العراق: تحذير من اندلاع الصراع
العراق: تحذير من اندلاع الصراع
Protesters display a huge Iraqi flag during a demonstration in Kerbala, southwest of Baghdad, on 13 August 2015. REUTERS/Mushtaq Muhammed
Protesters display a huge Iraqi flag during a demonstration in Kerbala, southwest of Baghdad, on 13 August 2015. REUTERS/Mushtaq Muhammed

العراق: تحذير من اندلاع الصراع

لقد دفعت موجة من الاحتجاجات العراق إلى حافة صراع أكثر خطورة. أجرى رئيس الوزراء حيدر العبادي إصلاحات واسعة لوقف تدهور الأوضاع لكن بطريقة قد تجعل الأمور أسوأ. ثمة حاجة لمسار تصحيحي إذا كان للعبادي أن يستمر سياسياً وإذا كان للعراق أن يتحاشى ما يمكن أن يتحوّل فعلياً إلى استيلاء عسكري على السلطة.

لقد شهدت البلاد من قبل احتجاجات على التردّي المنتظم في تقديم الخدمات، إلاّ أن هذه الأزمة تكشف عن مشكلتين طاغيتين أخريين تتمثلان في الفساد الهائل والمترسّخ بعمق والنزعة العسكرية المتنامية التي أبرزتها الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية. كانت انقطاعات الكهرباء خلال الارتفاع الحاد للحرارة في فصل الصيف الشرارة التي حوّلت الاستياء العام إلى غضب حيال طريقة حكم البلاد وضد الطبقة السياسية. إن بذل جهد غير مُجدٍ لتجاوز الأزمة والشروع في معالجة المشاكل الجوهرية من شأنه أن يحوّل الغضب إلى حنق، ويسرّع في انهيار نظام ما بعد عام 2003.

ترتبط الاحتجاجات بصراع على السلطة داخل النخب الحاكمة وفي معارضة رئيس الوزراء، الذي مضى عام على وجوده في السلطة، وبقادة الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران الذين اكتسبوا مصداقية خلال الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية والذين يسعون لاستغلال الاستياء والإحباط الشعبيين لفرض سيطرتهم.

يبدو أن العبادي يحظى، في مواجهته للمشكلتين الأكثر إلحاحاً في الوقت نفسه، بدعم المرجعية الشيعية؛ حيث ترقى دعوة آية الله العظمى علي السيستاني في السابع من آب/أغسطس له كي ينفّذ إصلاحات طال أمد انتظارها إلى أمر بفعل ذلك ومنحه غطاءَ سياسياً. إلاّ أن مزاج الشارع المتفجّر والمعادي للمؤسسات يمكن أن يصب بسهولة في مصلحة الميليشيات الشيعية التي تزعم أنها تمثل بديلاً راديكالياً ـ حتى لو كان عدد من قادة هذه الميليشيات مسؤولين سابقين ذوي سجل سيء في الحكم.

يقاتل العبادي في معركة صعبة على جبهتين. فمن جهة، يواجه طبقة سياسية تسببت أخطاؤها في نشوء الأزمة؛ لكنه مرتبط بهذه الطبقة ولا يمكنه أن يحصل على دعمها إلاّ إذا لم تَعِد إصلاحاته بتغيير الكثير. ومن جهة أخرى، يواجه قادة جدد محنّكين يتحدّون سلطته ولهم طموحاتهم التي تدعمها موارد كبيرة وشرعية مكتسبة حديثاً. إن الطريقة التي يقدّم فيها هذه التغييرات تُعدّ مسألة ذات أهمية محورية.

رأت القيادة السياسية الشيعية شرعيتها تتدهور خلال العام الماضي، حيث أثبتت عجزها في مواجهة استيلاء تنظيم الدولة على المناطق التي يقطنها السنة. الجهات التي تصدّت لهذا التهديد كانت الميليشيات الشيعية التي تنضوي تحت مظلة "الحشد الشعبي" للدفاع عن بغداد والأماكن المقدّسة الشيعية. لقي نجاحها في صد تنظيم الدولة جزئياً صدى لدى الشباب الشيعة العاطلين عن العمل، الذين بات بوسعهم مقارنة ذلك بعيوب ونواقص السياسيين الذين يعزلون أنفسهم داخل المنطقة الخضراء. هؤلاء المجرَّدون من الاحتمالات التقليدية لتحسين أوضاعهم، ويفتقرون في كثير من الأحيان إلى التعليم الأساسي، انضم العديد منهم إلى الميليشيات كالطريقة الوحيدة للحصول على دخل. الآن، بات العديد منهم في مقدمة المتظاهرين.

تسببت أحداث العام الماضي في إحداث صدع بين القوى الشيعية. الميليشيات التي تتمتع بعلاقات قوية مع إيران، مثل فيلق بدر، وعصائب أهل الحق وكتائب حزب الله (العراقي)، هي التي استفادت أكثر من غيرها بفضل تزويدها بكميات كبيرة من الأسلحة وبالمشورة العسكرية. كما أصبح قادتها، خصوصاً قائد فيلق بدر هادي العامري وقائد عصائب أهل الحق قيس الخزعلي، أبطالاً عسكريين، وباتت صورهم تُرفع في أماكن بارزة في أحياء بغداد المركزية، في الوقت الذي بدأ فيه المعلّقون في وسائل التواصل الاجتماعي بالإشارة إلى كبار السياسيين، بمن فيهم العبادي، بازدراء بوصفهم ’انبطاحيين‘. وتحالف بعض كبار أعضاء الأحزاب الرئيسية (بمن فيهم سلف العبادي وخصمه، نوري المالكي) - وحزب الدعوة، والمجلس الإسلامي الأعلى في العراق وكتلة الأحرار بزعامة مقتدى الصدر ـ مع الميليشيات لاستعادة مصداقيتهم.

في تموز/يوليو دعا الخزعلي إلى استبدال النظام البرلماني بنظام رئاسي يمنح القوة للشخصيات المقربة من إيران، مثل الرئيس فؤاد معصوم والمالكي (نائب الرئيس الآن)، على حساب رئيس الوزراء والهيئة التشريعية.

في البصرة، استخدمت عصائب أهل الحق الاحتجاجات على انقطاع الكهرباء والانتقادات الموجهة للمسؤولين المحليين من أجل نزع الشرعية عن المؤسسات المحلية، وتوفير الزخم كي تنتشر الاحتجاجات في سائر أنحاء الجنوب وإلى بغداد ولتهدد المؤسستين السياسية والدينية. منح السيستاني دعمه للعبادي وطالبه بإجراء إصلاحات رئيسية في محاولة لتغيير مسار الأحداث. أجبر هذا حتى قادة الميليشيات وحلفاءهم على إعلان دعمهم لبرنامج الإصلاحات لكنه أيضاً حمّل العبادي مسؤولية تحقيق النتائج.

من الواضح تماماً عدم وجود خطة، إلاّ أن وجود نواقص أخرى يمكن أن يقوّض الإصلاحات. لقد قلّص العبادي حجم حكومته بإلغاء بعض الوزارات، ودمج وزارات أخرى وإلغاء مناصب نواب رئيس الوزراء ونواب رئيس الجمهورية؛ كما قلّص عدد المستشارين في الوزارات والحرس الشخصي للوزراء وشكّل لجاناً لاختيار المرشحين للمناصب العليا حسب الكفاءة وأجرى مراجعة لرواتب وتعويضات المسؤولين.

يبدو أن حزمة الإصلاحات هذه تعالج الفساد وتعيينات كبار المسؤولين التي تتم على أساس الانتماء الحزبي أو الخلفية العرقية/الطائفية. إلاّ أن تنفيذ هذه الإصلاحات يكرر الأنماط القديمة التي لا تساعد على تحقيق النتائج. أعلن العبادي عن الإصلاحات بشكل محموم ليظهر حدوث تغيير حقيقي، لكن هذه الإصلاحات تفتقر إلى إطار، ومعايير لاتخاذ القرارات، وجدول زمني، وهيئات وإجراءات تنفيذية. مع وجود الكثير من نقاط الغموض، فإن شاغلي المناصب المتوسطة والعليا في القطاع العام، حيث تترسخ الواسطة والمحسوبية في أعمق أشكالها، بدأوا بتغيير ولاءاتهم إلى الميليشيات للمحافظة على وظائفهم.

ثمة ملمح آخر مثير للقلق يتمثل في القرار باستبعاد المشاورات مع الكتل السياسية التي تساورها الشكوك والتي تمتنع عن التخلي عن مناصب مهمة على المستويين الوطني والمحلي. وهذا يجعل العبادي يخاطر بخسارة الدعم الذي يحتاجه لإجراء تخفيضات كبيرة. في المحافظات، لم تؤثر الإصلاحات سوى بملحقات شبكة الوصاية والمحسوبية، أي بالمسؤولين المحليين في المناصب المتوسطة. في بغداد، وباستثناء إلغاء منصبي نائب الرئيس ونائب رئيس الوزراء، فإن الإصلاحات اقتصرت على التصريحات والتهديدات اللفظية بإقالة شخصيات إشكالية وممثلين عن الأقليات الذين سيؤدي رحيلهم إلى كسب بعض الوقت. إن قطع الصلات مع الكتل السياسية سيمنع من تحقيق أيّ إنجازات مهمة.

كما يعرّض العبادي مشروعه للخطر بتأسيسه على أرضية دستورية مهتزة. في اندفاعه لاستعادة دعم الشارع، أطلق مشروعه جزئياً خارج الدستور، بإلغائه مناصب نائب الرئيس ونائب رئيس الوزراء، على سبيل المثال، دون أن يتمتع بالصلاحية القانونية لفعل ذلك. وهذا يشكّل سابقة يمكن إبطالها من قبل المحكمة العليا واستغلالها من قبل خصومه السياسيين من أجل عزله.

لقد رفع العبادي من توقعات جمهور نافد الصبر. وإن إخفاقه في تلبية هذه التطلعات سيكون لصالح قادة الميليشيات. هؤلاء وحلفاؤهم لا يريدون تحدّي السيستاني علناً، لكن إذا ارتفعت حدة الاستياء الشعبي مرة أخرى، فإنهم سيكونون مستعدّين لنشر بذور الفوضى، خصوصاً في المحافظات الجنوبية حيث يتنامى الإحباط بشكل يومي. يمكن لأعضاء الميليشيات المشاركين في الاحتجاجات أن يتسببوا في صدامات مع الشرطة أو مع فروع الحشد الشعبي المرتبطة بمجموعات شيعية أخرى تفتقر إلى الدعم الإيراني، بما في ذلك كتائب السلام التابعة لمقتدى الصدر. إذا انفجر الغضب الشعبي، فإن المواليين للميليشيات يمكن أن يُدينوا المؤسسات القائمة بوصفها عقبة، وبحجة إعادة فرض النظام، يمكن أن يستخدموا تفوقهم العسكري لفرض حكمهم.

العبادي بحاجة لإظهار مهارة سياسية عالية. بدلاً من الاندفاع بشكل أحادي إلى إجراء تغييرات دراماتيكية تتحدّى النظام القانوني، عليه أن يعمل مع شركائه السياسيين لوضع خطة واضحة وواقعية تعزز النظام، مستخدماً دعم السيستاني لإدارة التوقعات والتخفيف من حدّة نفاد الصبر في الشارع. على وجه الخصوص، ينبغي أن يبني على الدعم المؤقت الذي يمنحه إياه البرلمان ومجلس الوزراء لتقديم نوع جديد من السياسات وطرائق الحكم غير الطائفية مستعملاً العناصر الآتية:

  • جهود متضافرة مع البرلمان لإصدار أو مراجعة تشريعات تنفيذية للمواد الدستورية الرئيسية، التي أدى غيابها أو عدم كفايتها إلى عرقلة نشوء نظام حكم عملي لعقود. ينبغي أن يجعل من نزع سيطرة الأحزاب على مؤسسات الدولة وإعادة إحياء دور البرلمان في الشؤون الوطنية والمحلية أولوية. وهذا يتطلب قانون أحزاب سياسية ينظّم أنشطة، وواجبات وتمويل الأحزاب؛ ومراجعة قانون السلطات المحلية لتعريف العلاقات بين الحكومات المركزية والمحلية ومنح البرلمان سلطة أكبر في الرقابة على المسؤولين المحليين؛ ووضع قانون يحدد دور قوات الأمن، بما في ذلك الشرطة والجيش، ومعالجة وضع الميليشيات؛ وتنظيم إجراءات التوظيف في جميع الوزارات وضمان المنافسة العادلة وغير الحزبية.
     
  • التعاون الوثيق مع شركائه السياسيين لتنفيذ إلغاء المناصب الحكومية العليا دون أن يُحدث ذلك ردة فعل قوية. على الكتل السياسية الشيعية بشكل خاص أن تعتبر أن المساومة على المناصب العليا ستمكّنها من إطالة حياتها وإكسابها النفوذ. نظراً لصعوبة عزل المسؤولين الفاسدين في حزبه وأحزاب حلفائه، على العبادي أن يحدد مسار الحكومة القادم، وأن يوضح بجلاء أنه لن يتم التسامح مع الممارسات الفاسدة بعد اليوم ومن أي شخص كان، وإعطاء التعليمات للشرطة والقضاء للعمل ضد مرتكبي المخالفات بصرف النظر عن انتمائهم السياسي.
     
  • استخدام الدعم الخارجي لكسب الوقت الذي يحتاجه لتحقيق النتائج. لا يمكن التغلب على سنوات من تعطّل أداء الدولة في أسابيع أو أشهر قليلة. لقد حصل العبادي حتى الآن على دعم أحد اللاعبين (السيستاني) الذي يمكن أن يقنع المحتجين بأن يصبروا. على الحكومات الغربية، خصوصاً الولايات المتحدة، أن تعلن بصراحة دعمها لرئيس الوزراء الذي ساعدت على تنصيبه ودعمها لجهوده الإصلاحية، من أجل المحافظة على العملية السياسية وتقويتها وتقوية المؤسسات التي استثمرت فيها. على العبادي أن يتواصل مع إيران، التي لها مصلحة في حماية سلامة الأراضي العراقية التي تتعرض للتهديد من الميليشيات التي تدعمها إيران لكن التي تعزز ممارساتها القوى الطاردة، والتي ستؤدي فعلياً إلى التقسيم.
     

لا يمكن للنخبة السياسية في العراق أن تنقذ نفسها إلاّ إذا غيّرت أساليبها بشكل جوهري. وهذا يتطلب استئصال شأفة الفساد الذي أبقى كثيرين في السلطة بصرف النظر عن كفاءاتهم، وتعزيز المؤسسات العديدة التي أصبحت مجرد هياكل جوفاء.

إذا تبين أن الإصلاحات الحالية ليست أكثر من إجراءات تجميلية، فإنها ستعني نهاية الحياة السياسية لرئيس الوزراء ولشرائح كبيرة من الطبقة السياسية. وسيحلّ محلّ هؤلاء زعماء الميليشيات الذين سيركبون موجة الغضب الشعبي وسيستعملون تفوقهم العسكري للاستيلاء على السلطة. هناك سوابق كثيرة لذلك في تاريخ العراق. في المحصلة ينبغي تذكّر أنه لم يمضِ سوى عام واحد على استخدام تنظيم الدولة للغضب السني وتوجيه ضربة عسكرية سريعة لفرض حكم قمعي في أجزاء كبيرة من البلاد.

بغداد/بروكسل 

Subscribe to Crisis Group’s Email Updates

Receive the best source of conflict analysis right in your inbox.