ايران: ماذا يعني فوز أحمدي نجاد؟
ايران: ماذا يعني فوز أحمدي نجاد؟
Table of Contents
  1. Overview

ايران: ماذا يعني فوز أحمدي نجاد؟

نظرة عامة

إن الانتخاب المفاجئ لمحمود أحمدي نجاد الذي سيؤدي اليمين كرئيس للجمهورية خلال هذا الأسبوع قد أثار تنبؤات كارثية حول سياسات إيران الداخلية والخارجية وعلاقاتها بالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. فهنالك أسباب للقلق. واستناداً إلى فصاحته الخطابية وإنجازاته السابقة ورفقة الأصدقاء والمقرّبين الذين يحتفظ بهم، فإن أحمدي نجاد يبدو بأنه يمثّل ارتداداً إلى الأيام المبكرة للثورة: إنه أكثر أيديولوجية وأقل براغماتية، كما أنه مناهض للأمريكيين. ولكن بالنسبة للغرب، وعلى الخصوص الولايات المتحدة، فإن التوصل إلى استنتاجات متسرعة والعمل بمقتضاها سيكون تصرفاً خاطئاً. إن إيران تخضع لحكم مؤسسات معقّدة ومراكز قوى متنافسة، تفضّل بطبيعتها المتأصّلة فيها، الاستمرارية على التغيير. والأهم من ذلك، أنه لم يتغيّر أيّ مبدأ من المبادئ الأساسية: إن النظام ليس على وشك الانهيار؛ فهو يحتفظ بأوراق محورية حول العراق والانتشار النووي؛ وإن أيّة فرصة لتعديل سلوكه سوف تأتي، إن وجدت فعلاً، من خلال الجهود الأوروبية والأمريكية الجديّة والمنسّقة لإجراء محادثات معه.

من الناحية الأيديولوجية، فإن أحمدي نجاد يظلّ لغزاً إلى حدّ ما، وذلك ليس لأنه يخفي معتقداته، بل لأنها بشكل أكبر تجريدية ومثالية إلى حدّ مدهش. إن تصريحاته أثناء حملته الانتخابية، والتي تشبه إلى حد كبير فترة توليه رئاسة البلدية، كانت تسيطر عليها العبارات المتغطرسة حول العدالة الاقتصادية والإسلام والكرامة الوطنية وضرورة حماية المصالح القومية من الأجانب. ومن الناحية الجدلية، فإن أفضل مؤشر على آرائه يتمثل في مواقف حلفائه – فيلق الحرس الثوري الإسلامي، ميليشيا الباسيج وحركة آبادغاران، والتي تبنّت جميعها وجهات نظر محافظة اجتماعياً متحدّية دولياً، إذ أن البعض منها كان يساند النشاط العنيف في الخارج.

ومع ذلك، فإنه من غير المرجّح أن يدلّ التغيير في الرئاسة على تغيير سياسي جوهري. ومن باب السخرية أن نفس المراقبين الأمريكيين الذين كانوا يجادلون قبل الانتخابات بأن فوز الإصلاحيين سيكون له فرق ضئيل إذ أن من يتخذ القرارات هم مسؤولون غير منتخبين، قد أقبلوا بسرعة على التعبير عن الإنذار بالخطر من تحوّل متوعّد تجاه اليمين. وإذا أخذنا في الاعتبار النظام السياسي لإيران، فإن التقييمات السابقة تبدو أصدق. إن التغييرات المحلية قد تأتي بشكل هامشي، إذ أنها لا تكون دراماتيكية بما يكفي لكي تثير الازدراء، وإن تكن جديّة بما يكفي بالنسبة لمن يتأثرون بها.

وفي الجبهة الخارجية، فإنه من المرجّح أن يكون الأسلوب أكثر تحدّياً وأقلّ مناشدة للجماهير الغربية، وأنه على المدى القصير فإنه من المحتمل أن يعمل فوز أحمدي نجاد المفاجئ على تفاقم التوترات مع واشنطن وربما مع بروكسل. إن أحمدي نجاد، وهو وافد دبلوماسي جديد، يجلب معه مقاربة أقلّ تعقيداً من سلفه؛ فهو الوحيد من بين المرشّحين الذي لم يتطرّق إلى تحسين العلاقات مع الولايات المتحدة أثناء الحملة الانتخابية، ومنذ فوزه كان في أحسن الأحوال غير مكترث بها. ومع ذلك، فإنه من المؤكّد تقريباً أن المواقف الجوهرية – حول برنامج إيران النووي والمصالح الإقليمية وسياسة العراق – لن تتزحزح في المستقبل المنظور.

إن الرئيس الجديد يصرف النظر عن الحاجة لتحسين العلاقات مع الولايات المتحدة، وإن انتخابه قد عزّز موقف أولئك المسؤولين داخل الإدارة الأمريكية الذين كانوا يعتقدون منذ مدّة طويلة أن اللقاء سوف يعمل فقط على زيادة تحصين نظام عدائي وغير ديموقراطي يرغب في متابعة استراتيجية تتمثّل في "نزع الشرعية". ولكن، بالرغم من أن الجانبين قد يأخذان فترة راحة قصيرة الأمد، إلا أن هذا الوضع غير قابل للاحتمال. وعلى الأقل في نقطتين ملتهبتين –وهما العراق والقضية النووية- يجب على الولايات المتحدة وإيران، وبشكل ملحّ، أن تتعاملا مع بعضهما البعض، أو تتصادما أو كلاهما معاً. وفي حين أن إيران قد طوت عهد خاتمي، إلا أن الرئيس أحمدي نجاد يواجه نفس الوضع، ويواجه الرئيس بوش نفس المعضلة كما كان في السابق.

باختصار، وبالرغم من كافة عيوبهم فإن المئات من المرشحين، بمن فيهم النساء، قد اعتُبروا بأنهم غير مؤهلين من قبل هيئة غير منتخبة، حيث كانت هنالك اتهامات خطيرة بارتكاب مخالفات –وقد أوضحت الانتخابات بعض الحقائق الجوهرية للسياسة الإيرانية، مع وجود مضامين هامة بأن الغرب لا يمكنه أن يتجاهل:

  • أن النظام الحالي ليس على وشك الانهيار، وأن أية حركة إصلاحية تحتاج إلى وقت لكي تنشط وتنتعش. وفي انتخابات تعتبر بالمقاييس الإقليمية تنافسية، حيث كانت المشاركة قوية وقد عرضت خياراً واسعاً، قد صوّت الإيرانيون على أساس الاحتياجات الاقتصادية وليس السياسية. وهناك القليل من الشكّ بأن أغلبية واسعة تريد إصلاحاً حقيقياً، إلا أنها في هذه المرحلة مهتمة بشكل أكبر في رفاهيتها، وقد كان أحمدي نجاد أفضل من تحدّث في هذا الموضوع. وبالمفارقة، فإن حركة الإصلاح تعاني من الفوضى، وهي عاجزة عن إيجاد سبيل للمشاركة في النظام السياسي دون أن تصبح في نهاية الأمر في وضع حرج تفقد فيه مصداقيتها. إن الإصلاحيين غير منظّمين ويحتاجون إلى زعيم قوي، كما أن لديهم سجلات مدتها ثماني سنوات تفتقر إلى المنهج أو الهدف، بالإضافة إلى أنهم أخفقوا في الاتصال بالهموم اليومية للناخبين. وبكلمات أخرى، وبالرغم من كافة حالات الاستياء، فإن النظام لا يقترب من الانهيار. إن زعم الولايات المتحدة بأن الغضب الشعبي سوف يُترجم إلى معارضة منظمة وأن النظام جاهز للسقوط، سيكون مقامرة محفوفة بالمخاطر يبدو فعلياً أن ما من شيء في إيران يؤيّدها.
     
  • إن التعامل الأمريكي – الأوروبي الجاد مع إيران حول القضيّة النووية مطلوب لتفادي أزمة مرهقة تماماً، كحدّ أدنى، لاختبار نوايا إيران الحقيقيّة. فالتهديدات الإيرانية المتجّددة لاستئناف العمل في محطة تحويل اليورانيوم في مدنية أصفهان تمثل فقط أحدث مؤشر بأن العملية الحالية لا تحقق نجاحاً. ويجب أن تُطرح على المائدة مقترحات بنّاءة بشكل أكبر – تسمح لإيران بتشغيل طاقة صغيرة لتخصيب اليورانيوم تحت إشراف دولي صارم أو إدارة إيرانية/ دولية مشتركة للمواقع النووية، بالإضافة إلى مناقشة الهموم الأمنية لإيران، قبل اتخاذ الخطوة غير المؤكّدة بإحالة الموضوع إلى مجلس الأمن.
     
  • وفيما يتعلق بالعراق، يجب أن تجري واشنطن في نهاية الأمر حواراً مع إيران لزيادة فرص الاستقرار إلى الحدّ الأقصى. وحتى مع وجود تعاون إقليمي معزّز، وعلى الخصوص من جانب طهران فسوف تستمر الولايات المتحدة في مواجهة تمرّد مطّاط وعملية سياسية عراقية هزيلة وغامضة؛ وبدون ذلك، فإن المهام ستصبح أصعب إلى حد كبير.

إن المشاركة من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لا تعني التهدئة، وبالتأكيد لا تعني عدم الاكتراث بالإساءات لحقوق الإنسان. وسيكون الاختبار الأول هو وضع أكبر غانجي، وهو سجين سياسي تدهورت صحته بشكل خطير نتيجة للإضراب عن الطعام. إن الإفراج عنه سيشكّل إيماءة رمزية هامة من قبل إدارة أحمدي نجاد.

طهران/بروكسل، 4 أب/أغسطس 2005

I. Overview

The surprise election of Mahmoud Ahmadi-Nejad, who is being sworn in as president this week, has given rise to dire predictions about Iran's domestic and foreign policies and relations with the U.S. and the European Union. There are reasons for concern. Based on his rhetoric, past performance, and the company he keeps, Ahmadi-Nejad appears a throwback to the revolution's early days: more ideological, less pragmatic, and anti- American. But for the West, and the U.S. in particular, to reach and act upon hasty conclusions would be wrong. Iran is governed by complex institutions and competing power centres that inherently favour continuity over change. More importantly, none of the fundamentals has changed: the regime is not about to collapse; it holds pivotal cards on Iraq and nuclear proliferation; and any chance of modifying its behaviour will come, if at all, through serious, coordinated EU and U.S. efforts to engage it.

Ideologically, Ahmadi-Nejad remains somewhat of a mystery, not so much because he conceals his beliefs as because they are strikingly abstract. His campaign utterances, much like his mayoral tenure, were dominated by lofty phrases about economic justice, Islam, national dignity and the need to protect the national interest against foreigners. Arguably the best indicator of his views are the positions of his allies -- the Islamic Revolutionary Guard Corps (IRGC), the basij militia, and the Abadgaran movement, all of which have embraced socially conservative and internationally confrontational outlooks, and some of which have supported violent activity abroad.

But presidential change is unlikely to signify fundamental policy change. Ironically, the same U.S. observers who before the election argued a reform victory would make little difference because unelected officials make decisions, have been quick to express alarm at a threatened rightward turn. Given Iran's political system, earlier assessments ring truer. Domestic changes may come at the margins, not spectacular enough to provoke international opprobrium, albeit serious enough for those affected. On the foreign front, the style likely will be more confrontational and less appealing to Western audiences, and in the short run at least, Ahmadi-Nejad's surprise victory is likely to aggravate tensions with Washington and perhaps with Brussels. A diplomatic newcomer, Ahmadi-Nejad brings a less sophisticated approach than his predecessor; alone among the candidates, he did not broach improved relations with the U.S. during the campaign and, since his victory, has been at best indifferent about them. But bottom line positions -- on Iran's nuclear program, regional interests, Iraq policy -- almost certainly will not budge in the foreseeable future.

The new president is dismissive of the need to improve relations with the U.S., and his election strengthened those within the U.S. administration who have long believed engagement would only further entrench a hostile, undemocratic regime and who wish to pursue a strategy of "delegitimisation". But though both sides might take short-term comfort from continued estrangement, this posture is unsustainable. On at least two burning issues -- Iraq and the nuclear question -- the U.S. and Iran inexorably must engage, collide or both. While Iran has turned a page on the Khatami era, President Ahmadi-Nejad faces the same situation and President Bush the same dilemmas as before.

In short, and for all their flaws -- hundreds of candidates, including all women, were disqualified by an unelected body, and there were serious charges of irregularities --the election clarified some core realities of Iranian politics, with significant implications that the West cannot afford to ignore:

  • The current regime is not about to collapse, and any reform movement will need time to revive. In an election that by regional standards was competitive, had strong participation, and offered a broad choice, Iranians voted on the basis of economic rather than political needs. There is little doubt a vast majority wants genuine reform but at this point is more interested in its well-being, and Ahmadi-Nejad spoke to that issue best. In contrast, the reform movement is in disarray, unable to find a way to participate in the political system without ultimately being stymied and discredited by it. Reformers are disorganised, lack a strong leader, have a desultory eight-year record and are failing to connect with voters' everyday concerns. In other words, for all the dissatisfaction, the regime is not nearing collapse. For the U.S. to assume that popular anger will translate into an organised opposition and that the regime is ripe for a fall would be a risky gamble that virtually nothing in Iran appears to validate.
     
  • Serious, coordinated U.S.-EU engagement with Iran on the nuclear issue is required to avert a full-blown crisis or, at a minimum, genuinely test Tehran's intentions. Renewed Iranian threats to resume work at a uranium conversion facility in Isfahan are only the latest indication that the current process is not working. More creative proposals -- allowing Iran to operate a small enrichment capacity under strict international surveillance or joint Iranian/international management of nuclear sites -- should be put  on the table, along with discussion of Tehran's security concerns, before taking the uncertain step of Security Council  referral.
     
  • On Iraq, Washington eventually must have   a dialogue with Iran to maximise chances of stability. Even with enhanced regional cooperation, in particular from Tehran, the U.S. will continue to face a resilient insurgency and a tenuous Iraqi political process; without it, the tasks will be considerably more difficult.
     
  • Engagement by  the  U.S.  and  the  EU  does  not mean appeasement, and certainly not indifference to human rights abuses. A first test will be the status of Akbar Ganji, a political prisoner whose health has deteriorated dangerously as a result of a hunger strike. His release would constitute an important symbolic gesture by the Ahmadi-Nejad administration.

Tehran/Brussels, 4 August 2005

Philippe Errera
Draft text for reviving the 2015 nuclear agreement as shared by France's lead negotiator in February. Philippe Errera
Briefing 87 / Middle East & North Africa

هل استعادة الاتفاق النووي الإيراني ما تزال ممكنة؟

رغم أن الأمل يتلاشى، فإن الولايات المتحدة وإيران قد تكونان ما تزلان قادرتين على إعادة إحياء اتفاق عام 2015 بشأن برنامج طهران النووي. وإذا تعثّرتا في ذلك، ينبغي أن تسعيا إلى تحقيق أهداف أكثر تواضعاً بدلاً من السماح بتنامي مخاطر حدوث مواجهة بينهما.

  • Share
  • Save
  • Print
  • Download PDF Full Report

ما الجديد؟ لقد تأرجحت حظوظ إعادة إحياء الاتفاق النووي الإيراني بشكل دراماتيكي، من شبه المؤكد في آذار/مارس إلى الصفر تقريباً في تموز/يوليو، ثم عادت للتحرك في اتجاه الاتفاق في آب/أغسطس، ومن ثم وصلت إلى طريق مسدود آخر في أيلول/سبتمبر. وما تزال التبادلات الجارية بشأن التوصل إلى نص تسووي غير قادرة على إرضاء جميع الأطراف.

ما أهمية ذلك؟ رغم أن الأطراف تبقى ملتزمة اسمياً باستمرار الجهود الدبلوماسية لاستعادة الاتفاق الذي تم توقيعه في عام 2015، فإن حلقة تصعيدية تلوح في الأفق إذا استمرت المحادثات في الدوران دون هدف أو إذا انتهت إلى الفشل. إن وضع خطة طوارئ لمرحلة ركود طويلة أو لسيناريو عدم التوصل إلى اتفاق من شأنه أن يساعد في تخفيف حدة التوترات وإدارة مخاطر حدوث مواجهة خطرة.

ما الذي ينبغي فعله؟ ثمة مساراً ضيقاً نحو التوصل إلى اتفاق ما يزال قائماً. لكن إذا طال أمد المحادثات أو انهارت، فإن أفضل سبيل للتقدم إلى الأمام قد يتمثل في قيام الأطراف بدراسة التزامات بإجراء واحد، بينما يتم الاستمرار في احترام الخطوط الحمر لتفادي حدوث تصعيد نووي وإقليمي. وبذلك يمكن للأطراف شراء الوقت لوضع تصور لاتفاق أكثر استدامة.

لمحة عامة

منذ نيسان/أبريل 2021، سعت الأطراف في خطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015، أو الاتفاق النووي الإيراني، إلى إعادة إحياء الاتفاق الذي انسحب منه الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وحققت المفاوضات بين إيران والأطراف المتفاوضة معها – الولايات المتحدة، وفرنسا، والمملكة المتحدة، وروسيا، والصين وألمانيا، بتنسيق من الاتحاد الأوروبي – تقدماً على مدى ثماني جولات في فيينا. وبحلول آذار/مارس 2022، كانت تلك المفاوضات قد تمخضت عن نص شبه نهائي. ومنذ ذلك الحين، حدث تراجع؛ فقد حولت حرب روسيا في أوكرانيا تركيز القوى العالمية وأعاقت التعاون؛ ووصلت الخلافات بين طهران وواشنطن بشأن قضايا جوهرية إلى طريق مسدود. يحاول الاتحاد الأوروبي التوصل إلى حل وسط، إلا أن كبير دبلوماسيه يعتقد أن مواقف الأطراف تتباعد، الأمر الذي يجعل التوصل إلى اتفاق سريع أمراً غير مرجح. فالانتخابات النصفية في الولايات المتحدة تضيّق المجال أمام تحقيق تقدم. وإذا لم تتخذ الأطراف إجراءات تصعيدية، فإنها قد تكون قادرة على عبور الخط النهائي قبل أو بعد انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر. غير أن المفاوضات قد تطول، وقد يتبين أن الفجوات غير قابلة للجسر. إذا كان الأمر كذلك، ستكون الأطراف بحاجة إلى التحول إلى مزيج من الاتفاقات المؤقتة على إجراء واحد وأن تحترم الخطوط الحمر لإدارة مخاطر نشوء مواجهة مسلحة.

النص الذي تم التوصل إليه في آذار/مارس عالج تقريباً جميع القضايا الجوهرية التي تفصل الأطراف. فقد حدد الكيفية التي ستقوم بها إيران بإعادة برنامجها النووي إلى الالتزام بالقيود الواردة في خطة العمل الشاملة المشتركة، ووضع تقديراً لما يمكن أن تقدمه الولايات المتحدة من رفع للعقوبات، ووضع مخططاً لكيفية تتابع التزامات الطرفين. بموازاة ذلك، اتفقت إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية على إطار لتسوية القضايا العالقة بشأن أنشطة إيران السابقة في مواقع غير معلن عنها. إلا أن تحقيق الوكالة الدولية للطاقة الذرية توقف، وعلق الطرفان في نزاعات على قضايا كانا يعتقدان أنهما سوياها أو باتا قريبين من تسويتها.

تقع في جوهر المأزق مطالب الحد الأدنى التي تقدمت بها إيران والتي لا تستطيع الأطراف الأخرى تلبيتها أو لا ترغب بتلبيتها. فتحوطاً لاحتمال نكث إدارة أميركية مستقبلية لالتزامها بالاتفاق كما فعلت إدارة ترامب، تسعى إيران للحصول على ضمانات بأن المزايا الاقتصادية التي توفرها استعادة خطة العمل الشاملة المشتركة ستستمر. وقد أشارت إدارة الرئيس بايدن إلى أنها لا تستطيع تلبية مثل هذا المطلب، لأن الإدارة لا تستطيع قانونياً أن تلزم الرؤساء القادمين بالطريقة التي ترغب بها إيران. كما تريد إيران أن يتوقف تحقيق الوكالة الدولية للطاقة الذرية في في أعمالها السابقة، مصرة على أن ذلك سيصبح تحقيقاً مدفوعاً سياسياً لا نهاية له. إلا أن وقف ذلك التحقيق سيتناقض مع تفويض الوكالة بتحقيق المساءلة بشأن الأنشطة النووية، وتعارض الولايات المتحدة والأطراف الأوروبية الثلاثة (فرنسا، وألمانيا والمملكة المتحدة، أو مجموعة الثلاث) فكرة القيام بذلك.

تحركات جرت أخيراً وفّرت بارقة أمل لإمكانية إعادة إحياء الاتفاق، لكن تلك البارقة تبدو الآن في حالة تلاشي. ففي مطلع آب/أغسطس، قدم الاتحاد الأوروبي نصاً تسووياً بعد عدة أيام من المداولات مع جميع الأطراف. ومنذ ذلك الحين، تبادلت إيران والولايات المتحدة سلسلة من المقترحات والمقترحات المضادة، إلا أن آفاق التوصل إلى وثيقة تحظى بالتوافق غير مؤكدة. مع عدم وجود علامات على مرونة إيرانية وإحجام متزايد في أوساط الديمقراطيين عن الانخراط في نقاش بشأن إيران يحدث استقطاباً في الكونغرس قبل الانتخابات النصفية، فإن تحقيق اختراق وشيك يبدو غير مرجح. لكن المؤكد هو أن إجراءات تصعيدية أو أحداث غير متوقعة يمكن أن تنسف ما قد يتبين أنها الفرصة الأخيرة لإنقاذ خطة العمل الشاملة المشتركة.

في حين أن التوصل إلى تسوية ومواصلة محادثات فيينا إلى أن تصل إلى خاتمة ناجحة تبقى في مصلحة جميع الأطراف، فإن هدف استعادة الالتزام المتبادل بالاتفاق الأصلي قد يبقى بعيد المنال، وفي هذه الحالة فإن تحولاً عنيداً نحو واقع ما بعد خطة العمل الشاملة المشتركة يلوح في الأفق. في طهران، ثمة شعور بقدرة البلاد على التغلب على آثار العقوبات بينما يسود تحفظ بشأن قيمة الالتزامات الأميركية برفع العقوبات، والتي يعتقد كثيرون بأنه لن يوفر سوى عائدات هامشية، حتى لو كانت كبيرة على المدى القريب. في واشنطن، فإن العبء السياسي للسعي للتوصل إلى اتفاق إشكالي يتزايد مع تنامي المقاومة من خصوم الاتفاق والتقدم الذي حققته إيران في المجال النووي والذي لا يمكن عكسه، في الوقت الذي لم يتحول فيه الوضع الراهن المتمثل في عدم التوصل إلى اتفاق إلى أولوية قصوى في السياسة الخارجية بوجود أزمات أخرى. لكن مع اقتراب برنامج إيران من القدرة على صنع السلاح أكثر من أي وقت مضى، والعمل بقدر أكبر من انعدام الشفافية، فإن الوضع يمكن أن يتصاعد إلى أزمة انتشار نووي ما لم تتحرك الأطراف إلى مسار أكثر استقراراً.

إذا طال أمد الجهود الرامية إلى استعادة خطة العمل الشاملة المشتركة، أو الأسوأ من ذلك إذا انهارت هذه الجهود، فإن من السهل تخيل المواقف التي سيستقر عليها كل من الجانبين الأميركي والإيراني. من المرجح أن واشنطن ستؤكد بشكل متزايد على إنفاذ العقوبات وتوسيعها، وربما بمشاركة أكبر من حلفائها الأوروبيين وتعزيز التهديد باستخدام القوة، خصوصاً إذا كان هناك علامات – غير موجودة حالياً – على تحركات إيرانية نحو صناعة سلاح نووي. طهران، من جهتها من شبه المؤكد أن تعزز تقدمها في المجال النووي، وكذلك استفزازاتها التي تستهدف الولايات المتحدة وحلفاءها في الشرق الأوسط، إما مباشرة أو من خلال شركائها الإقليمين. ونتيجة لذلك، فإن ما كان حتى الآن توازناً حذراً يتمثل في "لا اتفاق، ولا أزمة" قد لا يظل مستداماً.

إذا فشلت محادثات فيينا في التوصل إلى اتفاق بشأن استعادة خطة العمل الشاملة المشتركة، سيكون من الحيوي إبقاء الفضاء الدبلوماسي مفتوحاً بالنظر في مسارات بديلة إلى الأمام. وينبغي الشروع في التخطيط لهذه الحالة الطارئة الآن. بعض الخيارات التي ربما كانت ممكنة في مرحلة سابقة لم تعد متوفرة الآن. لقد بدا في وقت ما أن الولايات المتحدة وإيران قد تضعا خطة العمل الشاملة المشتركة جانباً سعياً للتوصل إلى اتفاق أكثر طموحاً، أي ترتيب "أكثر مقابل أكثر"، إلا أن آفاق تحقيق ذلك لم تعد مبشّرة الآن، بالنظر إلى انعدام الثقة والتوقعات غير المتطابقة التي تظهر من خلال الجهود الرامية إلى إعادة إحياء اتفاق كان الطرفان قد قبلا به بصفته تفاهم الحد الأدنى. كما لا يبدو اتفاقاً مؤقتاً يتمثل في "أقل مقابل أقل" يقابل العودة المحدودة عن خطوات تطوير البرنامج النووي بجملة غير معلنة من الحوافز الاقتصادية واعدة على نحو خاص، لأن أقصى ما يمكن أن تكون الولايات المتحدة مستعدة لتقديمه في مجال رفع العقوبات سيكون على الأرجح أقل من متطلبات الحد الأدنى الإيرانية لذلك.

على هذه الخلفية، فإن التواضع قد يكون أساسياً لقابلية أي مقاربة للتحقق. يتمثل أحد الاحتمالات في التركيز على إشارات متبادلة تتكون من خطوة واحدة (على سبيل المثال، خطوة على الجبهة النووية مقابل رفع عقوبة واحدة)، رغم أنه حتى ذلك قد يبدو بعيد المنال. احتمال آخر قد يتمثل في أن التقدم المحرز بشأن القضايا الإنسانية، بما في ذلك تبادل السجناء الأميركيين والإيرانيين في كلا البلدين، أمر مرغوب في كل الأحوال، وربما يساعد في خلق مناخ أفضل لاستئناف المفاوضات النووية. أخيراً، سواء تمكنت الأطراف من التوصل إلى اتفاق على أي مما سبق ذكره أم لا، فإنها بحاجة إلى تحديد خطوط حمر ومجالات لا يمكن تجاوزها لمنع تصاعد التوترات على الجبهات النووية والإقليمية من التراكم في حلقات لولبية تصعيدية. يمكن للطرفين إيصال هذه الأفكار عبر وسطاء أوروبيين وإقليميين. وفي حين قد لا يكون هذا المسار مستداماً على المدى البعيد، فإنه يمكن على الأقل أن يشتري بعض الوقت للأطراف كي تنخرط في إعادة تفكير أساسي بشأن المدى الذي ما تزال الأنماط التي سادت خلال عقدين من الدبلوماسية النووية هي نفسها السائدة اليوم، وكيف يمكن مراجعتها بشكل بناء لتفادي حدوث مواجهة ينعكس خطرها على الجميع.

طهران/واشنطن/بروكسل، 12 أيلول/سبتمبر 2022

Subscribe to Crisis Group’s Email Updates

Receive the best source of conflict analysis right in your inbox.