العراقيون والربيع العربي
العراقيون والربيع العربي

العراقيون والربيع العربي

أعطت الثورات التي اجتاحت الشرق الأوسط وشمال أفريقيا زخما جديدا للعراقيين وشعورا ملحا بضرورة التغيير والحصول على حكومة أفضل وأكثر عرضة للمحاسبة، وهو مطلب يستحقه العراقيون كما يستحقه أشقاؤهم العرب في الدول المجاورة. ولتتمكن حكومة المالكي من تعزيز شرعيتها المتآكلة، سيتعين عليها إطلاق حملة قوية لمكافحة الفساد، وتحسين تقديم الخدمات ووضع الضوابط والموازين اللازمة في أنظمة الدولة

بعد سنوات من حال انعدام اليقين وعدم الاستقرار والصراع، يبدو أن الدولة العراقية باتت أكثر تماسكا، وذلك بفضل النجاح في الحد من العنف بشكل يسمح بظهور ما يشبه الحياة الطبيعية. لكنها وفي هذه الأثناء سمحت باستشراء الفساد وانتشاره في مؤسساتها. وهذا بدوره أسهم في تدهور حاد في الخدمات العامة. لقد فاقمت حكومة رئيس الوزراء نوري المالكي هذه المشكلة بالتدخل في قضايا مكافحة الفساد، والتلاعب بالتحقيقات للحصول على المنافع السياسية وترهيب منتقديها لمنع تكرار سيناريو الحركات الشعبية التي أسقطت حتى الآن ثلاثة أنظمة في المنطقة. ونتيجة لذلك، فقد تآكلت مصداقية الحكومة في محاربتها للفساد؛ وهذا، مصحوبا بنزعات سلطوية مثيرة للقلق، يوفر ذخيرة لمنتقدي رئيس الوزراء

بعد انتشار العنف في أعقاب الغزو الأميركي عام 2003، عانت الدولة بقدر ما عانى السكان؛ إذ تدهورت الخدمات العامة بشكل كامل إثر ازدياد حالات الاختطاف والتفجيرات والاغتيالات. وفي أعقاب تفجيرات سامراء المروعة في فبراير (شباط) 2006، فرغت وزارات بأكملها من موظفيها لعدم تجرؤ المسؤولين والموظفين على الذهاب إلى أماكن عملهم. وبين ليلة وضحاها، تم التخلي عن مشاريع استمر العمل عليها لسنوات. ووجد القضاة والبرلمانيون أنفسهم مستهدفين. وأُجبرت الهيئات الرقابية على دحر عملياتها، مما ترك مؤسسات الدولة دون ضوابط وضمانات ضد الفساد والاستغلال. ونتيجة لذلك، فقد تراجع ناتج الدولة بشكل جذري على مدى عدد من السنوات، حتى مع رفع الميزانية بشكل مستمر نظرا لارتفاع أسعار النفط. أسهم شلل الدولة في تكاثر وانتشار العناصر الإجرامية والمصالح الشخصية في سائر مفاصل البيروقراطية

بحلول عام 2009، أعادت الدولة فرض نفسها بفضل مزيج من العوامل. شكلت زيادة القوات الأميركية بين عام 2007 و2009 عاملا أوليا مهمّا لتحسين الأمن، لكن في ما يتعلق بالمؤسسات، فقد تمكنت قوات الأمن التي أعيد بناؤها من تعزيز عوامل السلامة والأمان بما يكفي لتمكين المسؤولين والموظفين من العودة إلى العمل دون حماية أو مساعدة من القوات الأميركية. يحظى القضاة اليوم بحماية قوات وزارة الداخلية. ويعتمد مجلس النواب بشكل حصري على أفراد الشرطة المحلية والمتعاقدين الخاصين للحفاظ على أمنهم. واستعادت الدولة معظم وظائفها

إلا أن عجزا حادا لا يزال يعتري الخدمات العامة، خاصة الفساد المستشري الذي انتشر كالفيروس في كل مؤسسات الدولة خلال السنوات التي غاب فيها القانون حتى عام 2008. يتمثل أحد الأسباب الرئيسية لهذا الوضع البائس في فشل هياكل الرقابة في الدولة التي سمحت للحكومات المتعاقبة بالعمل دون ضوابط. يُلزِم دستور عام 2005 والإطار القانوني عددا من المؤسسات مثل «هيئة النزاهة» و«ديوان الرقابة المالية» و«المفتشون العموميون»، والبرلمان والمحاكم، بمراقبة عمليات الحكومة المالية وأدائها في التنفيذ. إلا أن أيا من هذه المؤسسات لم يكن قادرا على الوقوف في وجه تدخل الحكومة، وتعنتها وتلاعبها، ووجود هياكل قانونية منتقصة وتهديدات مستمرة باستعمال العنف

لقد أجبرت هذه العوامل مسؤولين رفيعين على الاستقالة؛ وأبرزهم رئيس «هيئة النزاهة» في 10 سبتمبر (أيلول) 2011. حتى منظمات المجتمع المدني – التي تعرضت لترهيب من الحكومة على شكل تهديدات مجهولة المصدر، واعتقال النشطاء السياسيين واستعمال العنف، بما في ذلك ممارسات وحشية للشرطة - أثبتت عدم قدرتها على وضع ضوابط لممارسات الحكومة. في التاسع من سبتمبر 2011 قتل صحافي بارز كان قد نظم احتجاجات أسبوعية ضد الفساد الحكومي. ورغم أنه لم يتم العثور على الفاعلين، فإن مقتله أسهم في ازدياد المخاوف من النزعة السلطوية لحكومة المالكي

لقد أُسس إطار عمل الرقابة القائم حاليا من قبل سلطة الائتلاف المؤقتة في عام 2004. فقد أجرت سلطة الائتلاف المؤقتة عددا من الإصلاحات غير المدروسة منذ البداية؛ إذ جردت ديوان الرقابة المالية، الذي كان المؤسسة الوحيدة من هذا النوع في العراق، من سلطات واسعة بما في ذلك السلطة الحصرية للرقابة على المشتريات العامة ولإحالة قضايا الاشتباه بالفساد إلى المحاكم. نقلت سلطة الائتلاف المؤقتة هذه السلطات إلى «هيئة النزاهة»، وهي مؤسسة تم إنشاؤها عام 2004 لتكون الجهة المخولة بجميع أنشطة مكافحة الفساد. رغم تغلبها على مخاطر قد هددت وجودها في سنواتها الأولى، فإن الهيئة لا تستطيع حتى اليوم القيام بتحقيقاتها بشكل مستقل نتيجة لمشكلات في الموارد البشرية ولصعوبة الوصول إلى بعض الإدارات الحكومية. ولذلك، فقد اعتمدت على «المفتشون العموميون»، وهي مؤسسة أخرى أنشأها الائتلاف وضعت مدققين ومحققين لها في جميع الوزارات ومؤسسات الدولة الأخرى. لكن، ونظرا للضعف الخطير الذي يعتري الإطار القانوني والإداري، لم تتمكن هذه المؤسسة من تنظيم عملها، فتبقى واحدة من أضعف مؤسسات الدولة أداء

قد يكون مجلس النواب، وهو المؤسسة الأهم في إطار عمل الرقابة الجديد نظرا لاضطلاعه بإصلاح جميع مجالات الحكم، أقل هذه المؤسسات فعالية على الإطلاق؛ إذ تتميز أساليب عمله الداخلية بطائفية مفرطة، أما نظامه الداخلي، فهو معقد وناقص بحيث لم يتمكن المجلس من سن تشريعات كان يُفترض أن تصدر منذ أمد طويل لإصلاح الأضرار التي لحقت بمؤسسات الدولة منذ عام 2003. زد على ذلك، ونتيجة للتوازنات السياسية الدقيقة التي أُبرمت بعد انتخابات ديسمبر (كانون الأول) 2005 ومارس (آذار) 2010، التي شهدت نشوء حكومات ائتلاف موسعة تفتقر إلى معارضة برلمانية حقيقية، فإن المجلس لم يكن قادرا على ممارسة رقابة فعالة على الحكومة، خشية الإخلال بالتحالفات السياسية التي تقوم عليها

في هذه الأثناء، أظهر النظام القضائي (خصوصا المحكمة الاتحادية العليا، التي يفترض أن تكون الحكم في جميع النزاعات الدستورية) ضعفه الحاد أمام الضغوط السياسية. فحكمت المحكمة الاتحادية العليا في عدد من النزاعات الكبيرة بطريقة أطلقت يد حكومة المالكي لتحكم كما شاءت، دون إعاقة من الرقابة المؤسساتية

كل ذلك أحدث أثرا ملموسا: فقد اختُلِست مليارات الدولارات من خزائن الدولة، في معظم الأحيان بسبب وجود فجوات قانونية في الأنظمة التي تحكم المشتريات العامة.. أما الأحزاب، فتتعامل مع الوزارات على أنها حسابات مصرفية خاصة؛ والواسطة والرشوة والاختلاس في ازدياد. ونتيجة جزئية لذلك، فقد تراجعت المستويات المعيشية، حتى بالمقارنة مع الماضي القريب للبلاد. وينطبق ذلك عمليا على جميع أوجه الحياة، بما في ذلك قطاعات الصحة، والتعليم والكهرباء، التي تتميز جميعها بسوء الأداء رغم الزيادة الملحوظة في ميزانياتها. كما أن هناك مخاوف كبيرة إزاء التدهور في الأحوال البيئية، خصوصا في ما يتعلق بالزيادة الخطرة في العواصف الترابية والتصحر؛ إذ أعاق الفساد المستشري قدرة الدولة على التعامل مع هذه المشكلات

إذا كان الفساد قد تجذر، فالسبب لا يعود إلى غياب فرص الإصلاح. لقد قدم الخبراء الفنيون مقترحات عملية متميزة، إلا أنه لم يتم تبني أي منها تقريبا. وبسبب إطار عمل البرلمان الضعيف، وكذلك بسبب العرقلة الحكومية، لم يتمكن البرلمان من إقرار أي من الإصلاحات التشريعية المتداولة منذ عام 2007 على الأقل. وتتضمن هذه التشريعات، على سبيل المثال لا الحصر، قانونا يجبر الأحزاب السياسية على الإفصاح عن مصالحها المالية؛ وقواعد عمل لديوان الرقابة المالية، وهيئة النزاهة و«المفتشون العموميون»؛ وقانونا يحمي استقلال المحكمة الاتحادية العليا. ما لم يتم اتخاذ هذه الإجراءات وغيرها، فإن الحكومة ستستمر في العمل دون رقيب أو حسيب، مما سيتسبب في استغلال مزمن للسلطة، واستشراء الفساد وتنامي النزعة السلطوية، وهي النتيجة المحتومة لفشل آليات الرقابة. إن أشكال الإصلاح التي يطالب بها العراقيون قابلة للتحقيق، إلا أنها تتطلب وحدة في الرؤية وحسن النوايا؛ وهي خصائص غير متوفرة اليوم

Subscribe to Crisis Group’s Email Updates

Receive the best source of conflict analysis right in your inbox.