آليات المعونة الأميركية تقوّض مهنية البيشمركة
آليات المعونة الأميركية تقوّض مهنية البيشمركة

آليات المعونة الأميركية تقوّض مهنية البيشمركة

تعتقد واشنطن أن القوات الكردية في العراق، المعروفة باسم البيشمركة، هي أفضل أمل لها في ذلك البلد العربي، فقد تم إرسال الملايين من الدولارات إليها في شكل أسلحة وتدريب. لكن، طريقة توجيه تلك الأسلحة إلى الأكراد، ساعدت في تقويض الحملة التي تقودها الولايات المتحدة، وهددت بتراجع عقد من التقدم في تحويل البيشمركة إلى قوات مهنية. في نهاية المطاف، سوف تجعل الأكراد شريكاً أقل فعالية.

المساعدات العسكرية غير منسقة، غير متوازنة وغير مشروطة، وغير خاضعة للمراقبة. وبسبب غياب الشروط والمراقبة على أماكن توزيعها، في إمكان المسؤولين توجيهها إلى قوات البيشمركة الموالية لهم، مما يعزّز من مكانة الضباط الموالين بينما تدخل بقية الضباط في منافسات سطحيّة. كل هذا يبعد البيشمركة عن المهمة الحقيقية: التقييم والتحضير لمواجهة التهديدات الإرهابية. علاج هذه المشكلة يتطلّب من التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة أن يضع أي مساعدات عسكريّة تحت قيادة واحدة وتحت سيطرة مدنية بعيدة من الخصومات السياسية.

الجهود المبذولة في إصلاح البيشمركة لتكون قوة دفاع مهنية كانت جارية منذ فترة طويلة، قبل أن يأخذ تنظيم الدولة الإسلامية مساحات شاسعة من الأراضي الممتدة على طول الحدود مع كردستان العراق في حزيران (يونيو) 2014. في التسعينات، بعد أن اكتسبت المنطقة الكردية الحكم الذاتي الفعلي من بغداد، وبعد سنوات من النزاع المميت بين أقوى حزبين كرديين، الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديموقراطي الكردستاني، أنشأ الطرفان أكاديميات عسكرية متنافسة في المعاقل الإقليمية لكل منهما في قلعة جولان وزاخو.

التحق بالطرفين الكرديين ضباط من الجيش العراقي السابق الذين انشقوا خلال حكم صدام حسين، ساعدوا في تنظيم مقاتلي البيشمركة في كتائب وقيادة كبار الموظفين من الرتب العسكرية، وركزت كل قوة على الدفاع عن أراضيها من عمليات توغل الجيش العراقي، ما زاد من استقلالية كردستان عن بغداد، واستقلالية - واستعداء - المعسكرين ضد بعضهم البعض.

بعد إطاحة نظام صدام عام 2003، بدأت قوات البيشمركة تحمل ملامح جيش حقيقي. تحولت قلعة جولان وزاخو إلى أكاديميات عسكرية للجيش العراقي الجديد، وجهزت جيلاً كاملاً من الضباط الأكراد ذوي التدريب العسكري، كما تم دمج بعضهم في الجيش العراقي الجديد. بدأت قيادة البيشمركة بضم كبار مسلحي الحزب وصغار الضباط الذين لم يكونوا أعضاء في الحزب، وإن دخلوا الأكاديميات من خلال علاقاتهم مع حزبيين. كانت النتيجة النهائية جيلاً جديداً من الضباط الأكراد الذين كانوا موالين لحكومة إقليم كردستان ككل وليس لأيّ من الأحزاب المتنافسة. كما عزز هذا الاتجاه تصاعد انتقادات الرتب الأصغر من الأكراد لقبضة الأحزاب على مؤسسات حكومة إقليم كردستان.

عمليّة إصلاح العلاقات المدنية- العسكرية كانت أكثر صعوبة بكثير. بغض النظر عما إذا كان الضباط أعضاء في الحزب، كان متوقعاً أن يأخذوا أوامرهم من قادة الحزب الذين كانوا يدينون لهم بحياتهم المهنية. عام 2009، وافق الحزب الديموقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني على إنشاء وزارة شؤون البيشمركة المشتركة لجعل القضايا الإدارية مركزيّة، وإنشاء كتائب مشتركة للحزبين بقيادة خريجي الأكاديميات، وزيادة التعاون بين وكالات الاستخبارات الخاصة بهما. ومع ذلك، وعلى الرغم من إنشاء المؤسسة الجديدة، واصلت السياسة الحزبية إملاء توظيف الضابط ومنح الترقيات، ونشر القوات والتعامل مع المعلومات الحساسة.

هجوم تنظيم الدولة الإسلاميّة المفاجئ في حزيران الماضي كشف عن هذه المشكلات العميقة والمتجذّرة، وخلق أخرى جديدة، فقد دُفع بمجموعة من كبار الضباط والشخصيات الحزبية الشابة إلى مواقع القيادة على الجبهة الأمامية، مما أدى إلى تهميش خريجي الأكاديميات العسكرية الذين لم يتمتعوا بعلاقات مماثلة مع الحزبين. في الوقت نفسه، مع كُبر سن قادة الطرفين، دخل الفصيلان في صراع على الخلافة الداخلية. يسعى المتنافسون الناشئون في تلقي الدعم الخارجي، لا سيما من تركيا وإيران، لمساعدتهم في السيطرة على الأراضي والموارد الطبيعية في المناطق المتنازع عليها مع الحكومة المركزية في بغداد، ولتسليح قواتهم التي تعمل تحت مظلة البيشمركة. على سبيل المثال، في مدينة كركوك الغنية بالنفط، نشر القادة البارزون من الحزب الديموقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني شبكة من الضباط الموالين لهم، كل طرف يتبع أجندة مختلفة.

فشل الغرب في متابعة تطور البيشمركة والسياسة الكردية في شكل عام، واشترط موافقة بغداد لتقديم شحنات الأسلحة لحكومة إقليم كردستان، وهي سياسة تهدف إلى الحفاظ على سيادة العاصمة العراقية وعدم تشجيع استقلال كامل للأكراد. لكن هذه السياسة عفا عليها الزمن. اليوم، يتمتّع الاتحاد الوطني الكردستاني بحضور قوي في بغداد، ولذلك، فإن تسليح الحكومة العراقية أدّى إلى زيادة نفور الحزب الديموقراطي الكردستاني من الحكومة المركزية. في المقابل، جعلت مسؤولي الحزب الديموقراطي الكردستاني يدعون في شكل متزايد واستفزازي إلى الاستقلال، والسعي إلى التسليح المباشر من دون الرجوع إلى بغداد التي تعتبر جزءاً من الهيمنة الإيرانية. صانعو السياسة الغربيون تغاضوا عن ذلك، معتبرين أنّ مثل هذه الانقسامات ستمنع اتّحاد الأحزاب الكردية للضغط من أجل استقلال كردستان العراق. إلا أنه في الواقع، تقوم هذه الانقسامات على منع الأحزاب الكردية من المشاركة الفعالة في الدولة العراقية.

تزداد الأمور تعقيداً بعد موافقة بغداد على المساعدات الغربية، حيث سيتم توجيه المساعدات العسكرية من طريق وزارة البيشمركة في حكومة إقليم كردستان، من دون متابعة لمسار الأسلحة ومكانها. ليس من المستغرب أن يقوم قادة الحزب باستخدام الأسلحة لبناء حرس خاص، أو لتمكين الضباط الموالين على حساب من هم أكثر مهنية.

كل هذا يقوّض حرب الغرب ضد تنظيم الدولة وهدف حكومة إقليم كردستان في الحفاظ على الأمن النسبي في منطقتها. كلما استمر الانقسام بين وكالات الاستخبارات الكرديّة، قلّ وصول المعلومات إلى خط المواجهة في الوقت المطلوب. إن أي كسر في سلسلة نقل المعلومات يمكن أن يؤدي إلى سوء تقدير ويسبب نكسات كبيرة، كما حدث في آب (أغسطس) الماضي عندما تخطّت قوات تنظيم الدولة خط المواجهة مع الحزب الديموقراطي الكردستاني، واقتربت من أربيل، عاصمة كردستان العراق. تسرّع قادة الحزب الديموقراطي الكردستاني في إلقاء اللوم على قلة الخبرة لدى الضباط الأصغر سناً، أو عدم وجود ترسانة كافية. ولكن السبب الرئيسي يعود إلى الخصومات الداخلية. في آب الماضي، سبّب فشل تبادل المعلومات الاستخبارية (داخل الحزب الديموقراطي الكردستاني وبين الحزب الديموقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني) عن الهجمات الوشيكة لتنظيم الدولة في سنجار ومناطق نينوى الشرقيّة السماح لمقاتلي التنظيم بمفاجأة قوات الحزب الديموقراطي الكردستاني، مما مهّد الطريق للمتشددين الجهاديين للمضي قدماً نحو أربيل.

لهذا السبب يجب أن يشرط الغرب المساعدات العسكرية بإصلاح العلاقة بين المدنيين والعسكريين. كما يجب أن يتم تسليم الأسلحة حصراً إلى اللواء المشترك بين الحزب الديموقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني الذي تم تأسيسه عام 2009، وتعزيز مكانة ضباط الأكاديمية والاعتماد على جهود قادة الحزب السابقين لتنحية خلافاتهم جانباً ودمج قواتهم. حتى الآن، موافقة بغداد على شحنات الأسلحة لم تخدم سوى في الحفاظ على سيادتها اسميّاً فقط، ولم تمنع القوات الكردية من عمليات أحادية الجانب في المناطق المتنازع عليها. إنّ سياسة «عراق واحد» يجب أن تبدأ مع استراتيجية مشتركة للحزب الديموقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني في بغداد، وتنسيق عمليات الحكومة المركزية العسكرية مع القوات الكردية وتشجيع نظام سياسي مستدام في البلاد.

ركّز التحالف في شكل ضيق على المدى الطويل لمخاطر الاستقلال الكردي، متجاهلاً مخاطر الانقسامات داخل الأكراد أنفسهم في تغذية الصراعات داخل حدود العراق الآن. نظام حكم كردي مجزّأ حتماً سيمهد الطريق لنظام إقطاعي مبني على أشخاص، يلجأون فيها إلى الميليشيات الخاصة التي تتنافس مع بعضها البعض، ومع بقيّة الفصائل العراقية الأخرى على الأرض والموارد. في وقت يتغيّر المشهد السياسي بسرعة، ينبغي على حكومة إقليم كردستان الاستثمار في جيل من ضباط البيشمركة يبقى بعيداً من المؤامرات الحزبيّة. ومما لا شك فيه أن وجود أجهزة أمن مجزّأة، ومتصارعة تحركها دوافع شخصيّة، يضع كردستان العراق في خطر أكبر بكثير من خطر تنظيم الدولة.

العراق: تحقيق الاستقرار في قضاء سنجار المتنازع عليه

لم يتعافَ قضاء سنجار بعد من الخراب الذي أصابه في عام 2014، عندما أخضع تنظيم الدولة الإسلامية سكانه لحملة رعب شرسة. ما يزال آلاف السكان نازحين. ومن أجل إقناعهم بالعودة، ستحتاج الحكومة الاتحادية العراقية وحكومة إقليم كردستان مساعدة السكان المقيمين هناك لتحسين الحوكمة والأمن.

  • Share
  • Save
  • Print
  • Download PDF Full Report

ما الجديد؟ في 15 تشرين الأول/أكتوبر 2020، وقّعت بغداد وأربيل اتفاقاً يهدف إلى تحقيق الاستقرار في قضاء سنجار العراقي من خلال إدارة وهيكلية أمنية جديدتين من شأنهما أن تسمحا بعودة المهجرين. إلا أن الاتفاق لم يُنجز إلا جزئياً. فتركيا تكثف قصفها لحزب العمال الكردستاني والمجموعات المرتبطة به في المنطقة.

ما أهمية ذلك؟ مع مرور الوقت دون التوصل إلى ترتيب عملي لحكم سنجار وتحقيق الأمن فيه، فإن الحوافز بالنسبة لأهل سنجار المهجرين الذين يعيشون في مخيمات بائسة للعودة إلى بيوتهم باتت تتضاءل. وفي هذه الأثناء، فإن تصاعد حدة العنف يخاطر بجر القضاء إلى صراع القوى بين تركيا وإيران.

ما الذي ينبغي فعله؟ ينبغي على بغداد وأربيل تنفيذ أحكام الحوكمة، والأمن وإعادة الإعمار في اتفاق سنجار في أقرب وقت ممكن. وينبغي أن تعالجا إخفاقهما، عند التوصل إلى الاتفاق، في تأمين مشاركة وموافقة المجموعات العراقية المسلحة الفاعلة على الأرض من خلال استشارتها واستشارة ممثلي المجتمع المدني السنجاري حول كيفية إنجاح الاتفاق.

الملخص التنفيذي

بعد نحو سبع سنوات من تمكّن تحالف غير وثيق مكوَّن من مجموعات مسلحة وقوات من إقليم كردستان وبغطاء جوي أميركي من إخراج تنظيم الدولة الإسلامية من سنجار، فإن الوضع هناك ما يزال متوتراً. سنجار، الذي كان في وقت من الأوقات قضاءً هادئاً في الزاوية الشمالية الغربية البعيدة من العراق، بات يصارع، مع افتقار إدارته المحلية للشرعية، وإخفاق خدماته العامة في تلبية التوقعات وتوقف عملية إعادة الإعمار فيه. ثمة مجموعة متفرقة من الجماعات المسلحة تبقي المنطقة غير آمنة، وهو الوضع الذي يترك 70 بالمئة من سكانه في حالة نزوح. وتنتشر الأغلبية العرقية – الدينية الإيزيدية، التي استُهدفت في هجوم أقرب إلى الإبادة الجماعية شنه تنظيم الدولة الإسلامية عليها في عام 2014، في سائر أنحاء الشمال الغربي (وفي المنفى) وتعاني من الانقسام السياسي. في عام 2020، توصلت الحكومة الاتحادية العراقية وحكومة إقليم كردستان إلى اتفاق لتحقيق الاستقرار في سنجار، لكن المتابعة تباطأت، وهددت الصدامات التي جرت في أيار/مايو بين الجيش وإحدى الميليشيات المحلية إلى تقويضه بشكل كامل. سيتعين على أطراف الاتفاق العمل مع سكان سنجار لتعزيز الدعم للاتفاق والإشراف على تنفيذه، بشكل يسمح بعودة المهجرين.

حتى قبل وصول تنظيم الدولة الإسلامية في عام 2014، كان قضاء سنجار رهينة مواجهة بين الحكومة الاتحادية في بغداد وحكومة إقليم كردستان في أربيل بسبب وضع الإقليم كمنطقة متنازع عليها (أي منطقة تدعي كلا الحكومتان السلطة عليها). ينص الدستور العراقي لعام 2005 على عملية مصممة لتسوية الادعاءات المزدوجة بالحق بالمناطق المتنازع عليها. إلا أن حكومة كردستان، وخصوصاً المكوّن الأكثر قوة فيها وهو الحزب الديمقراطي الكردستاني، سعت منذ وقت طويل إلى السيطرة على المناطق المتنازع عليها، بما في ذلك سنجار، كمقدمة لضمها إلى إقليم كردستان. ودخل مقاتلو الحزب الديمقراطي الكردستاني وقوات البشمركة التابعة له إلى سنجار في عام 2003، واستمالوا ووظفوا النخب المحلية لأداء مهام الحوكمة الروتينية. إلا أن الحزب لم يحقق شعبية تذكر هناك. وبوجه خاص، عامل الإيزيديين بوصفهم أكراداً، وبذلك حرمهم فعلياً من الهوية المميزة للجماعة وزرع بذور الاستياء في أوساطهم.

حوَّل هجوم تنظيم الدولة الإسلامية على الإيزيديين في آب/أغسطس 2014، سنجار إلى بؤرة تجمّع لطيف واسع من الجماعات المسلحة. وتمثلت إحدى هذه الجماعات في حزب العمال الكردستاني – وهو مجموعة كردية متمردة تصنفها تركيا (وكذلك الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي) تنظيماً إرهابياً. كان حزب العمال الكردستاني قد بحث عن مكان آمن في شمال العراق، رغم أن وجوده كان يقتصر بشكل عام على جبال قنديل قبل عام 2014 ومنطقة من قضاء مخمور حيث يقع مخيم للاجئين الأكراد من تركيا. لكن عندما سحب الحزب الديمقراطي الكردستاني قوات البشمركة التابعة له عندما شن مقاتلو تنظيم الدولة الإسلامية هجوماً على المنطقة، تدخلت جماعات تابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني بغطاء جوي أميركي – وتمكنت من إنقاذ الناجين وصد تنظيم الدولة الإسلامية تدريجياً. ثم، في أواخر عام 2015، أرسلت الولايات المتحدة مرة أخرى طائراتها الحربية لمساعدة خليط من الجماعات المرتبطة بحزب العمال الكردستاني (وحدات حماية الشعب السورية، ووحدات مقاومة سنجار التي أسست حديثاً) والبشمركة التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني على طرد تنظيم الدولة الإسلامية بشكل كامل. وعلى مدى العامين التاليين، ظل إقليم سنجار بشكل عام تحت سيطرة الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي هيمن على الشمال الشرقي وأيضاً على بلدة سنجار، وحزب العمال الكردستاني، الذي تركز وجوده في جبل سنجار والشمال الغربي.

في عام 2017، تغير الوضع في شمال العراق مرة أخرى، حيث أعاد تصعيد الحملة المناهضة لتنظيم الدولة الإسلامية بدعم من الولايات المتحدة القوات الاتحادية العراقية إلى الشمال، وانضمت إليها مجموعات الحشد الشعبي شبه العسكرية التي تتكون بشكل رئيسي من عراقيين من أجزاء أخرى من البلاد. فتمت استعادة الموصل، آخر مدينة كانت واقعة تحت سيطرة الدولة الإسلامية. ثم مضى الحشد أبعد من ذلك. فبعد أن أحدث استفتاء على الاستقلال نظمته حكومة إقليم كردستان رد فعل عكسي، تم إخراج الحزب الديمقراطي الكردستاني من سنجار والاكتفاء بتعاون مضطرب مع مكونات الحزب وفروعه والمجموعات المرتبطة به المقيمة هناك.

تتسم ترتيبات الحوكمة الناجمة عن ذلك بالعشوائية وانعدام الفعالية. إذ يتمتع الحزب الديمقراطي الكردستاني بتفويض رسمي لحكم سنجار، لكنه يمارس هذا التفويض من خارج القضاء، وحتى من خارج محافظة نينوى التي تقع فيها سنجار، أي من محافظة دهوك المجاورة. داخل سنجار، عيّن الحشد قائم مقام بديل ومدراء نواحٍ دون مباركة الحكومة الاتحادية، في حين أنشأت وحدات حماية الشعب، التي تتكون غالباً من إيزيديين عراقيين إضافة إلى عدد قليل من العرب الذين حملوا السلاح ضد تنظيم الدولة الإسلامية، ذراعاً حاكماً – "الإدارة الذاتية في سنجار" – تسعى لأداء بعض الوظائف البيروقراطية، لكنها تفتقر إلى السلطة والقدرة على أدائها.

في هذه الأثناء، وبسبب المجموعات المسلحة التي يستضيفها قضاء سنجار فإن القضاء يجد نفسه على نحو متزايد في وسط المواجهة بين تركيا وإيران. إيران تدعم الحشد، في حين أن تركيا تسعى إلى القضاء على حزب العمال الكردستاني الذي ترى فيه تهديداً لأمنها القومي. عندما انسحب مقاتلو الحزب الديمقراطي الكردستاني في عام 2017، فقدت تركيا – التي تتعاون مع الحزب الديمقراطي الكردستاني في محاربة حزب العمال الكردستاني – فقدت شريكها الرئيسي على الأرض في سنجار. وهكذا صعدت الضربات الجوية التي كانت تشنها أصلاً على مخابئ حزب العمال الكردستاني في شمال العراق، وضربت قواعد لوحدات حماية الشعب تستضيف كوادر من حزب العمال الكردستاني في سنجار أيضاً. من وجهة نظر تركيا، فإن القادة الكبار في وحدات حماية الشعب هم أنفسهم أعضاء في حزب العمال الكردستاني. وقد أصبحت هذه الهجمات سمة منتظمة لبيئة أمنية هشة أصلاً. وقد أوجد الحشد وحزب العمال الكردستاني (مع المجموعات التابعة له) أرضية مشتركة في مواجهة تركيا والحزب الديمقراطي الكردستاني – الحشد لأنه يسعى إلى الحصول على موطئ قدم أكثر ثباتاً في الشمال، فإنه يعد الوجود العسكري التركي هناك احتلالاً ويرفض ادعاء الحزب الديمقراطي الكردستاني بحقه في سنجار، وحزب العمال الكردستاني لأنه يسعى إلى العثور على ملاذ آمن في شمال العراق.

وسعياً من الأمم المتحدة إلى وضع القضاء على مسار أفضل، فإنها توسطت في التوصل إلى اتفاق في تشرين الأول/أكتوبر 2020 بين بغداد وأربيل يهدف إلى ملء الفراغ الأمني والإداري في مرحلة ما بعد وجود تنظيم الدولة الإسلامية من خلال الجمع بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان معاً في إدارة سنجار، وتحت السلطة الكلية لبغداد. لكن حتى الآن دخلت أجزاء فقط من الاتفاق حيز التنفيذ، بالنظر إلى أنه أخفق في أن يأخذ بالحسبان المناظير المختلفة للجهات الفاعلة المسيطرة على الأرض – أي وحدات حماية الشعب ومجموعات الحشد المختلفة. وحدات حماية الشعب، بما في ذلك الإدارة الذاتية لسنجار، ترفض الاتفاق، الذي لا يكتفي بعدم ذكر دورها في القضاء، بل يحظر وجودها بشكل كامل. وفي حين أن الحشد، الذي يخضع رسمياً لسلطة رئيس الوزراء العراقي، طرف منفذ للاتفاق، فإن الكثير من المجموعات الشيعية التي تكوّن النواة الصلبة للحشد تنظر إلى الحكومة على أنها منحازة ضدها في السعي إلى نقل المسؤوليات الأمنية إلى القوات النظامية الخاضعة لوزارتي الدفاع والداخلية. اتضحت الطبيعة العاجلة لتسريع التنفيذ الكامل للاتفاق في أيار/مايو، عندما اندلعت اشتباكات بين الجيش ووحدات حماية الشعب في إحدى النواحي التابعة لقضاء سنجار. وفي حين أن مثل تلك المواجهات تبدو متقطعة، فإنها تكشف عن تحدٍ لم تتم معالجته، والمتمثل في مصير وحدات حماية الشعب، التي وإن كانت مرتبطة بمجموعة خارجية فإن حزب العمال الكردستاني يتكون أفراده هو نفسه من سنجاريين، أي مواطنين عراقيين لديهم هواجس محلية مشروعة. وهكذا، فإن هذا الملف يستحق معالجة حساسة، وليس إلى لجوء الجيش إلى استخدام المطرقة في كل مكان يرى فيها مسماراً أعوج.

ومن أجل معالجة التأخير الخطير في إنفاذ اتفاق سنجار فعلياً، ينبغي على بغداد وأربيل العمل باتجاه درجة أكبر من قبول الاتفاق من قبل طيف واسع من الجماعات المسلحة المحلية وممثلي المجتمعات المعنية. فيما يتعلق بالجانب المدني، ينبغي على الحكومة أن تعين مكلفاً بأعمال القائم مقام حالياً، وإجراء مشاورات وثيقة مع سلطات أربيل وقادة المجتمع المحلي في سنجار لتعيين شخص إيزيدي مناسب وغير منحاز سياسياً من سنجار. على الجبهة الأمنية، ينبغي على الحكومة الاتحادية الابتعاد عن مقاربتها القتالية، والانخراط في حوار مباشر مع وحدات حماية الشعب بشأن تحديات مثل إنشاء قوة شرطة محلية والسعي إلى إدماج مقاتليها (وأعضاء المجموعات المسلحة الأخرى) في قوات الدولة. ويمكن لبعثة الأمم المتحدة للمساعدة في العراق أن تساعد في إنجاح هذه الإجراءات من خلال إرسال مراقبين مدنيين دوليين ومستشارين تقنيين للإشراف على العملية.

بغداد/بروكسل، 31 أيار/مايو 2022

Subscribe to Crisis Group’s Email Updates

Receive the best source of conflict analysis right in your inbox.