الجيل الضائع في العراق: امريكا لا تهزم اعداءها بل تصنعهم
الجيل الضائع في العراق: امريكا لا تهزم اعداءها بل تصنعهم

الجيل الضائع في العراق: امريكا لا تهزم اعداءها بل تصنعهم

لا شك في أن الجدال حول ما إذا كان الاندفاع يثبت نجاحه في إحلال السلام في العراق يخفي وراءه سؤالاً أعمق: هل تثبت الولايات المتحدة نجاحها في كسب تأييد الأجيال العراقية المستقبلية؟ الجواب هو كل. فقد ساهمت السياسات الأمريكية، في الماضي كما اليوم، في نشأة جيل من العراقيين الشباب العاطلين عن العمل، المسكونين بمشاعر الاستعداد والغضب، والذين سيواصلون المعركة علي الأرجح

امريكا لا تهزم أعداءها، بل هي تصنعهم

ومن الجلي أن هذه هي الحال مع جيش المهدي وتنظيم القاعدة في العراق، هاتين المجموعتين اللتين تعتبرهما الولايات المتحدة ألد وأخطر أعدائها. أضف إلي ذلك أن لميليشيا الصدر جذوراً تمتد بعمق في أوساط العراقيين الشيعة المحرومين من حقوق الاقتراع. وتجنّد هذه الميليشيا أفرادها بشكل رئيسي من صفوف الشبان الذين يقطنون مناطق لم تعرف التمدين إلا مؤخراً، والذين يمقتون شركاءهم في الدين الأفضل حالاً الذين ينتمون إلي الطبقة الوسطي ويميلون أكثر إلي دعم آية الله السيستاني وحليفه السياسي، أي المجلس الإسلامي الأعلي في العراق. وجدير بالذكر أن غالبية أنصار ميليشيا الصدر وأفرادها العسكريين تتراوح أعمارهم بين العقد الثاني والعقد الثالث، ما يجعل من هذه المليشيا ظاهرة طبقية وعمرية في آن. وبحسب ما قاله أحد الشبان الصدريين: الآباء مع السيستاني، والأبناء مع مقتدي

وعلي مستوي الأفراد العاديين، يتمتع أيضاً تنظيم القاعدة في العراق بشعبية هامة في أوساط العراقيين الشباب، إنما السنّة في هذه الحالة، حتي وإن كانت قيادة هذا التنظيم أكبر سناً، وبدرجة طفيفة ومتراجعة، أجنبية الهوية. وقد أجرت مجموعة الأزمات الدولية دراسة ميدانية حول هذا التنظيم وخلصت إلي أدلة واضحة: يتكوّن هذا التنظيم بغالبيته من قاصرين من الريف والمدن يفتقرون إلي الخبرة ويواجهون مستقبلاً قاتماً، وذلك خلافاً لمجموعات المتمردين السنّة الأخري التي تستقطب بشكل رئيسي أصحاب مهن سابقين ورجال دين مدرَّبين وأفراد قبائل أكبر سناً. ولا شك في أن التنظيم قد عاني مؤخراً نكسات عسكرية حادة . لكن مقدرة التنظيم علي التحمل وعلي إعادة إمداد قواته بالأفراد تشهدان علي وجود مجموعة كبيرة من الشبان العراقيين اليائسين الذين جذبهم وعد القاعدة بتحقيق الرضي في الآخرة عبر الاستشهاد

والواقع أن ماضي العراق يطرح ظاهرة مشابهة، توجيهية وإن محيّرة بتناقضها الظاهري. فقد شهد العام 1994تشكيل فدائيي صدام، وهي وحدة مغاوير أُوكلت إليها مهمة فرض النظام علي المستوي المحلي. وكان مصدر هؤلاء الفدائيين بئراً لا قعر لها استوطنها شبان فقراء من السنة والشيعة لم يبلغوا مستويً تعليمياً جيداً وضاعت توقعاتهم المستقبلية (سواء من ناحية العمل أو الحياة الاجتماعية أو الزواج) بسبب البؤس ومؤسسات الدولة البالية والفساد المتفشي. صحيح أن انضمام هؤلاء الشبان إلي الفدائيين منحهم تعويضاً مادياً بسيطاً، لكن الأهم من ذلك أنه عزز ثقتهم بأنفسهم ومكانتهم الاجتماعية وإحساسهم بوجود غاية لحياتهم، ولا بد من الإشارة إلي أن مقاومتهم الشرسة ضد تقدم قوات التحالف في العام 2003 لم تكن ترتبط فعلياً بالولاء أو بالقناعة الإيديولوجية، بل هي تنبع علي الأرجح من إحساسهم العارم بأن الأمل الوحيد بالمستقبل يكمن في ممارسة القوة والسعي في سبيل قضية عدمية يجسّدها فدائيو صدام

كثيرة هي الأمور التي تفصل بين جيش المهدي وتنظيم القاعدة في العراق وفدائيي صدام. لكن هذه التنظيمات متشابهة إلي حد بعيد علي مستويات عدة رئيسة، وتحديداً لجهة العمر الشبابي الذي يميّز أفرادها، وانشغالهم بالآخرة، وافتتانهم بالعنف غير المكبوت. وما يثير السخرية أن الولايات المتحدة قد ساهمت عن غير قصد في إطلاق جماح هذه المجموعات الثلاث كلها. فعندما فرضت الولايات المتحدة علي مر ثلاثة عشر عاماً نظام العقوبات الأكثر تشدداً وشمولية في التاريخ الحديث، ساهمت في ظهور جيل من العراقيين المعوزين واليائسين. وعندما أساءت إدارة الاحتلال وأفسحت في المجال أمام الفراغ الأمني وانتشار الفوضي علي حد سواء، ساعدت علي نفي عدد كبير من العراقيين المنتمين إلي الطبقة الوسطي، فقوّضت إذ ذاك مجموعة الناخبين الأقدر علي تبني جدول أعمالها السياسي. وإذ ركزت الولايات المتحدة علي التكتيكات العسكرية وحدها للقضاء علي الطبقة العليا في مجموعات المتمردين، عززت نشأة قادة يافعين يفتقرون إلي الخبرة والانضباط والرحمة. وجدير بالذكر أن أتباع القاعدة يقرون بذلك. وقد قال أحدهم: بعض الأمراء لا تتجاوز أعمارهم 20 أو 25 سنة. هم لا يعرفون شيئاً عن الدين أو السياسة أو الاستراتيجية العسكرية. هم لا يعرفون سوي منطق واحد هو: ها هو العدو سأقاتله وأدخل الجنة

صحيح أن بعض التقدم قد أُحرز علي مستوي خلق تيار معاكس لجيش المهدي وعلي وجه الخصوص لتنظيم القاعدة ، إلا أن أي تقدم سيكون في أفضل الأحوال قصير الأمد لأنه لا يواجه المشكلة الأعمق بأي شكل من الأشكال. وعلي الرغم من أن جيش المهدي قد يبدو محط ازدراء كبير، إلا أنه لا يزال مسيطراً في أجزاء كبيرة من بغداد وفي الجزء الأعظم من الجنوب. في المقابل، يعمد تنظيم القاعدة في العراق، الذي خارت قواه في محافظة الأنبار بما لا يقبل الشك، إلي إعادة الانتشار في مناطق أخري، وتحديداً في الموصل حيث عبّر أحد البعثيين عن هذا الموقف التلقائي: تمتلك القاعدة موارد ضخمة استخدمتها لتوقع في شباكها شباناً مراهقين أو في مطلع العقد الثاني من العمر هم في غالب الأحيان يعيشون في عزلة ويعجزون عن توفير حياة لأنفسهم. وقد حوّلتهم القاعدة إلي عصابات تذكرني علي نحو يثير الغرابة بجيش المهدي . وفي كلتا الحالتين، يعكس البقاء في وجه الضغوطات الشديدة مدي جاذبية التنظيمين بالنسبة إلي جيل من العراقيين المحرومين الذين لم يُعطوا أي أمل بحياة أفضل. وخلاصة القول إن الجبهات الحالية للمعركة تعكس صراع الأجيال حيث تتخذ الولايات المتحدة عموماً جانب أولئك الذين يمثلون الماضي (المنفيون السابقون، وأفراد الطبقة البرجوازية البالية والزعماء الذين يسعون إلي استرجاع سلطتهم المفقودة) ضد أولئك الذين سيرسمون مستقبل العراق، للأحسن أم للأسوأ

العراق: تحقيق الاستقرار في قضاء سنجار المتنازع عليه

لم يتعافَ قضاء سنجار بعد من الخراب الذي أصابه في عام 2014، عندما أخضع تنظيم الدولة الإسلامية سكانه لحملة رعب شرسة. ما يزال آلاف السكان نازحين. ومن أجل إقناعهم بالعودة، ستحتاج الحكومة الاتحادية العراقية وحكومة إقليم كردستان مساعدة السكان المقيمين هناك لتحسين الحوكمة والأمن.

  • Share
  • Save
  • Print
  • Download PDF Full Report

ما الجديد؟ في 15 تشرين الأول/أكتوبر 2020، وقّعت بغداد وأربيل اتفاقاً يهدف إلى تحقيق الاستقرار في قضاء سنجار العراقي من خلال إدارة وهيكلية أمنية جديدتين من شأنهما أن تسمحا بعودة المهجرين. إلا أن الاتفاق لم يُنجز إلا جزئياً. فتركيا تكثف قصفها لحزب العمال الكردستاني والمجموعات المرتبطة به في المنطقة.

ما أهمية ذلك؟ مع مرور الوقت دون التوصل إلى ترتيب عملي لحكم سنجار وتحقيق الأمن فيه، فإن الحوافز بالنسبة لأهل سنجار المهجرين الذين يعيشون في مخيمات بائسة للعودة إلى بيوتهم باتت تتضاءل. وفي هذه الأثناء، فإن تصاعد حدة العنف يخاطر بجر القضاء إلى صراع القوى بين تركيا وإيران.

ما الذي ينبغي فعله؟ ينبغي على بغداد وأربيل تنفيذ أحكام الحوكمة، والأمن وإعادة الإعمار في اتفاق سنجار في أقرب وقت ممكن. وينبغي أن تعالجا إخفاقهما، عند التوصل إلى الاتفاق، في تأمين مشاركة وموافقة المجموعات العراقية المسلحة الفاعلة على الأرض من خلال استشارتها واستشارة ممثلي المجتمع المدني السنجاري حول كيفية إنجاح الاتفاق.

الملخص التنفيذي

بعد نحو سبع سنوات من تمكّن تحالف غير وثيق مكوَّن من مجموعات مسلحة وقوات من إقليم كردستان وبغطاء جوي أميركي من إخراج تنظيم الدولة الإسلامية من سنجار، فإن الوضع هناك ما يزال متوتراً. سنجار، الذي كان في وقت من الأوقات قضاءً هادئاً في الزاوية الشمالية الغربية البعيدة من العراق، بات يصارع، مع افتقار إدارته المحلية للشرعية، وإخفاق خدماته العامة في تلبية التوقعات وتوقف عملية إعادة الإعمار فيه. ثمة مجموعة متفرقة من الجماعات المسلحة تبقي المنطقة غير آمنة، وهو الوضع الذي يترك 70 بالمئة من سكانه في حالة نزوح. وتنتشر الأغلبية العرقية – الدينية الإيزيدية، التي استُهدفت في هجوم أقرب إلى الإبادة الجماعية شنه تنظيم الدولة الإسلامية عليها في عام 2014، في سائر أنحاء الشمال الغربي (وفي المنفى) وتعاني من الانقسام السياسي. في عام 2020، توصلت الحكومة الاتحادية العراقية وحكومة إقليم كردستان إلى اتفاق لتحقيق الاستقرار في سنجار، لكن المتابعة تباطأت، وهددت الصدامات التي جرت في أيار/مايو بين الجيش وإحدى الميليشيات المحلية إلى تقويضه بشكل كامل. سيتعين على أطراف الاتفاق العمل مع سكان سنجار لتعزيز الدعم للاتفاق والإشراف على تنفيذه، بشكل يسمح بعودة المهجرين.

حتى قبل وصول تنظيم الدولة الإسلامية في عام 2014، كان قضاء سنجار رهينة مواجهة بين الحكومة الاتحادية في بغداد وحكومة إقليم كردستان في أربيل بسبب وضع الإقليم كمنطقة متنازع عليها (أي منطقة تدعي كلا الحكومتان السلطة عليها). ينص الدستور العراقي لعام 2005 على عملية مصممة لتسوية الادعاءات المزدوجة بالحق بالمناطق المتنازع عليها. إلا أن حكومة كردستان، وخصوصاً المكوّن الأكثر قوة فيها وهو الحزب الديمقراطي الكردستاني، سعت منذ وقت طويل إلى السيطرة على المناطق المتنازع عليها، بما في ذلك سنجار، كمقدمة لضمها إلى إقليم كردستان. ودخل مقاتلو الحزب الديمقراطي الكردستاني وقوات البشمركة التابعة له إلى سنجار في عام 2003، واستمالوا ووظفوا النخب المحلية لأداء مهام الحوكمة الروتينية. إلا أن الحزب لم يحقق شعبية تذكر هناك. وبوجه خاص، عامل الإيزيديين بوصفهم أكراداً، وبذلك حرمهم فعلياً من الهوية المميزة للجماعة وزرع بذور الاستياء في أوساطهم.

حوَّل هجوم تنظيم الدولة الإسلامية على الإيزيديين في آب/أغسطس 2014، سنجار إلى بؤرة تجمّع لطيف واسع من الجماعات المسلحة. وتمثلت إحدى هذه الجماعات في حزب العمال الكردستاني – وهو مجموعة كردية متمردة تصنفها تركيا (وكذلك الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي) تنظيماً إرهابياً. كان حزب العمال الكردستاني قد بحث عن مكان آمن في شمال العراق، رغم أن وجوده كان يقتصر بشكل عام على جبال قنديل قبل عام 2014 ومنطقة من قضاء مخمور حيث يقع مخيم للاجئين الأكراد من تركيا. لكن عندما سحب الحزب الديمقراطي الكردستاني قوات البشمركة التابعة له عندما شن مقاتلو تنظيم الدولة الإسلامية هجوماً على المنطقة، تدخلت جماعات تابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني بغطاء جوي أميركي – وتمكنت من إنقاذ الناجين وصد تنظيم الدولة الإسلامية تدريجياً. ثم، في أواخر عام 2015، أرسلت الولايات المتحدة مرة أخرى طائراتها الحربية لمساعدة خليط من الجماعات المرتبطة بحزب العمال الكردستاني (وحدات حماية الشعب السورية، ووحدات مقاومة سنجار التي أسست حديثاً) والبشمركة التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني على طرد تنظيم الدولة الإسلامية بشكل كامل. وعلى مدى العامين التاليين، ظل إقليم سنجار بشكل عام تحت سيطرة الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي هيمن على الشمال الشرقي وأيضاً على بلدة سنجار، وحزب العمال الكردستاني، الذي تركز وجوده في جبل سنجار والشمال الغربي.

في عام 2017، تغير الوضع في شمال العراق مرة أخرى، حيث أعاد تصعيد الحملة المناهضة لتنظيم الدولة الإسلامية بدعم من الولايات المتحدة القوات الاتحادية العراقية إلى الشمال، وانضمت إليها مجموعات الحشد الشعبي شبه العسكرية التي تتكون بشكل رئيسي من عراقيين من أجزاء أخرى من البلاد. فتمت استعادة الموصل، آخر مدينة كانت واقعة تحت سيطرة الدولة الإسلامية. ثم مضى الحشد أبعد من ذلك. فبعد أن أحدث استفتاء على الاستقلال نظمته حكومة إقليم كردستان رد فعل عكسي، تم إخراج الحزب الديمقراطي الكردستاني من سنجار والاكتفاء بتعاون مضطرب مع مكونات الحزب وفروعه والمجموعات المرتبطة به المقيمة هناك.

تتسم ترتيبات الحوكمة الناجمة عن ذلك بالعشوائية وانعدام الفعالية. إذ يتمتع الحزب الديمقراطي الكردستاني بتفويض رسمي لحكم سنجار، لكنه يمارس هذا التفويض من خارج القضاء، وحتى من خارج محافظة نينوى التي تقع فيها سنجار، أي من محافظة دهوك المجاورة. داخل سنجار، عيّن الحشد قائم مقام بديل ومدراء نواحٍ دون مباركة الحكومة الاتحادية، في حين أنشأت وحدات حماية الشعب، التي تتكون غالباً من إيزيديين عراقيين إضافة إلى عدد قليل من العرب الذين حملوا السلاح ضد تنظيم الدولة الإسلامية، ذراعاً حاكماً – "الإدارة الذاتية في سنجار" – تسعى لأداء بعض الوظائف البيروقراطية، لكنها تفتقر إلى السلطة والقدرة على أدائها.

في هذه الأثناء، وبسبب المجموعات المسلحة التي يستضيفها قضاء سنجار فإن القضاء يجد نفسه على نحو متزايد في وسط المواجهة بين تركيا وإيران. إيران تدعم الحشد، في حين أن تركيا تسعى إلى القضاء على حزب العمال الكردستاني الذي ترى فيه تهديداً لأمنها القومي. عندما انسحب مقاتلو الحزب الديمقراطي الكردستاني في عام 2017، فقدت تركيا – التي تتعاون مع الحزب الديمقراطي الكردستاني في محاربة حزب العمال الكردستاني – فقدت شريكها الرئيسي على الأرض في سنجار. وهكذا صعدت الضربات الجوية التي كانت تشنها أصلاً على مخابئ حزب العمال الكردستاني في شمال العراق، وضربت قواعد لوحدات حماية الشعب تستضيف كوادر من حزب العمال الكردستاني في سنجار أيضاً. من وجهة نظر تركيا، فإن القادة الكبار في وحدات حماية الشعب هم أنفسهم أعضاء في حزب العمال الكردستاني. وقد أصبحت هذه الهجمات سمة منتظمة لبيئة أمنية هشة أصلاً. وقد أوجد الحشد وحزب العمال الكردستاني (مع المجموعات التابعة له) أرضية مشتركة في مواجهة تركيا والحزب الديمقراطي الكردستاني – الحشد لأنه يسعى إلى الحصول على موطئ قدم أكثر ثباتاً في الشمال، فإنه يعد الوجود العسكري التركي هناك احتلالاً ويرفض ادعاء الحزب الديمقراطي الكردستاني بحقه في سنجار، وحزب العمال الكردستاني لأنه يسعى إلى العثور على ملاذ آمن في شمال العراق.

وسعياً من الأمم المتحدة إلى وضع القضاء على مسار أفضل، فإنها توسطت في التوصل إلى اتفاق في تشرين الأول/أكتوبر 2020 بين بغداد وأربيل يهدف إلى ملء الفراغ الأمني والإداري في مرحلة ما بعد وجود تنظيم الدولة الإسلامية من خلال الجمع بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان معاً في إدارة سنجار، وتحت السلطة الكلية لبغداد. لكن حتى الآن دخلت أجزاء فقط من الاتفاق حيز التنفيذ، بالنظر إلى أنه أخفق في أن يأخذ بالحسبان المناظير المختلفة للجهات الفاعلة المسيطرة على الأرض – أي وحدات حماية الشعب ومجموعات الحشد المختلفة. وحدات حماية الشعب، بما في ذلك الإدارة الذاتية لسنجار، ترفض الاتفاق، الذي لا يكتفي بعدم ذكر دورها في القضاء، بل يحظر وجودها بشكل كامل. وفي حين أن الحشد، الذي يخضع رسمياً لسلطة رئيس الوزراء العراقي، طرف منفذ للاتفاق، فإن الكثير من المجموعات الشيعية التي تكوّن النواة الصلبة للحشد تنظر إلى الحكومة على أنها منحازة ضدها في السعي إلى نقل المسؤوليات الأمنية إلى القوات النظامية الخاضعة لوزارتي الدفاع والداخلية. اتضحت الطبيعة العاجلة لتسريع التنفيذ الكامل للاتفاق في أيار/مايو، عندما اندلعت اشتباكات بين الجيش ووحدات حماية الشعب في إحدى النواحي التابعة لقضاء سنجار. وفي حين أن مثل تلك المواجهات تبدو متقطعة، فإنها تكشف عن تحدٍ لم تتم معالجته، والمتمثل في مصير وحدات حماية الشعب، التي وإن كانت مرتبطة بمجموعة خارجية فإن حزب العمال الكردستاني يتكون أفراده هو نفسه من سنجاريين، أي مواطنين عراقيين لديهم هواجس محلية مشروعة. وهكذا، فإن هذا الملف يستحق معالجة حساسة، وليس إلى لجوء الجيش إلى استخدام المطرقة في كل مكان يرى فيها مسماراً أعوج.

ومن أجل معالجة التأخير الخطير في إنفاذ اتفاق سنجار فعلياً، ينبغي على بغداد وأربيل العمل باتجاه درجة أكبر من قبول الاتفاق من قبل طيف واسع من الجماعات المسلحة المحلية وممثلي المجتمعات المعنية. فيما يتعلق بالجانب المدني، ينبغي على الحكومة أن تعين مكلفاً بأعمال القائم مقام حالياً، وإجراء مشاورات وثيقة مع سلطات أربيل وقادة المجتمع المحلي في سنجار لتعيين شخص إيزيدي مناسب وغير منحاز سياسياً من سنجار. على الجبهة الأمنية، ينبغي على الحكومة الاتحادية الابتعاد عن مقاربتها القتالية، والانخراط في حوار مباشر مع وحدات حماية الشعب بشأن تحديات مثل إنشاء قوة شرطة محلية والسعي إلى إدماج مقاتليها (وأعضاء المجموعات المسلحة الأخرى) في قوات الدولة. ويمكن لبعثة الأمم المتحدة للمساعدة في العراق أن تساعد في إنجاح هذه الإجراءات من خلال إرسال مراقبين مدنيين دوليين ومستشارين تقنيين للإشراف على العملية.

بغداد/بروكسل، 31 أيار/مايو 2022

Subscribe to Crisis Group’s Email Updates

Receive the best source of conflict analysis right in your inbox.