المعركة النفطية في العراق
المعركة النفطية في العراق

المعركة النفطية في العراق

أعلنت حكومة إقليم كردستان في أغسطس الماضي عن استعدادها لاستئناف تصدير النفط من حقولها عبر خطوط الأنابيب العراقية، بعد توقف دام أربعة أشهر، لتنهي بذلك حالة من الشجار كتلك التي يفتعلها الصبية في باحات المدرسة والتي سرعان ما تنتهي ببعض اللكمات والدموع. لكن هل ستتصافى القلوب بعد ذلك؟

لطالما كانت الحكومة الاتحادية في بغداد والحكومة الكردية في أربيل غارقتان في الخلاف حول عدد من القضايا أهمها طبيعة النظام الاتحادي في العراق ومستقبل إقليم كردستان. ويتركز الخلاف على مدى النفوذ الذي يمتلكه الإقليم بما في ذلك صلاحيته لإبرام العقود النفطية، بالإضافة إلى وضع الأراضي التي يطالب بها الأكراد كجزء من كردستان، والتمويل الإتحادي لقوات حرس الإقليم الكردستاني (البيشمركة)، ومخصصات ميزانية الاتحاد بشكل عام. وعلى الرغم من أن دستور عام 2005 تناول هذه المسائل، إلا أن أوجه الغموض والثغرات التي يعج بها الدستور يجعله عرضة لتأويلات متباينة استغلها كلا الجانبين لمصلحته

شهد أواخر العام الماضي تصعيدا حادا بعد أن أبرمت شركة «إكسون موبيل» عقداً مع حكومة إقليم كردستان لتصبح بذلك أولى شركات النفط الكبرى التي تبرم عقداً مع الإقليم، ومن ثم ازداد الأمر سوءاً بعد ادراج رقع استكشافية تقع مباشرة في المناطق المتنازع عليها. هددت الحكومة العراقية بمعاقبة «إكسون موبيل» التي تملك امتيازات كثيرة في جنوب العراق، إلا أنّها لم تقدم على أية خطوات انتقامية ملموسة، مما شجع شركة «شيفرون» و»توتال» و»غازبروم» على السير على خطى شركة «إكسون موبيل»، كما بدأت شركات أخرى بالاصطفاف في الطابور

وبالنظر إلى إمكانيات إقليم كردستان في رفع مستوى الانتاج النفطي، فالسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو كيف سيتم ايصال هذا الإنتاج النفطي للأسواق في ظل غياب قانون اتحادي خاص بالنفط والغاز، وفي ظل تصاعد التوتر بين بغداد وأربيل. تتحكم بغداد في الوقت الراهن بخطوط أنابيب التصدير، وتأمل حكومة إقليم كردستان أن تحصل على موافقة تركيا لتتمكن من تجاوز الخطوط التي تسيطر عليها بغداد وضخ النفط إلى الشمال فور وضع البنية التحتية اللازمة. وعلى حد تعبير آشتي هورامي، وزير الموارد المعدنية في حكومة إقليم كردستان فإن «النفط يتدفق عندما يكون هناك مليون برميل وهذه البراميل سوف تجد طريقها إلى السوق على الرغم من المساومات السياسية»

في وقت سابق من هذا العام، انهار اتفاق وقعته الحكومة الاتحادية والكردية في فبراير 2011 على خلفية ادعاءات أربيل بأن بغداد عجزت عن دفع مستحقات ثلاث شركات نفطية أبرمت عقوداً مع حكومة إقليم كردستان لضخ النفط في أنابيب التصدير. وكانت بغداد قد أعلنت عن استعدادها للدفع لكنها تنتظر إيصالات النفقات من حكومة إقليم كردستان لمراجعة الحسابات، الأمر الذي نفته أربيل مؤكدة أنها سلمت بغداد كل ما يلزم. ووصل الخلاف لذروته في الأول من شهر أبريل عندما أوقفت حكومة إقليم كردستان صادراتها النفطية، وأعلنت بأنها لن تستأنف التصدير ما لم تدفع بغداد المستحقات وتتعهد بتسديد الدفعات المستقبلية في أوانها

وتزامن هذا مع معركة أكبر حول طبيعة الولاية الثانية لرئيس الوزراء نوري المالكي، مما أدى إلى احتدام الصراع على الصادرات النفطية، الذي سرعان ما تحول إلى أزمة ثأر وانتقام تمخض عنها الكثير من التهديدات الخطيرة وخطوات ملموسة قد ينتج عنها عواقب طويلة الأمد لا تحمد عقباها. ويمكن تلخيص المسألة على النحو التالي

ادعى هورامي في 10 مايو أن بغداد قد خفضت حصة إقليم كردستان من المنتجات المكررة، وقال محذراً: «اذا حصل ما هو أسوأ، سوف اقوم بتصدير النفط بواسطة الشاحنات، وتكريره (في الخارج)، ومن ثم اعيده». أعلنت تركيا وحكومة إقليم كردستان خلال مؤتمر النفط في أربيل في 20 مايو الماضي عن صفقة لمد خط أنابيب للنفط والغاز يسمح للأكراد بتجاوز خطوط الانابيب العراقية والتصدير مباشرة إلى البحر المتوسط. رداً على ذلك، أعلن علي الموسوي المستشار الاعلامي للمالكي أن كافة العقود النفطية تستند إلى الدستور، ما يعني ضمناً أن الاتفاق بين تركيا وحكومة إقليم كردستان يتنافى مع الدستور. وفي اشارة إلى عقد شركة «إكسون موبيل» مع حكومة اقليم كردستان، قال الموسوي في 19 يونيو إن المالكي «يرى في هذه الصفقات بادرة خطيرة للغاية قد تؤدي الى اشعال حروب، لأنها تقود الى تفتيت وحدة العراق»

ورداً على ذلك قال هورامي في 3 يوليو: «حتى لو لم يكن هناك توافق في الآراء مع بغداد، فسوف نستمر في بيع الغاز الطبيعي والنفط الى تركيا». وصرحت حكومة إقليم كردستان رداً على التقارير التي تفيد بأنها تقوم وللمرة الأولى بشحن النفط الخام إلى تركيا في إطار اتفاق مقايضة النفط الخام بالمشتقات النفطية، بأنها لم تشحن سوى كميات محدودة من النفط بمعدل 4 شاحنات يومياً

ردت بغداد في 9 يوليو أن هذه الصادرات غير قانونية وهددت باتخاذ «الإجراءات المناسبة». كما قدر وزير النفط العراقي عبد الكريم اللعيبي في 10 يوليو أن حكومة إقليم كردستان قد تكون عرضة لدفع 8.5 مليار دولار من حصة كردستان في ميزانية الدولة لعام 2012 لمقاطعتها تصدير النفط ولبيعها النفط في السوق المحلية ولوصول الكثير منه إلى إيران

وبصورة مفاجئة أعلنت حكومة إقليم كردستان استئناف الاقليم لتصدير النفط الخام «كبادرة حسن نية»، مشيرة إلى الضغوط الدولية دون الحصول على أي تنازل واضح من بغداد بشأن دفع مستحقات الشركات المتعاقدة مع الإقليم أو بشأن تزويده بالمنتجات المكررة، إلا أن هورامي حذر بغداد بإيقاف التصدير بعد شهر واحد إذا لم ترد الجميل بمثله

نشر هورامي مراسلات جرت مع المتعاقدين الثلاثة يظهر فيها اعتراض هذه الشركات على استئناف الإنتاج من دون ضمانات لدفع المستحقات، مسلطاً بذلك الضوء على الموقف الضعيف لحكومة إقليم كردستان: فما دام الإقليم يفتقر إلى خطوط أنابيب مستقلة ومادام لم يحصل على موافقة أنقرة لتجاوز بغداد فيما يخص الصادرات الكردية، فعليه أن يعتمد على تعاون بغداد واستعدادها لدفع مستحقات الشركات المتعاقدة مع حكومة الإقليم

ولذلك لا يسع المرء إلا أن يتساءل عن توقيت قرار حكومة إقليم كردستان تحدي بغداد في أبريل الماضي. فمد خطوط أنابيب تربط بين إقليم كردستان والبحر المتوسط يحتاج إلى عامين على الأقل. كما أن الحكومة التركية لم تقرر بعد شكل العلاقات النفطية التي تريد أن تبنيها مع حكومة الإقليم مباشرة. كان من شأن هذا القرار أن يؤدي إلى تقسيم العراق، وهو احتمال لطالما خشيته أنقرة التي تفعل كل ما بوسعها لتجنبه لما ينطوي عليه من تهديدات على وحدة الأراضي التركية. لكن الزمن يتغير الآن، فالأزمة السورية والحرب المحتملة بين إيران والولايات المتحدة قد تعيد رسم حدود المنطقة. ونظراً لصعوبة التكهن عما ستؤول إليه الأمور بدأ الفاعلون السياسيون بالتحرك جاهدين لحماية مصالحهم وزيادة مكاسبهم إلى أقصى حد ممكن. ولذلك فإن الجواب على السؤال أعلاه أن التصالح بين حكومة المالكي والأكراد وإقامة علاقات ودية بينهما أمر غير مرجح، وإن أي اتفاق جديد سيكون مجرد وسيلة مؤقتة لتلبية احتياجاتهم الحالية فقط. فبالنسبة لبغداد، سيمكنها من الحصول على عائدات الخام الكردي قبل زيادة إنتاجها في جنوب العراق. وبالنسبة لأربيل فسيمكنها من دفع مستحقات الشركات المنتجة قبل أن تيأس هذه الشركات وتغادر. أما المعركة الحقيقية بشأن مستقبل العراق وإقليم كردستان فلا تزال تفصلنا عنها بضعة سنوات

العراق: تحقيق الاستقرار في قضاء سنجار المتنازع عليه

لم يتعافَ قضاء سنجار بعد من الخراب الذي أصابه في عام 2014، عندما أخضع تنظيم الدولة الإسلامية سكانه لحملة رعب شرسة. ما يزال آلاف السكان نازحين. ومن أجل إقناعهم بالعودة، ستحتاج الحكومة الاتحادية العراقية وحكومة إقليم كردستان مساعدة السكان المقيمين هناك لتحسين الحوكمة والأمن.

  • Share
  • Save
  • Print
  • Download PDF Full Report

ما الجديد؟ في 15 تشرين الأول/أكتوبر 2020، وقّعت بغداد وأربيل اتفاقاً يهدف إلى تحقيق الاستقرار في قضاء سنجار العراقي من خلال إدارة وهيكلية أمنية جديدتين من شأنهما أن تسمحا بعودة المهجرين. إلا أن الاتفاق لم يُنجز إلا جزئياً. فتركيا تكثف قصفها لحزب العمال الكردستاني والمجموعات المرتبطة به في المنطقة.

ما أهمية ذلك؟ مع مرور الوقت دون التوصل إلى ترتيب عملي لحكم سنجار وتحقيق الأمن فيه، فإن الحوافز بالنسبة لأهل سنجار المهجرين الذين يعيشون في مخيمات بائسة للعودة إلى بيوتهم باتت تتضاءل. وفي هذه الأثناء، فإن تصاعد حدة العنف يخاطر بجر القضاء إلى صراع القوى بين تركيا وإيران.

ما الذي ينبغي فعله؟ ينبغي على بغداد وأربيل تنفيذ أحكام الحوكمة، والأمن وإعادة الإعمار في اتفاق سنجار في أقرب وقت ممكن. وينبغي أن تعالجا إخفاقهما، عند التوصل إلى الاتفاق، في تأمين مشاركة وموافقة المجموعات العراقية المسلحة الفاعلة على الأرض من خلال استشارتها واستشارة ممثلي المجتمع المدني السنجاري حول كيفية إنجاح الاتفاق.

بعد نحو سبع سنوات من تمكّن تحالف غير وثيق مكوَّن من مجموعات مسلحة وقوات من إقليم كردستان وبغطاء جوي أميركي من إخراج تنظيم الدولة الإسلامية من سنجار، فإن الوضع هناك ما يزال متوتراً. سنجار، الذي كان في وقت من الأوقات قضاءً هادئاً في الزاوية الشمالية الغربية البعيدة من العراق، بات يصارع، مع افتقار إدارته المحلية للشرعية، وإخفاق خدماته العامة في تلبية التوقعات وتوقف عملية إعادة الإعمار فيه. ثمة مجموعة متفرقة من الجماعات المسلحة تبقي المنطقة غير آمنة، وهو الوضع الذي يترك 70 بالمئة من سكانه في حالة نزوح. وتنتشر الأغلبية العرقية – الدينية الإيزيدية، التي استُهدفت في هجوم أقرب إلى الإبادة الجماعية شنه تنظيم الدولة الإسلامية عليها في عام 2014، في سائر أنحاء الشمال الغربي (وفي المنفى) وتعاني من الانقسام السياسي. في عام 2020، توصلت الحكومة الاتحادية العراقية وحكومة إقليم كردستان إلى اتفاق لتحقيق الاستقرار في سنجار، لكن المتابعة تباطأت، وهددت الصدامات التي جرت في أيار/مايو بين الجيش وإحدى الميليشيات المحلية إلى تقويضه بشكل كامل. سيتعين على أطراف الاتفاق العمل مع سكان سنجار لتعزيز الدعم للاتفاق والإشراف على تنفيذه، بشكل يسمح بعودة المهجرين.

حتى قبل وصول تنظيم الدولة الإسلامية في عام 2014، كان قضاء سنجار رهينة مواجهة بين الحكومة الاتحادية في بغداد وحكومة إقليم كردستان في أربيل بسبب وضع الإقليم كمنطقة متنازع عليها (أي منطقة تدعي كلا الحكومتان السلطة عليها). ينص الدستور العراقي لعام 2005 على عملية مصممة لتسوية الادعاءات المزدوجة بالحق بالمناطق المتنازع عليها. إلا أن حكومة كردستان، وخصوصاً المكوّن الأكثر قوة فيها وهو الحزب الديمقراطي الكردستاني، سعت منذ وقت طويل إلى السيطرة على المناطق المتنازع عليها، بما في ذلك سنجار، كمقدمة لضمها إلى إقليم كردستان. ودخل مقاتلو الحزب الديمقراطي الكردستاني وقوات البشمركة التابعة له إلى سنجار في عام 2003، واستمالوا ووظفوا النخب المحلية لأداء مهام الحوكمة الروتينية. إلا أن الحزب لم يحقق شعبية تذكر هناك. وبوجه خاص، عامل الإيزيديين بوصفهم أكراداً، وبذلك حرمهم فعلياً من الهوية المميزة للجماعة وزرع بذور الاستياء في أوساطهم.

حوَّل هجوم تنظيم الدولة الإسلامية على الإيزيديين في آب/أغسطس 2014، سنجار إلى بؤرة تجمّع لطيف واسع من الجماعات المسلحة. وتمثلت إحدى هذه الجماعات في حزب العمال الكردستاني – وهو مجموعة كردية متمردة تصنفها تركيا (وكذلك الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي) تنظيماً إرهابياً. كان حزب العمال الكردستاني قد بحث عن مكان آمن في شمال العراق، رغم أن وجوده كان يقتصر بشكل عام على جبال قنديل قبل عام 2014 ومنطقة من قضاء مخمور حيث يقع مخيم للاجئين الأكراد من تركيا. لكن عندما سحب الحزب الديمقراطي الكردستاني قوات البشمركة التابعة له عندما شن مقاتلو تنظيم الدولة الإسلامية هجوماً على المنطقة، تدخلت جماعات تابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني بغطاء جوي أميركي – وتمكنت من إنقاذ الناجين وصد تنظيم الدولة الإسلامية تدريجياً. ثم، في أواخر عام 2015، أرسلت الولايات المتحدة مرة أخرى طائراتها الحربية لمساعدة خليط من الجماعات المرتبطة بحزب العمال الكردستاني (وحدات حماية الشعب السورية، ووحدات مقاومة سنجار التي أسست حديثاً) والبشمركة التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني على طرد تنظيم الدولة الإسلامية بشكل كامل. وعلى مدى العامين التاليين، ظل إقليم سنجار بشكل عام تحت سيطرة الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي هيمن على الشمال الشرقي وأيضاً على بلدة سنجار، وحزب العمال الكردستاني، الذي تركز وجوده في جبل سنجار والشمال الغربي.

في عام 2017، تغير الوضع في شمال العراق مرة أخرى، حيث أعاد تصعيد الحملة المناهضة لتنظيم الدولة الإسلامية بدعم من الولايات المتحدة القوات الاتحادية العراقية إلى الشمال، وانضمت إليها مجموعات الحشد الشعبي شبه العسكرية التي تتكون بشكل رئيسي من عراقيين من أجزاء أخرى من البلاد. فتمت استعادة الموصل، آخر مدينة كانت واقعة تحت سيطرة الدولة الإسلامية. ثم مضى الحشد أبعد من ذلك. فبعد أن أحدث استفتاء على الاستقلال نظمته حكومة إقليم كردستان رد فعل عكسي، تم إخراج الحزب الديمقراطي الكردستاني من سنجار والاكتفاء بتعاون مضطرب مع مكونات الحزب وفروعه والمجموعات المرتبطة به المقيمة هناك.

تتسم ترتيبات الحوكمة الناجمة عن ذلك بالعشوائية وانعدام الفعالية. إذ يتمتع الحزب الديمقراطي الكردستاني بتفويض رسمي لحكم سنجار، لكنه يمارس هذا التفويض من خارج القضاء، وحتى من خارج محافظة نينوى التي تقع فيها سنجار، أي من محافظة دهوك المجاورة. داخل سنجار، عيّن الحشد قائم مقام بديل ومدراء نواحٍ دون مباركة الحكومة الاتحادية، في حين أنشأت وحدات حماية الشعب، التي تتكون غالباً من إيزيديين عراقيين إضافة إلى عدد قليل من العرب الذين حملوا السلاح ضد تنظيم الدولة الإسلامية، ذراعاً حاكماً – "الإدارة الذاتية في سنجار" – تسعى لأداء بعض الوظائف البيروقراطية، لكنها تفتقر إلى السلطة والقدرة على أدائها.

في هذه الأثناء، وبسبب المجموعات المسلحة التي يستضيفها قضاء سنجار فإن القضاء يجد نفسه على نحو متزايد في وسط المواجهة بين تركيا وإيران. إيران تدعم الحشد، في حين أن تركيا تسعى إلى القضاء على حزب العمال الكردستاني الذي ترى فيه تهديداً لأمنها القومي. عندما انسحب مقاتلو الحزب الديمقراطي الكردستاني في عام 2017، فقدت تركيا – التي تتعاون مع الحزب الديمقراطي الكردستاني في محاربة حزب العمال الكردستاني – فقدت شريكها الرئيسي على الأرض في سنجار. وهكذا صعدت الضربات الجوية التي كانت تشنها أصلاً على مخابئ حزب العمال الكردستاني في شمال العراق، وضربت قواعد لوحدات حماية الشعب تستضيف كوادر من حزب العمال الكردستاني في سنجار أيضاً. من وجهة نظر تركيا، فإن القادة الكبار في وحدات حماية الشعب هم أنفسهم أعضاء في حزب العمال الكردستاني. وقد أصبحت هذه الهجمات سمة منتظمة لبيئة أمنية هشة أصلاً. وقد أوجد الحشد وحزب العمال الكردستاني (مع المجموعات التابعة له) أرضية مشتركة في مواجهة تركيا والحزب الديمقراطي الكردستاني – الحشد لأنه يسعى إلى الحصول على موطئ قدم أكثر ثباتاً في الشمال، فإنه يعد الوجود العسكري التركي هناك احتلالاً ويرفض ادعاء الحزب الديمقراطي الكردستاني بحقه في سنجار، وحزب العمال الكردستاني لأنه يسعى إلى العثور على ملاذ آمن في شمال العراق.

وسعياً من الأمم المتحدة إلى وضع القضاء على مسار أفضل، فإنها توسطت في التوصل إلى اتفاق في تشرين الأول/أكتوبر 2020 بين بغداد وأربيل يهدف إلى ملء الفراغ الأمني والإداري في مرحلة ما بعد وجود تنظيم الدولة الإسلامية من خلال الجمع بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان معاً في إدارة سنجار، وتحت السلطة الكلية لبغداد. لكن حتى الآن دخلت أجزاء فقط من الاتفاق حيز التنفيذ، بالنظر إلى أنه أخفق في أن يأخذ بالحسبان المناظير المختلفة للجهات الفاعلة المسيطرة على الأرض – أي وحدات حماية الشعب ومجموعات الحشد المختلفة. وحدات حماية الشعب، بما في ذلك الإدارة الذاتية لسنجار، ترفض الاتفاق، الذي لا يكتفي بعدم ذكر دورها في القضاء، بل يحظر وجودها بشكل كامل. وفي حين أن الحشد، الذي يخضع رسمياً لسلطة رئيس الوزراء العراقي، طرف منفذ للاتفاق، فإن الكثير من المجموعات الشيعية التي تكوّن النواة الصلبة للحشد تنظر إلى الحكومة على أنها منحازة ضدها في السعي إلى نقل المسؤوليات الأمنية إلى القوات النظامية الخاضعة لوزارتي الدفاع والداخلية. اتضحت الطبيعة العاجلة لتسريع التنفيذ الكامل للاتفاق في أيار/مايو، عندما اندلعت اشتباكات بين الجيش ووحدات حماية الشعب في إحدى النواحي التابعة لقضاء سنجار. وفي حين أن مثل تلك المواجهات تبدو متقطعة، فإنها تكشف عن تحدٍ لم تتم معالجته، والمتمثل في مصير وحدات حماية الشعب، التي وإن كانت مرتبطة بمجموعة خارجية فإن حزب العمال الكردستاني يتكون أفراده هو نفسه من سنجاريين، أي مواطنين عراقيين لديهم هواجس محلية مشروعة. وهكذا، فإن هذا الملف يستحق معالجة حساسة، وليس إلى لجوء الجيش إلى استخدام المطرقة في كل مكان يرى فيها مسماراً أعوج.

ومن أجل معالجة التأخير الخطير في إنفاذ اتفاق سنجار فعلياً، ينبغي على بغداد وأربيل العمل باتجاه درجة أكبر من قبول الاتفاق من قبل طيف واسع من الجماعات المسلحة المحلية وممثلي المجتمعات المعنية. فيما يتعلق بالجانب المدني، ينبغي على الحكومة أن تعين مكلفاً بأعمال القائم مقام حالياً، وإجراء مشاورات وثيقة مع سلطات أربيل وقادة المجتمع المحلي في سنجار لتعيين شخص إيزيدي مناسب وغير منحاز سياسياً من سنجار. على الجبهة الأمنية، ينبغي على الحكومة الاتحادية الابتعاد عن مقاربتها القتالية، والانخراط في حوار مباشر مع وحدات حماية الشعب بشأن تحديات مثل إنشاء قوة شرطة محلية والسعي إلى إدماج مقاتليها (وأعضاء المجموعات المسلحة الأخرى) في قوات الدولة. ويمكن لبعثة الأمم المتحدة للمساعدة في العراق أن تساعد في إنجاح هذه الإجراءات من خلال إرسال مراقبين مدنيين دوليين ومستشارين تقنيين للإشراف على العملية.

بغداد/بروكسل، 31 أيار/مايو 2022

Subscribe to Crisis Group’s Email Updates

Receive the best source of conflict analysis right in your inbox.