السباحة في الماء الثقيل: برنامج إيران النووي، مخاطر الحرب والدروس التركية
السباحة في الماء الثقيل: برنامج إيران النووي، مخاطر الحرب والدروس التركية
Table of Contents
  1. Executive Summary
Report 116 / Middle East & North Africa

السباحة في الماء الثقيل: برنامج إيران النووي، مخاطر الحرب والدروس التركية

  • Share
  • Save
  • Print
  • Download PDF Full Report

الملخص التنفيذي

 

قد يكون التصعيد الدراماتيكي في الخطاب الإسرائيلي فيما يتعلق بإيران مجرد تهويل فارغ يمثّل رسالة مزدوجة لطهران كي توقف أنشطتها النووية وللمجتمع الدولي كي يصعّد من ضغوطه لتحقيق ذلك الهدف.  وقد لا يكون الأمر كذلك.  من وجهة نظر إسرائيل، فإن البرنامج النووي يمثّل تهديداً خطيراً؛ حيث أن الوقت الذي ستكتسب فيه إيران مناعة ضد ضربة عسكرية، بفضل جهودها المفترضة لصنع قنبلة نووية، يقترب بسرعة؛ وبالتالي فإن عملاً عسكرياً في المستقبل القريب – ربما هذا العام حتى – يصبح احتمالاً قائماً.  في حين أن ثمة إقراراً واسعاً في الغرب بأن الحرب سيكون لها تبعات كارثية، وفي حين أن الجهود الأمريكية والأوروبية مُرَحَّب بها، فإن المقاربة الراهنة والمتمثلة في تشديد العقوبات الاقتصادية الرامية إلى إجبار إيران على الانحناء لن تفضي إلى إجبار إيران على التراجع في القريب العاجل.  وبدلاً من أن تمثّل هذه المقاربة بديلاً عن الحرب فيمكن أن تصبح أداة تفضي إليها.  ومع بداية عام 2012، باتت احتمالات المواجهة العسكرية، ورغم أنها لا تزال بعيدة عن التحقق، أقرب من أي وقت مضى.

يمكن للمحادثات في الشأن النووي، والتي من المفترض استئنافها، أن توفر فرصة لتحاشي مثل هذا المصير.  لكن ولكي يتحقق ذلك، يمكن للمجتمع الدولي، وهو في أمس الحاجة للأفكار الجديدة، أن يستفيد من التجربة التركية ويختبر فرضياتها المتمثلة في ضرورة الانخراط بشكل مكثّف مع طهران وعلى جميع المستويات؛ وضرورة مشاركة عدد أكبر من البلدان في هذا الانخراط، بما في ذلك القوى الناشئة التي تشعر طهران بأنها الأقرب إليها؛ وأن الضغوط الاقتصادية عقيمة في أفضل الأحوال، وفي أسوئها يمكن أن تؤدي إلى نتائج عكسية؛ وأنه ينبغي تقديم مقترح واقعي لطهران.  أما إذا كان الأمر يتراوح بين العقوبات، التي يصعب تخيّل نجاحها، من جهة، والأعمال العسكرية، التي من المرعب التفكير في تبعاتها، فذلك لا يمثّل خياراً بل فشلاً ذريعاً.

إن الصورة التي تكتنف إيران، والتي نادراً ما كانت شفافة، هي الآن مشوّشة ومختلطة أكثر من أي وقت مضى.  إسرائيل تطلق التهديدات وتلمح إلى القيام بأعمال عسكرية وشيكة؛ وفي اليوم التالي تعلن أن أخذ القرار لا زال بعيدًا.  أحاديث بعض مسؤوليها تعطي الانطباع بأنهم يوافقون على توجيه ضربة عسكرية، والبعض الآخر (المتقاعدون عموماً) يعتبرونها فكرة غبية بالمطلق.  في بعض الأحيان، تبدو إسرائيل وكأنها تتحدث عن حرب لن تشنها أبداً كي تبقى صامتة عن حرب يبدو أنها قد ابتدت شنها بالفعل – وهي حرب تتضمن هجمات إلكترونية، وقتل علماء نوويين إيرانيين وتفجيرات غامضة.  أما الخطاب الأمريكي فهو ينطوي على قدر أكبر من التقلبات؛ فوزير الدفاع يخصص مقابلة كاملة لسرد جميع التبعات الكارثية للحرب، ومقابلة أخرى للإشارة إلى أنه لا يمكن استبعاد احتمال المواجهة العسكرية.  الرئيس باراك أوباما، من بين آخرين، يُبدي معارضة جدية لفكرة الانخراط في حرب أخرى في الشرق الأوسط، لكنه لا ينفك عن تذكيرنا بأن جميع الخيارات تبقى على الطاولة – وهي أقوى طريقة للاشارة إلى أن خياراً بعينه هو الموجود على الطاولة.

الزعماء الإيرانيون كذلك لم يوفروا أي جهد، بداية بتخصيب اليورانيوم بمستويات أعلى، ونقل منشآتهم إلى أماكن أكثر عمقاً تحت الأرض، والتهديد بإغلاق مضيق هرمز، واتخاذ إجراءات ضد إسرائيل، و(إذا كان للمرء أن يصدّق واشنطن) تدبير مؤامرة كبرى لاغتيال السفير السعودي في الولايات المتحدة.  كما أن تقارير صدرت مؤخراً عن هجمات إرهابية إيرانية فعلية أو قيد التخطيط ضد أهداف إسرائيلية في الهند، وجورجيا، وتايلاند وأذربيجان تشكل نذيراً لا يقل خطورة إن لم يكن أخطر.  إن نشر الاختلاط والتشوش شكل من أشكال الدبلوماسية، ولا شك أن جميع الأطراف منخرطة في لعبة سياسية ونفسية معقدة.  لكن التشوش يؤدي إلى انعدام اليقين، وانعدام اليقين خطر لأنه يزيد من مخاطر الحسابات أو الخطوات الخاطئة التي يمكن أن تؤدي إلى نتائج وخيمة.

إن مدى خطورة البرنامج النووي الإيراني ومدى اقتراب النظام من إنتاج سلاح نووي يبقى مسألة آراء، وهي آراء متفاوتة بشكل واسع.  الإسرائيليون يعبّرون عن ذعرهم.  آخرون يشيرون إلى عقبات تقنية تعيق الهدف المفترض لإيران:يذكّرون أنها واجهت مشاكل في توسيع برنامج التخصيب؛ ويؤكدون أنها ما تزال بحاجة لشهور على الأقل كي تصبح قادرة على الوصول إلى التخصيب على المستوى المطلوب لصنع قنبلة؛ وربما تكون بحاجة إلى سنوات كي تمتلك القدرة على تصنيع سلاح ذري متاح.

ثمة خلاف أيضاً بشأن النوايا.  قلة هم الذين ما يزالون يعتقدون بأن دوافع إيران بريئة تماماً، لكن في حين أن البعض مقتنع بأنها عازمة على صنع قنبلة، فإن آخرين يعتقدون بأنها تريد أن تصبح من الدول التي هي في "مرحلة العتبة" – أي دولة تمتلك القدرة على إنتاج السلاح النووي لكنها لا تعتزم استعمال هذه القدرة.  كما أن هناك اختلافاً حول طبيعة الخطوط الحمراء في هذا المجال.  الإسرائيليون يتحدثون عن "نطاق المناعة"، أي النقطة التي لا يمكن بعدها القيام بشيء لوقف تقدم إيران لأن منشآتها ستصبح عصية على الهجمات العسكرية، ويقولون إن شهوراً تفصل إيران عن تلك النقطة.  مرة أخرى، فإن آخرين – والأمريكيين بوجه خاص – يخالفون هذا الرأي.  والاختلاف يعكس القدرات العسكرية المختلفة (فالمناعة ضد هجوم إسرائيلي ليست كالمناعة ضد هجوم أمريكي) كما يعكس طريقة تعريف المناعة.

الإسرائيليون ربما يبالغون في التهديد ومدى قربه، وهي ليست المرة الأولى الذي يفعلون فيها ذلك، وهو ما يشير إلى خوفهم الشديد من نظام أعلن بشكل صارخ عن عدائي الكاملة.  إلاّ أنهم بالتأكيد محقّون من منظور واحد، وهو أن العقوبات يمكن أن تجدي ولكن تبقى فاشلة رغم ذلك، من حيث أنها يمكن أن تكون مؤلمة اقتصادياً دون أن تفلح في إحداث تغيير حقيقي في السياسات.  ما من دليل على أن القيادة الإيرانية استسلمت أو ستستسلم أمام الصعوبات الاقتصادية؛ حيث أن منظور المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي يستند إلى المبدأ المحوري المتمثل في أن الخضوع للضغوط يجتذب المزيد منها.  من وجهة نظر النظام، ليس من الصعب فهم مثل هذا العناد؛ فالإجراءات التي اتخذها أعداؤه – بما في ذلك الهجمات على أراضيه، والتخريب المادي والإلكتروني، وقيام الولايات المتحدة بتعزيز الترسانات العسكرية لأعدائه الخليجيين، والحرب الاقتصادية التي يمكن أن تكون أكثر إيذاء – يمكن أن تعني شيئاً واحداً هو أن واشنطن وحلفاءها عازمون على الإطاحة به.  في ظل مثل هذه الظروف، لماذا يتبرع النظام بتقديم تنازلات ستجعله أضعف في جوار معادٍ؟

الأوروبيون والأمريكيون يقولون أن الآن فقط تم تبني عقوبات ذات أثر حقيقي، وأن أثرها سيظهر خلال الأشهر الستة أو الثمانية القادمة وأن الجمهورية الإسلامية، إذا واجهت انهيارا اقتصاديا – وبالتالي بات بقاؤها مهدداً – فلن يكون أمامها في آخر المطاف سوى خيار الانخراط في مفاوضات جدية حول أجندتها النووية.  قد يكون ذلك صحيحاً.

إلاّ أن ثمة أمور كثيرة يمكن أن تتخذ مساراً خاطئاً.  ففي مواجهة ما لا يمكن الا أن تعتبره شكلاً من أشكال الحرب الاقتصادية، وإذا شعرت بأنها لن تخسر إلا القليل، فإن رد الفعل الإيراني يمكن أن يكون شرساً.  وبالمقابل فإن أعمالها الاستفزازية يمكن أن تتسبب في خطوات انتقامية؛ وهكذا فإن الأمور يمكن أن تخرج عن نطاق السيطرة، خصوصاً في غياب أي قناة اتصال جادة.  يمكن للساعتين الإسرائيلية والغربية ألاّ تكونا متناغمتين؛ حيث أن الجدول الزمني للعقوبات الاقتصادية الغربية يمكن أن يمتد إلى أبعد من النقطة التي تدخل فيها إيران ما تعتبره إسرائيل لحظة المناعة، وقد لا تتحلى إسرائيل بالصبر بحيث تمتنع عن التحرك.

إن المراهنة حصرياً على العقوبات أمر محفوف بالمخاطر.  من المحتمل ألاّ تقتنع إيران بإبطاء جهودها النووية، وبالتالي – وفي غياب خيار دبلوماسي حقيقي يتضمن مقترحاً جدياً – فقد تحشر الولايات المتحدة نفسها في حرب ذات تكاليف باهظة (بما في ذلك قيام إيران بتحركات انتقامية في العراق، وأفغانستان، ومن خلال طرف ثالث، ضد إسرائيل) لتحقيق مكاسب غير مؤكدة تتمثل في تأخير التقدم الذي تحرزه إيران في برنامجها النووي مقابل الطرد المرجح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتنامي عزمها على الحصول على قنبلة وتسريع جهودها لتحقيق هذه الغاية).

من بين البلدان التي لم ترتح لمثل هذه المقاربة هي تركيا التي تحاول القيام بشيء مختلف.  فهي متشككة جداً في العقوبات وتستبعد القيام بأي عمل عسكري.  إنها تؤمن بالانخراط الدبلوماسي النشط مع المسؤولين الإيرانيين.  وهي تؤمن بضرورة الإقرار بحق إيران بتخصيب اليورانيوم على أراضيها – علامة احترام لكرامتها.  كما أنها مقتنعة بأن الخطوات الصغيرة التي تدفع الكرة إلى الأمام ولو بشكل طفيف، حتى لو بقيت بعيدة عن خط النهاية، فإنها تبقى أفضل من لا شيء.

أنقرة ليست لاعباً محورياً، ومعارضتها للعقوبات الموسّعة ودعمها للحوار لا يختلفان عن مواقف لاعبين رئيسيين مثل روسيا والصين.  إلاّ أن تركيا تعرف إيران جيداً نتيجة علاقتها الطويلة والمعقدة مع جار قوي.  بصفتها قوة غير تقليدية، ذات علاقة راسخة بالمؤسسات الغربية ولكن جزء من العالم الإسلامي، بوسعها الانسجام مع رفض طهران لنظام عالمي يتكون من طبقتين من الدول.  هذا لا يعني أن تركيا لا تمانع في ظهور إيران مسلحة نووياً.  إلاّ أنها أكثر تعاطفاً مع الرؤية القائلة إنه لا يمكن للغرب أن يملي من يمكنه امتلاك القدرات النووية ومن لا يمكنه؛ كما أنها أقل تهويلاً فيما يتعلق بوضع البرنامج النووي الإيراني؛ وتعتقد أن احتمال ظهور إيران مسلحة نووياً احتمال بعيد وغير أكيد.

حتى لو كانت حديثة العهد بالقضية النووية، فلدى تركيا تجربة مفيدة.  في عام 2010، انخرطت تركيا مع البرازيل – وهي قوة ناشئة جديدة أخرى – في محادثات مكثّفة مع المسؤولين الإيرانيين وتوصلت، بشكل فاجأ الغرب، إلى اتفاق حول المفاعل البحثي في طهران.  قضى الاتفاق بأن تودع إيران 1,200 كغ من اليورانيوم منخفض التخصيب في تركيا، وبالمقابل، تستلم 120 كغ من الوقود المخصّب بدرجة 20 بالمئة لمفاعلها.  لم يكن الاتفاق مثالياً؛ رغم أنه كان يعكس بشكل كامل تقريباً مقترحاً سابقاً لمجموعة 5 + 1 (الدول الخمس الأعضاء في مجلس الأمن الدولي إضافة إلى ألمانيا).  ومر الوقت وتنامى مخزون إيران من اليورانيوم منخفض التخصيب، وكانت قد بدأت بالتخصيب بدرجة 20 بالمئة بنفسها، وهي مرحلة هامة رغم أنها ليست نهائية باتجاه التخصيب إلى درجة صنع الأسلحة.  لكن كان يمكن أن تكون بداية هامة؛ فلو قُبلت، لكان لدى إيران كمية من اليورانيوم منخفض التخصيب أقل بـ 1,200 كغ ولكانت خطوة هامة نحو بناء الثقة.  إلاّ أن مجموعة الـ 5 + 1 رفضت الاتفاق ولجأت إلى عقوبات أكثر قسوة.

اليوم، ومع تواتر الأنباء بأن إيران استجابت إلى عرض مجموعة الـ 5 + 1، قد يكون هناك فرصة جديدة للدبلوماسية؛ ولا ينبغي تبديد هذه الفرصة.  سيكون من المفيد أن تقتطع الأطراف صفحة من الدليل التركي وأن تطرح مبادرة واقعية وجدية يمكن أن تكون على النحو التالي:

  • مصادقة إيران على البروتوكول الإضافي لاتفاقية الضمانات الشاملة لمعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية كما تجديد تنفيذها له، وبالتالي قبولها بنظام أكثر تشدداً؛ وتعزيز حقوق التفتيش التي تتمتع بها وكالة الطاقة الذرية في ما يزعم أنها مواقع غير نووية تجري فيها اختبارات لتصنيع الأسلحة (البروتوكول الإضافي)؛ واستئناف تنفيذ المدوّنة 3.1 المعدّلة لوكالة الطاقة الذرية بشكل يضمن الكشف فوراً عن أي قرار لبناء أية منشأة نووية جديدة؛
     
  • قرار إيران بتسوية القضايا العالقة فيما يتعلق بتجارب تصنيع الأسلحة النووية المزعومة العائدة إلى ما قبل عام 2003 والمشار إليها في تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية؛
     
  • إقرار مجموعة 5 + 1 بحق إيران من حيث المبدأ بإجراء الأبحاث النووية، والتخصيب، وإنتاج واستعمال الطاقة النووية لأغراض سلمية انسجاماً مع الالتزامات التي تفرضها معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، شريطة تسويتها للقضايا العالقة مع وكالة الطاقة الذرية؛
     
  • موافقة مجموعة 5 + 1 وإيران على اتفاقية معدّلة بشأن مفاعل طهران البحثي، تقوم إيران بموجبها بمبادلة مخزونها الحالي من اليورانيوم المخصّب بدرجة 20 بالمئة بقضبان وقود ووضع سقف مؤقت للتخصيب هو مستوى 5 بالمئة، في حين توافق مجموعة 5 + 1 على تجميد تنفيذ العقوبات الجديدة التي فرضها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.  ومقابل رفع بعض العقوبات، توافق إيران على قصر أنشطة التخصيب على احتياجاتها الفعلية من الوقود (مخزون لعام واحد لمفاعل بوشهر).  ويمكن بيع أية كميات فائضة في الأسواق الدولية وبأسعار تنافسية.  ويكون رفع العقوبات الأوسع مشروطاً بتعاون إيران مع وكالة الطاقة الذرية فيما يتعلق بجهود إيران الماضية والمفترضة لتصنيع أسلحة نووية، وتطبيق وكالة الطاقة الذرية لنظام تفتيش صارم وخطوات أخرى موصوفة هنا؛
     
  • بموازاة المفاوضات النووية، فتدخل الولايات المتحدة وإيران في نقاشات حول القضايا الأخرى ذات الاهتمام المشترك.

بالطبع، لا بد لهذه الخطوات أن تكون مصحوبة بوضع جميع الأطراف لحد لسلوكها المعادي وخطابها الاستفزازي، بما في ذلك التهديدات بشن الهجمات والضلوع في عمليات التفجير أو الاغتيال التي يمكن أن تقوّض العملية برمّتها.

ثمة أكثر من ما يكفي من الأسباب للتشكك إزاء الحل الدبلوماسي.  فالثقة المتبادلة وصلت إلى أدنى مستوى لها.  والضغوط السياسية على جميع الأطراف تجعل من التسوية عملية صعبة.  يبدو الغرب عازماً على تجريب نظام عقوباته الأشد قسوة من أي نظام سابق.  وبات صبر إسرائيل ينفد.  ويبدو أن أعمال العنف الانتقامية في حالة تصاعد.  وقد تكون إيران ماضية في مسار نحو العسكرة لا رجوع عنه.  يمكن للمرء أن يتخيل مستشاري خامنئي يشيرون إلى ثلاث سوابق مفيدة العِلم: نظام صدام حسين في العراق، الذي لم يكن يمتلك سلاحاً نووياً ورغم ذلك أطاحت به الولايات المتحدة؛ ونظام معمر القذافي في ليبيا، الذي تخلى عن أسلحة الدمار الشامل التي كان يمتلكها والذي هاجمه الناتو؛ وكوريا الشمالية، التي تمتلك أسلحة نووية والتي لا زال نظامها قائماً.  ما زال هناك وقت لاختبار ما إذا كانت طهران عازمة على الحصول على قنبلة بأي ثمن كان والتفكير فيما إذا كان الخيار العسكري – مع كل التبعات الدراماتيكية التي تترتب عليه – سيكون الخيار الأفضل للتعامل معها.  في الوقت الراهن، ينبغي أن يكون الهدف تعظيم فرص نجاح الجهود الدبلوماسية وتقليص احتمالات النظر في مسار بديل.

اسطنبول/واشنطن/بروكسل، 23 شباط/فبراير 2012

Executive Summary

The dramatic escalation in Israel’s rhetoric aimed at Iran could well be sheer bluff, a twin message to Tehran to halt its nuclear activities and to the international community to heighten its pressure to that end. Or not. As Israel sees it, the nuclear program represents a serious threat; the time when Iran’s putative efforts to build a bomb will become immune to a strike is fast approaching; and military action in the near future – perhaps as early as this year – therefore is a real possibility. While it is widely acknowledged in the West that war could have devastating consequences, and while U.S. and European efforts to restrain Israel are welcome, their current approach – ever-tightening economic sanctions designed to make Tehran bend – has almost no chance of producing an Iranian climb­down anytime soon. Far from a substitute to war, it could end up being a conduit to it. As 2012 begins, prospects of a military confrontation, although still unlikely, appear higher than ever.

The nuclear talks that appear set to resume could offer a chance to avoid that fate. For that to happen, however, a world community in desperate need of fresh thinking could do worse than learn from Turkey’s experience and test its assumptions: that Iran must be vigorously engaged at all levels; that those engaging it ought to include a larger variety of countries, including emerging powers with which it feels greater affinity; that economic pressure is at best futile, at worse counterproductive; and that Tehran ought to be presented with a realistic proposal. If it is either sanctions, whose success is hard to imagine, or military action, whose consequences are terrifying to contemplate, that is not a choice. It is an abject failure.

The picture surrounding Iran, rarely transparent, seldom has been more confusing or worrying. One day Israel issues ominous threats, hinting at imminent action; the next it announces that a decision is far off. Some of its officials speak approvingly of a military strike; others (generally retired) call it the dumbest idea on earth. At times, it appears to be speaking openly of a war it might never wage in order to better remain silent on a war it already seems to be waging – one that involves cyber-attacks, the killing of Iranian nuclear scientists and mysterious explosions. U.S. rhetoric, if anything, zigs and zags even more: the secretary of defense devotes one interview to listing all the catastrophic consequences of war and another to hinting a military confrontation cannot be ruled out. President Barack Obama, among others, appears seriously resistant to the idea of yet another Middle East war, yet keeps reminding us that all options are on the table – the surest way to signal that one particular option is.

Iranian leaders have done their share too: enriching uranium at higher levels; moving their installations deeper underground; threatening to close the straits of Hormuz and take action against Israel; and (if one is to believe Washington) organising a wild plot to assassinate the Saudi ambassador to the U.S. More recent reports of actual or planned Iranian terrorist attacks against Israeli targets in India, Georgia, Thailand and Azerbaijan are equally if not more ominous. Confusion is a form of diplomacy, and all sides no doubt are engaged in an intricate political and psychological game. But confusion spawns uncertainty, and uncertainty is dangerous, for it increases the risk of a miscalculation or misstep that could go terribly wrong.

How perilous is Iran’s nuclear program and how close the regime is to assembling a weapon are matters of opinion, and often substantially divergent opinion at that. Israelis express alarm. Others point to important technical obstacles to Iran’s assumed goal: it has had problems expanding its enrichment program; is at least months away from being able to enrich at bomb-grade level; and is probably years away from the capability to manufacture a deliverable atomic weapon.

Too, there is disagreement regarding intent. Few still believe Tehran’s motivations are purely innocent, but whereas some are convinced it is intent on building a bomb, others hold the view that it wishes to become a “threshold state” – one with breakout capacity, even if it does not plan to act on it. There also is disagreement as to what the critical redline is. Israelis speak of a “zone of immunity”, namely the point after which nothing could be done to halt Iran’s advance because its facilities would be impervious to military attack, and say that point is only months away. Again, others – Americans in particular – dispute this; the divergence reflects different military capacities (immunity to an Israeli attack is not the same as immunity to an American one) but also differences in how one defines immunity.

Israelis, not for the first time, could be exaggerating the threat and its imminence, a reflection of their intense fear of a regime that has brazenly proclaimed its unending hostility. But they almost certainly are right in one respect: that sanctions could work and nonetheless fail, inflicting harsh economic pain yet unable to produce a genuine policy change. There is no evidence that Iran’s leadership has succumbed or will succumb to economic hardship; the outlook of its Supreme Leader, Ayatollah Khamenei, rests on the core principle that yielding to pressure only invites more. Seen through the regime’s eyes, such apparent stubbornness is easy to understand. The measures taken by its foes – including attacks on its territory, physical and cyber sabotage, U.S. bolstering of the military arsenals of its Gulf enemies and, perhaps most damaging, economic warfare – can only mean one thing: that Washington and its allies are dead set on toppling it. Under such conditions, why would the regime volunteer a concession that arguably would leave it weaker in a hostile neighbourhood?

Europeans and Americans offer a retort: that only now have sanctions with real bite been adopted; that their impact will be felt within the next six to eighteen months; and that faced with an economic meltdown – and thus with its survival at stake – the Islamic Republic will have no choice but to finally engage in serious negotiations on the nuclear agenda. Perhaps.

But so much could go wrong. Confronting what it can only view as a form of economic warfare and feeling it has little to lose, Iran could lash out. Its provocative actions, in turn, could trigger retaliatory steps; the situation could well veer out of control, particularly in the absence of any meaningful channel of communication. Israel’s and the West’s clocks might not be synchronised: the West’s sanctions timetable extends beyond the point when Iran will have entered Jerusalem’s notional zone of immunity, and Israel might not have the patience to stand still.

Placing one’s eggs almost exclusively in the sanctions basket is risky business. There is a good chance they will not persuade Iran to slow its nuclear efforts, and so – in the absence of a serious diplomatic option including a more far-reaching proposal – the U.S. might well corner itself into waging a war with high costs (such as possible Iranian retaliatory moves in Iraq, Afghanistan and, through proxies, against Israel) for uncertain gains (a delay in Iran’s nuclear progress countered by the likely expulsion of International Atomic Energy Agency (IAEA) inspectors, intensified determination to acquire a bomb and accelerated efforts to do so).

Among countries uneasy with this approach, Turkey notably has stood for something different. It is highly sceptical about sanctions and rules out any military action. It believes in direct, energetic diplomatic engagement with a variety of Iranian officials. It is of the view that Tehran’s right to enrich on its soil ought to be acknowledged outright – a nod to its sense of dignity. And it is convinced that small steps that even marginally move the ball forward, even if far from the finish line, are better than nothing.

Ankara is not a central player, and its opposition to broad sanctions and support of dialogue are not dissimilar to the views of key actors such as Russia and China. But Turkey knows Iran well – an outgrowth of its long, complex relationship with a powerful neighbour. As a non-traditional power, anchored in Western institutions but part of the Muslim world, it can play to Tehran’s rejection of a two-tiered world order. This is not to say that Turkey is amenable to a nuclear-armed Iran. But it is far more sympathetic to the view that the West cannot dictate who can have a nuclear capacity and who cannot; is less alarmist when it comes to the status of Iran’s program; and believes that the prospect of a nuclear-armed Iran is both distant and unsure.

Even if a relative newcomer to the nuclear issue, Turkey also has useful experience. In 2010, together with Brazil – another rising new power – it engaged in intensive talks with Iranian officials and, much to the West’s surprise, reached a deal on the Tehran Research Reactor. Iran would deposit 1,200kg of low enriched uranium (LEU) in Turkey and, in return, would receive 120kg of 20 per cent enriched fuel for its reactor. The deal was far from perfect; al­though it mirrored almost exactly an earlier proposal from the P5+1 (the five permanent UN Security Council members plus Germany), time had passed; Iran’s LEU stockpile had grown, and it had begun to enrich at 20 per cent itself, an important though not definitive stage toward possibly enriching to weapons-grade. But it could have been an important start; had it been accepted, Iran presently would have 1,200kg less of LEU and a step would have been taken towards building trust. However, the P5+1 quickly dismissed the agreement and turned to tougher sanctions instead.

Today, with news that Iran has responded to the P5+1’s offer of talks, a new opportunity for diplomacy might have arisen. It should not be squandered. That means breaking with the pattern of the past: tough sanctions interrupted by episodic, fleeting meetings with Iran which, when they fail to produce the desired Iranian concession, are followed by ratcheted-up economic penalties. Instead, the parties would be well inspired to take a page out of Turkey’s playbook and pursue a meaningful and realistic initiative, possibly along the following lines:

  • Iran’s ratification and renewed implementation of the Nuclear Non-Proliferation Treaty (NPT) Additional Protocol to its comprehensive safeguards agreement, thereby accepting a more rigorous monitoring system; enhanced IAEA inspection rights for non-nuclear alleged weaponisation testing sites (Additional Protocol Plus); and resumed implementation of the IAEA’s modified Code 3.1, ensuring that the decision to build any new nuclear facility is immediately made public;
     
  • Iran’s decision to clear up outstanding issues regarding alleged pre-2003 nuclear weaponisation experiments referred to in IAEA reports;
     
  • recognition by the P5+1 of Iran’s right in principle to nuclear research, enrichment, production and use of nuclear energy for peaceful purposes in conformity with its NPT obligations, subject to its having settled outstanding issues with the IAEA;
     
  • agreement by the P5+1 and Iran to a revised Tehran Research Reactor deal, pursuant to which Iran would trade its current stockpile of 20 per cent uranium for fuel rods and temporarily cap its enrichment at the 5 per cent level, while the P5+1 would agree to freeze implementation of new EU and U.S. sanctions. In return for some sanctions relief, Iran could agree to limit enrichment activities to its actual fuel needs (one-year backup for the Bushehr reactor). Any excess amount could be sold on the international market at competitive prices. Broader sanctions relief would be tied to Iran’s cooperation with the IAEA regarding its presumed past weaponisation efforts, implementation of the rigorous IAEA inspections regime and other steps described here; and
     
  • in parallel to nuclear negotiations, the U.S. and Iran would enter into discussions on other issues of mutual concern and interest, such as Afghanistan and Iraq.

Of course, this would have to be accompanied by an end by all parties to the kind of hostile behaviour and provocative rhetoric, including threats to attack and involvement in bombings or assassinations, that risk derailing the entire process.

There are more than enough reasons to be sceptical about a diplomatic solution. Mutual trust is at an all-time low. Political pressures on all sides make compromise a difficult sell. The West seems intent on trying its new, harsher-than-ever sanctions regime. Israel is growing impatient. Tit for tat acts of violence appear to be escalating. And Iran might well be on an unyielding path to militarisation. One can imagine Khamenei’s advisers highlighting three instructive precedents: Saddam Hussein’s regime in Iraq, which had no nuclear weapon and the U.S. overthrew; Muammar Qadhafi’s regime in Libya, which relinquished its weapons of mass destruction and NATO attacked; and North Korea, which possesses nuclear weapons and whose regime still stands. There remains time to test whether Tehran is determined to acquire a bomb at all costs and to consider whether a military option – with all the dramatic implications it would entail – truly would be the best way to deal with it. For now, the goal ought to be to maximise chances that diplomacy can succeed and minimise odds that an alternative path will be considered.

Istanbul/Washington/Brussels, 23 February 2012

Philippe Errera
Draft text for reviving the 2015 nuclear agreement as shared by France's lead negotiator in February. Philippe Errera
Briefing 87 / Middle East & North Africa

هل استعادة الاتفاق النووي الإيراني ما تزال ممكنة؟

رغم أن الأمل يتلاشى، فإن الولايات المتحدة وإيران قد تكونان ما تزلان قادرتين على إعادة إحياء اتفاق عام 2015 بشأن برنامج طهران النووي. وإذا تعثّرتا في ذلك، ينبغي أن تسعيا إلى تحقيق أهداف أكثر تواضعاً بدلاً من السماح بتنامي مخاطر حدوث مواجهة بينهما.

  • Share
  • Save
  • Print
  • Download PDF Full Report

ما الجديد؟ لقد تأرجحت حظوظ إعادة إحياء الاتفاق النووي الإيراني بشكل دراماتيكي، من شبه المؤكد في آذار/مارس إلى الصفر تقريباً في تموز/يوليو، ثم عادت للتحرك في اتجاه الاتفاق في آب/أغسطس، ومن ثم وصلت إلى طريق مسدود آخر في أيلول/سبتمبر. وما تزال التبادلات الجارية بشأن التوصل إلى نص تسووي غير قادرة على إرضاء جميع الأطراف.

ما أهمية ذلك؟ رغم أن الأطراف تبقى ملتزمة اسمياً باستمرار الجهود الدبلوماسية لاستعادة الاتفاق الذي تم توقيعه في عام 2015، فإن حلقة تصعيدية تلوح في الأفق إذا استمرت المحادثات في الدوران دون هدف أو إذا انتهت إلى الفشل. إن وضع خطة طوارئ لمرحلة ركود طويلة أو لسيناريو عدم التوصل إلى اتفاق من شأنه أن يساعد في تخفيف حدة التوترات وإدارة مخاطر حدوث مواجهة خطرة.

ما الذي ينبغي فعله؟ ثمة مساراً ضيقاً نحو التوصل إلى اتفاق ما يزال قائماً. لكن إذا طال أمد المحادثات أو انهارت، فإن أفضل سبيل للتقدم إلى الأمام قد يتمثل في قيام الأطراف بدراسة التزامات بإجراء واحد، بينما يتم الاستمرار في احترام الخطوط الحمر لتفادي حدوث تصعيد نووي وإقليمي. وبذلك يمكن للأطراف شراء الوقت لوضع تصور لاتفاق أكثر استدامة.

لمحة عامة

منذ نيسان/أبريل 2021، سعت الأطراف في خطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015، أو الاتفاق النووي الإيراني، إلى إعادة إحياء الاتفاق الذي انسحب منه الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وحققت المفاوضات بين إيران والأطراف المتفاوضة معها – الولايات المتحدة، وفرنسا، والمملكة المتحدة، وروسيا، والصين وألمانيا، بتنسيق من الاتحاد الأوروبي – تقدماً على مدى ثماني جولات في فيينا. وبحلول آذار/مارس 2022، كانت تلك المفاوضات قد تمخضت عن نص شبه نهائي. ومنذ ذلك الحين، حدث تراجع؛ فقد حولت حرب روسيا في أوكرانيا تركيز القوى العالمية وأعاقت التعاون؛ ووصلت الخلافات بين طهران وواشنطن بشأن قضايا جوهرية إلى طريق مسدود. يحاول الاتحاد الأوروبي التوصل إلى حل وسط، إلا أن كبير دبلوماسيه يعتقد أن مواقف الأطراف تتباعد، الأمر الذي يجعل التوصل إلى اتفاق سريع أمراً غير مرجح. فالانتخابات النصفية في الولايات المتحدة تضيّق المجال أمام تحقيق تقدم. وإذا لم تتخذ الأطراف إجراءات تصعيدية، فإنها قد تكون قادرة على عبور الخط النهائي قبل أو بعد انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر. غير أن المفاوضات قد تطول، وقد يتبين أن الفجوات غير قابلة للجسر. إذا كان الأمر كذلك، ستكون الأطراف بحاجة إلى التحول إلى مزيج من الاتفاقات المؤقتة على إجراء واحد وأن تحترم الخطوط الحمر لإدارة مخاطر نشوء مواجهة مسلحة.

النص الذي تم التوصل إليه في آذار/مارس عالج تقريباً جميع القضايا الجوهرية التي تفصل الأطراف. فقد حدد الكيفية التي ستقوم بها إيران بإعادة برنامجها النووي إلى الالتزام بالقيود الواردة في خطة العمل الشاملة المشتركة، ووضع تقديراً لما يمكن أن تقدمه الولايات المتحدة من رفع للعقوبات، ووضع مخططاً لكيفية تتابع التزامات الطرفين. بموازاة ذلك، اتفقت إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية على إطار لتسوية القضايا العالقة بشأن أنشطة إيران السابقة في مواقع غير معلن عنها. إلا أن تحقيق الوكالة الدولية للطاقة الذرية توقف، وعلق الطرفان في نزاعات على قضايا كانا يعتقدان أنهما سوياها أو باتا قريبين من تسويتها.

تقع في جوهر المأزق مطالب الحد الأدنى التي تقدمت بها إيران والتي لا تستطيع الأطراف الأخرى تلبيتها أو لا ترغب بتلبيتها. فتحوطاً لاحتمال نكث إدارة أميركية مستقبلية لالتزامها بالاتفاق كما فعلت إدارة ترامب، تسعى إيران للحصول على ضمانات بأن المزايا الاقتصادية التي توفرها استعادة خطة العمل الشاملة المشتركة ستستمر. وقد أشارت إدارة الرئيس بايدن إلى أنها لا تستطيع تلبية مثل هذا المطلب، لأن الإدارة لا تستطيع قانونياً أن تلزم الرؤساء القادمين بالطريقة التي ترغب بها إيران. كما تريد إيران أن يتوقف تحقيق الوكالة الدولية للطاقة الذرية في في أعمالها السابقة، مصرة على أن ذلك سيصبح تحقيقاً مدفوعاً سياسياً لا نهاية له. إلا أن وقف ذلك التحقيق سيتناقض مع تفويض الوكالة بتحقيق المساءلة بشأن الأنشطة النووية، وتعارض الولايات المتحدة والأطراف الأوروبية الثلاثة (فرنسا، وألمانيا والمملكة المتحدة، أو مجموعة الثلاث) فكرة القيام بذلك.

تحركات جرت أخيراً وفّرت بارقة أمل لإمكانية إعادة إحياء الاتفاق، لكن تلك البارقة تبدو الآن في حالة تلاشي. ففي مطلع آب/أغسطس، قدم الاتحاد الأوروبي نصاً تسووياً بعد عدة أيام من المداولات مع جميع الأطراف. ومنذ ذلك الحين، تبادلت إيران والولايات المتحدة سلسلة من المقترحات والمقترحات المضادة، إلا أن آفاق التوصل إلى وثيقة تحظى بالتوافق غير مؤكدة. مع عدم وجود علامات على مرونة إيرانية وإحجام متزايد في أوساط الديمقراطيين عن الانخراط في نقاش بشأن إيران يحدث استقطاباً في الكونغرس قبل الانتخابات النصفية، فإن تحقيق اختراق وشيك يبدو غير مرجح. لكن المؤكد هو أن إجراءات تصعيدية أو أحداث غير متوقعة يمكن أن تنسف ما قد يتبين أنها الفرصة الأخيرة لإنقاذ خطة العمل الشاملة المشتركة.

في حين أن التوصل إلى تسوية ومواصلة محادثات فيينا إلى أن تصل إلى خاتمة ناجحة تبقى في مصلحة جميع الأطراف، فإن هدف استعادة الالتزام المتبادل بالاتفاق الأصلي قد يبقى بعيد المنال، وفي هذه الحالة فإن تحولاً عنيداً نحو واقع ما بعد خطة العمل الشاملة المشتركة يلوح في الأفق. في طهران، ثمة شعور بقدرة البلاد على التغلب على آثار العقوبات بينما يسود تحفظ بشأن قيمة الالتزامات الأميركية برفع العقوبات، والتي يعتقد كثيرون بأنه لن يوفر سوى عائدات هامشية، حتى لو كانت كبيرة على المدى القريب. في واشنطن، فإن العبء السياسي للسعي للتوصل إلى اتفاق إشكالي يتزايد مع تنامي المقاومة من خصوم الاتفاق والتقدم الذي حققته إيران في المجال النووي والذي لا يمكن عكسه، في الوقت الذي لم يتحول فيه الوضع الراهن المتمثل في عدم التوصل إلى اتفاق إلى أولوية قصوى في السياسة الخارجية بوجود أزمات أخرى. لكن مع اقتراب برنامج إيران من القدرة على صنع السلاح أكثر من أي وقت مضى، والعمل بقدر أكبر من انعدام الشفافية، فإن الوضع يمكن أن يتصاعد إلى أزمة انتشار نووي ما لم تتحرك الأطراف إلى مسار أكثر استقراراً.

إذا طال أمد الجهود الرامية إلى استعادة خطة العمل الشاملة المشتركة، أو الأسوأ من ذلك إذا انهارت هذه الجهود، فإن من السهل تخيل المواقف التي سيستقر عليها كل من الجانبين الأميركي والإيراني. من المرجح أن واشنطن ستؤكد بشكل متزايد على إنفاذ العقوبات وتوسيعها، وربما بمشاركة أكبر من حلفائها الأوروبيين وتعزيز التهديد باستخدام القوة، خصوصاً إذا كان هناك علامات – غير موجودة حالياً – على تحركات إيرانية نحو صناعة سلاح نووي. طهران، من جهتها من شبه المؤكد أن تعزز تقدمها في المجال النووي، وكذلك استفزازاتها التي تستهدف الولايات المتحدة وحلفاءها في الشرق الأوسط، إما مباشرة أو من خلال شركائها الإقليمين. ونتيجة لذلك، فإن ما كان حتى الآن توازناً حذراً يتمثل في "لا اتفاق، ولا أزمة" قد لا يظل مستداماً.

إذا فشلت محادثات فيينا في التوصل إلى اتفاق بشأن استعادة خطة العمل الشاملة المشتركة، سيكون من الحيوي إبقاء الفضاء الدبلوماسي مفتوحاً بالنظر في مسارات بديلة إلى الأمام. وينبغي الشروع في التخطيط لهذه الحالة الطارئة الآن. بعض الخيارات التي ربما كانت ممكنة في مرحلة سابقة لم تعد متوفرة الآن. لقد بدا في وقت ما أن الولايات المتحدة وإيران قد تضعا خطة العمل الشاملة المشتركة جانباً سعياً للتوصل إلى اتفاق أكثر طموحاً، أي ترتيب "أكثر مقابل أكثر"، إلا أن آفاق تحقيق ذلك لم تعد مبشّرة الآن، بالنظر إلى انعدام الثقة والتوقعات غير المتطابقة التي تظهر من خلال الجهود الرامية إلى إعادة إحياء اتفاق كان الطرفان قد قبلا به بصفته تفاهم الحد الأدنى. كما لا يبدو اتفاقاً مؤقتاً يتمثل في "أقل مقابل أقل" يقابل العودة المحدودة عن خطوات تطوير البرنامج النووي بجملة غير معلنة من الحوافز الاقتصادية واعدة على نحو خاص، لأن أقصى ما يمكن أن تكون الولايات المتحدة مستعدة لتقديمه في مجال رفع العقوبات سيكون على الأرجح أقل من متطلبات الحد الأدنى الإيرانية لذلك.

على هذه الخلفية، فإن التواضع قد يكون أساسياً لقابلية أي مقاربة للتحقق. يتمثل أحد الاحتمالات في التركيز على إشارات متبادلة تتكون من خطوة واحدة (على سبيل المثال، خطوة على الجبهة النووية مقابل رفع عقوبة واحدة)، رغم أنه حتى ذلك قد يبدو بعيد المنال. احتمال آخر قد يتمثل في أن التقدم المحرز بشأن القضايا الإنسانية، بما في ذلك تبادل السجناء الأميركيين والإيرانيين في كلا البلدين، أمر مرغوب في كل الأحوال، وربما يساعد في خلق مناخ أفضل لاستئناف المفاوضات النووية. أخيراً، سواء تمكنت الأطراف من التوصل إلى اتفاق على أي مما سبق ذكره أم لا، فإنها بحاجة إلى تحديد خطوط حمر ومجالات لا يمكن تجاوزها لمنع تصاعد التوترات على الجبهات النووية والإقليمية من التراكم في حلقات لولبية تصعيدية. يمكن للطرفين إيصال هذه الأفكار عبر وسطاء أوروبيين وإقليميين. وفي حين قد لا يكون هذا المسار مستداماً على المدى البعيد، فإنه يمكن على الأقل أن يشتري بعض الوقت للأطراف كي تنخرط في إعادة تفكير أساسي بشأن المدى الذي ما تزال الأنماط التي سادت خلال عقدين من الدبلوماسية النووية هي نفسها السائدة اليوم، وكيف يمكن مراجعتها بشكل بناء لتفادي حدوث مواجهة ينعكس خطرها على الجميع.

طهران/واشنطن/بروكسل، 12 أيلول/سبتمبر 2022

Subscribe to Crisis Group’s Email Updates

Receive the best source of conflict analysis right in your inbox.