على الأغذية وغيرها من الإمدادات الجوهرية. إلا أن هذا الترتيب إشكالي. فمنذ عام 2019، تعمل روسيا، حليفة النظام السوري، على تقليص التفويض، قائلة إنه ينبغي على الأمم المتحدة أن تعمل مع دمشق بشأن تسليم المساعدات احتراماً للسيادة السورية.

في عام 2021، بذلت الولايات المتحدة جهوداً متضافرة لإقناع موسكو بإبقاء التفويض على قيد الحياة، إلا أنها لم تطلق اندفاعة مماثلة في عام 2022، بالنظر إلى أن العلاقات بين القوتين انهارت بسبب حرب روسيا في أوكرانيا. ويشعر كبار مسؤولي الأمم المتحدة بالقلق من أن روسيا قد تستعمل حق الفيتو للاعتراض على التفويض – الذي ينبغي تجديده بحلول 10 تموز/يوليو – ما سيتسبب في انخفاض كبير في المساعدات الإنسانية لإدلب وقد يفضي إلى تدفق للاجئين إلى تركيا. ما يحدث للتفويض يشكل هاجساً للأمم المتحدة، والأمر الأكثر أهمية، للناس الذين يعيشون في إدلب.

فوّض مجلس الأمن في البداية الأمم المتحدة بتقديم مساعدات عبر الحدود للمناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة في سورية دون موافقة دمشق في عام 2014. في البداية، كان هذا التفويض يغطي أربعة معابر، ما يوفر لوكالات الأمم المتحدة إمكانية الوصول إلى جنوب وشمال شرق سورية إضافة إلى الشمال الغربي. كان تعاون أعضاء المجلس بشأن القضايا الإنسانية، رغم خلافاتهم الأوسع بشأن الحرب في سورية، نقطة مضيئة نادرة في دبلوماسية الأمم المتحدة. لكن في نقاشات عدائية في أواخر عام 2019 ومنتصف عام 2020، استخدمت روسيا والصين خلالها حق الفيتو ثلاث مرات لمنع صدور قرارات تجدد التفويض، نجحت موسكو في استصدار قرار يقضي بأن تقتصر عمليات الأمم المتحدة عبر الحدود على معبر واحد هو باب الهوى بين تركيا وإدلب. كما أوضحت روسيا أنه لا يمكن تجديد التفويض إلى ما لا نهاية.

في عام 2021، حددت إدارة بايدن استمرار توفير المساعدات لإدلب بوصفه مجالاً لتحسين العلاقات مع روسيا. وفاوض المسؤولون الأميركيون على مستقبل التفويض ثنائياً مع نظرائهم الروس في فيينا وجنيف. وفي حين أن الموقف الرسمي الأميركي كان أن المجلس ينبغي أن يفوض بفتح جميع المعابر الأصلية الأربعة – وهي حصيلة لم يعتقد كثير من مسؤولي الأمم المتحدة ودبلوماسييها أنها مرجحة الحدوث – وافقت روسيا في تموز/يوليو من ذلك العام على المحافظة على معبر باب الهوى مفتوحاً. كما طالبت موسكو أيضاً بأن تبذل الأمم المتحدة جهداً أكبر لتمرير المساعدات إلى إدلب من المناطق السورية التي تسيطر عليها الحكومة (وهي ما يشار إليها بـمساعدات "عابرة للخطوط، على عكس المساعدات العابرة للحدود من تركيا") ودعت لتوفير تمويل دولي أكبر لمشاريع "التعافي المبكر" في المناطق السورية التي تسيطر عليها الحكومة. أخيراً، أصرت روسيا على أن يضع الأمين العام للأمم المتحدة تقارير حول المساعدات عبر الخطوط في منتصف مدة التفويض في كانون الثاني/يناير 2022، في إشارة منها إلى أنها قد تحاول إعاقة استمرار التفويض عند تلك النقطة (رغم أنها لم تنفذ هذا التهديد). رغم هذه التحفظات، قدمت إدارة بايدن حقيقة أن روسيا كانت مستعدة للمحافظة على التفويض حياً – وغياب الخلافات العلنية واستعمال حق النقض في الأمم المتحدة كما فعلت في عامي 2019 و 2020 – كدليل على أن الولايات المتحدة يمكنها أن تتعامل مع الكرملين.

[يشعر] أعضاء مجلس الأمن بالقلق من أن روسيا والدبلوماسيين الغربيين سيخفقون في التوصل إلى اتفاق حول مستقبل المساعدات إلى سورية.

بعد مرور سنة على ذلك، يبدو ذلك التفاؤل جزءاً من الماضي. فمنذ هجوم روسيا على أوكرانيا في شباط/فبراير والتدهور الحاد في علاقات موسكو بالقوى الغربية، شعر أعضاء مجلس الأمن بالقلق من أن روسيا والدبلوماسيين الغربيين سيخفقون في التوصل إلى اتفاق حول مستقبل المساعدات إلى سورية. الوضع الراهن الآن هو أن مصير التفويض يبقى غامضاً رغم أن أسبوعاً واحداً فقط يفصلنا عن الموعد النهائي لتجديده.

إيرلندا والنرويج، العضوان المنتخبان في مجلس الأمن اللذان يقومان بمهمة "حاملي الأقلام" (مطلقي المبادرات الدبلوماسية) بشأن هذه القضية، قدما مشروع قرار لتجديد التفويض لإيصال المساعدات عبر باب الهوى لمدة اثني عشر شهراً في 27 حزيران/يونيو. لم تقدم روسيا حتى الآن رداً محدداً، ويتوقع أعضاء المجلس أنه قد يكون هناك نقاشات وخلافات مكثفة على النص قبل التصويت. وسيكون للنتيجة أثر رئيسي على حياة المدنيين في إدلب. كما أن ذلك سيشكل أيضاً اختباراً حيوياً للمدى الذي يمكن لروسيا والغرب أن يستمرا في العمل معاً في مجلس الأمن – ولو على مضض – مع استعار الحرب في أوكرانيا وبعد أن أصبحت سياستهما أكثر عدائية حيال بعضهما بعضاً.

ما مدى أهمية التفويض لإدلب وهل هناك بدائل؟

رغم المستوى المرتفع للتوتر في مجلس الأمن بشأن المساعدات عبر الحدود، فإن هذا التفويض منح الأمم المتحدة دعماً سياسياً جوهرياً لتوجيه العمليات الإنسانية في إدلب. وقد لعب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) على وجه الخصوص دوراً محورياً في إيصال المساعدات عبر الحدود. إذ سمح تفويض المجلس لأوتشا بتنسيق استجابات المانحين، وبقيادة المفاوضات مع السلطات المحلية، وضمان درجة كبيرة من الشفافية للمساعدات التي يتم تقديمها إلى هذه المناطق التي تسيطر عليها المعارضة المسلحة. كما ساعد أوتشا المنظمات غير الحكومية الضالعة في العمل الإغاثي لتذليل العقبات القانونية والسياسية الماثلة في العمل في منطقة تحت سيطرة هيئة تحرير الشام، الميليشيا الإسلامية التي تدير معظم إدلب. تخضع هيئة تحرير الشام لعقوبات من قبل الأمم المتحدة وهي مصنفة من قبل روسيا، والولايات المتحدة وتركيا على أنها منظمة إرهابية.

كما قادت الأمم المتحدة مفاوضات شاركت فيها دمشق وحكومة الإنقاذ المدعومة من هيئة تحرير الشام التي تدير إدلب حول التوازن بين عمليات المساعدات عبر الحدود وعبر الخطوط. الحكومة السورية وروسيا تصران على زيادة كمية مساعدات الأمم المتحدة عبر الخطوط كبديل لتمرير المساعدات عبر باب الهوى، كجزء من محاولاتهما لإعادة فرض نفوذ دمشق على تسليم المساعدات لكل سورية. مسؤولو الأمم المتحدة والدبلوماسيون الغربيون يشكون في واقعية هذا المقترح، لاسيما بالنظر إلى سجل النظام السوري في منع وصول المساعدات لمعاقبة المدنيين في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة وعدوانية خطابه حيال إدلب وسكانها. من وجهة نظر تقنية، فإن المساعدات العابرة للحدود تبقى الطريقة الأرخص، والأسرع والأكثر موثوقية لتلبية احتياجات إدلب. تقرير من الأمين العام للأمم المتحدة في حزيران/يونيو قال إن المراقبين الإنسانيين التابعين للأمم المتحدة أحصوا نحو 1,686 شاحنة تحمل الإمدادات (أربعة أخماسها أغذية) من تركيا إلى إدلب في نيسان/أبريل وأيار/مايو فقط. على النقيض من ذلك، لاحظ التقرير أن الأمم المتحدة كانت قد أشرفت على خمس قوافل فقط عبر الخطوط بين تموز/يوليو 2021 وحزيران/يونيو 2022، وسلط الضوء على إحدى هذه القوافل في أيار/مايو التي تكونت من 14 شاحنة فقط.

وافقت الولايات المتحدة وحلفاؤها على أنه ينبغي للأمم المتحدة أن تجرب إيصال المساعدات عبر الخطوط ... إلى إدلب.

رغم ذلك، وافقت الولايات المتحدة وحلفاؤها على أنه ينبغي للأمم المتحدة أن تجرب إيصال المساعدات عبر الخطوط، بشكل رئيسي كتنازل سياسي لروسيا على أمل المحافظة على موافقة موسكو على العمليات عبر الحدود. في عام 2021، وافق مجلس الأمن على "تشجيع الجهود الرامية إلى تحسين إيصال المساعدات الإنسانية عبر الخطوط" من المناطق التي تسيطر عليها الحكومة إلى إدلب. تشكو موسكو من أن القرار لم يُحترَم بشكل كامل، حيث ظل تسليم المساعدات عبر الخطوط غير منتظم، في حين تصف هيئة تحرير الشام (ومجموعات المجتمع المدني في إدلب) وأيضاً العديد من موظفي الوكالات الإنسانية هذه الجهود بأنها رشوة للكرملين وليست مساعدات جدية.

كما أصبح هذا النقاش موضع خصام كبير بين القوى المحلية في إدلب. فقد وافقت هيئة تحرير الشام وحكومة الإنقاذ على مضض على بعض عمليات إيصال المساعدات عبر الخطوط، ووفرت لها الأمن وسمحت بالتوزيع الآمن. إلا أن هيئة تحرير الشام تعرضت لانتقادات حادة من شرائح من السكان ومن خصومها في المعارضة السورية بسبب "التعاون" مع النظام الذي قتل الآلاف وهجر ملايين السوريين. في المجالس الخاصة، يعبّر أعضاء هيئة تحرير الشام عن قلقهم من أن آلية إيصال المساعدات عبر الخطوط تشكل ورطة بالنسبة لهم. فإذا تعاونوا، يتعرضون للانتقادات المحلية؛ وإذا لم يتعاونوا، سيدانون دولياً. وفي كلتا الحالتين لا تلبي المساعدات العابرة للخطوط جزءاً ضئيلاً من الاحتياجات الإنسانية في إدلب. في الوقت الراهن وجدت هيئة تحرير الشام أن من الحكمة تيسير المرور الآمن لعدة قوافل مساعدات عبر الخطوط لتفادي منح موسكو ذريعة لإيقاف تفويض الأمم المتحدة العابر للحدود ولتقوية يد تركيا في المفاوضات مع روسيا. وطبقاً لهيئة تحرير الشام، سيكون هناك صعوبة أكبر بشأن تعاونها في مجال المساعدات العابرة للخطوط إذا استعملت موسكو حق النقض على تجديد التفويض عبر الحدود.

ما الذي سيعنيه الفيتو الروسي؟

إذا اعترضت روسيا على تجديد تفويض إيصال المساعدات عبر الحدود، فإن التداعيات الفورية يمكن أن تكون فوضوية. فمن غير الواضح ما إذا كان سيترتب على أوتشا أن يوقف بشكل مفاجئ عملياته بشأن سورية في تركيا أو ما إذا كان بوسعه الاستمرار في لعب وظيفة تنسيقية في الحد الأدنى خلال مرحلة انتقالية. بصرف النظر، فإن غياب البنية التحتية للمساعدات التي يوفرها أوتشا والتي لا يمكن لأي آلية أخرى أن تحل محلها والتفويض بإيصال المساعدات عبر الحدود سيقلص بشكل كبير حجم المساعدات وكفاءة استجابة المانحين. كما أن ذلك سيترك المنظمات غير الحكومية والجهات المانحة تصارع لإدارة تنسيق المساعدات والإشراف، بينما يتقلص نفوذها في التعامل مع السلطات في تركيا وإدلب. يقدر مسؤولو الأمم المتحدة أن المنظمات غير الحكومية يمكن أن توفر في أحسن الحالات 30 إلى 40% من المساعدات التي تقدمها الأمم المتحدة. ومن الناحية العملية فإن ذلك يعني زيادة الجوع، وعدم معالجة الحالات الطبية، وتعرض الملايين لخطر فقدانهم المأوى والمساعدات.

يوافق المتحدثون إلى مجموعة الأزمات في إدلب على أن انقطاع تدفق المساعدات من شأنه أن يدفع كثيرين من سكان المنطقة – الذين هرب كثيرون منهم من أجزاء أخرى من سورية في وقت سابق من الحرب – إلى محاولة الخروج من المنطقة، غالباً عبر محاولة الدخول إلى تركيا. أما كيف ستردّ أنقرة على الفوضى التي ستحدث على الحدود فيبقى غير واضح؛ لاسيما وأن وجود ما يقدر بـ 3.7 مليون لاجئ سوري في تركيا يشكل مصدراً لتوتر سياسي – اجتماعي، يتصاعد بسبب المشاكل الاقتصادية والانتخابات المزمع إجراؤها في حزيران/يونيو 2023. رغم أن الأحوال المعيشية في إدلب تحسنت بشكل كبير منذ توصلت موسكو وأنقرة إلى وقف إطلاق للنار بحكم الأمر الواقع في عام 2019، يبقى السكان قلقين بشأن الوضع الهش. أحد سكان إدلب قال: "حياتنا تعتمد على المزاج في الكرملين كل بضعة أشهر. وهذا أمر غير إنساني وغير مستدام".

ما فرص استمرار التفويض؟

مباشرة بعد الهجوم الروسي على أوكرانيا، بدا أعضاء مجلس الأمن عموماً متشائمين بشأن فرص تجديد التفويض للمساعدات العابرة للحدود في أحاديثهم مع مجموعة الأزمات. لكن الآن، فإن بعضهم متفائل بحذر بأن موسكو ستبقي التفويض حياً. والمسألة على الأغلب مسألة تكهنات. إذ تنتظر البعثة الروسية في نيويورك عادة حتى مرحلة متأخرة من المفاوضات بشأن هذا الملف لتحصل على تعليمات واضحة من موسكو حول كيفية التصرف. في المفاوضات على مسودة القرار المقدم من قبل إيرلندا والنرويج في 27 حزيران/يونيو الذي يمدد التفويض، بدا أن لا الدبلوماسيين الروس ولا الصينيين لديهم توجيهات محددة من عاصمتيهم. يأمل الدبلوماسيون الغربيون بأن موسكو ستقرر بأنها ستحتفظ بنفوذ أكبر على الأحداث في إدلب بالموافقة على تجديد التفويض – الأمر الذي سيمنحها منصة لدفع الأمم المتحدة لتعمل بجهد أكبر فيما يتعلق بالمساعدات عبر الخطوط – بدلاً من إحداث أزمة.

يأمل المسؤولون الغربيون بأن موسكو [ستحجم عن استعمال الفيتو] في هذه المناسبة.

رغم أن العلاقات بين الدبلوماسيين الغربيين والروس في مجلس الأمن تتسم بالسمّية بسبب أوكرانيا، فإن موسكو أحجمت عن استعمال الفيتو على قرارات أخرى، مثل منح تفويض جديد لبعثة الأمم المتحدة للمساعدة في أفغانستان، التي خشيت دول أخرى من أنها ستعيقها. ويأمل المسؤولون الغربيون بأن موسكو ستظهر ضبطاً مشابهاً للنفس في هذه المناسبة، لاسيما وأن الاعتراض على القرار سيصعد التوترات مع تركيا (على النقيض من ذلك، تصر مصادر تركية على أنها لا تستطيع منع روسيا من استعمال الفيتو، ويجادلون بأنه لا ينبغي توقع أن تحل أنقرة هذه المشكلة نيابة عن الولايات المتحدة والدول الأوروبية). كما أن الصين يمكن أن تساعد في تعديل حسابات روسيا. فخلال المفاوضات التي جرت في عام 2021 على التفويض الإنساني لسورية، أبلغ دبلوماسيون صينيون نظراءهم الغربيين بأنهم لم يرغبوا بتكرار النزاعات العلنية التي سادت في عامي 2019 و 2020. في عام 2022، أكدوا على الحاجة لتفادي حدوث عدد أكبر مما ينبغي من الانفجارات في مجلس الأمن في الوقت الذي تستمر فيه الحرب الروسية – الأوكرانية.

ثمة وجهات نظر مختلفة بشأن ما ستتمخض عنه مفاوضات المجلس. فبعض أعضاء المجلس يتكهنون بأن روسيا يمكن أن تقدم مطالب في اللحظة الأخيرة – على الأرجح بشأن المساعدات عبر الخطوط وتمويل التعافي – في الأيام القادمة. وفي حين من المزمع أن يصوّت المجلس على تجديد التفويض في 7 تموز/يوليو، فإنه يمكن أن يؤجل هذا الموعد، حيث تتجاوز المفاوضات ربما موعد انتهاء صلاحية التفويض في 10 تموز/يوليو. كما يتكهن مسؤولو الأمم المتحدة بأن روسيا لن تتسبب في هذا النوع من التعطيل، ما يعني أن العملية ستنتهي بتصويت سريع.

كيف يبدو المستقبل بعيد المدى للمساعدات عبر الحدود إلى سورية؟

من الواضح أن أفضل نتيجة للدبلوماسية الحالية التي تقوم بها الأمم المتحدة بشأن سورية يمكن أن تتمثل في قيام مجلس الأمن بتجديد التفويض للمساعدات عبر الحدود لمدة عام. إذ لا توجد مجموعة من الترتيبات يمكن الركون إليها تشكل بديلاً للمساعدات عبر الحدود. إذا اعترضت روسيا على التفويض، فإن التداعيات ستتسبب بمعاناة إنسانية هائلة، وعمليات تهجير إضافية، وربما اضطرابات سياسية في إدلب وما حولها. وفي حين لم تظهر موسكو اعتباراً يذكر لعدم رضا الأعضاء الآخرين في مجلس الأمن بشأن حربها على أوكرانيا، فإنها قد تكون حذرة بشأن توتير علاقاتها مع أنقرة – وبشأن خلق أزمة جديدة لنفسها في سورية بينما تركز على أوكرانيا.

رغم ذلك يترتب على الأعضاء الغربيين في مجلس الأمن ومسؤولي الأمم المتحدة أن يستعدوا لانتهاء التفويض العابر للحدود، سواء في تموز/يوليو أو في تاريخ لاحق. إذ استند تفويض المجلس الأصلي للمساعدات عبر الحدود إلى سورية في عام 2014 على افتراض أن الجيوب الخاضعة لسيطرة المعارضة المسلحة في سائر أنحاء البلاد كانت ظاهرة مؤقتة، وكذلك التفويض. في الوقت الراهن، يبدو من الأكثر ترجيحاً أن الصراع السوري يتجه إلى مأزق طويل الأمد دون تسوية عسكرية أو سياسية واضحة في الأفق. وقد تبقى مناطق شمال سورية حيث يعيش ملايين السوريين المهجرين خارج سيطرة الحكومة – وبحاجة لمساعدات خارجية كبيرة – لبعض الوقت. وما من ضمانة بأن مجلس الأمن سيستمر بتجديد التفويض بشأن المساعدات العابرة للحدود إلى ما لا نهاية.

وقد وضع المانحون، والأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية أصلاً خططاً لاحتمال انتهاء ترتيبات المساعدات عبر الحدود. وقد يتمثل أحد الخيارات – حتى لو تم تجديد التفويض – بأن ينهي أوتشا عملياته لتقديم المساعدات تدريجياً بينما يستمر بلعب دور تنسيقي أصغر والمساعدة في بناء قدرات المنظمات غير الحكومية لتوفير المساعدات لإدلب بدلاً من وكالات الأمم المتحدة. في هذه الحالة، فإن استخدام روسيا للفيتو في المستقبل سيحدث ضرراً أقل على إمدادات المساعدات مما سيحدثه اليوم. لكن في الوقت الراهن، من الجوهري أن يجدد مجلس الأمن التفويض للمساعدات عبر الحدود لتفادي حدوث كارثة إنسانية جديدة في شمال غرب سورية.

What is the longer-term future of cross-border aid to Syria?

It is clear that the best outcome of current UN diplomacy over Syria would be for the Security Council to renew the mandate for cross-border aid for a year. No credible alternative set of arrangements exists for cross-border aid. If Russia does veto the mandate, the fallout would provoke enormous humanitarian suffering, additional displacement and, potentially, political turmoil in and around Idlib. While Moscow has shown scant regard for the disapproval of other Security Council members over its war on Ukraine, it might be wary of straining its relationship with Ankara – and of creating a new crisis for itself in Syria while it is focused on Ukraine.

Nonetheless, Western members of the Council and UN officials need to ready themselves for an end to the cross-border-mandate, either in July or at a later date. The original Council mandate for cross-border aid to Syria in 2014 was based on the assumption that rebel-controlled enclaves around the country were temporary phenomena, and the mandate as well. For now, it appears more likely that the Syrian conflict is moving into an extended stalemate with no clear military or political resolution on the horizon. Areas of northern Syria where millions of displaced Syrians live might remain outside government control – and in need of significant external aid – for some time to come. There is no guarantee that the Security Council will continue to renew the authorisation for cross-border aid indefinitely.

Donors, the UN and NGOs already have plans for the eventuality that the cross-border arrangements end. One option – even if the mandate is renewed – may be for OCHA to gradually wind down its delivery operations while continuing to play a smaller coordination role and helping build up the capacity of NGOs to supply aid to Idlib in place of UN agencies. In this case, a future Russian veto would do less damage to aid supplies than it would do today. For the time being, however, it is essential that the Security Council renew the mandate for cross-border aid to avoid a fresh humanitarian disaster in north-western Syria.

Subscribe to Crisis Group’s Email Updates

Receive the best source of conflict analysis right in your inbox.