icon caret Arrow Down Arrow Left Arrow Right Arrow Up Line Camera icon set icon set Ellipsis icon set Facebook Favorite Globe Hamburger List Mail Map Marker Map Microphone Minus PDF Play Print RSS Search Share Trash Crisiswatch Alerts and Trends Box - 1080/761 Copy Twitter Video Camera  copyview Whatsapp Youtube
العراق بعد الحشد العسكريII : الحاجة لاستراتيجية سياسية جديدة
العراق بعد الحشد العسكريII : الحاجة لاستراتيجية سياسية جديدة
سلاسة خبيثة للقاعدة في العراق
سلاسة خبيثة للقاعدة في العراق

العراق بعد الحشد العسكريII : الحاجة لاستراتيجية سياسية جديدة

  • Share
  • Save
  • Print
  • Download PDF Full Report

ملخص تنفيذي

 

هذا هو الجزء الثاني من تقريرين متزامنين تصدرها مجموعة الأزمات الدولية حول العراق بعد الحشد العسكري وبخلاصة تنفيذية وتوصيات متماثلة. تناول الجزء الأول التغيرات في المشهد السني , ويتولى الجزء الثاني تحليل حالة التطور السياسي.

رغم كل العوائق، أسهم الحشد العسكري الأميركي في تخفيف حدة العنف بشكل ملحوظ. ولا ينبغي التقليل من أهمية إنجازاته. لكن، وفي غياب التغيرات السياسية الجوهرية في العراق والتي كان يفترض بالحشد أن يسهل إحداثها، فإن هذه النجاحات ستبقى غير كافية، وهشة، وقابلة للعكس. يشكل الهدوء الأكثر من نسبي فرصة للولايات المتحدة لتركز على مكونين غائبين: الضغط على الحكومة العراقية كي تتخذ خطوات تأخرت في اتخاذها أصلاً للتوصل إلى تسوية سياسية، وتغير المناخ الإقليمي بحيث يستعمل جيران العراق نفوذهم لتشجيع تلك التسوية وضمان استمراريتها. كما يتضح من هذين التقريرين فإن هذا يتطلب التوقف عن تقديم الدعم العسكري غير المشروط للحكومة العراقية؛ والاتصال بما تبقى من المعارضة المسلحة؛ واستعمال نفوذها لتشجيع إجراء انتخابات محلية حرة وعادلة، والتقدم نحو حوار وطني واسع والتوصل إلى ميثاق وطني؛ والانخراط في دبلوماسية حقيقية مع جيران العراق، بما في ذلك إيران وسوريا.

لقد أسهمت عدة عوامل في الحد من وتيرة العنف. لقد استفاد الحشد في بعض الأحيان من سلسلة من التحولات السياسية – العسكرية التي أثرت في الطائفتين السنية والشيعية، وفي أحيان أخرى كان الحشد هو الذي شجع هذه التحولات بل أدى إلى نشوئها في المقام الأول. لكن ما من شك في أن القادة الأميركيين الميدانيين أظهروا قدراً كبيراً من الدراية والمعرفة بالديناميات المحلية على نحو غير مسبوق خلال صراع تميّز منذ البداية بسياسات أميركية بنيت على افتراضات مضللة وشاب تنفيذها الكثير من الخلل. لقد أعطت الثورة المفاهيمية داخل القيادة العسكرية القوات الأميركية القدرة على تنفيذ سياسات جديدة والاستفادة من الديناميات الجديدة. لو بقيت القيادة غارقة في المفاهيم السابقة، لكان الوضع اليوم أكثر قتامة، رغم التطورات الإيجابية على الأرض.

يتمثل أحد التغيرات الأكثر أهمية في إعادة اصطفاف العناصر القبلية في منطقة الأنبار، وتشكيل ما يعرف بالصحوات، وما يطلق عليه بشكل جمعي "أبناء العراق". ويعود ذلك إلى حد بعيد إلى تزايد الاحتكاك والاختلاف حول التكتيكات الوحشية التي تتبعها القاعدة في العراق، وإعلان قيام دولة إسلامية وتصعيد الهجمات على المواطنين العاديين. إلاّ أن القرارات التي اتخذتها المعارضة المسلحة والعشائر استفادت من الضغط العسكري المتزايد على القاعدة الذي نتج عنه ازدياد عدد القوات الأميركية. وفي كلتا الحالتين أظهرت القوات الأميركية فهماً أكثر عمقاً للتوترات الموجودة وخطوط التماس داخل الطائفة السنية. وعلى وجه العموم، تمكنت الحملة العسكرية من تهدئة المناطق التي كانت قد أصبحت عنيفة وعصية على الدخول بشكل خاص، مثل الأنبار وعدد من أحياء بغداد، وبشكل أساسي أوقفت الحرب الطائفية.

غير أن هذه الانتصارات بمفردها، ودون إستراتيجية شاملة للعراق والمنطقة، لا يمكن أن تتحول إلى نجاحات دائمة، فالمزاج في أوساط السنة يمكن أن يتغير. كما أن الانقلاب على القاعدة في العراق ليس بالضرورة نهاية الحكاية. في حين وجد بعض زعماء العشائر، الذين باتوا دون سند بعد سقوط صدام، في الولايات المتحدة راعياً جديداً مستعداً وقادراً على توفير الموارد، فإن هذا لا يساوي توجهاً حقيقياً ودائماً لدى السنة العرب لقبول العملية السياسية. بالنسبة لهؤلاء الزعماء العشائريين، كما بالنسبة للمعارضة المسلحة، فإن هذا تحالف تكتيكي، بشكل رئيسي، تم تشكيله لمواجهة عدو مباشر (القاعدة في العراق) أو العدو المركزي (إيران). لقد كانت كافة التسويات بينهم وبين الولايات المتحدة وليس بينهم وبين حكومتهم وهذه المستويات تنذر بالتفكك إذا لم توافق الأحزاب الحاكمة على درجة أكبر من تقاسم السلطة وإذا بات السنة العرب مقتنعين بأن الولايات المتحدة غير مستعدة للوقوف معهم ضد إيران أو حلفائها في العراق. آنئذ ستعود مواجهة العدو الأكبر (الميليشيات الشيعية أو الحكومة التي يسيطر عليها الشيعة) لتحتل موقع الصدارة على جدول أولوياتهم.

لقد تم إضعاف القوى التي تقاتل الولايات المتحدة لكنها لم تقهر. وتضاءل التمرد إلى حجم يمكن معالجته؛ وبعد أن اعتقدت المعارضة المسلحة أنها اقتربت من تحقيق النصر، فإنها تبدو متلهفة الآن للتفاوض مع الولايات المتحدة. رغم ذلك، فإن ما تبقى يشكل مصدراً دائماً للعنف وعدم الاستقرار يمكن أن يعود للنشاط إذا ترنحت العملية السياسية أو فشلت تجربة "أبناء العراق". حتى القاعدة في العراق لا يمكن هزيمتها من خلال الوسائل العسكرية الأميركية فقط. في حين تم إضعاف المنظمة إلى درجة كبيرة وتراجعت قدراتها العملياتية بشكل كبير، فإن جيوبها العميقة، وبنيتها المتغيرة وجاذبيتها الأيديولوجية للعديد من الشباب العراقيين تعني أنها لم تهزم بشكل نهائي. الحل الدائم الوحيد هو إقامة دولة تنشر أجهزتها الاستخبارية وأجهزة فرض القانون فيها على كافة أراضيها، وتوفر في نفس الوقت فرصاً اجتماعية – اقتصادية للأجيال الشابة. تعاني المقاربة الأميركية من عقبة أخرى. إنها تدعم مجموعة من اللاعبين المحليين الذين يعملون خارج نطاق الدولة وحكم القانون ويفرضون سلطتهم بقوة السلاح. لقد أدت هذه الفجوات على نحو خاص إلى توليد انقسامات جديدة في مجتمع مقسم أصلاً وإلى مصادر جديدة محتملة للعنف في صراع متعدد المستويات أصلاً. لقد استفادت بعض العشائر بشكل كبير من المساعدة الأميركية، في حين أن عشائر أخرى لم تستفد كثيراً. ستولد إعادة توزيع القوة هذه بالتأكيد حالة من عدم الاستقرار والتنافس يمكن أن تطلق بدورها نزاعات شديدة – وهي حصيلة لا زالت مجموعات المعارضة المسلحة النشطة تعول عليها. لا يشكل أياً من هذه التطورات تقدماً نحو تعزيز الحكومة المركزية أو المؤسسات؛ ولا تتعدى في مجموعها تعزيز الولايات المتحدة لمواقع لاعبين معينين في حرب أهلية تزداد تشظياً ونزاع محموم على السلطة والموارد. إن الانجازات القصيرة المدى الآن يمكن أن تهدد الاستقرار على المدى البعيد.

طبقاً لمعايير الرئيس بوش، فإن الحشد العسكري كان مفيداً بالدرجة الأولى من حيث أنه دفع الحكومة العراقية إلى التوصل إلى إجماع وطني، وإعادة موازنة علاقات القوة ومنح العرب السنة على وجه الخصوص إحساسا بأن مستقبلهم آمن. من المشروع أن يختلف المراقبون حول عدد ما تحقق من أهداف ومعايير الإدارة الأمريكية. لكن لا يمكن لأي من هؤلاء المراقبين أن يشكك في أن أداء الإدارة كان سيئاً. إن افتقارها للقدرة لا يمكن أن يحجب أو يبرر افتقارها للإرادة. نظراً للطبيعة الطائفية للائتلاف الحاكم وعدم استعداده على الإطلاق لتقاسم السلطة، فقد قاوم الائتلاف التوصل إلى تسوية. لماذا؟ ليس هناك ما يدعوه إلى إغضاب قواعده، والمخاطرة بتركيبته السياسية، أو التخلي عن المنافع والامتيازات التي يحظى بها عندما لا يكون لانعدام الفعل آية تبعات، وعندما يضمن أن الولايات المتحدة ستدعمه في جميع الأحوال.

يشكل الحشد المرحلة الأخيرة من مشروع "توقف وابدأ" لبناء دولة كفؤة ومؤسسات شرعية. وقد كان التحدي الجوهري في سائر المراحل يتمثل في تسوية النزاعات الكبيرة ووضع حد للصراع الفوضوي على السلطة والمناصب والموارد في مجتمع يجد نفسه، بعد حقبة من حكم الرعب، دون قواعد مقبولة للعبة أو وسائل لفرض هذه القواعد. أما سياسياً، فقد عبّر هذا الصراع عن نفسه من خلال نزاعات مسلحة وغير مسلحة حول بنية نظام الدولة (فيدرالية/مناطقية ودرجة السلطة التي ستتمتع بها المناطق)؛ وملكية، وإدارة وتوزيع ثروات النفط والغاز (قانون النفط)، والحدود الداخلية (خصوصاً حدود إقليم كردستان)؛ وآليات تسوية العلاقات بين "الرابحين" و "الخاسرين" في حقبة ما بعد صدام (على سبيل المثال، اجتثاث البعث، والعفو العام، وإعادة الدمج)؛ والطريقة التي تحصل فيها المجموعات المختلفة على السلطة (الانتخابات مقابل القوة).

تم التوصل إلى عدد قليل من الاتفاقيات التي يتم تبويقها بشكل منتظم. إلا أنها لم تحدث أي أثر فعلي. دون التوصل إلى إجماع سياسي حول طبيعة الدولة وتوزيع السلطة والموارد، يبقى إصدار التشريعات خطوة أولى هي في الغالب الخطوة الأقل أهمية. معظم هذه القوانين غامضة بما يكفي لضمان تأجيل تنفيذها، أو أن المعركة حول محتوياتها تصبح صراعاً على التفسير. علاوة على ذلك، وفي غياب الدولة والمؤسسات المحلية الشرعية والفعالة، فإن التنفيذ سيكون من حيث التعريف متحزباً ومسيساً. ما يهم بشكل أساسي ليس إصدار قانون في المنطقة الخضراء. المهم هو أن يتم تطبيقه في المنطقة الحمراء.

هذه الأمور تزداد وضوحاً بشكل متزايد. أولاً، لا يمكن حل القضايا المركزية في الصراع السياسي على نحو منفرد وبشكل متعاقب. ثانياً، إن البنية الحاكمة في الوقت الراهن لا تريد، ولا هي قادرة، على الاستفادة من الحشد للتوصل إلى اتفاق حول القضايا الجوهرية. ثالثاً، دون تعاون الأطراف الإقليمية، لن يكون التقدم مستداماً، حيث تسعى المجموعات غير الراضية عن الاتفاق للحصول على المساعدة من الدول المجاورة لتعزيز مصالحها. كل ذلك يوضح بأن المقاربة المجزأة المتبعة حالياً للتوصل إلى تسوية ينبغي أن تستبدل بجهود للتوصل إلى اتفاق موسع يعالج موضوع الفيدرالية، والنفط، والحدود الداخلية؛ ويشجع المصالحة/التوافق؛ ويضمن حصول انتخابات محلية ووطنية كوسيلة لتجديد وتوسيع الطبقة السياسية. كما يوضح مرة أخرى الحاجة إلى مشاركة الولايات المتحدة في مفاوضات حقيقية مع المعارضة المسلحة وإلى دبلوماسية إقليمية نشطة للتوصل إلى اتفاق حول قواعد اللعبة بالنسبة للأطراف الخارجية في العراق.

في الولايات المتحدة تركّّز جزء كبير من المناظرة حول ما إذا كان يتوجب المحافظة على القوات أو سحبها. إلاّ أن هذا يطرح السؤال بطريقة خاطئة وبالتالي يحصل على أجوبة مضللة. ينبغي أن تكون المقارنة، بدلاً من ذلك، بين اتباع الولايات المتحدة لسياسة من شأنها وضع أسس مؤسسات شرعية وفعالة، وقواعد للعبة، أن تقلص التكاليف المترتبة عليها هي نفسها، وعلى الشعب العراقي، وعلى الاستقرار الإقليمي، وبين الانسحاب الذي ينبغي أن يحدث عاجلاً أم آجلاً ـ أو أنها ببساطة تؤجل سيناريو ينهار من خلاله العراق ويتحول إلى دولة فاشلة ومجزأة، وعنف طويل الأمد ومتعدد المستويات إضافة إلى زيادة التدخل الأجنبي.

لقد أسهم الحشد العسكري دون شك في سلسلة من النجاحات الهامة. غير أن السؤال هو: وماذا بعد؟ ما هو الهدف الأسمى الذي تخدمه هذه النجاحات؟ طوال السنوات الأربع الأولى من الحرب، تبنت الإدارة الأميركية إستراتيجية مثالية – نشر الديمقراطية، وجعل العراق نموذجاً إقليميا – وبمعزل عن أي تكتيكات واقعية. المخاطرة المماثلة الآن هي أن الإدارة تبنت أخيراً مجموعة من التكتيكات الذكية والبراغماتية، لكنها تخلو من أي إستراتيجية شاملة.

بغداد/اسطنبول/دمشق/بروكسل، 30 نيسان/أبريل 2008

A car burns outside the UN headquarters at the Canal Hotel after a huge suicide truck bomb explosion rocked the building. Baghdad, Iraq, September 2003. AFP PHOTO/Sabah ARAR

سلاسة خبيثة للقاعدة في العراق

As part of our series The Legacy of 9/11 and the “War on Terror”, Joost Hiltermann argues that the U.S. invasion of Iraq gave rise to a fierce variety of Sunni Islamist militancy, one just as intent on killing Shiite Muslims as on fighting the U.S. occupation.

اتصل بي صديقي آرثر في أحد صباحات صيف عام 2003، مباشرة بعد أن عدت من العراق، الذي كان قد سقط في يد الولايات المتحدة في نيسان/أبريل من ذلك العام. كان آرثر مديراً لبرنامج اللاجئين في لجنة "محامون من أجل حقوق الإنسان". قبل ذلك بعشر سنوات، كنا قد سافرنا معاً إلى العراق، وإيران وتركيا لدراسة أزمة اللاجئين في أعقاب حرب الخليج 1990-1991. الآن، قال إنه يريد زيارة بغداد للمشاركة في اجتماعات حول الكلفة البشرية للحرب الجديدة. وسألني ما إذا كان ينبغي عليه أن يأخذ معه سترة واقية من الرصاص. كنا في مجموعة الأزمات قد قرعنا ناقوس الخطر بشأن التمرد المسلح الناشئ في العراق، استناداً إلى ملاحظاتي خلال زيارتين قمت بهما منذ الغزو الأميركي. لكن الوضع في العاصمة، وإن كان فوضوياً، كان ما يزال هادئاً مقارنة بما لم نكن نعرف أنه سيحدث. قلت له إن السترة الواقية من الرصاص لن تكون شيئاً إلزامياً.

بعد شهر من ذلك الحديث، كان آرثر يجلس في مكتب الممثل الخاص للأمم المتحدة، سيرجيو فييرا دي ميلو، عندما اقتحمت شاحنة مسطحة مقر الأمم المتحدة في فندق القناة في بغداد، الذي أعيد تأهيله لهذا الغرض، وفجرت قنبلة كبيرة أدت إلى مقتل كلا الرجلين إضافة إلى 20 آخرين. أحاول أن أريح ضميري بالتفكير بأن سترة واقية من الرصاص لم تكن لتنقذ صديقي، لكني لن أعرف ذلك على نحو مؤكد.

كان التفجير الانتحاري في فندق القناة أول هجوم من نوعه في العراق بعد سقوط صدام حسين. وأعلن المسؤولية عنه أبو مصعب الزرقاوي، وهو مجرم أردني كان قد ارتكب جرائم صغيرة لكنه انضم إلى الحلقات الجهادية في السجن ومن ثم جذبه الاحتلال الأميركي إلى العراق، تماماً كما كان مقاتلون من سائر أنحاء العالم الإسلامي قد تدفقوا إلى أفغانستان التي احتلها السوفييت قبل جيل. قبل ذلك بعامين، كانت القاعدة قد رسخت مواقعها كاسم جهادي عالمي بتنفيذها هجمات 11 أيلول/سبتمبر في الولايات المتحدة، واستهدافها "عدوها البعيد" – القوى الغربية – بطريقة مشهدية.

كانت الولايات المتحدة قد ردت على الهجمات في نيويورك وواشنطن أولاً بغزو أفغانستان، حيث كانت طالبان التي تحكم البلاد توفر ملاذاً لأسامة بن لادن وعصابته، ومن ثم في العراق أيضاً. لم تكن الصلة بين القاعدة والعراق واضحة، وكما تبين لاحقاً، لم تكن موجودة عموماً، على الأقل إلى أن اجتذب الغزو الأميركي نفسه إلى البلاد أولئك الذين سيصبحون جهاديين. سمحت الظروف الخاصة السائدة في العراق بسبب الغزو الأميركي، والتوترات القديمة بين الطوائف الدينية في العراق، للزرقاوي بتأسيس فرع قوي للقاعدة، فرع أكثر خبثاً في طائفيته من القاعدة التي أسسها بن لادن، وعازم على قتل الشيعة، بوجه خاص. كان الزرقاوي يعتبر الشيعة مرتدين، وهي فكرة متطرفة لم يكن سنة العراق بشكل عام يعتنقونها حينذاك. لكنه تمكن من حشد الدعم السني بسبب عداء الكثير من السنة لإيران واعتقادهم بأن الشيعة ارتبطوا بقضية مشتركة مع جارة العراق خلال حرب الثمان سنوات بين البلدين في ثمانينيات القرن العشرين.

Middle East and North Africa Program Director Joost Hiltermann while on a research trip to devastated Sinjar, Iraq, September 2016. CRISISGROUP/Noah Bonsey
ومع اشتداد أوار الحرب الطائفية، تحول المجتمع العراقي من مجتمع متنوع إلى مجتمع منقسم بعمق

وخلال سنة واحدة، أصبح التمرد المسلح الذي كانت مجموعة الأزمات قد تنبأت به في أوج نشاطه ويستهدف بشكل رئيسي القوات الأميركية وقوات الأمن العراقية الناشئة. إلا أن مجموعة الزرقاوي، التي سرعان ما تبرأت منها القاعدة المركزية بسبب نشاطها المنفرد ونظرتها الطائفية، سيطرت على أجزاء من التمرد المسلح وحولتها إلى شيء مختلف تماماً. فباستهداف رجال الدين الشيعة وبيوت العبادة، إضافة إلى الأسواق المكتظة في الأحياء ذات الأغلبية الشيعية، فإن هذه القاعدة حديثة النشأة في العراق أغرقت البلاد في حرب طائفية شريرة. وردت الميليشيات الشيعية، وبعضها مدعوم من إيران، على عمليات القتل بمثلها، فهاجمت ليس فقط مقاتلي القاعدة في العراق بل أيضاً السكان السنة في البلاد بشكل عام. كان يمكن لتلك المعركة أن تحدث حتى دون وجود القاعدة في العراق، بالنظر إلى ربط سلطة الاحتلال الأميركي بشكل علني جداً للسنة بنظام صدام وتصنيفها شيعة البلاد على أنهم مقموعين – وهي سردية لم تفعل الأحزاب الإسلامية الشيعية الحاكمة الجديدة الكثير للحد من انتشارها. غير أن القاعدة في العراق كانت بالتأكيد عود الثقاب الذي أشعل الفتيل المشبع أصلاً بالنفط.

ومع اشتداد أوار الحرب الطائفية، تحول المجتمع العراقي من مجتمع متنوع إلى مجتمع منقسم بعمق، وهو تغير تم التعبير عنه أول الأمر بالطريقة التي بات العراقيون يعرفون بها أنفسهم. إضافة إلى زياراتي إلى العراق، حضرت أيضاً عدداً من ورشات العمل مع عراقيين في عمان، التي كنت قد اتخذت منها مقراً لعملي حينذاك. قبل عام 2005، كان هؤلاء العراقيين، وهم بشكل رئيسي سياسيين وتكنوقراط وشخصيات من المجتمع المدني، يعرفون عن أنفسهم إجمالاً على أنهم عراقيين؛ ثم بدأوا فجأة، كما لو أن يداً خفية تحركهم، بالإشارة إلى أنفسهم وإلى بعضهم بعضاً على أنهم سنة وشيعة.

اغتالت الولايات المتحدة الزرقاوي في عملية كوماندوس في عام 2006. ومع فقدانها لزعيمها، فإن القاعدة في العراق لم تستعد قوتها. لكنها لم تختفِ أيضاً، بل ظلت على قيد الحياة كحال حركات التمرد في سائر أنحاء العالم، بالاختباء في الأرياف، والظهور فجأة فقط لإضعاف معنويات السلطات عبر غارات ليلية على نقاط التفتيش، ونصب الكمائن للدوريات على الطرق الرئيسية وأحياناً القيام بتوغلات في المناطق الحضرية. إلا أن الضرر كان قد لحق بالمجتمع العراقي؛ فعمليات القتل الطائفي استمرت حتى بدون أن تحفزها وتوجهها عمليات القاعدة في العراق الأكثر دموية، مع هيمنة الميليشيات الشيعية الآن.

اخترق القتال المناطق السنية – الشيعية المختلطة لنحو ثلاث سنوات إلى أن نجحت الولايات المتحدة باستعادة قدر من النظام عبر مقاربة عسكرية جديدة – "الحشد" – وتعبئة المجموعات القبلية السنية. وقد كان دافع هؤلاء لمحاربة تنظيم القاعدة في العراق الشراسة التي تعامل بها هذا التنظيم مع السنة الذين لم ينحنوا لإرادته. في عام 2012، هرب بقايا تنظيم القاعدة من العراق إلى سورية الغارقة في حرب أهلية لإعادة تشكيل أنفسهم كنسخة جديدة أخرى من القاعدة. وسرعان ما انفصلوا عن القاعدة المركزية بشكل أكثر قطعية لإنشاء تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، والاستحواذ على جزء كبير من شمال سورية، حكموه بوحشية قبل العودة منتصرين إلى العراق في أيار/مايو 2014. ومن ثم أعلنوا عن تأسيس خلافة جديدة في المناطق التي بدأوا بـ "تحريرها" من سيطرة بغداد – والتي بلغت في النهاية نحو ثلث البلاد.

باختصار، فإن الغزو الأميركي خلق وحشاً. فالقوات الأميركية التي رحب بها كثيرون لإطاحتها بديكتاتور فظيع، وأيضاً سلطة الائتلاف المؤقتة التي تم تأسيسها فوراً، فقدت شعبيتها بسبب عدم قدرتها (التي فسرت على أنها عدم استعداد "لفرض الأمن، إضافة إلى تفكيك الجيش العراقي، والحظر الشامل لحزب البعث، ورعاية وتمكين المنفيين العراقيين، والأبوية في الحكم – التي جعلها عدم كفاءة سلطة الائتلاف المؤقتة أكثر مرارة) وتجاهل المؤسسات العراقية الحاكمة التي كانت قد ظلت تعمل رغم الحكم العنيف لنظام صدام. وحتى بعد تفكيك سلطة الائتلاف المؤقتة، وتسليم زمام السلطة لحكومة عراقية مؤقتة في عام 2004، فإن الوجود الأميركي كان مكروهاً ومقاوماً بفعالية من قبل أولئك الذين شعروا بأنهم وضعوا في الخانة الواسعة للتعاون مع نظام صدام، وهي التهمة التي اعتبروا أنفسهم أبرياء منها. بالنسبة للقاعدة في العراق، كانت تلك بيئة مثالية يمكنها أن تزدهر فيها، بالاستفادة من استياء ومظالم إحدى المجموعتين.

بمرور الوقت، أحكم المتشددون العراقيون سيطرتهم على القاعدة في العراق، ومنحوها، وخليفتها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، قيادة عراقية مهيمنة تمتلك أيديولوجيا ذات صبغة عراقية وتستند جزئياً إلى الدين (وهو شكل ضيق جداً، ويقول البعض إنه منحرف، من الإسلام السني) وجزئياً إلى الشوفينية العربية العراقية. العديد من الكوادر العليا في التنظيم كانوا من أجهزة الأمن والمخابرات التابعة للنظام المخلوع. اليوم، وبعد هزيمة التنظيم واستعادة جميع الأراضي التي كان يسيطر عليها في العراق وسورية، تعود بقاياه للعب اللعبة الطويلة للتمرد المسلح التقليدي، التجول بعيداً عن أعين السلطات والتحرش بالقوات الحكومية عبر هجمات مباغتة في محاولة لإعادة بناء القوة القديمة لما يسمى بالخلافة.

كان التخطيط للمشروع الأميركي في العراق سيئاً وتنفيذه أسوأ.

إن مصير القاعدة في العراق والدولة الإسلامية في العراق والشام في العراق أقل أهمية من الرسالة التي بعث بها ظهورها؛ وهي أن الأيديولوجيات الخبيثة والتنظيمات العنيفة موجودة في كل مكان من حولنا، لكنها بحاجة للتربة المناسبة للازدهار. وقد وفر لها العراق ما بعد الغزو تلك التربة، وكذلك العديد من البلدان والمناطق الأخرى التي مزقتها الحرب منذ ذلك الحين. وحتى لو كانت الولايات المتحدة قد اتبعت سياسة أكثر حكمة تركز على بناء مجتمع عادل بقدر ما تركز على التخلص من عدو متعب، فإنها كانت ستجد صعوبة في تحقيق أهدافها. لكن رغم جميع ادعاءاتها، فإن تطبيق الديمقراطية في العراق لم يكن مجال تركيزها الرئيسي، ونشأت القاعدة في العراق في الفوضى التي خلقتها.

كان التخطيط للمشروع الأميركي في العراق سيئاً وتنفيذه أسوأ. فقد سمح بترسيخ بعض العمليات الديمقراطية، لكن هذه العمليات وقعت ضحية للفساد المستشري الذي شجعت عليه هي نفسها. وقلت حينذاك – وما زلت أعتقد بقوة – إنه ما كان لينجح، حتى ولو خصصت له موارد أكبر بكثير، وقدر أكبر من الخبرات ودرجة أكبر من الإرادة. مهما كانت حكومات المنطقة بحاجة للإصلاح، فإن الحكام المستبدين في الشرق لن يتم إسقاطهم بشكل دائم بأيدي أجنبية، وخصوصاً ليس عبر خطط غير ناضجة تعتمد على قراءات انتقائية جداً للتاريخ، وتسييس الاختلافات الإثنية والدينية، وتعزيز قوة بعض المجموعات على حساب مجموعات أخرى، دون رأفة أو رحمة. هذه هي الظروف التي يمكن استغلالها بسهولة والتي نشأ فيها الزرقاوي وعصابته.

من منظور الاستراتيجية الكبرى للولايات المتحدة، فإن المناورة العراقية كانت فعلاً لا مبرر له في إيذاء الذات، حتى لو كان معظم العراقيين قد شعروا بارتياح عميق برحيل النظام القديم، وحتى لو كان كثيرون منهم ما يزالون لا يرغبون بعودة أي نظام شبيه به. لقد كان رداً زائفاً على هجمات 11 أيلول/سبتمبر، بالنظر إلى أن أياً من منظمي أو منفذي الهجوم لم يكن له أي علاقة بالعراق. لقد كان حالة من حالات الغطرسة التي منحت تنظيماً جهادياً كان قد نفذ للتو هجوماً دراماتيكياً على رموز القوة الأميركية فرصة في تفريخ العديد مقلديه المحتملين، مثل الزرقاوي وزعيم تنظيم الدولة الإسلامية أبو بكر البغدادي، في الشرق الأوسط وغيره. إضافة إلى ذلك، فإنه بعث حياة جديدة في النزعة الجهادية العالمية بعد أن فقدت ملاذاتها الآمنة في أفغانستان وكانت في حالة انحسار بشكل عام.

بعد 11 أيلول/سبتمبر، أصبحت الحرب العراقية المسرّع الأول للجهادية، فأغوت العديد من الشباب الساعين إلى فرصة لتحقيق البطولة والشهادة، وتشكيل مجتمع وإيجاد غاية ومعنى لحياتهم. كما أظهرت الحالة العراقية أنه في حين أن المظالم لعبت دوراً رئيسياً في تشكيل القوة الدافعة للتمرد – المظالم ضد الاحتلال الأميركي؛ وضد الأحزاب الإسلامية الشيعية التي سيطرت على الدولة، وهمشت السنة؛ وضد الراعي الرئيسي لهذه الأحزاب، إيران – فإنها تبنت أيديولوجية خارجية، مع ما يرافقها من هجمات مشهدية على أهداف مختارة، لتوفير الوقود الذي سمح للتمرد بالانتشار واتخاذ شكله الطائفي الخبيث.

المفارقة، أن القاعدة في العراق، ولاحقاً الدولة الإسلامية في العراق والشام باتت من القوة إلى حد يدفع إيران والولايات المتحدة إلى التلاقي وأحياناً التعاون دولياً في جهودهما المنفصلة في محاربة الجهاديين. عارضت إيران الوجود العسكري الأميركي في العراق لكنها لم تعارض مساعدتها في محاربة الجهاديين السنة. الولايات المتحدة، من جهتها، كانت مختلفة مع إيران منذ ثورة عام 1979 وأزمة الرهائن، لكنها ما تزال ترى فائدة للميليشيات المدعومة إيرانياً في المحافظة على النظام الجديد المتداعي الذي كانت قد خلقته في العراق، خصوصاً في محاربة تمرد مسلح عنيد. كل ما هنالك أنها تفضل اندماج هذه التنظيمات بشكل كامل بالدولة المركزية المدعومة من الولايات المتحدة والخضوع لسيطرتها.

كما تظهر الحالة العراقية أيضاً أن الجهاديين يمكن أن يكونوا أسوأ أعداء أنفسهم من خلال التطرف.

كما تظهر الحالة العراقية أيضاً أن الجهاديين يمكن أن يكونوا أسوأ أعداء أنفسهم من خلال التطرف. إن وحشيتهم تزرع الخوف لكنها أيضاً تنفر أنصاراً محتملين، بل مجتمعات بأكملها، على سبيل المثال عندما تفرض عقوبات قاسية على التدخين أو تجبر الأُسر على التخلي عن بناتها "بتزويجهن" لهم. بسبب هذه الممارسات بالذات تمكّن الجيش الأميركي من تعبئة المجموعات القبلية التي باتت تعرف بـ "مجالس الصحوات" أو "أبناء العراق". كان يمكن للقاعدة في العراق أن تكون أكثر فعالية بكثير في كسب السكان في المناطق التي نشطت فيها لو أنها جعلت من نسختها من الفكر الإسلامي السني أكثر اعتدالاً أو مثلت المظالم المحلية من أجل اجتذاب السكان المستائين وتزويدهم بالعتاد اللازم وشحنهم عقائدياً وحشدهم. بدلاً من ذلك، كانت القاعدة في العراق حاملة معول تدمير ذاتها. علّمت هذه التجربة بعض فروع القاعدة التي نشأت لاحقاً، مثل جبهة النصرة في سورية، أن تخفف من حدة نهجها في الحكم، وبالتالي تعزيز شرعيتها وتوسيع نطاق حكمها.

قتل الزرقاوي قبل خمسة عشر عاماً، إلا أن إرثه العنيف مستمر في العيش بعده. وهو واضح في دول هشة وفي ميادين المعارك في سائر أنحاء العالم الإسلامي، وكذلك في مدن الغرب وروسيا. لم يخترع الزرقاوي التفجيرات الانتحارية، لكنه حولها إلى سلاح جهادي عابر للحدود الوطنية يستعمل بشكل روتيني. وجعل من استهداف المدنيين سياسة عامة – وهي في الأصل ممارسة حربية قديمة إشكالية حتى داخل الجماعات الجهادية – في البيئات غير الحربية. كما إنه أول من استحدث أسلوب الهجمات المزدوجة، بتفجير قنبلة ثانية حالما تكون القنبلة الأولى قد اجتذبت فرق الإسعاف والأشخاص المندفعين للعثور على أحبائهم.

إن فكرة ألا أحد آمن، وأن القاعدة الوحيدة هي عدم وجود قواعد، مخيفة على نحو خاص، بما في ذلك للعاملين في الشأن الإنساني الذين يسعون، دون أن يكون لهم أجندة سياسية، إلى نجدة ضحايا الحرب وتقديم العون لهم. أحد هؤلاء الأشخاص هو جيل لوشر، الذي توفي عام 2020 عن خمسة وسبعين عاماً، وهو خبير في شؤون اللاجئين تنقل في سائر أنحاء العالم لتقديم المشورة للأمم المتحدة. وكتب بشكل موسع عن التهديدات التي باتت مهنته تتعرض لها. وحذّر في كتاباته من أنه "في الحرب العالمية على الإرهاب، أصبح الخط الفاصل بين النشاط الإنساني والنشاط العسكري مشوشاً".

وكان لوشر يعرف عما يتحدث. فمن بين الأشخاص الثمانية في مكتب فييرا دي ميلو في زاوية فندق القناة عندما انفجرت القنبلة الموضوعة في الشاحنة، كان الشخص الوحيد الذي ظل على قيد الحياة، رغم أنه فقد كلا ساقيه في محاولة سحبه من بين الأنقاض. ورغم إصاباته، استمر في عمله في صياغة السياسات الدولية المتعلقة بقضايا اللاجئين، بما في ذلك من خلال كتاباته، وبالتالي السماح للوكالات الإنسانية بتقديم معالجة أفضل للتحديات الحرجة التي يواجهها عالمنا الذي يزداد تعقيداً، والمساهمة في إرث يستطيع أن يستمر ربما بعد موت إرث الزرقاوي.

[مهداة إلى آرثر هيلتون، سانت لويس، ميزوري، 1949 – بغداد، 2003]