icon caret Arrow Down Arrow Left Arrow Right Arrow Up Line Camera icon set icon set Ellipsis icon set Facebook Favorite Globe Hamburger List Mail Map Marker Map Microphone Minus PDF Play Print RSS Search Share Trash Crisiswatch Alerts and Trends Box - 1080/761 Copy Twitter Video Camera  copyview Youtube
النفط والحدود: كيفية تسوية الأزمة الكردية في العراق
النفط والحدود: كيفية تسوية الأزمة الكردية في العراق
Table of Contents
  1. لمحة عامة
كيف يمكن تخفيف مخاطر الاستفتاء في كردستان العراق
كيف يمكن تخفيف مخاطر الاستفتاء في كردستان العراق
An Iraqi flag is seen on a military vehicle at an oil field in Dibis area on the outskirts of Kirkuk, Iraq, on 17 October 2017. REUTERS/Alaa Al-Marjani

النفط والحدود: كيفية تسوية الأزمة الكردية في العراق

الاستفتاء على الاستقلال في كردستان العراق دفع بغداد إلى انتزاع السيطرة على كركوك وحقولها النفطية من يد الأكراد. لتجنب المزيد من المواجهات المباشرة، ينبغي على الجانبين الاتفاق على إعادة إحياء جهود تقودها الأمم المتحدة لتسوية النزاعات المزمنة على الحدود الداخلية والإيرادات النفطية المشتركة.

  • Share
  • Save
  • Print
  • Download PDF Full Report

ماذا حدث؟ في 16 تشرين الأول/أكتوبر 2017، أطلقت الحكومة الاتحادية العراقية عملية لاستعادة السيادة العراقية على المناطق المتنازع عليها، بما فيها كركوك وحقولها النفطية. أفضت هذه العملية إلى عكس الوضع الذي كان سائداً منذ انهيار الجيش العراقي في وجه هجوم تنظيم الدولة الإسلامية في حزيران/يونيو 2014.

."لماذا حدث؟ تمثلت الشرارة التي أطلقت هذه العملية في الاستفتاء على الاستقلال الذي أجرته حكومة إقليم كردستان في 25 أيلول/سبتمبر، والذي صوتت فيه أغلبية ساحقة من الأكراد بـ "نعم

ما أهمية ما حدث؟ أدت هذه العملية إلى قطع ما تبقى من العلاقة المتوترة بين بغداد وإربيل. غير أن السبيل الحكيم الوحيد للتقدم إلى الأمام الآن يتمثل في العودة إلى مفاوضات تقودها الأمم المتحدة، وبدعم من الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وإيران وتركيا.

.ما الذي ينبغي فعله؟ ينبغي أن تركز المحادثات المستقبلية على القضايا التي أدت إلى الأزمة الراهنة في المقام الأول، أي الوضع غير المحسوم للمناطق المتنازع عليها، ومسألة تقاسم عائدات النفط

I. لمحة عامة

في الساعات الأولى من 16 تشرين الأول/أكتوبر، أطلقت القوات الاتحادية العراقية اندفاعة نحو مدينة كركوك قال رئيس الوزراء حيدر العبادي إنها تهدف إلى استعادة حقول النفط، والقاعدة الجوية، والمطار والمنشآت الاتحادية التي خسرتها الحكومة في حزيران/يونيو 2014 عندما انهار الجيش العراقي في وجه هجوم شنه تنظيم الدولة الإسلامية. التحرك العسكري، الذي قوبل بمقاومة محدودة نسبياً، كان ممكناً على ما ذُكر بفضل اتفاق تم التوصل إليه بين حكومة العبادي وأحد فصائل الاتحاد الوطني الكردستاني.[fn]Peshmerga general command accuses PUK officials of betrayal amid Kirkuk crisis”, NRTTV, 16 October 2017.Hide Footnote الاتحاد الوطني الكردستاني انسحب بشكل عام، في حين هربت قوات خصمه، الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة مسعود البرزاني، رئيس إقليم كردستان، الذي أجرى استفتاءً شعبياً على الاستقلال الكردي في أواخر أيلول/سبتمبر. في المحصلة، فرضت القوات الاتحادية سيطرتها ليس على حقول النفط وحسب، بل على جائزة للسيطرة عليها قيمة عاطفية أكبر، هي مدينة كركوك.

ما يكمن في جوهر الصراع في كركوك – وربما في أجزاء أخرى من المناطق المتنازع عليها أيضاً – هو عدم تسوية وضع هذه المناطق عبر المفاوضات منذ العام 2003. المادة الدستورية (المادة 140) التي نصت على إجراء عملية تحقق ذلك لم تنفذ. أحدث هذا إحباطاً عميقاً لدى الزعماء الأكراد، الذين ادعوا حقهم في هذه المناطق منذ وقت طويل. شكل استيلاؤهم على كركوك وحقولها النفطية ومنشآت استراتيجية أخرى في حزيران/يونيو 2014 مكسباً، فقاموا بملء الفراغ الأمني واستمروا في تحصين مواقعهم على مدى السنوات الثلاث التالية. أعلن البرزاني بشكل متكرر أن هذه المناطق باتت الآن "كردستانية" وستبقى في أيد كردية.

الحكومة الاتحادية اعتبرت سيطرة الأحزاب الكردية على هذه المناطق أحادية ومؤقتة، وسيتم عكسها – بوسائل غير محددة – حالما يتم إلحاق الهزيمة بتنظيم الدولة الإسلامية. حانت تلك الفرصة في مطلع تشرين الأول/أكتوبر عندما ألحقت هزيمة سريعة بتنظيم الدولة الإسلامية في الحويجة، وهي منطقة في محافظة كركوك، ما قرّب القوات العراقية المستعدة للحرب من مدينة كركوك وحقول النفط. أما السبب المباشر لها فكان حاجة العبادي لإعادة فرض السيادة العراقية على هذه المناطق في أعقاب الاستفتاء الكردي على الاستقلال، والذي لم يجرٍ في المنطقة الكردية وحسب بل أيضاً في الأجزاء الواقعة تحت السيطرة الكردية في المناطق المتنازع عليها مثل كركوك. وقد تحققت بفضل التنافس الكردي الداخلي الشديد بين الحزب الديمقراطي الكردستاني وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني، إضافة إلى الصراع على السلطة داخل الحزب الديمقراطي الكردستاني بين ابن مسعود البرزاني، المسؤول عن الملف الأمني في الإقليم، وابن شقيقه، رئيس وزراء الإقليم.

بإعطائه أمر التقدم لقواته، لا بد أن العبادي أدرك أن الرياح تهب لصالحه؛ فالغضب الدولي المجمع تقريباً حيال قرار برزاني المضي قدماً في إجراء الاستفتاء رغم الاعتراضات الدولية الواضحة والصريحة سمح له بالقيام بتحركه بدعم من جارتي العراق القويتين تركيا (حليفة البرزاني حتى شهر مضى) وإيران، وفيما يبدو بضوء أخضر من الولايات المتحدة.[fn]مقابلات أجرتها مجموعة الأزمات مع مسؤولين أمريكيين، 16 تشرين الأول/أكتوبر 2017.Hide Footnote في حين أعلن العبادي أن أهدافه تقتصر على حقول النفط والمنشآت النفطية في كركوك، فإن النجاح العسكري السريع دفع قواته، التي تقودها وحدة مكافحة الإرهاب المدربة من قبل الولايات المتحدة واللواء المدرع التاسع في الجيش، إلى دخول مدينة كركوك. وقد يدفعهم ذلك أبعد، إلى أجزاء أخرى من المناطق المتنازع عليها، بما فيها قبة خورمالا، الواقعة في أقصى شمال حقل نفط كركوك العملاق. وثمة تغيرات أخرى على الأرض؛ حيث يذكر أن قوات الحزب الديمقراطي الكردستاني غادرت منطقة سنجار المتنازع عليها قرب الحدود السورية في 17 تشرين الأول/أكتوبر، ويبدو أن الاتحاد الوطني الكردستاني قد انسحب من خانقين قرب الحدود الإيرانية كجزء من الاتفاق. أما ما إذا كانت القوات العراقية ستستغل تفوقها وتحاول استعادة المناطق المتنازع عليها في سهل نينوى وشرق الموصل من سيطرة الحزب الديمقراطي الكردستاني فهو ما يدور حوله السؤال التالي.

هذا التقدم العسكري قصير الأجل ينذر بمشاكل على المدى البعيد. من أجل منع المزيد من التصعيد الذي يمكن أن يخرج عن سيطرة القادة المعنيين، ودفع سلسلة الأحداث نحو حصيلة تفاوضية، ينبغي على الأطراف الخارجية التي تتمتع بأكبر قدر من النفوذ في العراق، أي الولايات المتحدة، وإيران وتركيا، أن تكثف من جهود وساطتها التي كانت قد بدأتها قبل الاستفتاء. من حيث المبدأ، فإن للجميع مصلحة في الدفع نحو استقرار الأوضاع. هذه الأطراف الثلاثة جميعها أزعجها إن لم يكن أغضبها قرار البرزاني المضي قدماً وإجراء الاستفتاء في أيلول/سبتمبر. وجميع هذه الأطراف تدعم وحدة أراضي العراق. وجميعها تقبل بسلامة الإقليم الكردي وعارضت بشكل ثابت ومستمر المحاولات الأحادية لتسوية أوضاع المناطق المتنازع عليها.

بالتالي، فإن أساس الوساطة لتحقيق التسوية موجود، لكن تبقى هناك عقبات جدية. أولاً، ورغم التوافق الموضوعي في مصالح الأطراف الخارجية، فإن التوترات فيما بينها – وخصوصاً بين الولايات المتحدة وإيران، التي فاقمها قرار الرئيس ترامب عدم المصادقة على الاتفاق النووي – يمكن أن تكون عائقاً. حذرت مجموعة الأزمات من التداعيات المحتملة لقرار الرئيس، وقد يكون العراق أول ضحاياه.[fn]انظر بيان مجموعة الأزمات، “Saving the Iran Nuclear Deal, Despite Trump’s Decertification”, 13 October 2017.Hide Footnote ثانياً، يمكن لاندلاع العنف أن يجعل من التوصل إلى تسوية أمراً أكثر صعوبة إن لم يكن مستحيلاً، خصوصاً إذا قامت الأطراف، التي تدفعها ضرورات سياسية محلية، بالتصعيد. لتحاشي هذه النتيجة، ينبغي القيام بجهود وساطة فعالة فوراً. ويمكن لتجديد دور الأمم المتحدة أن يكون حاسماً في هذا الصدد، حيث من شأنه أن يعطي غطاءً للجهود التي تبذلها هذه الدول الثلاث بصفتها المنفردة.

إضافة إلى ذلك، إذا توقف القتال، وعندما يتوقف، فإن مساراً سلمياً لتسوية القضايا الأعمق التي تدفع بهذا الصراع سيكون موجوداً. في الواقع، فإن الأزمة الراهنة توفر فرصة لاستئناف مسار كان قد تم التخلي عنه وسط حُمّى الانتخابات قبل ثمان سنوات. في 2008-2009، أجرت بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق دراسة شاملة على ما وصفتها بـ "الحدود الداخلية المتنازع عليها" في العراق واقترحت طرقاً محددة للتقدم إلى الأمام لتسوية مسألة حدود إقليم كردستان وتوزيع الدخل المتولد عن بيع النفط والغاز الموجود فيها.

إن تحقيق التقدم بشأن الحدود المتنازع عليها يمكن أن يفسَّر من قبل الطرفين بوصفه خطوة إلى الأمام بالنسبة لقضاياهما المنفصلة. كما إنه يخدم مصالح إيران وتركيا، اللتان تمتلكان حق الفيتو فعلياً بشأن الدولة الكردية. لقد عبرت الدول الغربية عن دعمها القوي لهذه المقاربة؛ وبالتالي، فإن إعادة إحيائها سيشكل مكسباً لجميع الأطراف المعنية الرئيسية.

المطلوب هو قرار لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة يوفر تفويضاً جديداً لبعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، وبدعم من جميع الأطراف المعنية، لمعالجة مسألة الحدود المتنازع عليها بوصفها أولوية. إن جهداً جدياً لحل تلك القضية المحورية من شأنه أن يحافظ على وحدة العراق دون استباق مسألة حق الأكراد في تقرير المصير ولا إطلاق حكم مسبق على كيفية التعبير عن هذا الحق في المستقبل.

Iraqi Kurds fly Kurdish flags during an event to urge people to vote in the upcoming independence referendum in Erbil, the capital of the autonomous Kurdish region of northern Iraq, on 15 September 2017. AFP/Safin Hamed

كيف يمكن تخفيف مخاطر الاستفتاء في كردستان العراق

A century-long quest for an independent Kurdistan has encouraged Iraqi Kurds to exploit Iraq’s ongoing crises and schedule a referendum on 25 September 2017. But the referendum is more a reflection of Iraq’s disorder than the Kurds’ readiness for statehood, and the vote’s outcome could exacerbate internal and regional tensions.

في 25 أيلول/سبتمبر، وما لم يتم تأجيل هذا الموعد في اللحظة الأخيرة، فإن إقليم كردستان العراق سيجري استفتاء على الاستقلال. وسيُسأل الناخبون ما إذا كانوا يريدون "أن يصبح إقليم كردستان والمناطق الكردية خارج إدارة الإقليم دولة مستقلة". لا يمكن للاستفتاء أن يحول كردستان إلى دولة مستقلة، بصرف النظر عن نسبة المشاركين فيه وعن نتيجته، لأن الاستفتاء مجرد عملية استشارية وغير ملزم قانونياً. رغم ذلك، فإن الوضع يطرح مخاطر جدية، سواء تم إجراء الاستفتاء أو كان ثمن تأجيله مرتفعاً أكثر مما ينبغي.

على الأرض، من المرجح أن يبدو اليوم الذي يلي الاستفتاء تماماً كاليوم الذي سبقه. لن يتغير الوضع القانوني لكردستان العراق، وقد يحتفظ المسؤولون الأكراد بمناصبهم في الحكومة المركزية في بغداد، بما في ذلك الرئيس العراقي فؤاد معصوم. إن الدوافع لإجراء الاستفتاء تتعلق بالاعتبارات السياسية الكردية الداخلية والعلاقات بعيدة المدى مع بغداد أكثر مما تتعلق بالتطلعات القومية الكردية المباشرة.

بالنسبة لأولئك الذين يدفعون لإجراء الاستفتاء، أي رئيس إقليم كردستان مسعود برزاني وحزبه، الحزب الديمقراطي الكردستاني، فإن الهدف الأكثر إلحاحاً ليس التحرك بسرعة نحو إعلان الاستقلال، بقدر ما هو تحسين فرصهم السياسية داخل كردستان العراق وعاصمتها أربيل. إنهم يأملون بأن يمكنهم تبنيهم لموقف قومي قوي من إخماد المعارضة وإجبار خصومهم على السير وراءهم. الأكثر من ذلك هو أنه بتوسيع الاستفتاء ليشمل ما يسمى "المناطق المتنازع عليها"، وهو مصطلح يحدد المناطق الواقعة خارج إقليم كردستان التي تدعي كل من بغداد وأربيل الحق فيها، تهدف القيادة الكردية إلى تقوية حضورها ومبرراتها لضم هذه المناطق، شريطة الحصول على نعم مدويّة في الاستفتاء.

لا يشكل الاستفتاء انعكاساً لتقدم تاريخي مستمر نحو قيام دولة كردية بقدر ما هو انعكاس للأزمات المحيطة بالعراق.

إلا أنه يمكن للتبعات السياسية للاستفتاء، المقصودة وغير المقصودة، أن تكون عميقة. حالما يتم إلحاق الهزيمة بتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، ستُطرح أوجه رئيسية من بنية السلطة في العراق مرة أخرى لإعادة التفاوض. وهذا يشمل مسألة لا مركزية السلطة، وتنظيم ونشر القوات الأمنية، والتوازن الداخلي للسلطة داخل الأغلبية الشيعية وحالة التنافس بين الولايات المتحدة وإيران على النفوذ في البلاد. إن دعوة برزاني للاستفتاء هو بمثابة رمي حجر في بحيرة مضطربة أصلاً.

لاعبون قدامى، حقائق جديدة

إن أثر الاستفتاء واضح أصلاً للعيان. لقد شعر رئيس الوزراء حيدر العبادي، الذي حث حتى الآن على التوصل إلى تسوية مع أربيل، بأنه مجبر على الانتقال إلى موقع أكثر تشدداً. لقد أعلنت حكومته أن الاستفتاء غير دستوري؛ ورغم أن البرلمان العراقي لا يملك سلطة قانونية لفعل ذلك، فإنه صوّت على إقالة محافظ كركوك، أحد الدعاة الأقوياء لإجراء الاستفتاء من منطقة متقلبة ومتنازع عليها على نحو خاص. خرج المشرعون الأكراد من الجلسة، في مؤشر على كيف أن قضية الاستفتاء يمكن أن تؤدي بسرعة إلى انهيار العملية السياسية. يتعرض العبادي للضغط من فصائل شيعية مقربة من إيران يمكن أن تستخدم الاستفتاء لتقويض قيادته، حيث يقدم هؤلاء أنفسهم بوصفهم المدافعين الحقيقيين عن وحدة العراق ضد المطالب الكردية. قد يساعدهم هذا على كسب تأييد السنة الذين يعيشون في المناطق المتنازع عليها، لكنه يمكن أن يثير أيضاً مواجهات بين الفصائل المسلحة التي يسيطرون عليها والبشمركة التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني خلال الاستفتاء أو بعده.

كما أن ثمة تبعات إقليمية أيضاً. لقد عبرت تركيا وإيران، وكلاهما جاران لكردستان العراق، عن معارضتهما القوية للاستفتاء وحذّرا من تبعاته الخطيرة. لكن حتى الآن فإن أفعالهما لا يبدو أنها تستهدف فعلاً منع إجراء الاستفتاء. تبدو أنقرة وطهران واثقتان من أنهما تمتلكان ما يكفي من النفوذ على الشخصيات القيادية في الحزب الديمقراطي الكردستاني وخصمه، الاتحاد الوطني الكردستاني، لمنع كردستان العراق من أن تصبح دولة مستقلة بشكل كامل، بصرف النظر عن نتيجة الاستفتاء. هؤلاء السياسيون الأكراد يعتمدون على دعم تركيا وإيران، وسيزداد اعتمادهم عليهما إذا أثار الاستفتاء تصعيداً مع بغداد.

يبدو أن تركيا وإيران تنتظران اتضاح آثار الاستفتاء على السياسات العراقية والإقليمية بشكل أكبر قبل أن تتخذا خطوات أكثر حسماً. إذا انتهى الأمر بالحزب الديمقراطي الكردستاني، باندفاعه نحو إجراء الاستفتاء رغم المعارضة الدولية القوية، بأن يصبح معزولاً على نحو متزايد، فإن تركيا قد تسعى لاستغلال هشاشة شريكها الكردي لتعزيز موطئ القدم الذي اتخذته في دهوك وسهل نينوى، في شمال غرب العراق. تتسم هذه المنطقة بأهمية استراتيجية لأنقرة لأنها تقع على الحدود الشرقية لسورية، التي تهيمن عليها الآن حركة تعتبرها عدواً خطيراً تتمثل في حزب الاتحاد الديمقراطي. وهذا الحزب هو الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني، الذي قاتل في تمرد ضد أنقرة على مدى ثلاثة عقود.

إن تأجيل الاستفتاء سيكون أفضل السيناريوهات، لكن ليس بأي ثمن.

إيران من جهتها قد ترى في الاستفتاء فرصة لتعزيز موقعها في بغداد وشمال شرق العراق. من شبه المؤكد أن تدهور العلاقات بين أربيل وبغداد سيقوي الفصائل الشيعية المرتبطة بإيران على حساب العبادي وحكومته. كما يمكن لطهران أن تسعى لتعزيز نفوذ حلفائها العراقيين ونفوذها على العرب السنة الذين يعيشون في المناطق المتنازع عليها ويخشون من التعديات الكردية، وكذلك على أعضاء الاتحاد الوطني الكردستاني الذين يعارضون سياسات الحزب الديمقراطي الكردستاني.

سيناريوهات التأجيل

في هذا السياق، فإن الأصوات التي تحث برزاني على أن يقوم على الأقل بتأجيل الاستفتاء كانت مرتفعة، وواضحة وانتقائية. وتشمل هذه المجموعة من البلدان الولايات المتحدة، وحلفاءها الغربيين، وتركيا وإيران، إضافة إلى الأمم المتحدة. وقد رد برزاني بالقول بأنه يستطيع تأجيل الاستفتاء إذا حصل الأكراد على ضمانات دولية بأن المفاوضات على الاستقلال مع بغداد ستبدأ. من شبه المؤكد أن هذا يشكل خطوة أبعد بكثير مما يمكن حتى لأقرب شركائه الغربيين اتخاذها. في الوقت الراهن، تستمر المحادثات فيما يتعلق بما إذا كان برزاني قد يقبل بصيغة أقل أهمية وأكثر غموضاً تسمح له بالتراجع دون أن يخسر ماء وجهه في الوقت الذي يتحاشى فيه استفزاز بغداد.

إن تأجيل الاستفتاء سيشكل السيناريو الأفضل، لكن ليس بأي ثمن. في محاولات اللاعبين الدوليين – وعلى رأسهم الولايات المتحدة – لوقف الاستفتاء، عليهم أن يسيروا بحذر وأن يتحاشوا دفع ثمن قد يندمون عليه لاحقاً. بعض الالتزامات منطقية، مثل دعم الاستئناف الفوري للمفاوضات بين أربيل وبغداد حول كامل نطاق القضايا التي تفرقهما. التزامات أخرى ستكون مشحونة أكثر بالمشاكل، مثل أي التزام يؤثر بوضع كركوك أو المناطق المتنازع عليها، أو الدعم الأعمى لإجراء استفتاء في تاريخ معين إذا فشلت المفاوضات مع بغداد، بصرف النظر عما إذا كان سيتم إجراء الاستفتاء في كركوك أو المناطق المتنازع عليها. بعبارة أخرى، فإن رمي الكرة إلى الأمام أمر منطقي، لكن ليس في أي اتجاه. وإلا، فإن كلفة التأجيل يمكن أن تكون مكلفة أكثر على المدى البعيد من كلفة الاستفتاء نفسه.

إذا مضى الاستفتاء كما هو مخطط له، من المرجح أن تنشأ توترات مصحوبة بإغراء معاقبة أربيل.

ينبغي اتباع بعض القواعد التوجيهية في سيناريوهي التأجيل أو عدم التأجيل. إذا تم تأجيل الاستفتاء، ينبغي استخدام الوقت الذي يتم كسبه من أجل إجراء وساطة نشطة من قبل شركاء العراق والأكراد لتخفيف تصعيد الوضع والضغط على بغداد وأربيل للتفاوض بنية طيبة حول تعديلات الإطار القانوني الذي يحكم علاقتهما.

إذا مضى الاستفتاء كما هو مخطط له، من المرجح أن تنشأ توترات مصحوبة بإغراء معاقبة أربيل. غير أن المسار الأذكى بالنسبة لبغداد، وكذلك بالنسبة للاعبين الإقليميين والدوليين، سيكون التخفيف من أهمية الحدث وتجاهله فعلياً. ما لم يتخذ برزاني الخطوة التالية، والأكثر خطورة بكثير، في مسعاه للتحرك أحادياً نحو الاستقلال، فإن قيمة الاستفتاء ستنكمش بمرور الوقت حيث لن يتغير شيء على الأرض كما لن يتغير وضع إقليم كردستان. إذا تم التعامل مع الاستفتاء بشكل سليم، بشكل أساسي على أنه لا يشكل حدثاً، فإنه قد لا يكون له تبعات ضارة جداً.

الاعتماد الفعال على الذات

بالنسبة للأكراد، يمكن أن يشكل هذا خيبة أمل مريرة؛ فالعديد منهم يقرؤون تاريخهم على أنه صراع على مسار مستمر نحو الدولة. في الواقع، فإن الصراع القومي الكردي في العراق لم يكن مستمراً بقدر ما كان متقلباً، ووظيفة من وظائف وضع الدولة المركزية. كلما تعرض النظام في بغداد للتهديد، كان يلجأ إما لقمع الأطراف الكردية للدولة بوحشية أو للانسحاب من هذه المناطق، والسماح للأحزاب الكردية بأداء وظائف الإدارة الأساسية والأمن المحلي بينما يقاوم محاولاتها للحصول على الاستقلال التام. حدث هذا بعد هزيمة صدام حسين في حرب الخليج عام 1991 وبعد الإطاحة به في العام 2003. تطورات اليوم تعكس ضعف الدولة المركزية في وجه تنظيم الدولة الإسلامية.

بهذا المعنى، فإن الاستفتاء لا يشكل انعكاساً لتقدم تاريخي مستمر نحو دولة كردية بقدر ما هو انعكاس للأزمات المحيطة بالعراق. ولا يشكل إثباتاً على أن دولة كردية يمكنها أن تقف بمفردها بقدر ما هو منتج جانبي لضعف الدولة العراقية حالياً ولمنطقة في حالة اضطراب. بصرف النظر عن وضعهم المستقبلي، فإن الأولوية بالنسبة لأكراد العراق ينبغي أن تكون ترتيب بيتهم الداخلي بدلاً من السعي لاستغلال الفوضى الإقليمية المحيطة بهم، والتي سيكونون دون شك عرضة لأخطارها.

باختصار، فإن الأحزاب الكردية التي قادت الصراع القومي على مدى القرن الماضي تواجه الآن التحدي المتمثل في تحويل قوتها وسلطتها إلى مؤسسات كردية. ويكمن مفتاح ذلك في تجديد قيادة الحزبين الكرديين التاريخيين، الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، لتمكين جيل جديد من القادة الأكراد الذين، بصرف النظر عن انتماءاتهم الحزبية، يمكنهم أن يجعلوا أولويتهم تدريب ورعاية جهاز بيروقراطي كفؤ وقوات أمن محترفة. بفعل ذلك، يمكن أن يحولوا الإقليم الكردي إلى كيان أكثر فعالية واعتماداً على الذات، وهو ما سيعود عليهم بالنفع بصرف النظر عن أي تصرف مستقبلي في الوضع القانوني. وبنفس الروح، ينبغي عليهم أيضاً تحاشي إثارة الصراع مع بغداد والمجموعات العراقية غير الكردية. وهذا ينطبق على نحو خاص على مسألة الحد الذي يفصل إقليم كردستان عن باقي أنحاء العراق. ينبغي التفاوض على وضع "المناطق المتنازع عليها" لأنه لا يمكن فرض هذا الوضع من قبل أي من الطرفين. الأمر الذي لا يقل أهمية هو أن على القادة الأكراد طرح رؤية لكردستان العراق يمكن أن تتشاطرها جميع الحركات السياسية والأقليات غير الكردية.

A compact, formatted PDF of this commentary can be downloaded here.