إيران بعد الاتفاق النووي
إيران بعد الاتفاق النووي
Table of Contents
  1. Executive Summary
Report 166 / Middle East & North Africa

إيران بعد الاتفاق النووي

  • Share
  • Save
  • Print
  • Download PDF Full Report

الملخص التنفيذي

مع دخول الاتفاق النووي بين طهران والقوى العالمية حيّز التنفيذ، فإن السؤال الرئيسي بات يدور حول ما يعنيه ذلك بالنسبة لإيران. لقد احتدم الصراع بين الرؤى المتنافسة حول مستقبل البلاد منذ تم التوصل إلى الاتفاق. كثيرون، في إيران وخارجها، يعتقدون أن من شأن الاتفاق إعادة التوازن إلى الحياة السياسية الداخلية. لم يؤدِّ الاتفاق إلى تعزيز مكانة أولئك الذين دعموه وحسب، بل كان له أثر أكثر جوهرية يتمثل في أنه أفسح المجال لنقاشات جديدة في فضاء داخلي طغت عليه المسألة النووية لأكثر من عقد من الزمن. إلاّ أن النظام السياسي، مع تعدد مراكز القوى والجهات الوصائية   فيه، ينزع بطبيعته نحو الاستمرارية. مع سعي رعاة الاتفاق للتخفيف من حدة تداعياته والمحافظة على توازن القوى، فإن أي محاولة من قبل البلدان الغربية لممارسة ألعاب سياسية داخل النظام الإيراني – على سبيل المثال من خلال محاولة دفعه في باتجاه "الاعتدال" – يمكن أن تحدث أثراً عكسياً. إذا كانت القوى العالمية تأمل بتحقيق تقدم في المجالات التي تثير قلقها وتلك التي تنطوي على مصالح مشتركة، فإن عليها أن تنخرط مع إيران كما هي، وليس مع إيران التي تتمناها. في البداية، وقبل كل شيء، على جميع الأطراف الوفاء بالتزاماتهم بموجب الاتفاق النووي.

يأتي الاتفاق في لحظة حسّاسة؛ فخلال ثمانية عشر شهراً، من المقرر إجراء ثلاثة انتخابات محورية. سيشهد شباط/فبراير 2016 الانتخابات البرلمانية وانتخابات مجلس خبراء القيادة، الذي يتمثل تفويضه الرئيسي في اختيار المرشد الأعلى القادم؛ وفي حزيران/يونيو 2017، ستجرى الانتخابات الرئاسية. مع تقدّم المرشد الأعلى بالسن، فإن كثيرين يتساءلون عما إذا كان المجلس القادم (خلال فترته التي تدوم ثماني سنوات) سيختار خلفه، الذي من الممكن أن يعيد صياغة مسار الجمهورية الإسلامية. منافسو الرئيس حسن روحاني قلقون من احتمال أن يتمكن وحلفاؤه من ترجمة إنجازاتهم في السياسة الخارجية إلى انتصارات انتخابية.

 تعود التوترات داخل الجمهورية الإسلامية في جزء كبير منها إلى المزج بين السيادة الشعبية والسلطة الدينية. تسعى القوى التي يمثلها رجال الدين إلى المحافظة على هيمنة المرشد الأعلى والهيئات الوصائية الأخرى، في حين أن القوى الجمهورية تسعى إلى منح المؤسسات المنتخبة شعبياً مزيداً من النفوذ. كما أن كلا المعسكرين منقسمين بين البراغماتيين الذين يسعون إلى تحقيق تطور سياسي بشكل تدريجي والراديكاليين الذين إما أنهم يقاومون أي تغيير أو يدعمون إجراء تحوّل ثوري. المرشد الأعلى –  قوي لكن ليس مطلق السلطة – يحافظ على الاستقرار من خلال احتواء كلا النزعتين الثيوقراطية والجمهورية. إلاّ أن ارتباطه بالمجموعة الأولى يجعل التوازن المتحقق معقّداً وغير مثالي.

إن هشاشة هذا التوازن تعني أن السياسات تتغير عندما يكون الضغط من القواعد مصحوباً بإجماع كبير بين النخب. المفاوضات حول الملف النووي توضح هذه الحالة. لقد شكل انتخاب روحاني، من جهة، ومطالب الشعب الذي أرهقته العقوبات باستعادة الحياة الطبيعية، من جهة أخرى، محفزاً للعملية، إلاّ أن الاتفاق لم يكن إنجاز رجل واحد. كان المرشد الأعلى علي خامنئي قد أقر المفاوضات الثنائية مع الولايات المتحدة قبل ترشّح روحاني للرئاسة. ومن ثم دعم الجهود الدبلوماسية للرئيس الجديد وحماه من خصومه. لكن نظراً لحرص المرشد الأعلى على عدم المخاطرة، فإن دعمه لم يكن مطلقاً ولم يلغِ حاجة روحاني للتحالف مع مراكز قوى أخرى.

الرئيس، الذي ينتمي إلى المعسكر الجمهوري، أشرك أهم الحلفاء، وهم رجال الدين البراغماتيين، الذين يسيطرون على المؤسسات غير المنتخبة. لقد كان لكل مجموعة قوية يد في هذا الاتفاق، وهو ما عكس قراراً استراتيجياً وطنياً لطي صفحة الأزمة النووية رغم استمرار المخاوف حيال التزام القوى العالمية. ويبدو أن المؤسسة الحاكمة مصممة أيضاً على تنفيذ الاتفاق بقدر التصميم الذي أظهرته على إكمال المفاوضات، وغالباً لنفس السبب، أي إنعاش الاقتصاد عن طريق رفع العقوبات، سواء طبقاً للصيغة التي نص عليها الاتفاق أو بإظهار أن إيران ليست مسؤولة عن فشله.

لقد واجه روحاني صعوبات في مجالات أخرى. لقد أُجبر على تجميد أولويات لم يتمكن من حشد إجماع كافٍ لمتابعتها، بما في ذلك إطلاق الليبرالية الإجتماعية والسياسية. غير أن أجندته الاقتصادية، التي تهدف إلى تحفيز النمو بعد بضع سنوات من الركود، من المرجح أن تمضي قدماً، رغم أنها ستلحق الضرر بمصالح قوية حققت مكاسب في ظل نظام العقوبات.

كل شيء يشير إلى أن روحاني سيستمر في اتباع نهج حكيم، وعلى الأرجح فإن التغيير سيأتي شاقاً، وبطيئاً ومتواضعاً. رغم أن الولايات المتحدة وحلفاءها الأوروبيين يمكن أن يحثّوه على التحرّك بسرعة أكبر، لكن ما من سبيل لتسريع العملية الإصلاحية، في حين أن هناك العديد من الوسائل التي يمكن أن تؤدي إلى تقويضها. إن السعي لتمكين الجمهوريين – وهو ما يجري الحديث عنه في دوائر معيّنة بوصفه أحد النتائج الثانوية للاتفاق النووي – لن ينجح، حيث إن العديد من رجال الدين يرون أن ذلك التكتيك حصان رهان من أجل تغيير النظام.

هذا لا يعني منح طهران تفويضاً مطلقاً، سواء محلياً أو إقليمياً، لكن ينبغي معالجة القضايا المثيرة للقلق بحكمة، مع الأخذ بعين الاعتبار مخاوف واهتمامات طهران بنفس القدر الذي تؤخذ به مخاوف واهتمامات خصومها. كما أن ذلك يعني أن الإيرانيين، رغم عدم مثالية نظام حكمهم، وهو ما سيسارع كثيرون للإقرار به، هم الذين ينبغي أن يقرروا مواقف بلادهم دون تدخل خارجي لا مبرر له. إن محاولة صياغة حسابات طهران الإقليمية من خلال جملة من الإجراءات التي تنطوي على استخدام العصا والجزرة يُعدُّ ممارسة معيارية في السياسة الخارجية، إلاّ أن محاولة صياغة عملية صنع القرار نفسها أو الالتفاف عليها مسألة أخرى. كما تبيّن في الاتفاق النووي والآن في المجال الاقتصادي، فإن الإجماع الداخلي، الذي يتم التوصل إليه من خلال عملية محلية ذات مصداقية، هو الأساس المستقر الوحيد لتحقيق التقدم.

يتمثل الخيار الأفضل للدول الغربية وإيران في الاستمرار في عكس السرديات السلبية الموروثة من عقود من التشكك والعدائية، وذلك من خلال التنفيذ الكامل للاتفاق النووي، وإيجاد قنوات منفصلة وغير مسيّسة لمعالجة القضايا الأخرى التي تُعدُّ مثار قلق أو تنطوي على مصلحة مشتركة؛ وبالتالي، الدفع نحو ترتيبات أمنية إقليمية تأخذ بعين الاعتبار المصالح الإيرانية والعربية على حد سواء. في النهاية، قد لا تتمكن إيران والغرب من الاتفاق على مجموعة من القضايا، إلاّ أن محاولة اللعب بالنظام الإيراني ستضمن بالتأكيد أنهما لن يتفقا.

 هران/اسطنبول/بروكسل، 15 كانون الأول/ديسمبر 2015

Executive Summary

With the nuclear accord between Tehran and world powers in force, a chief question is what it means for Iran. The clash between competing visions of the country’s future has heightened since the deal. Many, there and abroad, believe it could rebalance domestic politics. It not only has boosted the profile of those who promoted it, but, more fundamentally, it has opened space for new debates in a domestic sphere that was dominated by the nuclear issue for more than a decade. Yet, the political system, with its multiple power centres and tutelary bodies, inherently favours continuity. As its guardians try to quell the deal’s reverberations and preserve the balance of power, any attempt by Western countries to play politics within the Iranian system – for instance by trying to push it in a “moderate” direction – could well backfire. If world powers hope to progress on areas of concern and common interest, they must engage Iran as it is, not the Iran they wish to see. To start, all sides should fulfil their commitments under the nuclear deal.

The accord comes at a sensitive moment. Over eighteen months, three pivotal elections are scheduled. February 2016 will see polls for parliament and the Assembly of Experts, whose key mandate is to choose the next supreme leader; in June 2017, there will be a presidential poll. With the supreme leader aging, many wonder if the next Assembly (during its eight-year term) will choose his successor, who could reshape the Islamic Republic’s course. President Hassan Rouhani’s competitors are concerned that he and his allies will parlay their foreign policy achievements into electoral victories.

Tensions within the Islamic Republic stem in no small part from its blend of popular sovereignty and religious authority. Theocratic forces seek to maintain the dominance of the supreme leader and other tutelary bodies, while republican forces advocate more clout for popularly-elected institutions. Each camp is further split between pragmatists who seek incremental political evolution and radicals who either resist any change or promote revolutionary transformation. The supreme leader – powerful but not omnipotent – maintains stability by accommodating both theocratic and republican trends. But his affiliation with the former makes for a balancing act that is as complex as it is imperfect.

The precariousness of this equilibrium means that policy shifts when pressure from below is accompanied by substantial consensus at the top. The nuclear talks illustrate this. Rouhani’s election and the sanctions-battered public’s demand for normalcy catalysed the process, but the agreement was not a single man’s achievement. Supreme Leader Ali Khamenei had endorsed bilateral negotiations with the U.S. before Rouhani ran for office. He then supported the new president’s diplomatic push and kept his opponents at bay. But given the leader’s aversion to risk, his support was qualified and did not obviate Rouhani’s need for a coalition with other power centres.

The president, who is from the republican camp, brought on board the most important allies: the pragmatic theocrats, who control the unelected institutions. Almost every powerful group had a say in the accord, which reflected a national, strategic decision to turn the page on the nuclear crisis even as concern remains over the world powers’ commitment. The establishment appears as determined to implement the deal as it was to seeing the negotiations through – and largely for the same reason: to resuscitate the economy by removing sanctions, either as envisioned in the accord or by showing that Iran is not to blame for failure.

Rouhani has encountered difficulties in other spheres. He was forced to freeze priorities behind which he could not generate sufficient consensus, including social and political liberalisation. But his economic agenda, aimed at stimulating growth after several years of recession, is likely to move forward, even though it damages entrenched interests that have profited under the sanctions regime.

Everything suggests Rouhani will continue with a prudent approach, and change is likely to be arduous, slow and modest. Though the U.S. and its European allies might nudge him to move faster, there is no way to speed the reform process and many ways to undermine it. Seeking to empower republicans – touted in certain quarters as a potential by-product of the nuclear deal – will not work, as many theocrats view that tactic as a stalking horse for regime change.

This does not mean giving Tehran carte blanche, domestically or regionally, but issues of concern will need to be addressed judiciously, taking account of Tehran’s legitimate concerns no less than its adversaries’. It also means Iranians – notwithstanding the imperfection of their governance system, which many are the first to acknowledge – should determine their country’s positions without undue external interference. Trying to shape Tehran’s regional calculus through a variety of carrots and sticks is standard foreign policy practice, but trying to shape or short-circuit the decision-making process itself is another matter. As seen in the nuclear deal and now in the economic realm, internal consensus, reached through a credible domestic process, is the only stable basis for progress.

The best option for Western states and Iran is to continue reversing the negative narratives from decades of suspicion and hostility by fully implementing the nuclear accord; creating discrete and non-politicised channels to address other issues of concern or common interest; and, eventually, pushing for regional security architecture that takes account of both Iranian and Arab interests. In the end, Iran and the West may not be able to agree on a range of issues, but trying to game the Iranian system will ensure that they will not.

Tehran/Istanbul/Brussels, 15 December 2015

Philippe Errera
Draft text for reviving the 2015 nuclear agreement as shared by France's lead negotiator in February. Philippe Errera
Briefing 87 / Middle East & North Africa

هل استعادة الاتفاق النووي الإيراني ما تزال ممكنة؟

رغم أن الأمل يتلاشى، فإن الولايات المتحدة وإيران قد تكونان ما تزلان قادرتين على إعادة إحياء اتفاق عام 2015 بشأن برنامج طهران النووي. وإذا تعثّرتا في ذلك، ينبغي أن تسعيا إلى تحقيق أهداف أكثر تواضعاً بدلاً من السماح بتنامي مخاطر حدوث مواجهة بينهما.

  • Share
  • Save
  • Print
  • Download PDF Full Report

ما الجديد؟ لقد تأرجحت حظوظ إعادة إحياء الاتفاق النووي الإيراني بشكل دراماتيكي، من شبه المؤكد في آذار/مارس إلى الصفر تقريباً في تموز/يوليو، ثم عادت للتحرك في اتجاه الاتفاق في آب/أغسطس، ومن ثم وصلت إلى طريق مسدود آخر في أيلول/سبتمبر. وما تزال التبادلات الجارية بشأن التوصل إلى نص تسووي غير قادرة على إرضاء جميع الأطراف.

ما أهمية ذلك؟ رغم أن الأطراف تبقى ملتزمة اسمياً باستمرار الجهود الدبلوماسية لاستعادة الاتفاق الذي تم توقيعه في عام 2015، فإن حلقة تصعيدية تلوح في الأفق إذا استمرت المحادثات في الدوران دون هدف أو إذا انتهت إلى الفشل. إن وضع خطة طوارئ لمرحلة ركود طويلة أو لسيناريو عدم التوصل إلى اتفاق من شأنه أن يساعد في تخفيف حدة التوترات وإدارة مخاطر حدوث مواجهة خطرة.

ما الذي ينبغي فعله؟ ثمة مساراً ضيقاً نحو التوصل إلى اتفاق ما يزال قائماً. لكن إذا طال أمد المحادثات أو انهارت، فإن أفضل سبيل للتقدم إلى الأمام قد يتمثل في قيام الأطراف بدراسة التزامات بإجراء واحد، بينما يتم الاستمرار في احترام الخطوط الحمر لتفادي حدوث تصعيد نووي وإقليمي. وبذلك يمكن للأطراف شراء الوقت لوضع تصور لاتفاق أكثر استدامة.

لمحة عامة

منذ نيسان/أبريل 2021، سعت الأطراف في خطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015، أو الاتفاق النووي الإيراني، إلى إعادة إحياء الاتفاق الذي انسحب منه الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وحققت المفاوضات بين إيران والأطراف المتفاوضة معها – الولايات المتحدة، وفرنسا، والمملكة المتحدة، وروسيا، والصين وألمانيا، بتنسيق من الاتحاد الأوروبي – تقدماً على مدى ثماني جولات في فيينا. وبحلول آذار/مارس 2022، كانت تلك المفاوضات قد تمخضت عن نص شبه نهائي. ومنذ ذلك الحين، حدث تراجع؛ فقد حولت حرب روسيا في أوكرانيا تركيز القوى العالمية وأعاقت التعاون؛ ووصلت الخلافات بين طهران وواشنطن بشأن قضايا جوهرية إلى طريق مسدود. يحاول الاتحاد الأوروبي التوصل إلى حل وسط، إلا أن كبير دبلوماسيه يعتقد أن مواقف الأطراف تتباعد، الأمر الذي يجعل التوصل إلى اتفاق سريع أمراً غير مرجح. فالانتخابات النصفية في الولايات المتحدة تضيّق المجال أمام تحقيق تقدم. وإذا لم تتخذ الأطراف إجراءات تصعيدية، فإنها قد تكون قادرة على عبور الخط النهائي قبل أو بعد انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر. غير أن المفاوضات قد تطول، وقد يتبين أن الفجوات غير قابلة للجسر. إذا كان الأمر كذلك، ستكون الأطراف بحاجة إلى التحول إلى مزيج من الاتفاقات المؤقتة على إجراء واحد وأن تحترم الخطوط الحمر لإدارة مخاطر نشوء مواجهة مسلحة.

النص الذي تم التوصل إليه في آذار/مارس عالج تقريباً جميع القضايا الجوهرية التي تفصل الأطراف. فقد حدد الكيفية التي ستقوم بها إيران بإعادة برنامجها النووي إلى الالتزام بالقيود الواردة في خطة العمل الشاملة المشتركة، ووضع تقديراً لما يمكن أن تقدمه الولايات المتحدة من رفع للعقوبات، ووضع مخططاً لكيفية تتابع التزامات الطرفين. بموازاة ذلك، اتفقت إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية على إطار لتسوية القضايا العالقة بشأن أنشطة إيران السابقة في مواقع غير معلن عنها. إلا أن تحقيق الوكالة الدولية للطاقة الذرية توقف، وعلق الطرفان في نزاعات على قضايا كانا يعتقدان أنهما سوياها أو باتا قريبين من تسويتها.

تقع في جوهر المأزق مطالب الحد الأدنى التي تقدمت بها إيران والتي لا تستطيع الأطراف الأخرى تلبيتها أو لا ترغب بتلبيتها. فتحوطاً لاحتمال نكث إدارة أميركية مستقبلية لالتزامها بالاتفاق كما فعلت إدارة ترامب، تسعى إيران للحصول على ضمانات بأن المزايا الاقتصادية التي توفرها استعادة خطة العمل الشاملة المشتركة ستستمر. وقد أشارت إدارة الرئيس بايدن إلى أنها لا تستطيع تلبية مثل هذا المطلب، لأن الإدارة لا تستطيع قانونياً أن تلزم الرؤساء القادمين بالطريقة التي ترغب بها إيران. كما تريد إيران أن يتوقف تحقيق الوكالة الدولية للطاقة الذرية في في أعمالها السابقة، مصرة على أن ذلك سيصبح تحقيقاً مدفوعاً سياسياً لا نهاية له. إلا أن وقف ذلك التحقيق سيتناقض مع تفويض الوكالة بتحقيق المساءلة بشأن الأنشطة النووية، وتعارض الولايات المتحدة والأطراف الأوروبية الثلاثة (فرنسا، وألمانيا والمملكة المتحدة، أو مجموعة الثلاث) فكرة القيام بذلك.

تحركات جرت أخيراً وفّرت بارقة أمل لإمكانية إعادة إحياء الاتفاق، لكن تلك البارقة تبدو الآن في حالة تلاشي. ففي مطلع آب/أغسطس، قدم الاتحاد الأوروبي نصاً تسووياً بعد عدة أيام من المداولات مع جميع الأطراف. ومنذ ذلك الحين، تبادلت إيران والولايات المتحدة سلسلة من المقترحات والمقترحات المضادة، إلا أن آفاق التوصل إلى وثيقة تحظى بالتوافق غير مؤكدة. مع عدم وجود علامات على مرونة إيرانية وإحجام متزايد في أوساط الديمقراطيين عن الانخراط في نقاش بشأن إيران يحدث استقطاباً في الكونغرس قبل الانتخابات النصفية، فإن تحقيق اختراق وشيك يبدو غير مرجح. لكن المؤكد هو أن إجراءات تصعيدية أو أحداث غير متوقعة يمكن أن تنسف ما قد يتبين أنها الفرصة الأخيرة لإنقاذ خطة العمل الشاملة المشتركة.

في حين أن التوصل إلى تسوية ومواصلة محادثات فيينا إلى أن تصل إلى خاتمة ناجحة تبقى في مصلحة جميع الأطراف، فإن هدف استعادة الالتزام المتبادل بالاتفاق الأصلي قد يبقى بعيد المنال، وفي هذه الحالة فإن تحولاً عنيداً نحو واقع ما بعد خطة العمل الشاملة المشتركة يلوح في الأفق. في طهران، ثمة شعور بقدرة البلاد على التغلب على آثار العقوبات بينما يسود تحفظ بشأن قيمة الالتزامات الأميركية برفع العقوبات، والتي يعتقد كثيرون بأنه لن يوفر سوى عائدات هامشية، حتى لو كانت كبيرة على المدى القريب. في واشنطن، فإن العبء السياسي للسعي للتوصل إلى اتفاق إشكالي يتزايد مع تنامي المقاومة من خصوم الاتفاق والتقدم الذي حققته إيران في المجال النووي والذي لا يمكن عكسه، في الوقت الذي لم يتحول فيه الوضع الراهن المتمثل في عدم التوصل إلى اتفاق إلى أولوية قصوى في السياسة الخارجية بوجود أزمات أخرى. لكن مع اقتراب برنامج إيران من القدرة على صنع السلاح أكثر من أي وقت مضى، والعمل بقدر أكبر من انعدام الشفافية، فإن الوضع يمكن أن يتصاعد إلى أزمة انتشار نووي ما لم تتحرك الأطراف إلى مسار أكثر استقراراً.

إذا طال أمد الجهود الرامية إلى استعادة خطة العمل الشاملة المشتركة، أو الأسوأ من ذلك إذا انهارت هذه الجهود، فإن من السهل تخيل المواقف التي سيستقر عليها كل من الجانبين الأميركي والإيراني. من المرجح أن واشنطن ستؤكد بشكل متزايد على إنفاذ العقوبات وتوسيعها، وربما بمشاركة أكبر من حلفائها الأوروبيين وتعزيز التهديد باستخدام القوة، خصوصاً إذا كان هناك علامات – غير موجودة حالياً – على تحركات إيرانية نحو صناعة سلاح نووي. طهران، من جهتها من شبه المؤكد أن تعزز تقدمها في المجال النووي، وكذلك استفزازاتها التي تستهدف الولايات المتحدة وحلفاءها في الشرق الأوسط، إما مباشرة أو من خلال شركائها الإقليمين. ونتيجة لذلك، فإن ما كان حتى الآن توازناً حذراً يتمثل في "لا اتفاق، ولا أزمة" قد لا يظل مستداماً.

إذا فشلت محادثات فيينا في التوصل إلى اتفاق بشأن استعادة خطة العمل الشاملة المشتركة، سيكون من الحيوي إبقاء الفضاء الدبلوماسي مفتوحاً بالنظر في مسارات بديلة إلى الأمام. وينبغي الشروع في التخطيط لهذه الحالة الطارئة الآن. بعض الخيارات التي ربما كانت ممكنة في مرحلة سابقة لم تعد متوفرة الآن. لقد بدا في وقت ما أن الولايات المتحدة وإيران قد تضعا خطة العمل الشاملة المشتركة جانباً سعياً للتوصل إلى اتفاق أكثر طموحاً، أي ترتيب "أكثر مقابل أكثر"، إلا أن آفاق تحقيق ذلك لم تعد مبشّرة الآن، بالنظر إلى انعدام الثقة والتوقعات غير المتطابقة التي تظهر من خلال الجهود الرامية إلى إعادة إحياء اتفاق كان الطرفان قد قبلا به بصفته تفاهم الحد الأدنى. كما لا يبدو اتفاقاً مؤقتاً يتمثل في "أقل مقابل أقل" يقابل العودة المحدودة عن خطوات تطوير البرنامج النووي بجملة غير معلنة من الحوافز الاقتصادية واعدة على نحو خاص، لأن أقصى ما يمكن أن تكون الولايات المتحدة مستعدة لتقديمه في مجال رفع العقوبات سيكون على الأرجح أقل من متطلبات الحد الأدنى الإيرانية لذلك.

على هذه الخلفية، فإن التواضع قد يكون أساسياً لقابلية أي مقاربة للتحقق. يتمثل أحد الاحتمالات في التركيز على إشارات متبادلة تتكون من خطوة واحدة (على سبيل المثال، خطوة على الجبهة النووية مقابل رفع عقوبة واحدة)، رغم أنه حتى ذلك قد يبدو بعيد المنال. احتمال آخر قد يتمثل في أن التقدم المحرز بشأن القضايا الإنسانية، بما في ذلك تبادل السجناء الأميركيين والإيرانيين في كلا البلدين، أمر مرغوب في كل الأحوال، وربما يساعد في خلق مناخ أفضل لاستئناف المفاوضات النووية. أخيراً، سواء تمكنت الأطراف من التوصل إلى اتفاق على أي مما سبق ذكره أم لا، فإنها بحاجة إلى تحديد خطوط حمر ومجالات لا يمكن تجاوزها لمنع تصاعد التوترات على الجبهات النووية والإقليمية من التراكم في حلقات لولبية تصعيدية. يمكن للطرفين إيصال هذه الأفكار عبر وسطاء أوروبيين وإقليميين. وفي حين قد لا يكون هذا المسار مستداماً على المدى البعيد، فإنه يمكن على الأقل أن يشتري بعض الوقت للأطراف كي تنخرط في إعادة تفكير أساسي بشأن المدى الذي ما تزال الأنماط التي سادت خلال عقدين من الدبلوماسية النووية هي نفسها السائدة اليوم، وكيف يمكن مراجعتها بشكل بناء لتفادي حدوث مواجهة ينعكس خطرها على الجميع.

طهران/واشنطن/بروكسل، 12 أيلول/سبتمبر 2022

Subscribe to Crisis Group’s Email Updates

Receive the best source of conflict analysis right in your inbox.