icon caret Arrow Down Arrow Left Arrow Right Arrow Up Line Camera icon set icon set Ellipsis icon set Facebook Favorite Globe Hamburger List Mail Map Marker Map Microphone Minus PDF Play Print RSS Search Share Trash Crisiswatch Alerts and Trends Box - 1080/761 Copy Twitter Video Camera  copyview Youtube
ماذا كان على المحك في المحادثات السورية في أستانة؟
ماذا كان على المحك في المحادثات السورية في أستانة؟
ماذا بعد المعركة الدموية للسيطرة على حلب؟
ماذا بعد المعركة الدموية للسيطرة على حلب؟
Participants at the Syria peace talks meet in Astana, Kazakhstan, for the first session on 23 January 2017. SPUTNIK/Болат Шайхинов

ماذا كان على المحك في المحادثات السورية في أستانة؟

مع انطلاق جولة جديدة من محادثات السلام المدعومة من روسيا وتركيا حول سورية، ينظر كبير محللي الشؤون السورية في مجموعة الأزمات الدولية، نوح بونسي، إلى الديناميكيات السياسية المتغيرة والتحديات المستقبلية.

ماذا على أجندة محادثات السلام في أستانة، كازاخستان؟

هنا في أستانة، تُسلَّط الأضواء على المحادثات بين الحكومة السورية وأعضاء المعارضة المسلحة، إلا أن هذا لا يعدو كونه عرضاً مسرحياً. في الواقع، ثمة شعوراً متنامياً في أوساط الدبلوماسيين والصحفيين والمحللين الذين ينتظرون في ردهة الفندق ومقهاه، بأننا نحن أيضاً جزء من العرض. أما الحدث الأكثر جوهرية فيتمثل في النقاشات الجارية بين روسيا وتركيا وإيران، رغم أنه لم يتم كشف الكثير عن محتوى هذه النقاشات.

إن مجرد حقيقة أن روسيا وتركيا وإيران تقود المحادثات ــ وبمشاركة محدودة من الولايات المتحدة بصفة مراقب، وعدم وجود أية مشاركة على الإطلاق من السعودية ــ يعكس مدى انتقال مركز الثقل في الحرب السورية. ويأتي هذا نتيجة للتقدم العسكري الذي أحرزه النظام وداعموه، وضعف النفوذ الأمريكي (في الوقت الراهن على الأقل) في الصراع المركزي للقوى في هذا النزاع، وتراجع الرياض عن لعب دور في سورية (بسبب غرقها في المستنقع اليمني وضعف شركائها المفضلين بين فصائل المعارضة المسلحة).

بالنسبة للمجتمعين في أستانة، فإن التركيز الرئيسي هو على وقف إطلاق النار المترنح الذي يتم الالتزام به جزئياً والذي تم التفاوض عليه بين روسيا وتركيا في أواخر كانون الأول/ديسمبر بعد أن استعاد النظام السيطرة على الجزء الشرقي من حلب. نظرياً، يغطي وقف إطلاق النار جميع أجزاء البلاد التي تسيطر عليها المعارضة غير الجهادية والقوات الموالية للنظام، بينما يسمح باستمرار الهجمات على تنظيم الدولة الإسلامية وجبهة فتح الشام، وهي فصيل سلفي جهادي كان يُعرف سابقاً بجبهة النصرة، واحتفظ حتى وقت قريب بعلاقات رسمية مع تنظيم القاعدة. أما من الناحية العملية، فإن وقف إطلاق النار خفض حدة العنف في الشمال، لكنه أخفق في منع الهجمات المستمرة للنظام على المناطق التي تسيطر عليها المعارضة في ريف دمشق .

إنه لأمر مهم أن المحادثات تجري في الحديقة الجيوسياسية الخلفية لروسيا، وأن الكرة باتت بشكل أساسي الآن في ملعب موسكو. هل ستمضي روسيا أبعد مما فعلت حتى الآن في الضغط من أجل التوصل إلى وقف إطلاق نار مستدام قادر على المحافظة على الانخراط التركي والالتزام من قبل فصائل المعارضة المسلحة غير الجهادية؟ وإذا اختارت فعل ذلك، هل تستطيع أن تضمن تعاون النظام وإيران؟ لا نعرف الجواب حتى الآن.

هل ثمة علامات على أن هذه المحادثات ستحقق نجاحاً أكبر من ذاك الذي حققه العديد من الجهود الدولية التي أخفقت على مدى هذه الحرب؟

تتمتع روسيا وإيران وتركيا جميعها بنفوذ كبير على الأرض في سورية، وهو ما يمكن استعماله من أجل خفض مستويات العنف بشكل جذري.
للأسف، فإن ديناميكيات رئيسية ساهمت في فشل حالات وقف إطلاق النار الجزئية السابقة لا تزال موجودة. لا يزال هناك أسئلة كبيرة تتعلق بمواقف كل من دمشق وطهران. يبدو النظام عازماً على البقاء في حالة هجوم، بما في ذلك من خلال استخدام حلب كمنصة للسيطرة على مناطق إضافية في محافظة إدلب. وإيران لا تعبّر عن تفضيلاتها بصراحة؛ لكن منذ بداية التدخل الروسي في أيلول/سبتمبر 2015، أظهرت طهران ووكلاؤها بوضوح أنهم يجدون ميزة في الاستمرار في حالة الهجوم.

إنه لأمر مهم أن المحادثات تجري في الحديقة الجيوسياسية الخلفية لروسيا، وأن الكرة باتت بشكل أساسي الآن في ملعب موسكو.

يسعى النظام والميليشيات المدعومة من إيران إلى التوصل إلى حالات وقف إطلاق نار محلية وليس على مستوى البلاد؛ حيث إنهم يحققون ذلك بشروط مواتية من خلال فرض عقاب جماعي صارم على المناطق التي تسيطر عليها المعارضة، ومن ثم استغلال الهدوء الناجم عن ذلك لنقل القوات نحو التصعيد في أماكن أخرى. تشكل تلك الاتفاقات مكوناً رئيسياً في استراتيجيتهم العسكرية، حيث تسمح لهم بتوسيع سيطرتهم بينما تقلل إلى الحد الأدنى الإجهاد الذي تعاني منه قواهم البشرية المحدودة.

إن وقف إطلاق نار شامل على مستوى البلاد، إذا تم تنفيذه، سيمنع شن هجمات إضافية ضد المعارضة غير الجهادية، وبالتالي فهو أمر غير مرغوب به من منظورهم. في الواقع، فإن إحجام النظام وإيران عن عدم استغلال الفرص لتحقيق تقدم عسكري لعب دوراً حاسماً في تآكل أول وقف للأعمال القتالية في مطلع عام 2016. كما أنه يساعد على تفسير إخفاق وقف إطلاق النار الحالي في الصمود في محيط دمشق، حيث يشكل القضاء على ما تبقى من جيوب للمعارضة المسلحة أولوية قصوى بالنسبة للنظام وإيران. كما تحتوي محافظة إدلب التي تشكل معقلاً للمعارضة المسلحة ما يبدو أنها أهداف رئيسية للنظام وإيران، خصوصاً مدينة جسر الشغور والمناطق المحيطة بها والمحاذية لمحافظة اللاذقية التي يسيطر عليها النظام، وقريتي الفوعة وكفريا الشيعيتين.

كي يكون لوقف إطلاق النار أي فرصة في تحقيق نجاح طويل الأمد، فإن ثمة المزيد مما ينبغي على رعاة الاتفاق فعله. على تركيا أن تفعل المزيد لتوفير الحوافز لالتزام فصائل المعارضة المسلحة به ومعاقبة منتهكيه في أوساط جميع فصائل المعارضة التي تدعمها، بما في ذلك أحرار الشام. كما ينبغي أن تفعل روسيا المزيد لوقف هجمات حلفائها، وذلك من خلال استعمال اعتمادهم على دعمها الجوي لممارسة نفوذها عليهم. كما أن إشراك إيران أمر حاسم؛ حيث إن لديها أدوات كثيرة تمكنها من إفشال تنفيذ أي اتفاق يتم إنجازه على حسابها. في هذا الصدد، سيكون من المثير للاهتمام مراقبة الدور الإيراني خلال محادثات أستانة وبعدها.
 

هل يمكن التوصل إلى وقف إطلاق نار فعال دون إشراك عناصر من المعارضة الجهادية أيضاً، إن لم يكن تنظيم الدولة الإسلامية، فربما فتح الشام؟

في الواقع، فإن فتح الشام، وهو فصيل سلفي جهادي مرتبط بالقاعدة وأحد أكثر فصائل المعارضة المسلحة قوة، يشكل عقبة كبرى أمام استمرار وقف إطلاق النار. كما في الحالات السابقة لوقف الأعمال القتالية، فإن فتح الشام مستثنى من هذا الاتفاق. في الواقع، فإنه في كل وقف لإطلاق النار واجه فتح الشام احتمال أن يصبح الضحية الرئيسية، حيث إن أي انخفاض مستمر في مستويات العنف داخل مثل هذا الإطار من المرجح أن يبرز تباين المصالح بين الفصيل الجهادي وباقي أطياف المعارضة المسلحة، بينما يسمح باستمرار الضربات ضده في هذه الأثناء. علاوة على ذلك، فإن استبعاد فتح الشام يشكل ثغرة كبرى تمكّن النظام وحلفاءه من الاستمرار في هجماتهم، مستخدمين وجود مقاتلي فتح الشام، الحقيقي أو المتخيل، ذريعة لهم. حدث هذا خلال وقف الأعمال القتالية في مطلع عام 2016، ويحدث حالياً في وادي بردى، شمال غرب دمشق، الذي استمر النظام في مهاجمته طوال وقف إطلاق النار. (يورد النظام الوجود المزعوم لفتح الشام لتبرير هجومه في وادي بردى. إن وجود الفصيل هناك موضع نزاع، لكن يبدو أنه يشكل في الحد الأقصى أقلية صغيرة من مقاتلي المعارضة المسلحة في تلك المنطقة). 

إن القدرة الإجمالية الكامنة على إفشال وقف إطلاق النار لدى النظام وإيران (بما في ذلك الميليشيات التي تعمل بالوكالة عنها) من ناحية وفتح الشام من ناحية أخرى هي قدرة هائلة، وقدرة كل طرف على الإفشال تعزز ذات القدرة لدى الطرف الآخر أيضاً. تستخدم الهجمات التي يشنها الطرف الأول كمبرر لشن هجمات من قبل الطرف الثاني، والعكس بالعكس. بمرور الوقت، فإن التصورات عن الانتهاكات المتكررة لوقف إطلاق النار يجعل من السهل على فتح الشام إقناع الفصائل الأخرى في المعارضة المسلحة باستئناف هجماتها. رأينا هذا خلال وقف الأعمال القتالية في مطلع عام 2016، عندما امتنعت الفصائل الشمالية المشاركة في الاتفاق في البداية عن المشاركة في الهجمات التي شنها فتح الشام (الذي كان يُعرف حينذاك بجبهة النصرة)، لكنها أقنعت لاحقاً بالانضمام إليه. إن أي تآكل في مشاركة المعارضة المسلحة غير الجهادية في وقف إطلاق النار يزيد من تلهف دمشق وطهران لاستعادة زمام المبادرة العسكرية، وقد يزيد من الضغوط على روسيا لتوفير الدعم الجوي المطلوب.

إن وقف إطلاق نار قابل للحياة يتطلب إعادة النظر في استبعاد فتح الشام. نظرياً، إذا كان هناك إجماع على أولوية تخفيف حدة العنف في سورية، فإنه سيكون من الأفضل محاولة إشراك فتح الشام في أي وقف لإطلاق النار. إذا قبلوا بذلك، فسيكون ذلك جيداً؛ وإذا رفضوا، فإن مهمة عزلهم عن عناصر المعارضة الأكثر براغماتية قد يصبح أسهل. لكن عملياً، لم يتم التوصل إلى مثل ذلك الإجماع، كما أن تحقيق مشاركة الروس والإيرانيين أو حتى الأمريكيين في اتفاق يضم هذا الفصيل أمر غير واقعي. بالنظر إلى أن العمل يجري ضمن هذه القيود، فإن البديل الأفضل سيكون إشراك فتح الشام في كل وقف لإطلاق النار، ولفترة محددة من الزمن، في المناطق التي لفتح الشام بعض الوجود فيها دون أن يتمتع بسيطرة أحادية. إن الوقف المستدام للهجمات الموالية للنظام في هذه المناطق سيسمح لتركيا وحلفائها في المعارضة ببعض الوقت لاستخدام المساحة و الموارد ورأس المال السياسي اللازمة لمعالجة مشكلة فتح الشام في أوساطها.

ما الذي تكسبه المعارضة من المشاركة في هذه المحادثات؟

تدخل المعارضة المفاوضات من موقف ضعف. لقد كان لخسارة شرق حلب تداعيات عسكرية وسياسية كبيرة فاقمت الانقسامات بين الفصائل المسلحة وداخلها. وقد ظهر هذا في أبرز أشكاله على أساس خط فصل مألوف بين السلفيين الجهاديين المتشددين من ناحية وفصائل المعارضة المسلحة غير الجهادية والأكثر براغماتية التي تعرّف نفسها بأنها "ثورية" من ناحية أخرى. إن ارتفاع حدة التوتر هذا يهدد بانقسام أحد أقوى فصائل المعارضة المسلحة، أحرار الشام، الذي كان ولوقت طويل عابراً لخط الفصل هذا. كما أنه غذى الصدامات بين أعضاء فتح الشام وفصيل جند الأقصى الجهادي المتحالف معه، من جهة، وأحرار الشام والفصائل "الثورية" الأصغر من جهة أخرى. بدأ الجزء الأكبر من هذا الاقتتال الداخلي في 23 كانون الثاني/يناير، عندما أطلق فتح الشام هجوماً تم تنسيقه مسبقاً على جيش المجاهدين، وهو فصيل غير جهادي يعمل غرب حلب (انظر أدناه).

إن وقف إطلاق نار قابل للحياة يتطلب إعادة النظر في استبعاد فتح الشام.

تمكنت أنقرة من إقناع معظم الفصائل "الثورية" بحضور محادثات أستانة، مع الاستثناء البارز لأحرار الشام. سترغب هذه الفصائل بتوسيع وتعزيز قوة وقف إطلاق النار. إلا أن الضعف في ميدان المعركة يحد من نفوذ وفد المعارضة في المحادثات؛ كما تطرح الانقسامات داخل صفوف المعارضة قضية التكاليف والمخاطر المحتملة لأية تنازلات توافق عليها.

إن التفاوض في ظل مثل هذه الظروف الصعبة مع خصم مثل النظام السوري، الذي تحاشى التوصل إلى تسوية ذات معنى حتى عندما كان أضعف بكثير، يعني أنه ليس هناك الكثير مما يستطيع موفدو المعارضة تحقيقه بأنفسهم في أستانة. إنهم يسعون لتوسيع تنفيذ وقف إطلاق النار، لكنهم يعتمدون في تحقيق ذلك أولاً على قدرة تركيا على الحصول على تسوية من روسيا، وثانياً على قدرة روسيا على الحصول على قبول إيران وتنفيذ النظام لتلك التسوية. إن التنفيذ غير المتسق لوقف إطلاق النار الحالي يشير إلى أنه في حين أن الانخراط التركي ــ الروسي كبير، فإنه غير كافٍ لتغيير كيفية معالجة النظام وإيران لأولوياتهما العسكرية حول دمشق.

ما هو أثر التفافة تركيا الكبيرة على آفاق السلام؟
​​​​​​​

ثمة عامل بارز يميز وقف إطلاق النار هذا عن "وقف الأعمال القتالية" الذي سبقه يتمثل في درجة الانخراط التركي المباشر. في الوقت الراهن على الأقل، فإن تركيا حلت محل الولايات المتحدة بوصفها المحاور الرئيسي لروسيا في التفاوض على مثل هذه الترتيبات. وهذا أمر مهم، حيث تتمتع تركيا بنفوذ مباشر أكبر، وتحظى بثقة أكبر، لدى الفصائل المسلحة غير الجهادية في المعارضة التي تشارك في هذه الاتفاقات.

تعد تركيا الحليف الأكثر أهمية للمعارضة، وانتقالها للتنسيق الكبير مع روسيا أصبح إحدى النقاط الرئيسية للخلاف داخل المعارضة. دفعت أنقرة شركاءها في المعارضة للموافقة على وقف لإطلاق النار وحضور محادثات أستانة بشكل أساسي لأسباب تخصها؛ حيث يشغلها صراعها عبر الحدود مع حزب العمال الكردستاني وفرعه السوري، وإدراكاً منها لضعف الأوراق العسكرية لدى المعارضة، وحرصاً منها على بناء علاقات أفضل مع موسكو. التزمت معظم الفصائل بذلك، رغم الضغوط المكثفة المعاكسة من فتح الشام.

أين سيترك التغير في الموقف التركي المعارضة السورية؟

في الحد الأدنى، فإن الفصائل "الثورية" في المعارضة، بما في ذلك أحرار الشام، تقف على مفترق طرق استراتيجي.

هل ستبقى متحدة إلى جانب تركيا، التي لم تعد تؤكد على هدف استبدال الرئيس السوري بشار الأسد ــ  رغم أنها لم تتخلَ عنه تماماً ــ  لكن التي يمكن أن تساعد المعارضة في الاحتفاظ بالمناطق التي لا تزال تسيطر عليها من خلال استمرار الدعم العسكري، وأيضاً من خلال ترتيبات متفاوض عليها مع روسيا؟ هذا المسار يقيد الخيارات الهجومية للمعارضة غير الجهادية، على الأقل على المدى القصير، كما يصعد التوترات مع فتح الشام. لكنه يوفر لها أفضل فرصة للاحتفاظ بالأراضي والنفوذ السياسي.
 

على 'ثوار' المعارضة أن يكونوا واضحين: إن استمرارهم بربط مصيرهم بمصير فتح الشام سيدفع بثورتهم ... إلى حرب عصابات غير متناظرة طويلة الأمد

بدلاً من ذلك، بوسع المعارضة غير الجهادية أن ترفض المسار الدبلوماسي الذي تحثها عليه تركيا، والاقتراب أكثر من فتح الشام. من شأن هذا أن يجنبها إحراج تقديم تنازلات مريرة، ويقلل من مخاطر نشوب حرب بين فصائل المعارضة. لكنه يمكن أن يكلفها أيضاً فقدان الدعم الذي توفره الدول، ومن شبه المؤكد أنه سيعرضها لضغوط عسكرية متزايدة. مع عدم وجود وقف إطلاق نار على الطاولة، من المرجح أن ترمي روسيا بثقلها خلف هجمات عسكرية موسعة ومكثفة. وكما اثبت مصير شرق حلب، سيترتب على ذلك قدر كبير جداً من سفك الدماء والدمار في مناطق المعارضة، ما سيؤدي في المحصلة إلى خسارة المزيد من الأراضي.

وهكذا، على "ثوار" المعارضة أن يكونوا واضحين؛ حيث إن استمرارهم في ربط مصيرهم بمصير فتح الشام سيغير دورهم في الصراع. سيقلص نطاق الأراضي التي يسيطرون عليها وسيدفع بثورتهم، سواء كان ذلك باختيارهم أو بحكم النتيجة المحتومة، إلى استراتيجية حرب عصابات غير متناظرة طويلة الأمد. هذا سيناسب قيادة فتح الشام والسلفيين الجهاديين الآخرين، حيث إن التكتيكات المطلوبة تحقق مزايا نسبية لهم، ويبدو أنهم يفضلون استمرار الحرب سعياً لتحقيق أهداف أيديولوجية على التوصل إلى تسوية تهدف إلى المحافظة على ما تبقى من المكاسب التي حققتها المعارضة من حيث السيطرة على الأراضي وحماية النسيج الاجتماعي للمجتمعات المحلية. إلا أن المكاسب التي يحققها الراديكاليون ستكون خسائر للفصائل "الثورية". نظراً لكونها أكثر اعتماداً على الدعم الخارجي الذي تقدمه الدول وكونها أقل كفاءة في تكتيكيات حرب العصابات من نظيراتها الجهادية، فإنها ستفقد وزناً نسبياً داخل الثورة إلى جانب استمرار خسارتها للأراضي، وبالتالي التخلي عن أهميتها السياسية.

هل لك أن تخبرنا بالمزيد عن الاقتتال الحالي بين فتح الشام والفصائل المعارضة الأخرى؟

لم يكن هجوم فتح الشام على جيش المجاهدين غرب حلب مفاجئاً.

قرار عدة فصائل "ثورية" (بما فيها جيش المجاهدين) حضور محادثات أستانة رفع من حدة التوترات بينها وبين فتح الشام. عامل آخر يفاقم هذا الانقسام يتمثل في التوسع الأخير والتصعيد في الضربات الأمريكية التي تستهدف قيادة ومنشآت فتح الشام. لقد لعبت الولايات المتحدة دوراً في دعم جيش المجاهدين وغيره من الفصائل "الثورية" على مدى السنوات الثلاث الماضية، وبالتالي فإن حقيقة أن الطائرات الأمريكية دون طيار تقتل الآن قادة فتح الشام يغذي شكوك الجهاديين حيال تلك الفصائل ويوفر في الوقت ذاته ذريعة لمهاجمتها. 

لقد أجج هجوم فتح الشام غضباً واسعاً داخل فصائل المعارضة المسلحة الأخرى، ويعبر العديد منها عن تضامنه مع جيش المجاهدين. لكن ذلك وحده لم يرقَ إلى الكثير، بالنظر إلى مهارة فتح الشام في تكتيكات فرّق تسد وميلها للإمساك بزمام المبادرة. إذا لم تنسق الفصائل "الثورية" بشكل أفضل لردع مثل تلك الهجمات والدفاع عن نفسها ضدها، فإن دورها في شمال سورية سيتلاشى أكثر فأكثر.
 

ما مدى الراحة التي يشعر بها نظام دمشق وحلفاؤه مع تضاعف عدد المشاكل التي تعاني منها المعارضة؟

إن النظام وحلفاءه في وضع أفضل بكثير من وضع المعارضة في الوقت الراهن، وفي الواقع فهم مرتاحون في بعض النواحي أكثر بكثير مما كانوا عليه منذ عام 2012. لكن ورغم أن زخمهم العسكري في حده الأقصى، فإنهم لا زالوا يعانون من نقطة ضعف تتمثل في نقص المقاتلين السوريين المقتدرين الذين يمكن الركون إليهم. 

إن التناقض الصارخ الذي ظهر في كانون الأول/ديسمبر بين انتصار النظام في حلب وخسارته السريعة لتدمر أمام تنظيم الدولة الإسلامية أمر ملفت؛ ففي حين أن مزيجاً من العقاب الجماعي الوحشي، والدعم الجوي الروسي، ورجال الميليشيات الأجنبية المدعومة من إيران يمكن أن تؤدي إلى تحقيق النظام لمكاسب حتى في معاقل المعارضة، فإن النظام يفتقر إلى الموارد الكافية لتوفير حماية فعالة للمناطق ذات الأولوية الأدنى. تعاني قوات الأمن السورية من مشكلة خطيرة في القوى البشرية؛ وقد أخفقت الجهود الرامية إلى توسيع عمليات التجنيد الإجباري بشكل تدريجي على مدى الصراع في حلها.

يشكل هذا تحدياً رئيسياً لموسكو وطهران، اللتان تحملان عبء التعويض عن نقاط ضعف النظام. حتى مع كل مساعدتهما، فإن النظام يفتقر إلى الوسائل التي من شأنها أن تمكنه من هزيمة خصومه المسلحين بشكل نهائي. ما يستطيع فعله، إذا قدمت له إيران وروسيا ما يحتاجه من رجال وقوة نيران، هو أن يستمر في تقليص نطاق الأراضي التي تسيطر عليها المعارضة. إذا جعلت دمشق من المناطق التي تسيطر عليها الفصائل غير الجهادية أولوية لها، كما فعلت كثيراً من قبل، فإن هذا سيقلص بشكل أكبر وزنها السياسي الجماعي. لكن في إطار هذه العملية، فإن النظام وحلفاءه سيوسعون منطقة الأراضي التي ينبغي عليهم تخصيص مقاتلين هم بأمس الحاجة إليهم للسيطرة عليها، وسيتركون أنفسهم عرضة لاستراتيجية حرب العصابات غير المتناظرة التي تهدف إلى إضعاف إرادتهم وقدرتهم تدريجياً. 

إذا كان بوسع روسيا أن تضغط لتحقيق وقف إطلاق نار مستدام تدعمه تركيا، وتقبله إيران، ويلتزم به النظام والفصائل الثورية غير الجهادية، فإن النتيجة المحتملة ستكون تجميداً فعلياً للصراع

يمكن لتكتيكات المعسكر الموالي للنظام المتمثلة في تهجير السكان، والتي يستخدمها ضد المناطق التي تسيطر عليها المعارضة، أن يخفف من التهديد إلى حد ما، لكن ربما بشكل لا يكفي لجعل التكاليف والمخاطر مستدامة بسهولة، بالنظر إلى محدودية قواه البشرية، والديموغرافيا السورية، وقوة ما تبقى من المعارضة المسلحة.

لا يبدو أن هذا الضعف أمام حرب عصابات طويلة الأمد، وقد تكون خطيرة، يشكل عاملاً عميقاً في عملية صنع القرار لدى النظام أو إيران. لكنهما غير قادرين على السيطرة على ما يكفي من الأراضي في معاقل الثوار الشمالية دون دعم روسي قوي. موسكو، من جهتها، بدت في كثير من الأحيان أكثر اهتماماً من حلفائها بمخاطر توسع النظام بشكل أكبر من قدرته على السيطرة وأكثر استعداداً لاستكشاف المسارات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة، وأخيراً مع تركيا.

إذا كان بوسع روسيا أن تضغط للتوصل إلى وقف مستدام لإطلاق النار تدعمه تركيا، وتقبله إيران، ويلتزم به النظام وفصائل المعارضة المسلحة غير الجهادية، فإن النتيجة المحتملة ستكون تجميداً فعلياً للصراع. وهذا سيحافظ على ما تبقى من المناطق التي تسيطر عليها فصائل المعارضة "الثورية"، لكنه سيمهد الأرضية لمواجهات موسعة مع فتح الشام والفصائل السلفية الجهادية الأخرى. كما أن ذلك سيعزز من موقع قوة النظام وسيحد من مخاطر التوسع بشكل يفوق قدرته على السيطرة.

ينبغي أن ننتظر ونرى كيف ستسهم محادثات أستانة هذه في عملية جنيف التي تدعمها الأمم المتحدة، حيث كان من المتوقع أن تبدأ الجولة القادمة من الاجتماعات في 8 شباط/فبراير. لكن لا يزال الطريق طويلاً أمام معالجة القضايا الكامنة، ناهيك عن التوصل إلى تسوية سياسية أوسع لإنهاء الصراع. 

Residents escape Assad regime bombardment in Al Moyaser neighbourhood of Aleppo, Syria on 29 November, 2016. ANADOLU AGENCY/Jawad al Rifai

ماذا بعد المعركة الدموية للسيطرة على حلب؟

Despite the Syrian regime’s brutally effective campaign to recapture Aleppo, it cannot celebrate victory yet. In this Q&A, Senior Syria Analyst Noah Bonsey talks about the factors likely to fuel greater violence, increased radicalisation and more massive displacement. 

ما هي المضامين المباشرة لانتصار النظام في حلب؟

أوضحت معركة حلب الحالة القاتمة للحرب السورية بعد أكثر من خمس سنوات على بداية الصراع. يلحق النظام وحلفاؤه الهزيمة بفصائل المعارضة المسلحة بتنفيذ نسخة موسعة من استراتيجيتهم العسكرية المفضلة والمتمثلة في العقاب الجماعي، بما في ذلك تكتيكات الحصار والقصف الشرس الذي يستهدف المدنيين. بدعم حيوي من القوات الجوية الروسية والمقاتلين الأجانب المدعومين من إيران، فإن هذه التكتيكات مكنت النظام من التعويض، في الوقت الراهن على الأقل، عن النقص في عدد أفراد جيشه والقاعدة المحدودة من المقاتلين السوريين الذين يمكنه الركون إليهم.

هذه الاستراتيجية مكنت النظام من تحقيق مكاسب عسكرية وسياسية كبيرة بالحد الأدنى من الكلفة بالنسبة له. لا يمكن تخيّل المعاناة الإنسانية التي تفرضها هذه التكتيكات، سواء من حيث النطاق أو الشدة، خصوصاً في أوساط المدنيين في مناطق المعارضة، كما تذكرنا الصور التي تأتينا من حلب. بيد أن النظام وحلفاؤه لا يكترثون، في أفضل الأحوال، للضحايا بين المدنيين، وفي أسوئها هم عازمون على زيادتها. وفي ذلك لديهم أهداف متعددة تتمثل في دفع المدنيين المحليين للضغط على المقاتلين المقيمين بينهم للاستسلام؛ وإرسال رسالة للسوريين في مناطق أخرى تذكرهم بثمن استمرار المقاومة؛ وتهجير السكان الموالين للمعارضة الذين يمكن أن يشكلوا تحديات لحكم النظام في المستقبل. في هذه الأثناء، يرى النظام وحلفاؤه بوضوح أن داعمي المعارضة و "المجتمع الدولي" الأوسع غير مستعدين أو غير قادرين على التصرف بطريقة ترفع من ثمن مقاربة الأرض المحروقة هذه، رغم كل سفك الدماء، والتهجير، والنزوع نحو التطرف الذي تولده. بالنظر إلى تلك الحوافز، المتمثلة في المردود العالي، والتكاليف التي لا تذكر بالنسبة لهم، لا غرابة في أن النظام، وروسيا، وإيران والمجموعات الأخرى التي تحارب بالوكالة والمتحالفة معهم استخدموا هذه الاستراتيجية الوحشية بشكل متكرر. لقد نجحت هذه المقاربة في المنطقة المحيطة بدمشق وحمص، ونجحت الآن في حلب، ومن المفترض أنهم سيسعون إلى استخدامها مرة أخرى، في المرة القادمة ربما في إدلب، أو في الغوطة الشرقية [خارج دمشق]. ما نراه في حلب لا يمثل كارثة إنسانية لا حدود لها بحد ذاتها وحسب، بل يعطي أيضاً لمحة عما من المرجح أن يحدث لاحقاً.

This approach has enabled the regime to achieve significant military and political gains at minimal cost to itself.

ما هي الأهمية الخاصة لحلب في إطار الصراع في سورية؟

يُعتقد أن النصف الشرقي من حلب كان المعقل الاستراتيجي الأكثر أهمية للمعارضة، بالنظر إلى حجم المدينة، وثقلها الاقتصادي، وقربها من الحدود التركية. مع تطور الصراع، أصبحت مدينة حلب وأجزاء من الريف المحاذي لها أيضاً الجزء من الشمال السوري الذي ظلت الفصائل غير الجهادية هي القوى المحلية المهيمنة فيه، حتى مع فرض جبهة النصرة (التي باتت تعرف الآن بفتح الشام) هيمنتها على جزء كبير من محافظة إدلب المجاورة. تشكل خسارة حلب ضربة قوية للجزء غير الجهادي من طيف المعارضة، وبالتالي للطموحات السياسية للمعارضة بشكل عام.

لقد كانت استراتيجية النظام منذ مدة طويلة تهدف إلى شل المعارضة غير الجهادية عسكرياً وإفقادها أهميتها السياسية. منذ عام 2014، أبرزنا في مجموعة الأزمات أهمية حلب، وأشرنا إلى أن سيطرة النظام على المدينة ستعرض للخطر، وبشكل جذري، أي احتمال مستقبلي لنهاية تفاوضية للصراع، كما أنه من المرجح أن يعزز قوة المجموعات الجهادية. إن الشرط اللازم الذي ينبغي أن يتوفر لأي تسوية قابلة للحياة هو أن يكون هناك معارضة غير جهادية براغماتية بما يكفي للتوصل إلى اتفاق وقوية بما يكفي على الأرض لتنفيذه. إن إضعاف الفصائل غير الجهادية في الشمال سيكون على نحو متزايد لمصلحة المنظمات الجهادية مثل فتح الشام. كما إنه سيوفر فرصاً جديدة لتنظيم الدولة الإسلامية، الذي يحظى بازدراء واسع النطاق لدى الشرائح المتبقية من المعارضة المسلحة، لكن مع فقدان هذه المعارضة لزخمها، فإنه قد يجد مجالات لفرض نفسه بل إعادة بناء بعض المصداقية لدى القاعدة الشعبية المعادية للنظام.

إلى أين تمضي المعارضة من هنا؟

تعكس حلب مشاكل مقيمة وقديمة داخل المعارضة وبين الدول الداعمة لها أضعفت قدرتها على الدفاع عن الأرض. أدى ضعف التنسيق وتضارب الأولويات بين الدول الداعمة إلى تقويض حلفائها السوريين بشكل مستمر. ولم تكن الشهور القليلة الماضية استثناءً على ذلك، حيث السعودية غارقة في مستنقع في اليمن، وتركيا عالقة في صراع عابر للحدود مع قوات كردية، والولايات المتحدة تركز على محاربة تنظيم الدولة الإسلامية بينما تنخرط في جولات غير مثمرة من الدبلوماسية مع موسكو.

وهذا ترك المعارضة لتتصرف على هواها في حلب، فأسأت التصرف في الأوراق السيئة التي تمتلكها أصلاً، فانزلقت إلى الاقتتال الداخلي في أسوأ الأوقات، وأسأت إلى قضيتها بقصف الجزء الغربي من حلب الذي يسيطر عليه النظام دون تمييز بين مقاتلين ومدنيين. كانت فصائل المعارضة المسلحة ستواجه مصاعب في الدفاع عن مناطقها في المدينة في كل الأحوال، بالنظر إلى اتساع وكثافة الهجوم الذي شنه النظام وحلفاؤه، لكن لابد من ملاحظة أن الجهد الإجمالي للمعسكر المؤيد للمعارضة كان أقل من مجموع قدرات أجزائها.

إذاً، ما الذي تبقى للمعارضة على الأرض؟ إنها تواجه خريطة قاتمة، إذ إن البقعة التي يُعقد عليها أكبر الأمل هي شمال شرق حلب، حيث استعادت الفصائل غير الجهادية العاملة مباشرة مع القوات التركية من تنظيم الدولة الإسلامية منطقة واسعة من الأرض على الحدود، وتحاول الآن الاستيلاء على مدينة الباب، الواقعة على بعد حوالي 35 كم شرق حلب. أنقرة هي التي ترسم مسار هذا الجهد المشترك، المعروف بدرع الفرات، والذي يهدف بشكل أساسي إلى إبعاد تنظيم الدولة عن الحدود التركية ومنع وحدات حماية الشعب (القوات الكردية المرتبطة بحزب العمال الكردستاني) العاملة على الأراضي السورية من وصل الأراضي الواقعة تحت سيطرتها شرق نهر الفرات مع كانتون عفرين الذي تسيطر عليه شمال حلب. المشاركة في درع الفرات تنطوي على تكاليف كبيرة بالنسبة للمعارضة، حيث إن القوات المنتشرة هناك كان يمكن أن تساعد في تعزيز الجهود التي بذلت للدفاع عن الجزء الشرقي من حلب. كما أن حاجة تركيا للمحافظة على النوايا الطيبة لموسكو، من أجل منع تدخل القوات الجوية الروسية، قيَّد قدرتها على مساعدة المعارضة المسلحة في الرد على حملة النظام وحلفائه هناك. إلا أن الفوائد كبيرة أيضاً، حيث إن المكاسب التي حققتها العملية وفرت فضاءً وأهمية جديدين لعناصر المعارضة غير الجهادية التي تواجه تهديدات وجودية في مناطق أخرى من الشمال.

لقد كانت محافظة إدلب الشمالية موضوعاً لنقاشات كثيرة بوصفها الوجهة التالية للصراع في الشمال، فهل تستطيع المعارضة أن تحشد قواها هناك؟ 

جهود إخلاء المدنيين والمقاتلين من حلب بدأت يوم الخميس (١٥ كانون الأول/ديسمبر)، بعد تأخير تكرر مراراً، حيث تتوجه القوافل نحو إدلب، المعقل الذي تبقّى للمعارضة في الشمال الغربي. الوضع في إدلب أكثر ديناميكية وقابلية للانفجار. قد يسعى النظام وحلفاؤه إلى التصعيد هناك بعد حلب، وستستخدم تكتيكات مشابهة من حيث الوحشية ضد المدن والبلدات التي تبقى مكتظة بالمدنيين، بما في ذلك العدد الكبير من المهجرين من مناطق أخرى. سيطرة المعارضة المسلحة في المنطقة تنقسم بشكل أساسي بين جبهة فتح الشام (وهي فصيل سلفي جهادي كانت ترتبط حتى وقت قريب بعلاقات رسمية مع القاعدة) وأحرار الشام، وهو فصيل يضم طيفاً من الإسلاميين واتخذ لنفسه موقعاً بين فتح الشام والفصائل الأكثر اعتدالاً في الطيف السياسي والأيديولوجي للمعارضة المسلحة. يعد هذان الفصيلان الأكثر قوة في المعارضة المسلحة في الشمال السوري، ومن المرجح أن يكونا في وضع أفضل للدفاع عن مناطقهما من نظرائهما في حلب. بيد أن برامجهما الإسلامية الصريحة وصلات فتح الشام بالقاعدة قد تحد من الاحتجاجات الدولية على هجمات النظام وحلفاءه على المناطق الخاضعة لسيطرتهما. (ولكن قد تكون هذه نقطة ليست ذات أهمية، بالنظر إلى أن الاحتجاجات الدولية لم يكن لها دور يذكر في تقييد النظام وحلفائه في مناطق أخرى.) في هذه الأثناء، فإن انقساماً أيديولوجياً وسياسياً وشخصياً قديماً بين المعسكرين البراغماتي والمتشدد داخل أحرار الشام قد تعمق مؤخراً. وإذا حدث الانفصال بين المعسكرين فإنه قد يكون صحياً للمعارضة على المدى المتوسط والبعيد، لكن من المرجح أنه سيضعف قدراتها الدفاعية في المستقبل المباشر.

هل للمعارضة آمال أفضل بالعودة للانبعاث في الجنوب؟

لقد حصلت المعارضة في جنوب سورية على مكاسب مختلطة من التفاهمات. تستمر الفصائل غير الجهادية هناك بالسيطرة على مناطق واسعة من الأرض، لكن تفاهماً ظاهرياً بين روسيا والأردن، الذي تعتمد عليه المعارضة المسلحة في الإمداد، جمد تلك الجبهة في الوقت الحاضر، مع استثناءات متقطعة. وقد وفر هذا درجة من التهدئة بالنسبة للمناطق التي تسيطر عليها المعارضة المسلحة، لكنه أيضاً مكن معسكر النظام من تحويل الموارد نحو التصعيد ضد جيوب المعارضة الأخرى ــ وبالمقابل، وطبقاً لبعض التقارير، أضعف معنويات المعارضة المسلحة في الجنوب.

في مناطق أخرى، تقتصر سيطرة المعارضة على جيوب منعزلة، أبرزها في ضاحية دمشق المحاصرة المتمثلة في الغوطة الشرقية، التي تسيطر عليها بشكل أساسي فصائل غير جهادية ولا يزال فيها عدد كبير من السكان المدنيين. يعد فرض سيطرة النظام على كامل منطقة العاصمة أحد أولوياته منذ وقت طويل، ويبدو أن نجاح النظام في حلب سيزيد من رجحان شنّه لحملة مدمرة مماثلة للاستيلاء على ما تبقى من المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة المسلحة في الغوطة.

نظرياً، ومن أجل تجنب الكلفة الإنسانية والسياسية المحتملة لهجمات كبيرة يشنها النظام وحلفاؤه تستهدف الغوطة الشرقية أو أجزاء من إدلب، فإنه قد يكون من مصلحة الفصائل غير الجهادية والدول الداعمة لها السعي بشكل مشترك إلى شيء يقارب ترتيبات عدم الاعتداء التي سادت بشكل عام في الجنوب. نظرياً أيضاً، فإن مثل هذا التفاهم قد يكون جذاباً بالنسبة لروسيا – التي بدت قلقة أحياناً من القدرة المحدودة للنظام على الاحتفاظ بالأراضي التي يستعيدها والتي يعد دعمها الجوي حاسماً في تمكين النظام من شن هجمات جديدة. وقد تأكدت مخاوف موسكو عندما استعاد تنظيم الدولة الإسلامية السيطرة على تدمر مؤخراً، بعد تسعة أشهر فقط من الحملة العسكرية المدعومة من روسيا التي كانت قد نجحت في طرد التنظيم منها. بيد أنه، ومن حيث الممارسة، لا يبدو أن ثمة شهية تذكر للتوصل إلى ترتيب عدم اعتداء بوجود الخلافات داخل المعارضة وبين داعميها. كما يصعب تخيل اختيار روسيا، ناهيك عن النظام وإيران، وقف التقدم ضد المعارضة المسلحة الآن وهم يتمتعون بمثل هذا الزخم. حتى لو عانت المعارضة من استمرار خسارة الأراضي، فإن ذلك لن يشكل نهاية للمقاومة المسلحة ضد النظام. بل إنه لن يترك أولئك الراغبين بالاستمرار في القتال خياراً سوى الانتقال إلى استراتيجية بعيدة المدى تتمثل في اتباع العمل العسكري غير المتناظر (اي حرب العصابات)، وهو سيناريو سيكون أيضاً لمصلحة السلفيين الجهاديين، وسيزيد الصعوبات التي تواجهها المعارضة المسلحة في جمع قيادة سياسية متماسكة وعملية وذات مصداقية.

هل يتوجه النظام لإثبات أن هناك حلاً عسكرياً لهذا الصراع في المحصلة؟

لقد مضى النظام بعيداً في تفكيك خصومه غير الجهاديين داخل البلاد، مسلحين ومدنيين، وهو ما كان هدفاً قديماً ومستمراً للنظام يعيق أي مسار نحو انتقال سياسي متفاوض عليه في المستقبل المنظور. لكن رغم الزخم الحالي، فإنه لا يتجه نحو نصر عسكري كامل. لا يزال هناك نقاط ضعف حاسمة داخل المعسكر الموالي للنظام. من بين نقاط الضعف الجوهرية هناك التراجع الكبير في عدد عناصر الجيش السوري الفعالين، والقاعدة المحدودة التي يمكن للنظام أن يستقدم منها مقاتلين سوريين ملتزمين يمكنه الركون إليهم. من أجل بسط سيطرته على مناطق إضافية بينما يحتفظ بما لديه الآن، بات النظام يعتمد بشكل ثابت ومتزايد على المقاتلين الأجانب الشيعة بتيسير من إيران، مثل حزب الله اللبناني، والميليشيات العراقية، و"المتطوعين" الأفغان والباكستانيين الذين يتم استقدامهم من تجمعات اللاجئين في إيران. لقد لعبت هذه المجموعات، إضافة إلى القوة الجوية الروسية المكثفة، دوراً محورياً في تمكين النظام من تحقيق مكاسب مستمرة. لكن على المدى المتوسط والبعيد، فإنها لا توفر وسيلة مستدامة للتمسك بالأرض في المعاقل المأهولة بالسكان والمعادية للنظام وسط استمرار المقاومة المسلحة ضده، ناهيك عن تحقيق الاستقرار في هذه المعاقل. 

It is unlikely that, absent real compromise, it will be able to use such brutal tactics to win the war outright.

"من غير المرجح، في ضوء غياب تسوية حقيقية، أنه سيتمكن من استعمال مثل هذه التكتيكات الوحشية لتحقيق نصر كامل في الحرب."
في الواقع، حتى على المدى القصير، فإن التمسك بالأرض يعد تحدياً جدياً. توضح إعادة استيلاء تنظيم الدولة الإسلامية على تدمر في مطلع الشهر الجاري هذا الأمر بجلاء. مع تركيز حلفائه الأجانب ومعظم مقاتليه السوريين الموثوقين على جبهات أخرى، وأبرزها حلب، فإن قوات النظام المكلفة بالاحتفاظ بتدمر لم تكن كافية لمواجهة هجوم مفاجئ من قبل تنظيم الدولة، فخسرت المدينة خلال ثلاثة أيام رغم الدعم الجوي الروسي. حقيقة أنه كان من الممكن حدوث انهيار للنظام بهذه السرعة في تدمر، وهي موقع تراثي مشهور على مستوى العالم وموقع استراتيجي مهم، كانت إعادة السيطرة عليها في آذار/مارس الماضي قد احتفي بها في حملة دعائية روسية كبيرة، توفر مؤشراً كافياً على المشكلة التي يواجهها النظام فيما يتعلق بالقوى البشرية. إذا استمرت القوات الموالية للنظام بالسيطرة على المزيد من الأراضي، وعندما تفعل ذلك، فإن المخاطر التي تواجهها في الانتشار على بقعة أوسع من قدرتها على السيطرة ستزداد.

جزء من التحدي الذي يواجهه داعمو النظام، بمن فيهم إيران، هو أنهم يعملون بشكل يتعارض مع التركيبة الديموغرافية لسورية، في سائر أنحاء البلاد، وفي الشمال الغربي على نحو خاص. وهذا اختلاف بارز بين سورية والعراق، حيث إن فرض إيران لهيمنتها في العراق تسهله تحالفات مع قوى سياسية وعسكرية متجذرة ومستمدة من الأغلبية الشيعية في البلاد. نظرياً، في سورية يمكن للنظام وحلفائه محاولة التغلب على هذا التحدي بتوسيع وتكثيف جهودهم الرامية لإفراغ المناطق من سكانها في أجزاء من البلاد حيث يُعتقد أن المشاعر المعادية للنظام واسعة وعميقة على نحو خاص. وهذا إن حصل فسيزيل أي خط فاصل ظل قائماً بين مواجهة المعارضة المسلحة عن طريق تكتيكات الأرض المحروقة من ناحية، والتطهير الطائفي الممنهج من ناحية أخرى. كما أن من شأن ذلك أن يؤدي إلى مقتل المدنيين، والنزوح، والنزوع نحو التطرف بشكل أسوأ من الأهوال التي شهدتها سورية حتى الآن. بالنظر إلى المدى الذي ذهب إليه النظام وحلفاؤه حتى الآن، وفي غياب أي رادع عسكري خارجي منظور، من المحزن أنه لا يمكن استبعاد ذلك.

ما هي القوة النسبية لتنظيم الدولة الإسلامية الآن؟ رغم استعادة سيطرته على تدمر، هل إن التنظيم لم يعد مهدَداً في مدينة الرقة شمال سورية؟

لقد تذبذبت حظوظ تنظيم الدولة الإسلامية بين مد وجزر، حتى خلال الأسبوعين الماضيين، لكن بشكل عام يبدو أنه يتراجع. لكن حتى لو تحققت نجاحات عسكرية أخرى ضد التنظيم، فإن ذلك وحده لن يحل المشكلة.

إن جزءاً كبيراً من الحديث في الغرب حول سورية يركز على فصائل جهادية محددة، على رأسها تنظيم الدولة وفتح الشام. إلا أن ذلك مضلل ويحقق نتائج عكسية تماماً. كما رأينا في العراق على مدى سنوات، فإن دفع جماعة جهادية إلى ما وراء ما يبدو أنه حافة الهزيمة سيشكل نجاحاً قصير الأمد وحسب إذا ظلت الظروف التي تتغذى عليها قائمة، أو عادت إلى الظهور. كما أن تصفية قيادات الجماعات ليس ضمانة على أن الجهاديين قد هزموا؛ حيث قتل ثلاثة من قادة القاعدة في العراق، فقط ليتم استبدالهم بالقادة الحاليين لتنظيم الدولة الإسلامية. ستتطور الجماعات مع تراجعها، وقد يختفي بعضها وتظهر مجموعات جديدة. إن هذه الجماعات تمثل أعراضاً وليس أسباباً للمشاكل الأعمق في سورية والعراق وما حولهما. من بين تلك المشاكل الرئيسية هناك القوة الهائلة التي تنزع نحو مزيد من التطرف والتي تولدها التكتيكات العسكرية الوحشية المستخدمة من قبل جميع العناصر المسلحة في البلاد، لكن التي تمت ممارستها بالشكل الأكثر اتساعاً ومنهجية من قبل النظام السوري وحلفائه.

عندما ننظر إلى مستويات العنف التي عانى منها السوريون، وتلك المجتمعات (السنية في معظمها) التي لحقت بها أسوأ الآثار، من الواضح أن الاستيلاء على الأرض من تنظيم الدولة أو غيرها من الجماعات الجهادية لن يعالج بحد ذاته المشكلة بشكل مستدام. ينبغي أن يكون الهدف تحقيق الاستقرار والإدارة ذات المصداقية داخل هذه المناطق. وهذا يعني أن الأسئلة المتعلقة بكيفية إدارة مدينة معينة بعد إخراج تنظيم الدولة منها، ومن قبل من، أكثر أهمية من السرعة التي يتم فيها إخراج التنظيم من تلك المنطقة. 

The Islamic State’s military fortunes have ebbed and flowed, even in the last couple of weeks, but overall it seems to be losing ground.

وبالتالي، فإن ثمة خطراً حقيقياً في أن تخطئ الولايات المتحدة بالاندفاع لترتيب حملة للاستيلاء على الرقة تقودها، عملياً وإن لم يكن من حيث الخطاب، قوات حماية الشعب الكردية. أولاً، بسبب اعتراض أنقرة الشديد على تحقيق وحدات حماية الشعب لأية مكاسب إضافية، ووسط استمرار العنف بين تركيا وحزب العمال الكردستاني/وحدات حماية الشعب على جانبي الحدود التركية السورية، فإن الفائدة المؤقتة لإخراج تنظيم الدولة من المدينة يمكن أن تتلاشى بالمقارنة مع تكاليف زعزعة الاستقرار المتزايدة على اتساع قوس التوتر هذا. ثانياً، وبالنظر إلى المقاربة التي تتبعها وحدات حماية الشعب في الإدارة، والمتمثلة بتفويض مسؤوليات قليلة جداً للهيئات المحلية بينما تحتفظ بشكل واضح بالسلطات الأكثر أهمية في أيدي الكوادر الكردية لوحدات حماية الشعب، من الصعب تخيل تحقيق المنظمة لأي إدارة مستدامة ذات مصداقية في مدينة ذات أغلبية عربية ساحقة بحجم مدينة الرقة. 

كيف تتطور الأمور بالنسبة لتركيا وحلفائها في معركة الاستيلاء على مدينة الباب من تنظيم الدولة الإسلامية؟

كما لاحظت سابقاً، فإن تركيا وحلفاءها في المعارضة المسلحة بدأت عملية درع الفرات بهدفين مباشرين: 1) الاستيلاء من تنظيم الدولة الإسلامية على الأراضي المتاخمة للحدود التركية، 2) منع وحدات حماية الشعب من وصل الأراضي التي تسيطر عليها في شمال شرق سورية مع كانتون عفرين الذي تسيطر عليه شمال حلب. وحتى الآن، حققت تركيا الهدف الأول وباتت على وشك تحقيق الثاني. إذا استولت على الباب، وعندما يحدث ذلك، فإنها ستكون قد قطعت تماماً الطريق على وحدات حماية الشعب للسيطرة على شريط متصل من الأراضي. جدير بالذكر أن السيطرة على الباب ستوفر أيضاً لتركيا وشركائها في المعارضة المسلحة موطئ قدم في مركز سكاني كبير لا يبعد سوى 35 كم عن مدينة حلب، وأقل من 10 كم عن أقرب منطقة يسيطر عليها النظام، وهو ما يفسر إشارات دمشق المتكررة إلى اعتراضها على تقدم درع الفرات للاستيلاء على المدينة. وهكذا فإن معركة الباب تدور بين الفصائل المسلحة التي تدعمها تركيا وتنظيم الدولة الإسلامية، إلا أن تداعياتها أوسع بكثير.

لكن إذا نجحت تركيا وحلفاؤها في درع الفرات في الاستيلاء على مدينة الباب، وعندما يحصل ذلك، ثمة مخاطرة حقيقية في حدوث المزيد من التصعيد. إن وصل كانتون عفرين بالمناطق التي تسيطر عليها في الشمال الشرقي هي الأولوية القصوى لوحدات حماية الشعب في سورية، وقد أشار مسؤولوها إلى أن المنظمة مستعدة للرد بقوة على المحاولات التركية لمنع ذلك. في هذه الأثناء، فإن القيادة التركية اقترحت علناً أنه يمكن لدرع الفرات أن يبني على النصر في الباب للتحرك شرقاً نحو منبج، وهي مدينة موضع نزاع منذ استولت عليها وحدات حماية الشعب وحلفاؤها المحليون من تنظيم الدولة الإسلامية في آب/أغسطس، متخذة خلال العملية خطوة أولية نحو وصل كانتوناتها. لم تكن تركيا راضية عن هذا التطور، وفهمت من الولايات المتحدة حينذاك أن وحدات حماية الشعب ستنسحب من منبج بعد الاستيلاء عليها وستسلم السيطرة للسلطات المحلية. لم يحدث ذلك، فقد سحبت وحدات حماية الشعب بعض أصولها لكنها احتفظت بأصول أخرى؛ وفي كل الأحوال ليس هناك تعريف مشترك بين تركيا، ووحدات حماية الشعب والولايات المتحدة للحد الفاصل الذي تنتهي عنده وحدات حماية الشعب وتبدأ السلطات المحلية. (ما يعقد المسألة هو تكتيك حزب العمال الكردستاني/وحدات حماية الشعب في إنشاء هيئات محلية مستقلة رسمياً تبقى عملياً تحت سلطة المنظمة.) الحد الأدنى هو أن المبادرة إلى تحديد ترتيبات مقبولة بشكل مشترك في منبج سيكون مفيداً لكل هذه الأطراف، أي لتركيا ووحدات حماية الشعب والولايات المتحدة. إذا حاولت تركيا تسوية المسألة من خلال اندفاعة عسكرية في ذلك الاتجاه، فإنها قد توسع امتداد قوات درع الفرات أكثر من طاقتها خلال هذه العملية، ما يوفر فرصاً لتنظيم الدولة، او لوحدات حماية الشعب، أو حتى لقوات النظام الموجودة في الجوار لتستغلها. بل إن من شأن ذلك أن يطلق شرارة دورة تصعيدية بين تركيا وحزب العمال الكردستاني/وحدات حماية الشعب على طرفي الحدود. كما يمكن للنتيجة نفسها أن تنجم عن أي تصعيد لوحدات حماية الشعب ضد القوات التركية والقوات الحليفة لها في الباب أو في أماكن أخرى. في الواقع، عند هذه اللحظة يستحسن أن تقبل وحدات حماية الشعب بأن وصل كانتوناتها من خلال الوسائل العسكرية ليس هدفاً واقعياً، وأن أية محاولة لتحقيق تلك الغاية يمكن أن تحقق أثراً عكسياً يتمثل في إثارة رد تركي موسع.

بالنظر إلى كل هذه الديناميكيات الخطيرة، ما هي آفاق تخفيف حدة العنف المتصاعد في سورية؟
 
يمكن أن تتمثل الخطوة الأولى في أن يكون جميع اللاعبين واقعيين حيال ما يمكن أن يحققوه عسكرياً. خلال مسار هذه الحرب، كان صناع القرار لدى جميع الأطراف يبالغون، وبشكل متكرر، بما يمكنهم تحقيقه والمحافظة عليه، أي أن وضعهم لأهداف مبالغ بها جعلهم ميالين إلى الذهاب أبعد مما يستطيعون تحقيقه. وقد كان هذا صحيحاً بالنسبة للمعارضة وداعميها عندما توفر لها الزخم في مرحلة مبكرة من الصراع، وينطبق أيضاً على النظام وحلفائه الآن حيث يتمتع بهذا الزخم. لقد كسب النظام معركة حلب، بكلفة تمثلت في دمار هائل، وعزلة دولية، ومعاناة مريعة للمدنيين. من غير المرجح، في غياب تسوية حقيقية، أن يكون قادراً على استخدام مثل هذه التكتيكات الوحشية لتحقيق نصر كامل في الحرب.

يأمل المرء أن تكون الأطراف الضالعة في الصراع أكثر واقعية وبذلك تتجنب معارك تلحق الضرر بها جميعاً. وهذا المبدأ ينطبق ليس على منبج والباب وحسب، بل أيضاً على إدلب، حيث يخاطر النظام بتوسيع المنطقة التي يسيطر عليها أكثر مما سيكون باستطاعته الاحتفاظ به.

يظهر النشاط الدبلوماسي التركي ـ الروسي الأخير الإمكانيات الكامنة المتاحة كي يحقق كل طرف نتائج أفضل، لنفسه ولحلفائه، من خلال التفاوض على ترتيبات لعدم الاعتداء من شأنها أن تمنع حدوث حرب شاملة للسيطرة على إدلب، أو في أماكن أخرى. إن اتفاقاً بين تركيا وروسيا لا يكفي بالطبع، كما رأينا هذا الأسبوع في حلب، عندما بدا أن الميليشيات المدعومة من إيران أفشلت اتفاق الاخلاء الذي ساعدت أنقرة وموسكو على التوصل إليه. لكن الدبلوماسية بين الطرفين يمكن أن توفر بداية واعدة. 

رغم ذلك، فإن العقبات الماثلة أمام مثل هذا الاتفاق تبقى هائلة؛ حيث إن النظام وإيران كانا يفضلان دائماً التصعيد العسكري الفوري على الجهود التفاوضية الروسية؛ وتبدو موسكو نفسها راضية بالاستمرار في تحقيق الميزة العسكرية الراهنة للقوى الموالية للنظام؛ أما فتح الشام التي تسيطر على جزء كبير من إدلب، فهي تفضل أن تبقى المعارضة المسلحة في حالة هجوم، ومن المرجح أن تسعى إلى إفشال أي ترتيب لعدم الاعتداء؛ وهناك حدود لإرادة وقدرة تركيا على دفع حلفائها في المعارضة المسلحة حيال قضية تتلاشى في أهميتها أمام التحديات التي يشكلها حزب العمال الكردستاني/وحدات حماية الشعب.

في هذا الوقت، يبدو تخفيف حدة التصعيد من قبيل التفكير الرغبوي، لكن يمكن تحقيقه إذا كانت القوى الرئيسية الضالعة في القتال مستعدة للعودة قليلاً إلى الوراء وإعادة تقييم موقفها استناداً إلى مصالحها الأبعد مدى. بالتطلع إلى الأمام، في المرحلة القادمة، من المرجح أن يتمثل اللاعبون الخارجيون الأكثر محورية في روسيا وتركيا وإيران، خصوصاً وأن الإدارة الأمريكية القادمة تبدو الآن ميالة إلى الحد من انخراطها في سورية. تخطط مجموعة الأزمات الدولية لتناول هذه الديناميكيات في تقريرها القادم.