الانخراط الأميركي-الإيراني: المشهد من طهران
الانخراط الأميركي-الإيراني: المشهد من طهران
Table of Contents
  1. Overview

الانخراط الأميركي-الإيراني: المشهد من طهران

  • Share
  • Save
  • Print
  • Download PDF Full Report

نظرة شاملة

للمرة الأولى ربما مذ قطعت إيران والولايات المتحدة علاقاتهما عام 1980، هنالك توقعات حقيقية بحدوث تغيير جوهري؛ فقد عبّر الرئيس الأميركي باراك أوباما عن استعداده للتحدث إلى إيران بلا شروط، كما بارك المرشد الأعلى آية الله خامنئي الحوار ضمنياً. ويتنافس مرشحو الرئاسة الإيرانيون كي يثبت كل منهم أنه سيكون المحاور الأكثر فعالية. ولكن، بينما تبدو أهداف وأساليب الولايات المتحدة مألوفة نسبياً، فإن القليل فقط يُعرَف عن تفكير إيران، بل إن هذا القليل المعلوم هو نفسُه محض افتراض. إن التفاعل الغربي مع كل من نظام إيران السياسي وعملية صنع القرار المبهمين فيها قد ضَعُف وتحول إلى التركيز الضيق على مسألة الملف النووي. إن فهم وجهة نظر إيران أمر ضروري في سبيل إنجاح الانخراط معها. تسعى هذا الموجز، المستندة إلى لقاءات أُجريت مع مسؤولين ومحللين، إلى تسليط الضوء على نظرة إيران إلى الحوار، وأهدافها ورؤاها فيما يتصل بعلاقة مستقبلية. ويخلص إلى النتيجة القائلة إنه، وإن كان التطبيع الكامل يبدو بعيد المنال في الوقت الراهن، فإن هناك فرصة لتحقيق هدف أكثر واقعية يتمثل في الشروع في حوار طويل الأمد يقلص مخاطر المواجهة ويدفع قدماً بالمجالات ذات الاهتمام المشترك.

وإن نحّينا جانباً التصريحات المتبادلة عن الرغبة في علاقة جديدة، فإن هناك أسباباً وجيهة تدعو البلدين لفتح صفحة جديدة. من بين الموروثات غير المقصودة التي خلفتها إدارة بوش الوضعُ الأقوى الذي تتمتع به إيران اليوم، وكذلك أوجُهُ القصور في سياسة قائمة حصرياً على العزل. إن لدى واشنطن الكثير من المكاسب تجنيها من تعاون إيراني في حربيها في الشرق الأوسط، العراق وأفغانستان – كما إنها ستخسر الكثير نتيجة عداء إيران. لقد فشلت سنوات عديدة من العقوبات والضغط الدولي والتهديدات في عرقلة نشاط إيران لتخصيب اليورانيوم. وهنالك جوانب أخرى في سياسة الولايات المتحدة الخارجية أسهمت بتعزيز تأثير إيران في الرأي العام الإقليمي وقوت علاقاتها مع سوريا وحماس وحزب الله. إن هذه السياسة لم تفشل فحسب، بل إنها أتت بنتائج عكسية.

لربما تشعر الجمهورية الإسلامية بالارتياح لصوابية موقفها، بيد أن حالها هو أبعد ما يكون عن كونه حسناً. إذ ما من شيء يضمن استمرار تنامي دورها الإقليمي، وهي تواجه نقمة متزايدة من جانب الأنظمة العربية، كما أن العقوبات، التي فشلت عموماً بإحداث تحول في سياساتها، قد أثبتت فعاليتها في فرض ثمن اقتصادي باهظ؛ حتى إن قادتها الأكثر محافظة لربما يرون فائدة في تعزيز المكاسب عن طريق ترتيبٍ ما مع الولايات المتحدة. وهنالك التقاء مصالح واضح بشأن قضايا إقليمية – كوحدة العراق الإقليمية واستقراره، وإيقاف توسع طالبان في أفغانستان، ووقف تدفق المخدرات عبر الحدود الأفغانية. وعلى الرغم من أن كل ما سبق يفيد بأن الحوار ممكن وقد يكون مثمراً، فإنه لا يعني أنه سيكون سهلاً. إذ يتعين على الولايات المتحدة وإيران تجاوز ثلاثة عقود من القطيعة تخللتها أحداث كبيرة عمقت الهوة بينهما.

خلال حملته الانتخابية، أعرب الرئيس أوباما صراحة عن قبوله الانخراط مع ما كانت تُعرف سابقاً بالدول المارقة، وأبرزها سوريا وإيران. وبعد مرور أربعة أشهر على توليه الرئاسة، تغدو الخطوط العريضة لسياسته حيال إيران موضع تركيز: مشاركة أميركية غير مشروطة في مباحثات نووية متعددة الأطراف؛ إطلاق حوار ثنائي أوسع نطاقاً في مرحلة ما؛ الإبقاء على العقوبات كوسيلة للضغط، ودبلوماسية إقليمية مكثفة ودولية أوسع لزيادة الضغط في حال فشل الانخراط في الإتيان بالتحولات المطلوبة في السياسات.

ولكن ما الذي تفكر فيه إيران؟ من الصعب فهم هيكلية السلطة وعملية صنع القرار في الجمهورية الإسلامية، ويتعين على المرء التحلي بالتواضع لدى استخلاص النتائج. إن لدى النظام أسباباً، بعضها مبرر والعديد منها مُختَلق – للارتياب بالباحثين الأجانب، الذين يواجهون عقبات جسيمة نتيجة لذلك. لا يمكن القول إن الإيرانيين الذين أجريت المقابلات معهم – مسؤولين ومحللين سياسيين ذوي صلات وثيقة بالنظام غالباً ورؤساء مراكز أبحاث مؤثرة – يقدمون رؤية دقيقة لأفكار القيادة. ينبغي أن تُقرأ هذا الموجز بتمحيص وأن تؤخذ هذه القيود بعين الاعتبار.

على الرغم من ذلك لاحظت مجموعة الأزمات، على مدى عدة أسابيع من المقابلات في طهران، اتساقاً ملحوظاً في الآراء حول كيفية تفكير النظام بالحوار المُستأنَف، ومخاوفه والمدى الذي يمكن أن تبلغه العلاقة المتطورة برأيه. إن نَقْل هذه الآراء لا يهدف إلى تأييدها أو رفضها، ولكن ينبغي أخذها بعين الاعتبار إذ تقدم إدارة أوباما على واحدة من أكثر مهامها الشرق أوسطية أهمية وجسامة. ولعل أبرز هذه النتائج هي:

  • إن إحدى أكثر مطالبات إيران تكراراً هي أكثرها تجريداً، وبالتالي يتم رفضها باستخفاف (وإن على نحو خاطئ): أن تغير الولايات المتحدة نظرتها لإيران وأسلوب تعاملها معها ومع دورها الإقليمي وتطلعاتها. يُعَدُّ هذا المطلب أساسياً بالنسبة لنمط تفكير قيادة مقتنعة أن واشنطن سعت بصور مختلفة للإطاحة بالنظام أو إضعافه أو احتوائه. كما يترتب على هذا المطلب آثار عملية تتمثل في إصرارها على تخلي الولايات المتحدة عن أي جهود لتغيير النظام في إيران، واحترام سلامة أراضيها، والاعتراف بضرورة وشرعية دورها الإقليمي.
     
  • ستكون إيران شديدة الارتياب بنهج يفرض "اختبارات" أولية – كإحراز تقدم بشأن ملفها النووي أو التعاون في العراق وأفغانستان – بدلاً من السعي لإعادة تعريف العلاقة ومعالمها بالمُجمَل. إن سياسة مبنية على المزاوجة بين الانخراط والضغط - وبينما يبدو ذلك مفهوماً من منظور الولايات المتحدة – تُجازف بإحداث رد فعل إيراني سلبي. تُصوِّر الولايات المتحدة الجهود الدبلوماسية الحالية لبناء تحالف عربي-إسرائيلي ضد إيران، أو تشكيل تحالف دولي مستعد لتشديد العقوبات، على أنها وسيلة ضغط ضرورية لإنجاح المفاوضات. في حين ينظر الإيرانيون إلى هذه الجهود بوصفها حيلة خبيثة لحشد إجماع واسع على إجراءات احتوائية أقسى في ظل توقع فشل المفاوضات.
     
  • سوف تنظر إيران إلى تعامل الولايات المتحدة مع قضية الملف النووي كاختبار جوهري. إن الخط الأحمر بالنسبة لها هو حقها بالقيام بالتخصيب على أرضها، وأن أي شيء أقل من ذلك سيكون مرفوضاً.
     
  • يتوقع المسؤولون بدء الحوار على خلفية التنافس الإقليمي المستمر، خاصة مع إسرائيل. ليست إيران مستعدة حالياً للتخلي عن دعم حماس أو حزب الله أو التوقف عن مناصبة إسرائيل العداء. ويتكوَّن مفهومها بشأن العلاقة المستقبلية مع الولايات المتحدة من ثلاثة مستويات: حوار واسع النطاق يشمل كلاً من القضايا الثنائية والإقليمية؛ تعاون يستهدف ملفات إقليمية محددة، لاسيما العراق وأفغانستان؛ والواقع المستمر لخلافات عميقة وتنافسٍ استراتيجي شامل.
     
  • لقد بدأت العقوبات تحدث أثرها، حيث تواجه إيران مأزقاً اقتصادياً خطيراً. بيد أنه من المستبعد جداً أن يؤدي ذلك إلى تغييرات هامة في السياسات الإيرانية. إن عملية صنع القرار في إيران بالنسبة للقضايا الإستراتيجية المصيرية لا تتأثر بالاعتبارات الاقتصادية إلا هامشياً.
     
  • إن تطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة، على الرغم من فوائده العديدة، سيجر على النظام خسائر سياسية جسيمة. إذ إن عداءه للولايات المتحدة يشكل واحداً من ركائزه الأيديولوجية. قد تُعزى الأزمة الاقتصادية للعقوبات، في حين تُمجَّد النجاحات التقنية – لاسيما في المجال النووي – بوصفها رمزاً قوياً للصمود في وجه القوى الغربية. وكلما زادت حدة التوترات مع واشنطن كلما سهل على النظام حشد المؤيدين وقمع المعارضة واستحضار الوحدة الوطنية في وجه العدو المشترك. وبالمثل، فإن التنافس الداخلي بين مختلف الفصائل سيجعل عملية الانخراط أكثر تعقيداً. لقد سبق للمسؤولين الأميركيين أن أعربوا عن إحباطهم من صعوبة فتح قنوات مع إيران. إن هذه عينة مما سيواجهونه في مقبل الأيام.

ليست هذه أولى الجهود المبذولة في سبيل تحسين العلاقات، غير أنها تبدو واعدة للغاية، ولئن هي فشلت فسيدفع الجميع ثمناً باهظاً.

 

طهران/بروكسل, 2 حزيران/يونيو 2009

I. Overview

For perhaps the first time since Iran and the U.S. broke ties in 1980, there are real prospects for fundamental change. The new U.S. president, Barack Obama, stated willingness to talk unconditionally. Iran’s Supreme Leader, Ayatollah Khamenei, implicitly blessed dialogue, and presidential candidates are vying to prove they would be the most effective interlocutor. Yet, while U.S. objectives and tactics are relatively familiar, little is known of Iran’s thinking, even as much is assumed. Western interaction with its opaque political system and decision-making has both shrivelled and been narrowly focused on the nuclear file. Understanding Iran’s perspective is critical if engagement is to succeed. This briefing, based on meetings with officials and analysts, seeks to shed light on what Tehran thinks about dialogue, its goals and visions of a future relationship. It concludes that while full normalisation might be out of reach for now, there is a chance to achieve a more realistic objective: the start of a long-term dialogue that minimises risks of confrontation and advances areas of mutual interest.

Mutual expressions of a desire for a new relationship aside, there are sound reasons for the two countries to turn the page. Among the Bush administration’s unintended legacies is Iran’s strengthened posture and demonstration of the shortcomings of a policy exclusively based on isolation. Washington has much to gain by Iranian cooperation in its two Middle Eastern battlefields, Iraq and Afghanistan – and as much to lose by Iranian hostility. Years of sanctions, international pressure and threats have not slowed Iran’s uranium enrichment. Other aspects of U.S policy have enhanced Tehran’s influence among regional public opinion and strengthened its ties to Syria, Hamas and Hizbollah. This policy did not merely fail; it roundly backfired.

The Isla­mic Republic may feel vin­dicated, but its situation is far from rosy. There is no assurance its regional influence will con­tinue to grow; it faces mounting resentment from Arab regimes; and sanctions, while wholly ineffective in producing policy shifts, have been quite effective in exacting a heavy economic price. Even its more conservative leaders likely see value in consolidating gains through some arrangement with the U.S. There is also an apparent convergence of interests on important regional questions – Iraq’s territorial integrity and stability; keeping the Taliban at bay in Afghanistan; stopping the flow of narcotics across the Afghan border. Although all this means dialogue is possible and potentially fruitful, none of it means it will be easy. The U.S. and Iran must overcome three decades of estrangement punctuated by seminal events that further deepened the chasm.

During his campaign, President Obama openly embraced engagement with what formerly were known as rogue states, most notably Syria and Iran. Four months into his presidency, the broad outlines of his Iran policy are coming into focus: unconditional U.S. participation in multilateral nuclear talks; initiation at some point of wider-ranging bilateral dialogue; maintenance of sanctions as an instrument of leverage; and intensive regional as well as wider international diplomacy to increase pressure should engagement fail to produce demanded policy changes.

But what is Iran thinking? Understanding the Islamic Republic’s power structure and decision-making is difficult, and one needs modesty in reaching conclusions. The regime has reasons – some justified, many contrived – for suspecting outside researchers, who thus face significant obstacles. The Iranians interviewed – officials, analysts with often close ties to the regime and heads of influential research centres – cannot be said to offer an exact view of the leadership’s thoughts. This briefing should be read and filtered with these limitations in mind.

That said, during the course of several weeks of interviews in Tehran, Crisis Group found remarkable consistency of views regarding how the regime contemplates renewed dialogue, what it fears and how far it believes an improved relationship can go. To relate these is to neither endorse nor dismiss them; rather, they should be taken into account as the Obama administration embarks on one of its most important Middle Eastern undertakings – and one of its most daunting. The most notable conclusions are:

  • Tehran’s most oft-repeated demand also is its most abstract and thus the most readily (albeit misguidedly) dismissed: that the U.S. change the way it sees and treats Iran, its regional role and aspirations. It is central to the thinking of a leadership convinced that Washington has variously sought to topple, weaken or contain it. It has practical implications: insistence that the U.S. forsake any effort to change Iran’s regime; respect for its territorial integrity; and acknowledgment of the necessity and legitimacy of its regional role.
     
  • Tehran will be highly suspicious of an approach imposing preliminary “tests” – progress on the nuclear file; cooperation in Iraq and Afghanistan – rather than first seeking to redefine the relationship and its parameters as a whole. A policy predicated on marrying engagement with pressure – while understandable from a U.S. perspective – risks triggering a negative Iranian reaction. U.S. officials present diplomatic efforts to build an Arab-Israeli coalition against Iran or forge an international alliance willing to tighten sanctions as creating leverage needed for successful negotiations. Iranians perceive them as a disingenuous ploy to produce a broad consensus for toughened containment measures under the expectation negotiations will fail.
     
  • Tehran will regard U.S. handling of the nuclear file as a litmus test. Its red line is the right to enrich on its soil; anything less will be viewed as unacceptable.
     
  • Officials contemplate dialogue occurring against the backdrop of enduring regional rivalry, particularly regarding Israel. Iran at this point does not intend to stop backing Hamas or Hizbollah or opposing Israel. Its conception of a future U.S. relationship comprises three distinct levels: wide-ranging dialogue covering both bilateral and regional issues; targeted cooperation on specific regional files, especially Iraq and Afghanistan; and the persistent reality of deep-seated differences and an overall strategic competition.
     
  • Sanctions are taking their toll, and Iran faces a serious economic predicament. But this is highly unlikely to produce meaningful policy shifts. Iran’s decision-making on core strategic issues is only marginally affected by economic considerations.
     
  • For all its benefits, normalisation with Washington would entail serious political costs for the regime. Hostility toward the U.S. is one of its ideological pillars; economic adversity can be blamed on sanctions, while technological success – notably in the nuclear field – can be hailed as a powerful symbol of resistance against Western powers. The greater tensions are with Washington, the easier it is for the regime to rally supporters, suppress dissent and invoke national unity against a common enemy. Likewise, internal competition between various factions will complicate engagement. U.S. officials already express frustration at the difficulty of opening channels to Iran. It is a taste of things to come.

This is not the first effort at improving ties, but it is the most promising. If it fails, all could pay a heavy price.

Tehran/Brussels, 2 June 2009

Philippe Errera
Draft text for reviving the 2015 nuclear agreement as shared by France's lead negotiator in February. Philippe Errera
Briefing 87 / Middle East & North Africa

هل استعادة الاتفاق النووي الإيراني ما تزال ممكنة؟

رغم أن الأمل يتلاشى، فإن الولايات المتحدة وإيران قد تكونان ما تزلان قادرتين على إعادة إحياء اتفاق عام 2015 بشأن برنامج طهران النووي. وإذا تعثّرتا في ذلك، ينبغي أن تسعيا إلى تحقيق أهداف أكثر تواضعاً بدلاً من السماح بتنامي مخاطر حدوث مواجهة بينهما.

  • Share
  • Save
  • Print
  • Download PDF Full Report

ما الجديد؟ لقد تأرجحت حظوظ إعادة إحياء الاتفاق النووي الإيراني بشكل دراماتيكي، من شبه المؤكد في آذار/مارس إلى الصفر تقريباً في تموز/يوليو، ثم عادت للتحرك في اتجاه الاتفاق في آب/أغسطس، ومن ثم وصلت إلى طريق مسدود آخر في أيلول/سبتمبر. وما تزال التبادلات الجارية بشأن التوصل إلى نص تسووي غير قادرة على إرضاء جميع الأطراف.

ما أهمية ذلك؟ رغم أن الأطراف تبقى ملتزمة اسمياً باستمرار الجهود الدبلوماسية لاستعادة الاتفاق الذي تم توقيعه في عام 2015، فإن حلقة تصعيدية تلوح في الأفق إذا استمرت المحادثات في الدوران دون هدف أو إذا انتهت إلى الفشل. إن وضع خطة طوارئ لمرحلة ركود طويلة أو لسيناريو عدم التوصل إلى اتفاق من شأنه أن يساعد في تخفيف حدة التوترات وإدارة مخاطر حدوث مواجهة خطرة.

ما الذي ينبغي فعله؟ ثمة مساراً ضيقاً نحو التوصل إلى اتفاق ما يزال قائماً. لكن إذا طال أمد المحادثات أو انهارت، فإن أفضل سبيل للتقدم إلى الأمام قد يتمثل في قيام الأطراف بدراسة التزامات بإجراء واحد، بينما يتم الاستمرار في احترام الخطوط الحمر لتفادي حدوث تصعيد نووي وإقليمي. وبذلك يمكن للأطراف شراء الوقت لوضع تصور لاتفاق أكثر استدامة.

لمحة عامة

منذ نيسان/أبريل 2021، سعت الأطراف في خطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015، أو الاتفاق النووي الإيراني، إلى إعادة إحياء الاتفاق الذي انسحب منه الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وحققت المفاوضات بين إيران والأطراف المتفاوضة معها – الولايات المتحدة، وفرنسا، والمملكة المتحدة، وروسيا، والصين وألمانيا، بتنسيق من الاتحاد الأوروبي – تقدماً على مدى ثماني جولات في فيينا. وبحلول آذار/مارس 2022، كانت تلك المفاوضات قد تمخضت عن نص شبه نهائي. ومنذ ذلك الحين، حدث تراجع؛ فقد حولت حرب روسيا في أوكرانيا تركيز القوى العالمية وأعاقت التعاون؛ ووصلت الخلافات بين طهران وواشنطن بشأن قضايا جوهرية إلى طريق مسدود. يحاول الاتحاد الأوروبي التوصل إلى حل وسط، إلا أن كبير دبلوماسيه يعتقد أن مواقف الأطراف تتباعد، الأمر الذي يجعل التوصل إلى اتفاق سريع أمراً غير مرجح. فالانتخابات النصفية في الولايات المتحدة تضيّق المجال أمام تحقيق تقدم. وإذا لم تتخذ الأطراف إجراءات تصعيدية، فإنها قد تكون قادرة على عبور الخط النهائي قبل أو بعد انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر. غير أن المفاوضات قد تطول، وقد يتبين أن الفجوات غير قابلة للجسر. إذا كان الأمر كذلك، ستكون الأطراف بحاجة إلى التحول إلى مزيج من الاتفاقات المؤقتة على إجراء واحد وأن تحترم الخطوط الحمر لإدارة مخاطر نشوء مواجهة مسلحة.

النص الذي تم التوصل إليه في آذار/مارس عالج تقريباً جميع القضايا الجوهرية التي تفصل الأطراف. فقد حدد الكيفية التي ستقوم بها إيران بإعادة برنامجها النووي إلى الالتزام بالقيود الواردة في خطة العمل الشاملة المشتركة، ووضع تقديراً لما يمكن أن تقدمه الولايات المتحدة من رفع للعقوبات، ووضع مخططاً لكيفية تتابع التزامات الطرفين. بموازاة ذلك، اتفقت إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية على إطار لتسوية القضايا العالقة بشأن أنشطة إيران السابقة في مواقع غير معلن عنها. إلا أن تحقيق الوكالة الدولية للطاقة الذرية توقف، وعلق الطرفان في نزاعات على قضايا كانا يعتقدان أنهما سوياها أو باتا قريبين من تسويتها.

تقع في جوهر المأزق مطالب الحد الأدنى التي تقدمت بها إيران والتي لا تستطيع الأطراف الأخرى تلبيتها أو لا ترغب بتلبيتها. فتحوطاً لاحتمال نكث إدارة أميركية مستقبلية لالتزامها بالاتفاق كما فعلت إدارة ترامب، تسعى إيران للحصول على ضمانات بأن المزايا الاقتصادية التي توفرها استعادة خطة العمل الشاملة المشتركة ستستمر. وقد أشارت إدارة الرئيس بايدن إلى أنها لا تستطيع تلبية مثل هذا المطلب، لأن الإدارة لا تستطيع قانونياً أن تلزم الرؤساء القادمين بالطريقة التي ترغب بها إيران. كما تريد إيران أن يتوقف تحقيق الوكالة الدولية للطاقة الذرية في في أعمالها السابقة، مصرة على أن ذلك سيصبح تحقيقاً مدفوعاً سياسياً لا نهاية له. إلا أن وقف ذلك التحقيق سيتناقض مع تفويض الوكالة بتحقيق المساءلة بشأن الأنشطة النووية، وتعارض الولايات المتحدة والأطراف الأوروبية الثلاثة (فرنسا، وألمانيا والمملكة المتحدة، أو مجموعة الثلاث) فكرة القيام بذلك.

تحركات جرت أخيراً وفّرت بارقة أمل لإمكانية إعادة إحياء الاتفاق، لكن تلك البارقة تبدو الآن في حالة تلاشي. ففي مطلع آب/أغسطس، قدم الاتحاد الأوروبي نصاً تسووياً بعد عدة أيام من المداولات مع جميع الأطراف. ومنذ ذلك الحين، تبادلت إيران والولايات المتحدة سلسلة من المقترحات والمقترحات المضادة، إلا أن آفاق التوصل إلى وثيقة تحظى بالتوافق غير مؤكدة. مع عدم وجود علامات على مرونة إيرانية وإحجام متزايد في أوساط الديمقراطيين عن الانخراط في نقاش بشأن إيران يحدث استقطاباً في الكونغرس قبل الانتخابات النصفية، فإن تحقيق اختراق وشيك يبدو غير مرجح. لكن المؤكد هو أن إجراءات تصعيدية أو أحداث غير متوقعة يمكن أن تنسف ما قد يتبين أنها الفرصة الأخيرة لإنقاذ خطة العمل الشاملة المشتركة.

في حين أن التوصل إلى تسوية ومواصلة محادثات فيينا إلى أن تصل إلى خاتمة ناجحة تبقى في مصلحة جميع الأطراف، فإن هدف استعادة الالتزام المتبادل بالاتفاق الأصلي قد يبقى بعيد المنال، وفي هذه الحالة فإن تحولاً عنيداً نحو واقع ما بعد خطة العمل الشاملة المشتركة يلوح في الأفق. في طهران، ثمة شعور بقدرة البلاد على التغلب على آثار العقوبات بينما يسود تحفظ بشأن قيمة الالتزامات الأميركية برفع العقوبات، والتي يعتقد كثيرون بأنه لن يوفر سوى عائدات هامشية، حتى لو كانت كبيرة على المدى القريب. في واشنطن، فإن العبء السياسي للسعي للتوصل إلى اتفاق إشكالي يتزايد مع تنامي المقاومة من خصوم الاتفاق والتقدم الذي حققته إيران في المجال النووي والذي لا يمكن عكسه، في الوقت الذي لم يتحول فيه الوضع الراهن المتمثل في عدم التوصل إلى اتفاق إلى أولوية قصوى في السياسة الخارجية بوجود أزمات أخرى. لكن مع اقتراب برنامج إيران من القدرة على صنع السلاح أكثر من أي وقت مضى، والعمل بقدر أكبر من انعدام الشفافية، فإن الوضع يمكن أن يتصاعد إلى أزمة انتشار نووي ما لم تتحرك الأطراف إلى مسار أكثر استقراراً.

إذا طال أمد الجهود الرامية إلى استعادة خطة العمل الشاملة المشتركة، أو الأسوأ من ذلك إذا انهارت هذه الجهود، فإن من السهل تخيل المواقف التي سيستقر عليها كل من الجانبين الأميركي والإيراني. من المرجح أن واشنطن ستؤكد بشكل متزايد على إنفاذ العقوبات وتوسيعها، وربما بمشاركة أكبر من حلفائها الأوروبيين وتعزيز التهديد باستخدام القوة، خصوصاً إذا كان هناك علامات – غير موجودة حالياً – على تحركات إيرانية نحو صناعة سلاح نووي. طهران، من جهتها من شبه المؤكد أن تعزز تقدمها في المجال النووي، وكذلك استفزازاتها التي تستهدف الولايات المتحدة وحلفاءها في الشرق الأوسط، إما مباشرة أو من خلال شركائها الإقليمين. ونتيجة لذلك، فإن ما كان حتى الآن توازناً حذراً يتمثل في "لا اتفاق، ولا أزمة" قد لا يظل مستداماً.

إذا فشلت محادثات فيينا في التوصل إلى اتفاق بشأن استعادة خطة العمل الشاملة المشتركة، سيكون من الحيوي إبقاء الفضاء الدبلوماسي مفتوحاً بالنظر في مسارات بديلة إلى الأمام. وينبغي الشروع في التخطيط لهذه الحالة الطارئة الآن. بعض الخيارات التي ربما كانت ممكنة في مرحلة سابقة لم تعد متوفرة الآن. لقد بدا في وقت ما أن الولايات المتحدة وإيران قد تضعا خطة العمل الشاملة المشتركة جانباً سعياً للتوصل إلى اتفاق أكثر طموحاً، أي ترتيب "أكثر مقابل أكثر"، إلا أن آفاق تحقيق ذلك لم تعد مبشّرة الآن، بالنظر إلى انعدام الثقة والتوقعات غير المتطابقة التي تظهر من خلال الجهود الرامية إلى إعادة إحياء اتفاق كان الطرفان قد قبلا به بصفته تفاهم الحد الأدنى. كما لا يبدو اتفاقاً مؤقتاً يتمثل في "أقل مقابل أقل" يقابل العودة المحدودة عن خطوات تطوير البرنامج النووي بجملة غير معلنة من الحوافز الاقتصادية واعدة على نحو خاص، لأن أقصى ما يمكن أن تكون الولايات المتحدة مستعدة لتقديمه في مجال رفع العقوبات سيكون على الأرجح أقل من متطلبات الحد الأدنى الإيرانية لذلك.

على هذه الخلفية، فإن التواضع قد يكون أساسياً لقابلية أي مقاربة للتحقق. يتمثل أحد الاحتمالات في التركيز على إشارات متبادلة تتكون من خطوة واحدة (على سبيل المثال، خطوة على الجبهة النووية مقابل رفع عقوبة واحدة)، رغم أنه حتى ذلك قد يبدو بعيد المنال. احتمال آخر قد يتمثل في أن التقدم المحرز بشأن القضايا الإنسانية، بما في ذلك تبادل السجناء الأميركيين والإيرانيين في كلا البلدين، أمر مرغوب في كل الأحوال، وربما يساعد في خلق مناخ أفضل لاستئناف المفاوضات النووية. أخيراً، سواء تمكنت الأطراف من التوصل إلى اتفاق على أي مما سبق ذكره أم لا، فإنها بحاجة إلى تحديد خطوط حمر ومجالات لا يمكن تجاوزها لمنع تصاعد التوترات على الجبهات النووية والإقليمية من التراكم في حلقات لولبية تصعيدية. يمكن للطرفين إيصال هذه الأفكار عبر وسطاء أوروبيين وإقليميين. وفي حين قد لا يكون هذا المسار مستداماً على المدى البعيد، فإنه يمكن على الأقل أن يشتري بعض الوقت للأطراف كي تنخرط في إعادة تفكير أساسي بشأن المدى الذي ما تزال الأنماط التي سادت خلال عقدين من الدبلوماسية النووية هي نفسها السائدة اليوم، وكيف يمكن مراجعتها بشكل بناء لتفادي حدوث مواجهة ينعكس خطرها على الجميع.

طهران/واشنطن/بروكسل، 12 أيلول/سبتمبر 2022

Subscribe to Crisis Group’s Email Updates

Receive the best source of conflict analysis right in your inbox.