العراق والأكراد: الرهانات المرتفعة في لعبة النفط والغاز
العراق والأكراد: الرهانات المرتفعة في لعبة النفط والغاز
Table of Contents
  1. Executive Summary

العراق والأكراد: الرهانات المرتفعة في لعبة النفط والغاز

  • Share
  • Save
  • Print
  • Download PDF Full Report

الملخص التنفيذي

الصراع الساخن على الأراضي والموارد في شمال العراق يقترب ببطء من الغليان.  في مطلع نيسان/أبريل 2012، علّقت حكومة إقليم كردستان ضخ النفط من أجل التصدير من خلال أنبوب النفط العراقي الوطني، مدّعية بأن بغداد لم تدفع بالكامل التكاليف التشغيلية للشركات المنتجة.  وردّت الحكومة الاتحادية بالتهديد باقتطاع ما كانت ستحصل عليه على شكل إيرادات نفطية من مخصصات حكومة إقليم كردستان في الموازنة السنوية، ما يعني تخفيضها إلى النصف.  لقد أبرز هذا التوتر الأخير في العلاقات المزمنة التوتر بين إربيل وبغداد الحقيقة المثيرة للقلق وهي أن الطرفان لم يخفقا في تسوية خلافاتهما فحسب بل إنهما، وباتخاذهما مسارين أحاديين، قد عمّقا هذه الخلافات إلى درجة يبدو معها الحل أبعد من أي وقت مضى.  لقد تأخر الوقت أصلاً، إلاّ أن أفضل وسيلة للتقدم إلى الأمام تتمثل في التوصل إلى اتفاق بين بغداد وإربيل، يركز على قانون اتحادي للنفط والغاز وتسوية حول الأراضي المتنازع عليها.  ينبغي أن يطلق اللاعبون الدوليون – الأمم المتحدة بخبرتها التقنية، والولايات المتحدة بالنظر إلى مسؤولياتها الفريدة وكذلك لمصلحتها الإستراتيجية في المحافظة على التوازن – مبادرة جديدة لإعادة الطرفين إلى طاولة الحوار.

لكل طرفٍ رواية تستند إلى التاريخ، والمظالم المتراكمة وإحساس قوي لكل طرف بحقه.  حتى الآن، لا يبدي أي من الطرفين ميلاً لتسوية الصراع بشكل سلمي من خلال المفاوضات الجادة والمستدامة، حيث يعتقد كل طرف بأن حظوظه في تصاعد، وأن الوقت لصالحه.  إنهما مخطئان: فالوقت ينفد، والتحركات الأحادية التي تلحق الضرر بالطرفين تدفع العلاقات نحو نقطة الانهيار، وإن الرهانات المدفوعة بالنفط والغاز والعواطف المرتبطة بهما مرتفعة إلى درجة أن الصراع يبدو واعداً أكثر بالنسبة لهما من التسوية والاتفاق.

الشريكان المُرغمان على الشراكة في الكيان العراقي المولود من رحم المكائد الاستعمارية – العرب والأكراد – قضيا تسعين عاماً في تعايش غير سعيد.  لقد انتظر الأكراد اللحظة التي سينجحون فيها في التخلص من أغلال دولة مركزية متسلطة، وفي بعض الأحيان شديدة القمع.  وهم يعرفون أنه عندما تكون بغداد ضعيفة، فإن بوسعهم اتخاذ خطوات تجعل من حلمهم في إقامة الدولة أقرب إلى التحقق، لكن عندما يكون المركز قوياً فإنه سيستعمل موارده الأكبر لإعادتهم إلى الموقع الذي كانوا فيه – أو ما هو أسوأ.  ولهذا السبب فإن الأكراد متيقظين جداً لمحاولات رئيس الوزراء نوري المالكي لمراكمة السلطة بين يديه على حساب خصومه ولإعادة بناء دولة قوية، مسلّحة بالأسلحة الأميركية، وواقعة تحت سلطته المطلقة.

منذ وصولهم إلى بغداد على أذيال الغزو الأميركي عام 2003، كان من الطبيعي أن يستخدم الأكراد موقفهم الجديد وضعف المركز لتطوير إقليمهم.  إنهم يسعون إلى عكس إرث طويل من التمييز والإهمال الاقتصادي وأيضاً لإقامة مهرب للنجاة إذا ساءت العلاقات مع بغداد إلى درجة يتعذر فيها إصلاحها.  إلا أن هذه المقاربة تنطوي، في عدد من تجلياتها، على عناصر تحقق النبوءة التي يخشونها، فباستعمالهم لموقعهم المتميز، فإن الأكراد يفاقمون الأمور دون ريب، ويقنعون الحكومة الاتحادية بأنهم يهدفون إلى الانفصال – كما أنهم يهدفون إلى أخذ جزء كبير من المناطق المتنازع عليها والتي يزعم الأكراد بأنها تاريخياً جزءٌ من كردستان النظرية والتي يبدو أيضاً أنها تحتوي على ثروات هائلة من النفط والغاز.

قد يكون الأمر الأكثر إثارة للقلق بالنسبة لبغداد، هو أن القادة الأكراد دعوا الشركات الدولية لاستكشاف واستثمار الثروات المتوقعة للمنطقة من النفط والغاز.  كما أنهم لم يتوقفوا عند الخط الأخضر الذي يفصل إقليمهم عن باقي أنحاء العراق؛ بدلاً من ذلك، فقد وقعوا عقوداً تشمل مساحات كبيرة من الأراضي الواقعة في المناطق المتنازع عليها.  وقد كانت آخر الشركات (وأكبرها) التي تشارك في هذه اللعبة هي إكسون موبيل، التي وصلت إلى مسرح الأحداث في تشرين الأول/أكتوبر 2011، حيث أخذت ستة حقول، اثنان منهما، وزاوية من حقل ثالث، وراء الخط الأخضر.  وهكذا فقد وضعت نفسها في قلب الصراع، مما يمكن أن يؤدي إلى تسارع القوى النابذة التي تمزق النسيج العراقي. ولربما قدّرت إكسون موبيل أنها بذلك قد تساعد في جمع بغداد وإربيل إلى طاولة المفاوضات وتسهم في تحقيق تقدم بشأن قانون النفط والغاز الاتحادي، إلاّ أن الحصيلة الأكثر رجحاناً هي أن الجانبين سيتمسكان كلٌ بموقعه، مما يزيد فرص اندلاع صراعٍ عنيف.  من وجهة نظر بغداد، فإن الأكراد يقوضون أية محاولة لوضع إستراتيجية نفطية اتحادية موحدة؛ وتنظر إليهم على نحو متزايد على أنهم شركاء لا يمكن الوثوق بهم يسعون إلى تقسيم البلاد.

لكن الأكراد يواجهون مشكلة؛ ففي حين أنهم يسعون لوضع سياسة نفطية مستقلة وقد اتخذوا خطوات هامة لتحقيق تلك الغاية بوضعهم مسودة لقانون نفط خاص بهم في عام 2007 وتوقيع أربعين عقداً مع شركات نفط أجنبية ودون مشاركة بغداد أو موافقتها، فإنهم يفتقرون إلى الأدوات التي تمكّنهم من تصدير نفطهم دون مساعدة بغداد وبالتالي دون إذنها.  وحتى الآن، استعملت الحكومة الاتحادية سيطرتها على شبكة الأنابيب الوطنية، وكذلك سيطرتها على الخزينة والموازنة، لكبح جماح الطموحات الكردية.

مع شعور إربيل بأنها مطوقة من قبل بغداد ونظراً لرغبتها في أن تحقق اكتفاءاً ذاتياً من الناحية الاقتصادية، فإنها تحوِّل نظرها إلى ممر محتمل آخر لنفطها عبر تركيا.  يُذكر أن مسعود برزاني، رئيس إقليم كردستان، قال لزواره في معقله الجبلي إنه إذا ظل المالكي في الحكم إلى ما بعد الانتخابات البرلمانية لعام 2014، فإن الأكراد سيمضون في مسار خاص بهم.  ليس من قبيل المصادفة أن عام 2014 هو العام الذي يتوقع فيه إقليم كردستان أن يكمل بناء خط نفط إستراتيجي خاص به، وهو خطٌ يدور حول أراضٍ عراقية (تابعة للحكومة الاتحادية) قبل أن يصل إلى الحدود مع تركيا.  بالنسبة للقادة الأكراد، فإن الاعتماد الاقتصادي على جار ديمقراطي يمتلك نافذة جذابة على الغرب أفضل بكثير من أن يظل مخنوقاً من قبل نظامٍ يُظهر نزعات سلطوية – وهو ما يطرح سؤالاً حول ما ستفعله أنقرة إذا طلب منها الأكراد أن تأخذ نفطهم دون موافقة بغداد.

لقد كان الهدف الرئيسي لتركيا في العراق هو المحافظة على وحدة البلاد.  ولهذه الغاية، فقد اتخذت خطوات اقتصادية منذ عام 2007 من شأنها أن تربط الأجزاء المختلفة للبلاد في اتحاد اقتصادي، على أمل أن العلاقات السياسية، خصوصاً العلاقة بين بغداد وإربيل، ستتخذ نفس المسار.  كما أنها شجعت الجانبين على الموافقة على قانونٍ اتحادي للنفط والغاز، حيث أن الميزة الإضافية لمثل هذا القانون هي أن تركيا الفقيرة بالطاقة يمكنها أن تستورد النفط والغاز من حقول العراق الجنوبية الهائلة، وكذلك من الإقليم الكردي، مقتربة بذلك من تحقيق تطلعاتها في أن تصبح ممراً رئيسياً للنفط والغاز في المنطقة.  إلاّ أن الأكراد يأملون أن تعطّش تركيا للنفط والغاز سيتلاقى مع تعطشهم لإقامة دولة.

من غير المرجح أن تُغير أنقرة مسارها، رغم إحباطها من إخفاق جيرانها في التوصل إلى قانونٍ للنفط ورغبتها  بشراء النفط والغاز من إقليم كردستان.  الوضع المثالي بالنسبة لها هو أن تستورد المنتجات الكردية دون تعريض علاقتها مع بغداد للخطر، رغم أن ذلك يبدو بعيد المنال.

لم يفقد الأكراد الأمل.  من وجهة نظرهم، فإن الأزمة الإقليمية – كالحرب بين إيران والولايات المتحدة أو انفراط عقد جارتهم سورية – يمكن أن تشكل حدثاً يغيّر قواعد اللعبة، ويقنع أنقرة بالمخاطرة بعلاقتها مع بغداد مقابل الأمن الذي ستحققه في مجال الطاقة وتحقيق الاستقرار في منطقة (كردية) عازلة بينها وبين عراقٍ عربيٍ غير واضح المعالم وتسلطي بشكل متزايد وموالٍ لإيران على نحوٍ يثير الشكوك وحافل بالفوضى.  إلا أن مثل تلك السيناريوهات قد لا تحدث.  ولعدد كبير من الأسباب، على المرء أن يأمل ألاّ تحدث.  بعبارة أخرى فإن حل المأزق الحالي لا يتمثل في تمني حدثٍ جلل يمكن أن ينطوي على تبعات كارثية بالنسبة للجميع.  لا ينبغي المراهنة على تخلي الحكومة العراقية عن أراضيها الغنية بالموارد والتي تعتبرها مُلكاً لها وتمتلك وسائل التمسك بها بالقوة.  كما لا ينبغي المقامرة على تحول راديكالي من قبل تركيا نحو صفقة منفصلة مع حكومة إقليم كردستان خصوصاً وأن لأنقرة مخاوفها الخاصة والعميقة فيما يتعلق بالمواطنين الأكراد الذين يمكن أن يدب في أوساطهم قدرٌ كبير من النشاط على أراضيها.

بالنسبة لبغداد وإربيل، فإن التوصل إلى اتفاق سيكون صعباً للغاية.  إلا أن البدائل ستكون بالتأكيد أسوأ بكثير.

بغداد/إربيل/واشنطن/بروكسل، 19 نيسان/إبريل 2012

Executive Summary

A simmering conflict over territories and resources in northern Iraq is slowly coming to a boil. In early April 2012, the Kurdistan regional government (KRG) suspended its supply of oil for export through the national Iraqi pipeline, claiming Baghdad had not fully repaid operating costs to producing companies. The federal government responded by threatening to deduct what the oil would have generated in sales from the KRG’s annual budget allocation, potentially halving it. This latest flare-up in perennially tense Erbil-Baghdad relations has highlighted the troubling fact that not only have the two sides failed to resolve their differences but also that, by striking out on unilateral courses, they have deepened them to the point that a solution appears more remote than ever. It is late already, but the best way forward is a deal between Baghdad and Erbil, centred on a federal hydrocarbons law and a compromise on disputed territories. International actors – the UN with its technical expertise, the U.S. given its unique responsibility as well as strategic interest in keeping things on an even keel – should launch a new initiative to bring the two back to the table.

Each side has its narrative, based on history, accumulated grievances and strong sense of entitlement. For now, neither is inclined to settle the conflict peacefully through serious, sustained negotiations, as each believes its fortunes are on the rise, and time is on its side. They are wrong: time is running out, as unilateral, mutually harmful moves are pushing the relationship to the breaking point, with the hydrocarbons-driven stakes and attendant emotions so high that conflict looks more promising to them than accommodation and compromise.

The two unwilling partners in an Iraqi enterprise born of colonial machinations – Arabs and Kurds – have spent 90 years in unhappy cohabitation. Kurds have waited for the moment when they will succeed in removing the shackles of an overbearing, at times highly repressive, central state. They know that when Baghdad is weak, they can take steps to bring their dream of statehood closer to reality, but that when the centre is strong it will use its superior resources to push them back into their place – or worse. This is why the Kurds are so alarmed at attempts by Prime Minister Nouri al-Maliki to amass power at the expense of his rivals and rebuild a strong state, armed with U.S. weaponry, under his unchallenged control.

Ever since arriving in Baghdad on the coattails of the U.S. invasion in 2003, the Kurds understandably have used their new position and the centre’s weakness to develop their own region. They seek to reverse a legacy of discrimination and economic neglect but also to create an escape route should relations with Baghdad sour beyond repair. Yet, in many ways, this approach contains elements of a self-fulfilling prophecy: by pressing their advantage, Kurds inevitably aggravate matters, convincing the federal government that they are aiming for secession – and aiming to take with them a good chunk of disputed territory that Kurds claim as historically part of a notional Kurdistan but that also appears to be immensely rich in oil and gas.

Perhaps most worrying to Baghdad, Kurdish leaders have lured international companies to explore and exploit the region’s suspected hydrocarbons wealth. Nor have they stopped at the Green Line that divides their region from the rest of Iraq; instead, they have signed contracts for acreage located squarely in disputed territories. The latest (and largest) to agree to play this game was ExxonMobil, which arrived on the scene in October 2011, taking six blocks, two of which, along with a corner of a third, lie across the Green Line. It thus placed itself at the heart of the conflict, potentially accelerating the centrifugal forces that are tearing at the Iraqi fabric. While ExxonMobil may have calculated that by doing so it could help bring Baghdad and Erbil to the table and effect progress on a federal hydrocarbons law, the likelier outcome is that both sides will further entrench their positions, thus increasing the chances of violent conflict. From Baghdad’s perspective, the Kurds are making mincemeat of any attempt to have a unified federal oil strategy; increasingly, it views them as untrustworthy partners in government who are seeking to break up the country.

But the Kurds face a problem. While they pursue an independent oil policy and have taken important steps toward that end by drafting their own oil law in 2007 and signing over 40 contracts with foreign oil companies without Baghdad’s input or approval, they lack the means to export their oil without Baghdad’s help and therefore its permission. To date, the federal government has used its control over the national pipeline network, as well as its hold on the treasury and budget, to rein in the Kurds’ ambitions.

Hemmed in by Baghdad and anxious to become economically self-sufficient, Erbil is turning its eyes to another potential outlet for its oil: Turkey. Masoud Barzani, the Kurdish region’s president, reportedly told foreign visitors to his mountain redoubt that if Maliki remains in power beyond the 2014 parliamentary elections, the Kurds would go their own way. Not coincidentally, 2014 is when the Kurdish region expects to complete construction of its own strategic oil pipeline, one that skirts (federal government) Iraqi territory before reaching the border with Turkey. For Kurdish leaders, economic dependency on a democratic neighbour with an attractive window on the West is far preferable to a continued chokehold by a regime displaying authoritarian tendencies – all of which raises the question of what Ankara would do if the Kurds ask it to take their oil without Baghdad’s approval.

Turkey’s main objective in Iraq has been to keep it unified. To this end, it has undertaken economic steps since 2007 that would bind the country’s various parts into an economic union, hoping that politics, especially the relationship between Baghdad and Erbil, would follow suit. It also has encouraged both sides to agree to a federal hydrocarbons law, the added benefit of such legislation being that energy-poor Turkey could import oil and gas from Iraq’s immense southern fields, as well as from the Kurdish region, coming closer to fulfilling its aspiration of becoming a major transit corridor for regional hydrocarbons. The Kurds hope, however, that Turkey’s thirst for oil and gas will align with their own thirst for statehood.

Ankara is unlikely to shift course, frustration with its neighbour’s failure to agree on oil legislation and its eagerness to purchase oil and gas from the Kurdish region notwithstanding. Ideally, it would import Kurdish products without jeopardising its relationship with Baghdad, though that seems beyond reach.

The Kurds have not lost hope. As they see it, a regional crisis – such as war between Iran and the U.S. or the break-up of neighbouring Syria – might constitute a game-changing occurrence, persuading Ankara to risk its relations with Baghdad in exchange for energy security and a stable (Kurdish) buffer against an unpredictable, possibly chaotic, suspiciously pro-Iranian and increasingly authoritarian Arab Iraq. But such scenarios might not unfold and, for a multitude of reasons, one must hope they do not. The answer to the current impasse, in other words, is not to wish for a cataclysmic event with potentially devastating repercussions for all. It is not to bank on the central Iraqi government surrendering resource-rich territories it deems its own and has the means to hold on to by force. And it is not to gamble on a radical move by Turkey toward a separate deal with the KRG when Ankara has its own, deep-seated fears concerning a potentially newly invigorated Kurdish population on its own territory.

For Baghdad and Erbil, reaching a deal will be very difficult. But the alternatives surely would be far worse.

Baghdad/Erbil/Washington/Brussels, 19 April 2012

العراق: تحقيق الاستقرار في قضاء سنجار المتنازع عليه

لم يتعافَ قضاء سنجار بعد من الخراب الذي أصابه في عام 2014، عندما أخضع تنظيم الدولة الإسلامية سكانه لحملة رعب شرسة. ما يزال آلاف السكان نازحين. ومن أجل إقناعهم بالعودة، ستحتاج الحكومة الاتحادية العراقية وحكومة إقليم كردستان مساعدة السكان المقيمين هناك لتحسين الحوكمة والأمن.

  • Share
  • Save
  • Print
  • Download PDF Full Report

ما الجديد؟ في 15 تشرين الأول/أكتوبر 2020، وقّعت بغداد وأربيل اتفاقاً يهدف إلى تحقيق الاستقرار في قضاء سنجار العراقي من خلال إدارة وهيكلية أمنية جديدتين من شأنهما أن تسمحا بعودة المهجرين. إلا أن الاتفاق لم يُنجز إلا جزئياً. فتركيا تكثف قصفها لحزب العمال الكردستاني والمجموعات المرتبطة به في المنطقة.

ما أهمية ذلك؟ مع مرور الوقت دون التوصل إلى ترتيب عملي لحكم سنجار وتحقيق الأمن فيه، فإن الحوافز بالنسبة لأهل سنجار المهجرين الذين يعيشون في مخيمات بائسة للعودة إلى بيوتهم باتت تتضاءل. وفي هذه الأثناء، فإن تصاعد حدة العنف يخاطر بجر القضاء إلى صراع القوى بين تركيا وإيران.

ما الذي ينبغي فعله؟ ينبغي على بغداد وأربيل تنفيذ أحكام الحوكمة، والأمن وإعادة الإعمار في اتفاق سنجار في أقرب وقت ممكن. وينبغي أن تعالجا إخفاقهما، عند التوصل إلى الاتفاق، في تأمين مشاركة وموافقة المجموعات العراقية المسلحة الفاعلة على الأرض من خلال استشارتها واستشارة ممثلي المجتمع المدني السنجاري حول كيفية إنجاح الاتفاق.

الملخص التنفيذي

بعد نحو سبع سنوات من تمكّن تحالف غير وثيق مكوَّن من مجموعات مسلحة وقوات من إقليم كردستان وبغطاء جوي أميركي من إخراج تنظيم الدولة الإسلامية من سنجار، فإن الوضع هناك ما يزال متوتراً. سنجار، الذي كان في وقت من الأوقات قضاءً هادئاً في الزاوية الشمالية الغربية البعيدة من العراق، بات يصارع، مع افتقار إدارته المحلية للشرعية، وإخفاق خدماته العامة في تلبية التوقعات وتوقف عملية إعادة الإعمار فيه. ثمة مجموعة متفرقة من الجماعات المسلحة تبقي المنطقة غير آمنة، وهو الوضع الذي يترك 70 بالمئة من سكانه في حالة نزوح. وتنتشر الأغلبية العرقية – الدينية الإيزيدية، التي استُهدفت في هجوم أقرب إلى الإبادة الجماعية شنه تنظيم الدولة الإسلامية عليها في عام 2014، في سائر أنحاء الشمال الغربي (وفي المنفى) وتعاني من الانقسام السياسي. في عام 2020، توصلت الحكومة الاتحادية العراقية وحكومة إقليم كردستان إلى اتفاق لتحقيق الاستقرار في سنجار، لكن المتابعة تباطأت، وهددت الصدامات التي جرت في أيار/مايو بين الجيش وإحدى الميليشيات المحلية إلى تقويضه بشكل كامل. سيتعين على أطراف الاتفاق العمل مع سكان سنجار لتعزيز الدعم للاتفاق والإشراف على تنفيذه، بشكل يسمح بعودة المهجرين.

حتى قبل وصول تنظيم الدولة الإسلامية في عام 2014، كان قضاء سنجار رهينة مواجهة بين الحكومة الاتحادية في بغداد وحكومة إقليم كردستان في أربيل بسبب وضع الإقليم كمنطقة متنازع عليها (أي منطقة تدعي كلا الحكومتان السلطة عليها). ينص الدستور العراقي لعام 2005 على عملية مصممة لتسوية الادعاءات المزدوجة بالحق بالمناطق المتنازع عليها. إلا أن حكومة كردستان، وخصوصاً المكوّن الأكثر قوة فيها وهو الحزب الديمقراطي الكردستاني، سعت منذ وقت طويل إلى السيطرة على المناطق المتنازع عليها، بما في ذلك سنجار، كمقدمة لضمها إلى إقليم كردستان. ودخل مقاتلو الحزب الديمقراطي الكردستاني وقوات البشمركة التابعة له إلى سنجار في عام 2003، واستمالوا ووظفوا النخب المحلية لأداء مهام الحوكمة الروتينية. إلا أن الحزب لم يحقق شعبية تذكر هناك. وبوجه خاص، عامل الإيزيديين بوصفهم أكراداً، وبذلك حرمهم فعلياً من الهوية المميزة للجماعة وزرع بذور الاستياء في أوساطهم.

حوَّل هجوم تنظيم الدولة الإسلامية على الإيزيديين في آب/أغسطس 2014، سنجار إلى بؤرة تجمّع لطيف واسع من الجماعات المسلحة. وتمثلت إحدى هذه الجماعات في حزب العمال الكردستاني – وهو مجموعة كردية متمردة تصنفها تركيا (وكذلك الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي) تنظيماً إرهابياً. كان حزب العمال الكردستاني قد بحث عن مكان آمن في شمال العراق، رغم أن وجوده كان يقتصر بشكل عام على جبال قنديل قبل عام 2014 ومنطقة من قضاء مخمور حيث يقع مخيم للاجئين الأكراد من تركيا. لكن عندما سحب الحزب الديمقراطي الكردستاني قوات البشمركة التابعة له عندما شن مقاتلو تنظيم الدولة الإسلامية هجوماً على المنطقة، تدخلت جماعات تابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني بغطاء جوي أميركي – وتمكنت من إنقاذ الناجين وصد تنظيم الدولة الإسلامية تدريجياً. ثم، في أواخر عام 2015، أرسلت الولايات المتحدة مرة أخرى طائراتها الحربية لمساعدة خليط من الجماعات المرتبطة بحزب العمال الكردستاني (وحدات حماية الشعب السورية، ووحدات مقاومة سنجار التي أسست حديثاً) والبشمركة التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني على طرد تنظيم الدولة الإسلامية بشكل كامل. وعلى مدى العامين التاليين، ظل إقليم سنجار بشكل عام تحت سيطرة الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي هيمن على الشمال الشرقي وأيضاً على بلدة سنجار، وحزب العمال الكردستاني، الذي تركز وجوده في جبل سنجار والشمال الغربي.

في عام 2017، تغير الوضع في شمال العراق مرة أخرى، حيث أعاد تصعيد الحملة المناهضة لتنظيم الدولة الإسلامية بدعم من الولايات المتحدة القوات الاتحادية العراقية إلى الشمال، وانضمت إليها مجموعات الحشد الشعبي شبه العسكرية التي تتكون بشكل رئيسي من عراقيين من أجزاء أخرى من البلاد. فتمت استعادة الموصل، آخر مدينة كانت واقعة تحت سيطرة الدولة الإسلامية. ثم مضى الحشد أبعد من ذلك. فبعد أن أحدث استفتاء على الاستقلال نظمته حكومة إقليم كردستان رد فعل عكسي، تم إخراج الحزب الديمقراطي الكردستاني من سنجار والاكتفاء بتعاون مضطرب مع مكونات الحزب وفروعه والمجموعات المرتبطة به المقيمة هناك.

تتسم ترتيبات الحوكمة الناجمة عن ذلك بالعشوائية وانعدام الفعالية. إذ يتمتع الحزب الديمقراطي الكردستاني بتفويض رسمي لحكم سنجار، لكنه يمارس هذا التفويض من خارج القضاء، وحتى من خارج محافظة نينوى التي تقع فيها سنجار، أي من محافظة دهوك المجاورة. داخل سنجار، عيّن الحشد قائم مقام بديل ومدراء نواحٍ دون مباركة الحكومة الاتحادية، في حين أنشأت وحدات حماية الشعب، التي تتكون غالباً من إيزيديين عراقيين إضافة إلى عدد قليل من العرب الذين حملوا السلاح ضد تنظيم الدولة الإسلامية، ذراعاً حاكماً – "الإدارة الذاتية في سنجار" – تسعى لأداء بعض الوظائف البيروقراطية، لكنها تفتقر إلى السلطة والقدرة على أدائها.

في هذه الأثناء، وبسبب المجموعات المسلحة التي يستضيفها قضاء سنجار فإن القضاء يجد نفسه على نحو متزايد في وسط المواجهة بين تركيا وإيران. إيران تدعم الحشد، في حين أن تركيا تسعى إلى القضاء على حزب العمال الكردستاني الذي ترى فيه تهديداً لأمنها القومي. عندما انسحب مقاتلو الحزب الديمقراطي الكردستاني في عام 2017، فقدت تركيا – التي تتعاون مع الحزب الديمقراطي الكردستاني في محاربة حزب العمال الكردستاني – فقدت شريكها الرئيسي على الأرض في سنجار. وهكذا صعدت الضربات الجوية التي كانت تشنها أصلاً على مخابئ حزب العمال الكردستاني في شمال العراق، وضربت قواعد لوحدات حماية الشعب تستضيف كوادر من حزب العمال الكردستاني في سنجار أيضاً. من وجهة نظر تركيا، فإن القادة الكبار في وحدات حماية الشعب هم أنفسهم أعضاء في حزب العمال الكردستاني. وقد أصبحت هذه الهجمات سمة منتظمة لبيئة أمنية هشة أصلاً. وقد أوجد الحشد وحزب العمال الكردستاني (مع المجموعات التابعة له) أرضية مشتركة في مواجهة تركيا والحزب الديمقراطي الكردستاني – الحشد لأنه يسعى إلى الحصول على موطئ قدم أكثر ثباتاً في الشمال، فإنه يعد الوجود العسكري التركي هناك احتلالاً ويرفض ادعاء الحزب الديمقراطي الكردستاني بحقه في سنجار، وحزب العمال الكردستاني لأنه يسعى إلى العثور على ملاذ آمن في شمال العراق.

وسعياً من الأمم المتحدة إلى وضع القضاء على مسار أفضل، فإنها توسطت في التوصل إلى اتفاق في تشرين الأول/أكتوبر 2020 بين بغداد وأربيل يهدف إلى ملء الفراغ الأمني والإداري في مرحلة ما بعد وجود تنظيم الدولة الإسلامية من خلال الجمع بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان معاً في إدارة سنجار، وتحت السلطة الكلية لبغداد. لكن حتى الآن دخلت أجزاء فقط من الاتفاق حيز التنفيذ، بالنظر إلى أنه أخفق في أن يأخذ بالحسبان المناظير المختلفة للجهات الفاعلة المسيطرة على الأرض – أي وحدات حماية الشعب ومجموعات الحشد المختلفة. وحدات حماية الشعب، بما في ذلك الإدارة الذاتية لسنجار، ترفض الاتفاق، الذي لا يكتفي بعدم ذكر دورها في القضاء، بل يحظر وجودها بشكل كامل. وفي حين أن الحشد، الذي يخضع رسمياً لسلطة رئيس الوزراء العراقي، طرف منفذ للاتفاق، فإن الكثير من المجموعات الشيعية التي تكوّن النواة الصلبة للحشد تنظر إلى الحكومة على أنها منحازة ضدها في السعي إلى نقل المسؤوليات الأمنية إلى القوات النظامية الخاضعة لوزارتي الدفاع والداخلية. اتضحت الطبيعة العاجلة لتسريع التنفيذ الكامل للاتفاق في أيار/مايو، عندما اندلعت اشتباكات بين الجيش ووحدات حماية الشعب في إحدى النواحي التابعة لقضاء سنجار. وفي حين أن مثل تلك المواجهات تبدو متقطعة، فإنها تكشف عن تحدٍ لم تتم معالجته، والمتمثل في مصير وحدات حماية الشعب، التي وإن كانت مرتبطة بمجموعة خارجية فإن حزب العمال الكردستاني يتكون أفراده هو نفسه من سنجاريين، أي مواطنين عراقيين لديهم هواجس محلية مشروعة. وهكذا، فإن هذا الملف يستحق معالجة حساسة، وليس إلى لجوء الجيش إلى استخدام المطرقة في كل مكان يرى فيها مسماراً أعوج.

ومن أجل معالجة التأخير الخطير في إنفاذ اتفاق سنجار فعلياً، ينبغي على بغداد وأربيل العمل باتجاه درجة أكبر من قبول الاتفاق من قبل طيف واسع من الجماعات المسلحة المحلية وممثلي المجتمعات المعنية. فيما يتعلق بالجانب المدني، ينبغي على الحكومة أن تعين مكلفاً بأعمال القائم مقام حالياً، وإجراء مشاورات وثيقة مع سلطات أربيل وقادة المجتمع المحلي في سنجار لتعيين شخص إيزيدي مناسب وغير منحاز سياسياً من سنجار. على الجبهة الأمنية، ينبغي على الحكومة الاتحادية الابتعاد عن مقاربتها القتالية، والانخراط في حوار مباشر مع وحدات حماية الشعب بشأن تحديات مثل إنشاء قوة شرطة محلية والسعي إلى إدماج مقاتليها (وأعضاء المجموعات المسلحة الأخرى) في قوات الدولة. ويمكن لبعثة الأمم المتحدة للمساعدة في العراق أن تساعد في إنجاح هذه الإجراءات من خلال إرسال مراقبين مدنيين دوليين ومستشارين تقنيين للإشراف على العملية.

بغداد/بروكسل، 31 أيار/مايو 2022