مجموعة "الخمسة زائد واحد" وإيران.. ومخاطر حافة الهاوية النووية
مجموعة "الخمسة زائد واحد" وإيران.. ومخاطر حافة الهاوية النووية

مجموعة "الخمسة زائد واحد" وإيران.. ومخاطر حافة الهاوية النووية

كان للمفاوضات النووية بين إيران والغرب نصيب من التوقعات التي توقع الكآبة في النفس، ولكن حتى في ضوء هذا المعيار الغريب، ما زالت الجهود الدبلوماسية المتأرجحة مستمرة، فبعد الآمال العريضة التي صاحبت مفاوضات إسطنبول، لم يتمكن المفاوضون من الوصول إلى أي شيء على الأرض في العاصمة العراقية، بغداد، بعد بضعة أسابيع. ولم يكن هذا بعيدا عن التوقعات، نظرا لرفع سقف الآمال والتوقعات غير المتطابقة والقناعات - التي كان معظمها مؤلما - من كلا الجانبين بأن لكل منهما اليد العليا. ولكن لو انهارت تلك المحادثات الآن، فمن الصعوبة بمكان أن نعرف ما سيحدث بعد ذلك. ويبدو أن واشنطن وبروكسل تعولان على الآثار التي ستحدثها العقوبات وعلى إجبار إيران على تقديم تنازلات، في حين تعول طهران على إعادة انتخاب الرئيس الأميركي، باراك أوباما، الذي يبدي مرونة أكبر، وعلى الدول الأوروبية التي تعاني من الناحية الاقتصادية التي ستعزف عن فرض مزيد من العقوبات خشية أن ترتد عليها في نهاية المطاف

وفي الحقيقة، من المستبعد حدوث أي من هذين الأمرين، وبدلا من ذلك، وفي ضوء تلاشي احتمال التوصل إلى اتفاق، فإن الضغط الإسرائيلي قد يتزايد للجوء إلى الخيار العسكري. وبدلا من الاتجاه لمزيد من سياسية حافة الهاوية، يتعين على مجموعة «الخمسة زائد واحد» (الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن، بالإضافة إلى ألمانيا) الاتفاق على مفاوضات مكثفة ومستمرة، والتركيز على التفاصيل التقنية بهدف التوصل إلى اتفاق محدود بشأن قيام إيران بتخصيب اليورانيوم بنسبة 20 في المائة

وفي الحقيقة، كان التفاؤل الذي قوبلت به محادثات إسطنبول تفاؤلا وهميا، حيث تم قياس النجاح مقارنة بنقطة البداية التي كانت سلبية بشكل ملحوظ؛ غياب المحادثات خلال الخمسة عشر شهرا السابقة ومجموعة من الخطوات التصعيدية من قبل كل الأطراف في تلك الأثناء. وكانت المفاوضات نفسها خالية من أي جدال عنيف، ولكنها كانت إلى حد كبير خالية أيضا من المضمون. وكان كل المفاوضين يتصرفون على أفضل وجه، لأنهم جميعا، من الناحية التكتيكية، كان لديهم هدف مشترك، وهو كسب الوقت وتجنب الدخول في أزمة يمكن أن تؤدي إلى قيام إسرائيل بشن هجوم عسكري على إيران، وهو ما يهدد بمزيد من عدم الاستقرار في المنطقة، ويرفع من أسعار النفط، وبالتالي يعمق من الأزمة الاقتصادية في أوروبا ويهدد بإعادة انتخاب أوباما لولاية ثانية

وتكمن المشكلة في أن الغرب وإيران قد فسرا تلك الأجواء الإيجابية بشكل مختلف، حيث كان مسؤولون من أوروبا والولايات المتحدة مقتنعين بأن موافقة طهران على الجلوس إلى طاولة المفاوضات والتخلي عن موقفها العدائي الذي كانت تتحلى به في الماضي تنبع أساسا من حقيقتين؛ هما الآثار المدمرة للعقوبات التي فرضت بالفعل على الاقتصاد الإيراني، والتأثير الأكثر تدميرا لتلك العقوبات التي ستدخل حيز التنفيذ في القريب العاجل من ناحية، والتهديدات الإسرائيلية بشن هجمات عسكرية على طهران من ناحية أخرى. وعلاوة على ذلك، شعرت الجمهورية الإسلامية بأنها قد أصبحت في مقعد القيادة، بعد أن عززت من موقفها على مدى العام السابق من خلال زيادة مخزونها من اليورانيوم منخفض التخصيب، وتخصيب اليورانيوم بمستويات أعلى واستكمال عملها في منشآتها النووية تحت الأرض في موقع فوردو

وكان هناك تأثير آخر متناقض لجهود الجانبين الحثيثة التي تهدف إلى زيادة نفوذهما، حيث أقامت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ائتلافا لافتا للنظر - وكان لا يمكن تصوره حتى وقت ليس ببعيد - من الدول المستعدة لمعاقبة إيران من خلال ضرب إيران في أكثر القطاعات التي تؤثر عليها وهو قطاع النفط. وواجهت الموافقة على تخفيف العقوبات صعوبة كبيرة بسبب بذل مجهودات كبيرة واستثمار رأس المال السياسي لفرض هذه العقوبات ومعرفة أن أول مؤشر على التراجع قد يؤدي إلى انهيار نظام العقوبات بشكل شامل

وعلى نفس المنوال، دفعت إيران ثمنا باهظا بسبب قرارها بتخصيب اليورانيوم بنسبة 20 في المائة، والمضي قدما في منشآتها النووية في موقع فوردو، الذي أصبح هدفا لعقوبات اقتصادية لم يسبق لها مثيل وأدى إلى فقدان كميات هائلة من المال. وكان يتعين أن يكون أي تراجع عن هذه الأمور مصحوبا بتنازلات غربية جسيمة خشية أن يبدو المشروع برمته على أنه ما يشتبه فيه الكثيرون، أي مجرد حماقة سياسية واقتصادية. وكانت النتيجة النهائية المثيرة للسخرية هي أنه بعد أن تم تراكم الأصول الثمينة التي عززت أيديهم في المفاوضات، فإن كلا الطرفين لا يرغب الآن في استخدام النفوذ الذي ضحيا كثيرا من أجل الحصول عليه

ويتوقع كثيرون أن تتوقف العملية الدبلوماسية الحالية قريبا، ثم يتم استئنافها في المستقبل، ولكن يمكن أن يكون الوقت قصيرا. وفي حالة انهيار المفاوضات، تشير الأحداث السابقة إلى أنه من المحتمل أن يكون هناك خطوات تصعيدية متبادلة وأن تستمر الفجوة بين الطرفين لفترة أطول مما كان متوقعا. وفي غضون ذلك، سوف تنظر إسرائيل - جنبا إلى جنب مع الساسة من ذوي النفوذ في الولايات المتحدة - إلى العد التنازلي واستمرار إيران في تعزيز مخزونها من اليورانيوم المخصب

وفي الحقيقة تعد استعارة التوقيت أو الساعة استعارة زائفة - إيران على بعد سنوات من امتلاك قنبلة نووية، والولايات المتحدة وإسرائيل سيكون لديهما الكثير من الوسائل، وستقوم منشأة فوردو على الرغم من ذلك، بوقف برنامجها النووي إذا رغبوا في ذلك - وواحدة من الصور السياسية الأكثر تدميرا في التاريخ الحديث. ويدرك كبار المسؤولين الإسرائيليين ذلك، وإذا ما اقتنعوا بأن إيران تسعى لكسب الوقت وأن الدول الغربية لا تملك القوة للقيام بأي شيء حيال ذلك، فقد تتحرك أو تقنع واشنطن بالتحرك. ويمكن القول بأن الفترة من الآن وحتى انتخابات الرئاسة الأميركية في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) هي الأخطر على الإطلاق

كل هذا يدعم التغيير في التفكير. ويجب أن يستغل الاجتماع المقرر عقده في موسكو يوم 18 يونيو (حزيران) كفرصة للقيام بذلك على وجه التحديد. وبدلا من اجتماعات دورية رفيعة المستوى تستمر لمدة يوم أو يومين ومحفوفة بالمخاطر، يجب أن تتفق إيران ومجموعة «الخمسة زائد واحد» على محادثات متصلة على مستوى أدنى لعدة أشهر

فضلا عن ذلك، فإن كلا الجانبين بحاجة إلى التخلي عن بعض من مطالبه: لن يكون هناك تخفيف ملحوظ للعقوبات المفروضة في تلك المرحلة، وليس من المرجح بالمثل أن تغلق إيران منشأة «فوردو» - وهي المنشأة الوحيدة التي لديها القدرة على مقاومة أي ضربة إسرائيلية. لكن يجب أن تكون إيران مستعدة لأن تطرح على الطاولة مواضيع من شأنها أن تخاطب مخاوف الانتشار النووي السريع من جانب مجموعة «الخمسة زائد واحد» بشكل جاد وواقعي: وقف التخصيب عند نسبة 20 في المائة؛ وتحويل مخزونها الكامل من سادس فلوريد اليورانيوم الذي تبلغ نسبته 20 في المائة إلى ثاني أكسيد اليورانيوم لاستخدامه في تصنيع وقود نووي؛ ووقف إنشاء أجهزة طرد مركزي جديدة في فوردو، مع الاتفاق على استخدام المنشأة في أغراض البحث والتطوير فقط وقبول المزيد من المراقبة التدخلية

ويجب أن تكون مجموعة «الخمسة زائد واحد» مستعدة لطرح مواضيع على الطاولة تخاطب المخاوف الإيرانية بشكل جوهري: قبول مبدأ أن إيران يمكنها تخصيب تربتها، إلى أن تستوضح طهران الأمور مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لوضع قيود على درجة النقاء وعدد المنشآت؛ الاستثمار في مفاعل أبحاث جديد وتقنيات متطورة مرتبطة بالطاقات المتجددة في إيران؛ ومد نوع من إجراءات تخفيف العقوبات، بما فيها إجراء أو أكثر من الإجراءات التالية: التحرر من العقوبات الإضافية، وتأجيل تفعيل الحظر المفروض من قبل الاتحاد الأوروبي على النفط (أو تعليقه، إن كان معمولا به)، و/ أو الحظر المفروض على تأمين أصحاب السفن التي تنقل النفط الإيراني لفترة محددة؛ وتخفيف الضغط على العملاء النفطيين المتبقين لإيران

ربما تفشل المحادثات، وحينها، سيتمثل الهدف في تجنب جميع أنواع الخطوات الهدامة، بما فيها المواجهة العسكرية، أكثر الخطوات إضرارا. لكن، قبل الوصول إلى تلك الخطوة، ثمة قدر كبير من العمل يجب القيام به من أجل الوقوف على ما إذا كان يمكن التوصل إلى اتفاق وما إذا كان من الممكن الحفاظ على القدر الضئيل من التفاؤل المتبقي من إسطنبول

Philippe Errera
Draft text for reviving the 2015 nuclear agreement as shared by France's lead negotiator in February. Philippe Errera
Briefing 87 / Middle East & North Africa

هل استعادة الاتفاق النووي الإيراني ما تزال ممكنة؟

رغم أن الأمل يتلاشى، فإن الولايات المتحدة وإيران قد تكونان ما تزلان قادرتين على إعادة إحياء اتفاق عام 2015 بشأن برنامج طهران النووي. وإذا تعثّرتا في ذلك، ينبغي أن تسعيا إلى تحقيق أهداف أكثر تواضعاً بدلاً من السماح بتنامي مخاطر حدوث مواجهة بينهما.

  • Share
  • Save
  • Print
  • Download PDF Full Report

ما الجديد؟ لقد تأرجحت حظوظ إعادة إحياء الاتفاق النووي الإيراني بشكل دراماتيكي، من شبه المؤكد في آذار/مارس إلى الصفر تقريباً في تموز/يوليو، ثم عادت للتحرك في اتجاه الاتفاق في آب/أغسطس، ومن ثم وصلت إلى طريق مسدود آخر في أيلول/سبتمبر. وما تزال التبادلات الجارية بشأن التوصل إلى نص تسووي غير قادرة على إرضاء جميع الأطراف.

ما أهمية ذلك؟ رغم أن الأطراف تبقى ملتزمة اسمياً باستمرار الجهود الدبلوماسية لاستعادة الاتفاق الذي تم توقيعه في عام 2015، فإن حلقة تصعيدية تلوح في الأفق إذا استمرت المحادثات في الدوران دون هدف أو إذا انتهت إلى الفشل. إن وضع خطة طوارئ لمرحلة ركود طويلة أو لسيناريو عدم التوصل إلى اتفاق من شأنه أن يساعد في تخفيف حدة التوترات وإدارة مخاطر حدوث مواجهة خطرة.

ما الذي ينبغي فعله؟ ثمة مساراً ضيقاً نحو التوصل إلى اتفاق ما يزال قائماً. لكن إذا طال أمد المحادثات أو انهارت، فإن أفضل سبيل للتقدم إلى الأمام قد يتمثل في قيام الأطراف بدراسة التزامات بإجراء واحد، بينما يتم الاستمرار في احترام الخطوط الحمر لتفادي حدوث تصعيد نووي وإقليمي. وبذلك يمكن للأطراف شراء الوقت لوضع تصور لاتفاق أكثر استدامة.

لمحة عامة

منذ نيسان/أبريل 2021، سعت الأطراف في خطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015، أو الاتفاق النووي الإيراني، إلى إعادة إحياء الاتفاق الذي انسحب منه الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وحققت المفاوضات بين إيران والأطراف المتفاوضة معها – الولايات المتحدة، وفرنسا، والمملكة المتحدة، وروسيا، والصين وألمانيا، بتنسيق من الاتحاد الأوروبي – تقدماً على مدى ثماني جولات في فيينا. وبحلول آذار/مارس 2022، كانت تلك المفاوضات قد تمخضت عن نص شبه نهائي. ومنذ ذلك الحين، حدث تراجع؛ فقد حولت حرب روسيا في أوكرانيا تركيز القوى العالمية وأعاقت التعاون؛ ووصلت الخلافات بين طهران وواشنطن بشأن قضايا جوهرية إلى طريق مسدود. يحاول الاتحاد الأوروبي التوصل إلى حل وسط، إلا أن كبير دبلوماسيه يعتقد أن مواقف الأطراف تتباعد، الأمر الذي يجعل التوصل إلى اتفاق سريع أمراً غير مرجح. فالانتخابات النصفية في الولايات المتحدة تضيّق المجال أمام تحقيق تقدم. وإذا لم تتخذ الأطراف إجراءات تصعيدية، فإنها قد تكون قادرة على عبور الخط النهائي قبل أو بعد انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر. غير أن المفاوضات قد تطول، وقد يتبين أن الفجوات غير قابلة للجسر. إذا كان الأمر كذلك، ستكون الأطراف بحاجة إلى التحول إلى مزيج من الاتفاقات المؤقتة على إجراء واحد وأن تحترم الخطوط الحمر لإدارة مخاطر نشوء مواجهة مسلحة.

النص الذي تم التوصل إليه في آذار/مارس عالج تقريباً جميع القضايا الجوهرية التي تفصل الأطراف. فقد حدد الكيفية التي ستقوم بها إيران بإعادة برنامجها النووي إلى الالتزام بالقيود الواردة في خطة العمل الشاملة المشتركة، ووضع تقديراً لما يمكن أن تقدمه الولايات المتحدة من رفع للعقوبات، ووضع مخططاً لكيفية تتابع التزامات الطرفين. بموازاة ذلك، اتفقت إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية على إطار لتسوية القضايا العالقة بشأن أنشطة إيران السابقة في مواقع غير معلن عنها. إلا أن تحقيق الوكالة الدولية للطاقة الذرية توقف، وعلق الطرفان في نزاعات على قضايا كانا يعتقدان أنهما سوياها أو باتا قريبين من تسويتها.

تقع في جوهر المأزق مطالب الحد الأدنى التي تقدمت بها إيران والتي لا تستطيع الأطراف الأخرى تلبيتها أو لا ترغب بتلبيتها. فتحوطاً لاحتمال نكث إدارة أميركية مستقبلية لالتزامها بالاتفاق كما فعلت إدارة ترامب، تسعى إيران للحصول على ضمانات بأن المزايا الاقتصادية التي توفرها استعادة خطة العمل الشاملة المشتركة ستستمر. وقد أشارت إدارة الرئيس بايدن إلى أنها لا تستطيع تلبية مثل هذا المطلب، لأن الإدارة لا تستطيع قانونياً أن تلزم الرؤساء القادمين بالطريقة التي ترغب بها إيران. كما تريد إيران أن يتوقف تحقيق الوكالة الدولية للطاقة الذرية في في أعمالها السابقة، مصرة على أن ذلك سيصبح تحقيقاً مدفوعاً سياسياً لا نهاية له. إلا أن وقف ذلك التحقيق سيتناقض مع تفويض الوكالة بتحقيق المساءلة بشأن الأنشطة النووية، وتعارض الولايات المتحدة والأطراف الأوروبية الثلاثة (فرنسا، وألمانيا والمملكة المتحدة، أو مجموعة الثلاث) فكرة القيام بذلك.

تحركات جرت أخيراً وفّرت بارقة أمل لإمكانية إعادة إحياء الاتفاق، لكن تلك البارقة تبدو الآن في حالة تلاشي. ففي مطلع آب/أغسطس، قدم الاتحاد الأوروبي نصاً تسووياً بعد عدة أيام من المداولات مع جميع الأطراف. ومنذ ذلك الحين، تبادلت إيران والولايات المتحدة سلسلة من المقترحات والمقترحات المضادة، إلا أن آفاق التوصل إلى وثيقة تحظى بالتوافق غير مؤكدة. مع عدم وجود علامات على مرونة إيرانية وإحجام متزايد في أوساط الديمقراطيين عن الانخراط في نقاش بشأن إيران يحدث استقطاباً في الكونغرس قبل الانتخابات النصفية، فإن تحقيق اختراق وشيك يبدو غير مرجح. لكن المؤكد هو أن إجراءات تصعيدية أو أحداث غير متوقعة يمكن أن تنسف ما قد يتبين أنها الفرصة الأخيرة لإنقاذ خطة العمل الشاملة المشتركة.

في حين أن التوصل إلى تسوية ومواصلة محادثات فيينا إلى أن تصل إلى خاتمة ناجحة تبقى في مصلحة جميع الأطراف، فإن هدف استعادة الالتزام المتبادل بالاتفاق الأصلي قد يبقى بعيد المنال، وفي هذه الحالة فإن تحولاً عنيداً نحو واقع ما بعد خطة العمل الشاملة المشتركة يلوح في الأفق. في طهران، ثمة شعور بقدرة البلاد على التغلب على آثار العقوبات بينما يسود تحفظ بشأن قيمة الالتزامات الأميركية برفع العقوبات، والتي يعتقد كثيرون بأنه لن يوفر سوى عائدات هامشية، حتى لو كانت كبيرة على المدى القريب. في واشنطن، فإن العبء السياسي للسعي للتوصل إلى اتفاق إشكالي يتزايد مع تنامي المقاومة من خصوم الاتفاق والتقدم الذي حققته إيران في المجال النووي والذي لا يمكن عكسه، في الوقت الذي لم يتحول فيه الوضع الراهن المتمثل في عدم التوصل إلى اتفاق إلى أولوية قصوى في السياسة الخارجية بوجود أزمات أخرى. لكن مع اقتراب برنامج إيران من القدرة على صنع السلاح أكثر من أي وقت مضى، والعمل بقدر أكبر من انعدام الشفافية، فإن الوضع يمكن أن يتصاعد إلى أزمة انتشار نووي ما لم تتحرك الأطراف إلى مسار أكثر استقراراً.

إذا طال أمد الجهود الرامية إلى استعادة خطة العمل الشاملة المشتركة، أو الأسوأ من ذلك إذا انهارت هذه الجهود، فإن من السهل تخيل المواقف التي سيستقر عليها كل من الجانبين الأميركي والإيراني. من المرجح أن واشنطن ستؤكد بشكل متزايد على إنفاذ العقوبات وتوسيعها، وربما بمشاركة أكبر من حلفائها الأوروبيين وتعزيز التهديد باستخدام القوة، خصوصاً إذا كان هناك علامات – غير موجودة حالياً – على تحركات إيرانية نحو صناعة سلاح نووي. طهران، من جهتها من شبه المؤكد أن تعزز تقدمها في المجال النووي، وكذلك استفزازاتها التي تستهدف الولايات المتحدة وحلفاءها في الشرق الأوسط، إما مباشرة أو من خلال شركائها الإقليمين. ونتيجة لذلك، فإن ما كان حتى الآن توازناً حذراً يتمثل في "لا اتفاق، ولا أزمة" قد لا يظل مستداماً.

إذا فشلت محادثات فيينا في التوصل إلى اتفاق بشأن استعادة خطة العمل الشاملة المشتركة، سيكون من الحيوي إبقاء الفضاء الدبلوماسي مفتوحاً بالنظر في مسارات بديلة إلى الأمام. وينبغي الشروع في التخطيط لهذه الحالة الطارئة الآن. بعض الخيارات التي ربما كانت ممكنة في مرحلة سابقة لم تعد متوفرة الآن. لقد بدا في وقت ما أن الولايات المتحدة وإيران قد تضعا خطة العمل الشاملة المشتركة جانباً سعياً للتوصل إلى اتفاق أكثر طموحاً، أي ترتيب "أكثر مقابل أكثر"، إلا أن آفاق تحقيق ذلك لم تعد مبشّرة الآن، بالنظر إلى انعدام الثقة والتوقعات غير المتطابقة التي تظهر من خلال الجهود الرامية إلى إعادة إحياء اتفاق كان الطرفان قد قبلا به بصفته تفاهم الحد الأدنى. كما لا يبدو اتفاقاً مؤقتاً يتمثل في "أقل مقابل أقل" يقابل العودة المحدودة عن خطوات تطوير البرنامج النووي بجملة غير معلنة من الحوافز الاقتصادية واعدة على نحو خاص، لأن أقصى ما يمكن أن تكون الولايات المتحدة مستعدة لتقديمه في مجال رفع العقوبات سيكون على الأرجح أقل من متطلبات الحد الأدنى الإيرانية لذلك.

على هذه الخلفية، فإن التواضع قد يكون أساسياً لقابلية أي مقاربة للتحقق. يتمثل أحد الاحتمالات في التركيز على إشارات متبادلة تتكون من خطوة واحدة (على سبيل المثال، خطوة على الجبهة النووية مقابل رفع عقوبة واحدة)، رغم أنه حتى ذلك قد يبدو بعيد المنال. احتمال آخر قد يتمثل في أن التقدم المحرز بشأن القضايا الإنسانية، بما في ذلك تبادل السجناء الأميركيين والإيرانيين في كلا البلدين، أمر مرغوب في كل الأحوال، وربما يساعد في خلق مناخ أفضل لاستئناف المفاوضات النووية. أخيراً، سواء تمكنت الأطراف من التوصل إلى اتفاق على أي مما سبق ذكره أم لا، فإنها بحاجة إلى تحديد خطوط حمر ومجالات لا يمكن تجاوزها لمنع تصاعد التوترات على الجبهات النووية والإقليمية من التراكم في حلقات لولبية تصعيدية. يمكن للطرفين إيصال هذه الأفكار عبر وسطاء أوروبيين وإقليميين. وفي حين قد لا يكون هذا المسار مستداماً على المدى البعيد، فإنه يمكن على الأقل أن يشتري بعض الوقت للأطراف كي تنخرط في إعادة تفكير أساسي بشأن المدى الذي ما تزال الأنماط التي سادت خلال عقدين من الدبلوماسية النووية هي نفسها السائدة اليوم، وكيف يمكن مراجعتها بشكل بناء لتفادي حدوث مواجهة ينعكس خطرها على الجميع.

طهران/واشنطن/بروكسل، 12 أيلول/سبتمبر 2022

Subscribe to Crisis Group’s Email Updates

Receive the best source of conflict analysis right in your inbox.