العراق: على شفير الفوضى
العراق: على شفير الفوضى
Followers of Shi’ite cleric Moqtada al-Sadr protested inside the Iraqi parliament building after storming into Baghdad’s Green Zone on 30 April 2016. REUTERS/Ahmed Saad
Followers of Shi’ite cleric Moqtada al-Sadr protested inside the Iraqi parliament building after storming into Baghdad’s Green Zone on 30 April 2016. REUTERS/Ahmed Saad

العراق: على شفير الفوضى

أظهر اقتحام متظاهرين يقودهم رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر للمنطقة الخضراء المحصنة في بغداد إلى السطح مأزقاً قديماً يتمثل في أن النظام السياسي الذي حكم البلاد منذ عام 2003 بحاجة إلى إصلاحات جذرية. لكن ولأن الطبقة السياسية الحاكمة باتت هي نفسها تجسّد النظام، بالعديد من الأشكال، فإنها تقاوم بقوة إحداث تغييرات حقيقية. لقد شكّل المتظاهرون في الشوارع والسياسيون المتصلّبون مزيجاً انفجارياً، ما أدى إلى شلل مؤسسات الدولة وهدد بانهيارها. في هذه الأثناء، فإن الوضع الأمني سيء للغاية، بدليل سلسلة الهجمات التي حدثت في بغداد هذا الأسبوع وأعلن تنظيم الدولة الإسلامية مسؤوليته عنها.

ثمة ثلاث ديناميكيات تؤثر في الأحداث. تتمثل الديناميكية الأولى في تعطّل النظام السياسي بعد عام 2003. النظام المصمم ظاهرياً لضمان التمثيل الإثني – الطائفي العادل في مؤسسات الدولة، يسمح عملياً للأحزاب السياسية ذات الهوية الإثنية – الطائفية بالسيطرة على هذه المؤسسات. ثانياً، هناك الفقدان المتزايد للثقة الشعبية بهذه الأحزاب والغضب حيال أدائها السيء. ثالثاً، تشرذم القيادة السياسية، خصوصاً بين وداخل أكبر القوى السياسية الشيعية – حزب الدعوة الإسلامية، والمجلس الأعلى الإسلامي العراقي، وحركة الأحرار التي يقودها الصدر نفسه – والذي تسارع بسبب الاستياء الشعبي ونواقص النظام.

نشأت الأزمة الأخيرة عندما تولى الصدر، الزعيم ورجل الدين الشيعي الذي يتمتع بموقع مناسب للادعاء بأنه بعيد عن المؤسسة الحاكمة، قيادة الاحتجاجات الشعبية في شباط/فبراير. نقل الصدر الغضب الشعبي إلى المشهد السياسي، ما أدى فعلياً إلى نشوء مواجهة مزدوجة: بين الشارع والنخبة السياسية من جهة، وبين كتلة الأحرار التي يقودها – والتي جعل منها رأس حربة في الحركة الإصلاحية – والأحزاب السياسية الشيعية الأخرى، من جهة ثانية.

باتت مؤسسات البلاد الآن مشلولة؛ فهي تتعرض للضغوط من تحركات الشارع المطالبة بالإصلاح لكنها تُمنع من القيام بذلك بسبب انقسام الأحزاب السياسية الشيعية. وكان البرلمان أول ضحايا المواجهة. في 26 نيسان/أبريل عقد رئيس الوزراء حيدر العبادي اتفاقاً لاستبدال خمسة وزراء، في تحرك كان من شأنه أن يستوعب مطالب كتلة الأحرار، وبتعيينه لوزراء تكنوقراط، يتجنب إلحاق الضرر بمصالح الأحزاب الأخرى. أحدثت هذه التسوية المؤقتة أثراً عكسياً عندما رفعت كتلة الأحرار الرهانات بالمطالبة باستبدال أعضاء الحكومة كافة وما يسمى بالرئاسات الثلاث: رئيس الوزراء، ورئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب. (بالطبع، وبالنظر إلى أن رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان زعيمان منتخبان لا يمكن استبدالهما ببساطة، إلاّ أن دعوة الصدريين هذه لها قوة بلاغية بوصفها إدانة للنظام السياسي برمّته.)

الأحزاب التي كانت قد صوتت لإجراء تعديلات أكثر تواضعاً اقترحها العبادي رفضت الآن الموافقة على استبدال وزرائها وأعاقت تحقيق النصاب اللازم لانعقاد مجلس النواب. ومع تأجيل التصويت، انتقلت الأزمة مرة أخرى إلى الشارع عندما دخل المحتجون، تلبية لدعوة الصدر، المنطقة الخضراء، التي توجد فيها مقرات العديد من المؤسسات الحكومية، واقتحموا مبنى مجلس النواب في 30 نيسان/أبريل. مع تصاعد الصراع بين نشطاء الشارع والزعماء السياسيين ووصول الصراعات بين الأحزاب السياسية وداخلها إلى ذروتها، فإن البرلمان دخل في حالة من الموات.

الشارع: متغير جديد وديناميكي في السياسة

لقد اتخذ الاستياء من النخبة السياسية أشكالاً جديدة في التعبير في أوقات مختلفة. وقد كانت أحدث تجلياته المظاهرات التي خرجت إلى الشوارع.

لأكثر من عقد من الزمن، كانت العلاقات مع الشخصيات الحزبية المقيمة في المنطقة الخضراء تحدد من يصل إلى التعليم، والتوظيف، وفرص الأعمال وحتى مناطق معينة من البلاد. غير أن شبكات المحسوبية هذه لم تكن سوى قمة جبل الجليد، تُديم وتُفاقم الفساد والمحسوبية اللذان طالما كانا مستفحلين في سائر مفاصل القطاع العام. أدى هذا إلى فقدان الشباب لأي آفاق مستقبلية ما لم يلعبوا طبقاً للقواعد التي تفرضها نخبة المنطقة الخضراء. لقد كان الجيل الجديد مدفوعاً برغبة بتحدي الوضع الراهن وليس بأي أجندة سياسية محددة.

ثمة لاعبين عديدين، يقودهم الصدر الآن، يوجّهون هذه المشاعر المعادية للمؤسسة لتنفيذ أجنداتهم الخاصة. حالة غضب مماثلة دفعت إلى خروج مظاهرات في المحافظات السنية عام 2013 استهدفت أيضاً المؤسسة السياسية في المنطقة الخضراء. ونظراً لتقاطع الإجراءات القمعية العنيفة التي اتخذتها الحكومة مع مظالم الطائفة السنية، فإن ذلك حوّل الاحتجاجات إلى مواجهة سنية – شيعية، ما مهد الطريق أولاً للمجموعات المسلحة السنية ومن ثم للمجموعات الجهادية للتأثير في اتجاهها. حضّر هذا المشهد للحشد الذي قام به تنظيم الدولة الإسلامية في حزيران/يونيو 2014، عندما استولى على أجزاء كبيرة من المحافظات السنية في البلاد. بعد سنة من ذلك، في آب/أغسطس 2015، خرج الشباب الشيعة إلى شوارع البصرة والمدن الأخرى ذات الأغلبية الشيعية بسبب حالات استياء مماثلة وضد فشل سياسيي المنطقة الخضراء.

استغل الصدر نفس هذه العواطف، وقاد أنصاره إلى مركز المؤسسة السياسية في البلاد، المنطقة الخضراء، ما أدى إلى مواجهة مباشرة بين الشارع والنخب، وحوّل احتجاجات الشارع إلى متغيّر رئيسي في السياسة العراقية.

العوائق أمام الإصلاح

تواجه الإصلاحات الحقيقية في النظام السياسي الذي أنشئ بعد عام 2003 عقبات بنيوية خطيرة، حيث إن الأحزاب السياسية ومؤسسات الدولة أصبحت معتمدة على بعضها بعضاً وتساعد بعضها بعضاً من أجل البقاء. لا يستطيع النظام السياسي تجديد الطبقة السياسية – سواء من خلال الانتخابات أو التغييرات التشريعية – كما أن الطبقة السياسية لن تحاول إصلاح النظام السياسي بشكل حقيقي.

الأحزاب السياسية التي انتظمت في حكومات تتقاسم السلطة كانت الوسيلة التي حاولت الولايات المتحدة من خلالها ضمان التمثيل الإثني والطائفي الواسع داخل مؤسسات الدولة خلال فترة الاحتلال العسكري (2003-2011). أعطى هذا الشخصيات الحزبية التي عُيِّنت في مناصب وزراية سلطة تعيين أزلامهم في المناصب العليا واستقدام الأعضاء الآخرين في أحزابهم لملء وظائف أخرى في وزاراتهم. لم يؤدِّ هذا إلى إعطاء الكوادر الحزبية أدواراً رئيسية في مراكز صنع القرار في جميع مؤسسات الدولة وحسب، بل إنه سمح لهم بالتغلب على افتقارهم للدعم الشعبي من خلال استخدام الرواتب الحكومية لشراء ولاء الناس. ولذلك فإنه من غير المفاجئ أن الشخصيات الحزبية الرئيسية تقاوم الإصلاحات التي من شأنها أن تعرّض للخطر نظام المحسوبية الذي يمنحها القوة.

لقد أدت الطريقة التي رسخت فيها الأحزاب السياسية جذورها في مؤسسات الدولة إلى تجميد الحياة السياسية العراقية حول نفس الشخصيات المألوفة وعقّدت الجهود الرامية إلى تجديد الطبقة السياسية. السياسيون الشباب يتصرفون في كثير من الأحيان بنفس الطريقة التي يتصرف بها السياسيون الأكبر سناً. حتى عندما يريدون تحدّي الحرس القديم، فإنهم يظلون معتمدين على شبكات الوصاية والمحسوبية التي بناها أسلافهم لتحقيق النفوذ أو يجبَرون بموجب منطق المنظومة على بناء شبكاتهم الخاصة بهم داخل مؤسسات الدولة.

في حين أن فصل الشخصيات الحزبية هذه عن مؤسسات الدولة هو من حيث المبدأ الشيء الصواب الذي ينبغي فعله، فإن ذلك سيؤدي من الناحية العملية إلى شلّ تلك المؤسسات وقد يشجع الشخصيات السياسية على إعادة استثمار قوتها في تحدّيها. على سبيل المثال، بعد استبدال المالكي كرئيس للوزراء عام 2014، سحب شبكته المالية والأمنية من الحكومة، وأعاد استثمارها جزئياً في تحدّي وإضعاف العبادي.

ما يزيد من تعقيد المسائل هو أن مطالب الإصلاح تخفي صراعاً على السلطة داخل الكتلة السياسية الشيعية، التحالف الوطني. يرغب كل من مكونات هذه الكتلة بإضعاف العبادي من أجل التوصل إلى اتفاق يمنحها التأثير على اختيار أعضاء الحكومة أو تأمين مصالحها الخاصة. باللجوء إلى المشاعر السائدة في الشارع والمعادية للمؤسسة، يأمل الصدر بتعزيز موقعه داخل المؤسسة بالتحديد. في هذه الأثناء، فإن كتلته، الأحرار، رفعت الرهانات بالتحوّل من الدعوة لإصلاح النظام السياسي إلى المطالبة بتفكيكه. وقد نجحت الاستراتيجية بالسماح للكتلة بالمحافظة على الشارع في صفها وأعطاها النفوذ للتوصل إلى اتفاق مع العبادي في أول تعديل لحكومته. لكن ذلك خلق عقبات أكبر في وجه التوصل إلى اتفاق داخل الأحزاب الشيعية.

في مواجهة الزيادة المفاجئة في قوة الأحرار، فإن الفصائل السياسية الشيعية الأخرى قد لا ترغب بتحقيق أية إصلاحات بسرعة، لأن من شأن ذلك أن يزيد من قوة الصدريين على حسابها. لقد عقدت هذه الفصائل شراكات مع فصائل سنية ومع الكتلة الكردية – التي قد لا ترغب أيضاً بالمخاطرة بفقدان حصتها من الوزراء داخل الحكومة – لمنع تحقيق أي نصاب برلماني.

تغيرات في ميزان القوى في القمة

يمكن للإصلاحات أن تنشأ عن التغيّرات في ميزان القوى داخل قيادات الأحزاب أكثر من نشوئها عن الآليات الديمقراطية مثل التغييرات التشريعية أو الانتخابات. يمكن أن يحدث تجديد القيادة بشكل تدريجي مع مناورة الأحزاب السياسية في محاولتها للبقاء وتجنب ضغوط الشارع، أو عن طريق التدخلات السياسية من قبل الولايات المتحدة أو إيران، التي يمكن أن تفضل بعض الشخصيات وتنزع إلى إضعاف شخصيات أخرى.

رغم أن التعديل الحكومي لن يقوّض سيطرة الأحزاب على الدولة، فإنه قد يكون الخطوة الأولى في تغيير توازن القوى بين وداخل الأحزاب الشيعية. خلال التعديل الأخير للحكومة، استبدل الصدريون وزراءهم الثلاثة بتكنوقراط سيعززون على الأرجح قوة القاعدة الشعبية للأحرار من خلال التعيينات التي يمكنهم أن يحدثوها داخل وزاراتهم. علاوة على ذلك، فإن تغيير الوزير ليس مهماً بقدر أهمية ما سيحدث للموظفين الآخرين في كل وزارة، الذين يشكلون خزّان قوة الأحزاب. باسم الإصلاحات، يمكن للأحرار إجراء عملية تطهير في أوساط كبار المسؤولين والموظفين العاديين الأعضاء في أحزاب أخرى، أو الاحتفاظ بهذه السلطة كورقة تستخدمها في المفاوضات مع الأحزاب الأخرى.

كما أن ثمة صراعاً متصاعداً على السلطة داخل حزب الدعوة الذي ينتمي إليه العبادي. لقد حاول العبادي استخدام التعديل الوزاري لعقد شراكات مع مجموعات أخرى – كما في الاتفاق مع الأحرار على استبدال 5 وزراء – وتقليص القوة المتبقية لرئيس الوزراء السابق نوري المالكي وحلفائه. كلما نجح العبادي في استبدال الوزراء، كلما كان من المرجح أن يؤدي ذلك إلى تقليص قاعدة قوة المالكي. المالكي، الذي يشغل الآن منصب الأمين العام لحزب الدعوة، يتواصل الآن مع أحزاب تعارض إجراء تعديل ثانٍ على الحكومة لمنع إجراء تصويت في البرلمان، وبذلك يزيد من إضعاف رئيس الوزراء والاحتفاظ بالوقت نفسه بالحزب تحت نفوذه. إذا أظهر العبادي مهارة في إدارة الأزمة، سيكون بوسعه حشد الدعم الدولي والإقليمي لعقد سلسلة من الاتفاقيات المؤقتة مع الفصائل الكردية والسنية، كما فعل مع الصدريين. من غير المرجح أن يؤدي ذلك إلى إصلاح نظام الحصص على المدى القصير لكنه سيعزز من موقعه مقابل الأحزاب الشيعية الأخرى، والأكثر أهمية داخل حزبه هو.

ستلعب الضغوط الخارجية دوراً محورياً في تحديد تحوّلات القوة داخل قيادات الأحزاب. وسيشكل انهيار النظام الذي نشأ بعد عام 2003 تحدّياً للإيرانيين كما للأمريكيين. بعد الأزمة الأخيرة، تحركت الولايات المتحدة وإيران أصلاً بنفس الاتجاه لأن لكليهما مصلحة في منع حدوث انهيار كامل في البلاد. على مدى العقد الماضي، تنافست الولايات المتحدة مع الحرس الثوري الإيراني في العراق في إطار مشترك من الأحزاب والمؤسسات. أما الآن وقد بدأ هذا النظام بالانهيار، فإن التحدي بالنسبة لكلتا القوتين يتمثل في العثور على الشركاء المناسبين للمساعدة في حماية نفوذهم وفرضه. هذا هو الضغط الخارجي الذي من شأنه أن يقنع الأطراف بالتوصل إلى اتفاقيات محلية وإحداث تغييرات في موازين القوة بين قيادات الأحزاب، وبذلك ربما تتم إعادة صياغة النظام السياسي لما بعد عام 2003.

تشنجات أو حلول

داخلياً، يتمثل التحدي في كيفية إدارة توقعات الشارع. لقد أثار الصدر توقعات المتظاهرين وترك الآخرين للتوصل إلى اتفاق يرضيهم. إذا استمرت كتلة الأحرار برفع الرهانات من أجل الحصول على المزيد من النفوذ، لن تتاح الفرصة لمجلس النواب بالتمكن من تحقيق النصاب والانعقاد للتصويت على تغيير الحكومة. من المرجح أن يعزز الصدريون موقعهم كقادة للشارع في المنطقة الخضراء، وستردّ الأحزاب السياسية بإعاقة التغيير من داخل المنطقة الخضراء، خصوصاً من خلال نزع قوة الإطار المؤسسي في البلاد. إن اقتحام مجلس النواب والدعوات إلى إقالة الرئاسات الثلاث يخاطر بدفع البلاد إلى فراغ وإلى تمترس الأحزاب والميليشيات المرتبطة بها ضد بعضها بعضاً.

كما أن مسار العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران سيكون عاملاً في هذه المعادلة. في هذه المرحلة، وحده الضغط من واشنطن أو طهران على الأحزاب السياسية يمكن أن يفرض القيود اللازمة للمحافظة على وحدة البلاد. لكلا الطرفين مصلحة بالمحافظة على حياة الإطار الراهن، إلاّ أن هذا يتطلب الدخول في عمليات مساومة يومية لتغيير ميزان القوى داخل الأحزاب السياسية العراقية. قد يترتب على الولايات المتحدة وإيران على حد سواء تغيير مقاربتهما والابتعاد عن دعم أحزاب محددة تقف في وجه بعضها بعضاً، والتوجه بدلاً من ذلك إلى إدارة الأزمة من خلال تقسيم العمل، حيث يستخدم كل طرف قوته الاقتصادية والعسكرية لوضع قيود على مختلف اللاعبين العراقيين. في مناخ إقليمي متقلب، ثمة مخاطرة في أن تدفع إيران العراق إلى حافة الهاوية كوسيلة لممارسة الضغط على الولايات المتحدة لتقديم تنازلات هناك أو على جبهات إقليمية أخرى. يمكن لمثل هذه اللعبة السياسية الخطيرة أن تفرض ضغوطاً أكبر على الإطار المؤسسي للبلاد.

قد يكون نظام ما بعد عام 2003 قد توقف عن العمل، لكنه سيكون صعباً للغاية إصلاح هذا النظام السياسي . إن أي محاولة للتغيير من شأنها أن تحدث مزيداً من عدم الاستقرار بسبب إما إضعاف القيادات التي يتم إقصاؤها أو إضعاف مؤسسات الدولة. لا نستطيع توقّع أن يتمكن العبادي من كسر نمط الاعتماد المتبادل بين الأحزاب السياسية ومؤسسات الدولة. في أفضل الحالات، فإن الولايات المتحدة وإيران ستنسقان لإدارة الأزمة وسيستخدم رئيس الوزراء علاقاتهما لاتخاذ إجراءات مؤقتة ستحتوي الشارع وتمنع من تحوّل توازن القوى – سواء داخل الكتلة الشيعية أو داخل حزب الدعوة نفسه – ضده. بعبارة أخرى، سيترتب عليه السير على خط رفيع بين إدارة الشارع، والمحافظة على التوازن الحالي للقوة، ومنع انهيار الإطار القانوني والمؤسسي برمّته.

العراق: تحقيق الاستقرار في قضاء سنجار المتنازع عليه

لم يتعافَ قضاء سنجار بعد من الخراب الذي أصابه في عام 2014، عندما أخضع تنظيم الدولة الإسلامية سكانه لحملة رعب شرسة. ما يزال آلاف السكان نازحين. ومن أجل إقناعهم بالعودة، ستحتاج الحكومة الاتحادية العراقية وحكومة إقليم كردستان مساعدة السكان المقيمين هناك لتحسين الحوكمة والأمن.

  • Share
  • Save
  • Print
  • Download PDF Full Report

ما الجديد؟ في 15 تشرين الأول/أكتوبر 2020، وقّعت بغداد وأربيل اتفاقاً يهدف إلى تحقيق الاستقرار في قضاء سنجار العراقي من خلال إدارة وهيكلية أمنية جديدتين من شأنهما أن تسمحا بعودة المهجرين. إلا أن الاتفاق لم يُنجز إلا جزئياً. فتركيا تكثف قصفها لحزب العمال الكردستاني والمجموعات المرتبطة به في المنطقة.

ما أهمية ذلك؟ مع مرور الوقت دون التوصل إلى ترتيب عملي لحكم سنجار وتحقيق الأمن فيه، فإن الحوافز بالنسبة لأهل سنجار المهجرين الذين يعيشون في مخيمات بائسة للعودة إلى بيوتهم باتت تتضاءل. وفي هذه الأثناء، فإن تصاعد حدة العنف يخاطر بجر القضاء إلى صراع القوى بين تركيا وإيران.

ما الذي ينبغي فعله؟ ينبغي على بغداد وأربيل تنفيذ أحكام الحوكمة، والأمن وإعادة الإعمار في اتفاق سنجار في أقرب وقت ممكن. وينبغي أن تعالجا إخفاقهما، عند التوصل إلى الاتفاق، في تأمين مشاركة وموافقة المجموعات العراقية المسلحة الفاعلة على الأرض من خلال استشارتها واستشارة ممثلي المجتمع المدني السنجاري حول كيفية إنجاح الاتفاق.

الملخص التنفيذي

بعد نحو سبع سنوات من تمكّن تحالف غير وثيق مكوَّن من مجموعات مسلحة وقوات من إقليم كردستان وبغطاء جوي أميركي من إخراج تنظيم الدولة الإسلامية من سنجار، فإن الوضع هناك ما يزال متوتراً. سنجار، الذي كان في وقت من الأوقات قضاءً هادئاً في الزاوية الشمالية الغربية البعيدة من العراق، بات يصارع، مع افتقار إدارته المحلية للشرعية، وإخفاق خدماته العامة في تلبية التوقعات وتوقف عملية إعادة الإعمار فيه. ثمة مجموعة متفرقة من الجماعات المسلحة تبقي المنطقة غير آمنة، وهو الوضع الذي يترك 70 بالمئة من سكانه في حالة نزوح. وتنتشر الأغلبية العرقية – الدينية الإيزيدية، التي استُهدفت في هجوم أقرب إلى الإبادة الجماعية شنه تنظيم الدولة الإسلامية عليها في عام 2014، في سائر أنحاء الشمال الغربي (وفي المنفى) وتعاني من الانقسام السياسي. في عام 2020، توصلت الحكومة الاتحادية العراقية وحكومة إقليم كردستان إلى اتفاق لتحقيق الاستقرار في سنجار، لكن المتابعة تباطأت، وهددت الصدامات التي جرت في أيار/مايو بين الجيش وإحدى الميليشيات المحلية إلى تقويضه بشكل كامل. سيتعين على أطراف الاتفاق العمل مع سكان سنجار لتعزيز الدعم للاتفاق والإشراف على تنفيذه، بشكل يسمح بعودة المهجرين.

حتى قبل وصول تنظيم الدولة الإسلامية في عام 2014، كان قضاء سنجار رهينة مواجهة بين الحكومة الاتحادية في بغداد وحكومة إقليم كردستان في أربيل بسبب وضع الإقليم كمنطقة متنازع عليها (أي منطقة تدعي كلا الحكومتان السلطة عليها). ينص الدستور العراقي لعام 2005 على عملية مصممة لتسوية الادعاءات المزدوجة بالحق بالمناطق المتنازع عليها. إلا أن حكومة كردستان، وخصوصاً المكوّن الأكثر قوة فيها وهو الحزب الديمقراطي الكردستاني، سعت منذ وقت طويل إلى السيطرة على المناطق المتنازع عليها، بما في ذلك سنجار، كمقدمة لضمها إلى إقليم كردستان. ودخل مقاتلو الحزب الديمقراطي الكردستاني وقوات البشمركة التابعة له إلى سنجار في عام 2003، واستمالوا ووظفوا النخب المحلية لأداء مهام الحوكمة الروتينية. إلا أن الحزب لم يحقق شعبية تذكر هناك. وبوجه خاص، عامل الإيزيديين بوصفهم أكراداً، وبذلك حرمهم فعلياً من الهوية المميزة للجماعة وزرع بذور الاستياء في أوساطهم.

حوَّل هجوم تنظيم الدولة الإسلامية على الإيزيديين في آب/أغسطس 2014، سنجار إلى بؤرة تجمّع لطيف واسع من الجماعات المسلحة. وتمثلت إحدى هذه الجماعات في حزب العمال الكردستاني – وهو مجموعة كردية متمردة تصنفها تركيا (وكذلك الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي) تنظيماً إرهابياً. كان حزب العمال الكردستاني قد بحث عن مكان آمن في شمال العراق، رغم أن وجوده كان يقتصر بشكل عام على جبال قنديل قبل عام 2014 ومنطقة من قضاء مخمور حيث يقع مخيم للاجئين الأكراد من تركيا. لكن عندما سحب الحزب الديمقراطي الكردستاني قوات البشمركة التابعة له عندما شن مقاتلو تنظيم الدولة الإسلامية هجوماً على المنطقة، تدخلت جماعات تابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني بغطاء جوي أميركي – وتمكنت من إنقاذ الناجين وصد تنظيم الدولة الإسلامية تدريجياً. ثم، في أواخر عام 2015، أرسلت الولايات المتحدة مرة أخرى طائراتها الحربية لمساعدة خليط من الجماعات المرتبطة بحزب العمال الكردستاني (وحدات حماية الشعب السورية، ووحدات مقاومة سنجار التي أسست حديثاً) والبشمركة التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني على طرد تنظيم الدولة الإسلامية بشكل كامل. وعلى مدى العامين التاليين، ظل إقليم سنجار بشكل عام تحت سيطرة الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي هيمن على الشمال الشرقي وأيضاً على بلدة سنجار، وحزب العمال الكردستاني، الذي تركز وجوده في جبل سنجار والشمال الغربي.

في عام 2017، تغير الوضع في شمال العراق مرة أخرى، حيث أعاد تصعيد الحملة المناهضة لتنظيم الدولة الإسلامية بدعم من الولايات المتحدة القوات الاتحادية العراقية إلى الشمال، وانضمت إليها مجموعات الحشد الشعبي شبه العسكرية التي تتكون بشكل رئيسي من عراقيين من أجزاء أخرى من البلاد. فتمت استعادة الموصل، آخر مدينة كانت واقعة تحت سيطرة الدولة الإسلامية. ثم مضى الحشد أبعد من ذلك. فبعد أن أحدث استفتاء على الاستقلال نظمته حكومة إقليم كردستان رد فعل عكسي، تم إخراج الحزب الديمقراطي الكردستاني من سنجار والاكتفاء بتعاون مضطرب مع مكونات الحزب وفروعه والمجموعات المرتبطة به المقيمة هناك.

تتسم ترتيبات الحوكمة الناجمة عن ذلك بالعشوائية وانعدام الفعالية. إذ يتمتع الحزب الديمقراطي الكردستاني بتفويض رسمي لحكم سنجار، لكنه يمارس هذا التفويض من خارج القضاء، وحتى من خارج محافظة نينوى التي تقع فيها سنجار، أي من محافظة دهوك المجاورة. داخل سنجار، عيّن الحشد قائم مقام بديل ومدراء نواحٍ دون مباركة الحكومة الاتحادية، في حين أنشأت وحدات حماية الشعب، التي تتكون غالباً من إيزيديين عراقيين إضافة إلى عدد قليل من العرب الذين حملوا السلاح ضد تنظيم الدولة الإسلامية، ذراعاً حاكماً – "الإدارة الذاتية في سنجار" – تسعى لأداء بعض الوظائف البيروقراطية، لكنها تفتقر إلى السلطة والقدرة على أدائها.

في هذه الأثناء، وبسبب المجموعات المسلحة التي يستضيفها قضاء سنجار فإن القضاء يجد نفسه على نحو متزايد في وسط المواجهة بين تركيا وإيران. إيران تدعم الحشد، في حين أن تركيا تسعى إلى القضاء على حزب العمال الكردستاني الذي ترى فيه تهديداً لأمنها القومي. عندما انسحب مقاتلو الحزب الديمقراطي الكردستاني في عام 2017، فقدت تركيا – التي تتعاون مع الحزب الديمقراطي الكردستاني في محاربة حزب العمال الكردستاني – فقدت شريكها الرئيسي على الأرض في سنجار. وهكذا صعدت الضربات الجوية التي كانت تشنها أصلاً على مخابئ حزب العمال الكردستاني في شمال العراق، وضربت قواعد لوحدات حماية الشعب تستضيف كوادر من حزب العمال الكردستاني في سنجار أيضاً. من وجهة نظر تركيا، فإن القادة الكبار في وحدات حماية الشعب هم أنفسهم أعضاء في حزب العمال الكردستاني. وقد أصبحت هذه الهجمات سمة منتظمة لبيئة أمنية هشة أصلاً. وقد أوجد الحشد وحزب العمال الكردستاني (مع المجموعات التابعة له) أرضية مشتركة في مواجهة تركيا والحزب الديمقراطي الكردستاني – الحشد لأنه يسعى إلى الحصول على موطئ قدم أكثر ثباتاً في الشمال، فإنه يعد الوجود العسكري التركي هناك احتلالاً ويرفض ادعاء الحزب الديمقراطي الكردستاني بحقه في سنجار، وحزب العمال الكردستاني لأنه يسعى إلى العثور على ملاذ آمن في شمال العراق.

وسعياً من الأمم المتحدة إلى وضع القضاء على مسار أفضل، فإنها توسطت في التوصل إلى اتفاق في تشرين الأول/أكتوبر 2020 بين بغداد وأربيل يهدف إلى ملء الفراغ الأمني والإداري في مرحلة ما بعد وجود تنظيم الدولة الإسلامية من خلال الجمع بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان معاً في إدارة سنجار، وتحت السلطة الكلية لبغداد. لكن حتى الآن دخلت أجزاء فقط من الاتفاق حيز التنفيذ، بالنظر إلى أنه أخفق في أن يأخذ بالحسبان المناظير المختلفة للجهات الفاعلة المسيطرة على الأرض – أي وحدات حماية الشعب ومجموعات الحشد المختلفة. وحدات حماية الشعب، بما في ذلك الإدارة الذاتية لسنجار، ترفض الاتفاق، الذي لا يكتفي بعدم ذكر دورها في القضاء، بل يحظر وجودها بشكل كامل. وفي حين أن الحشد، الذي يخضع رسمياً لسلطة رئيس الوزراء العراقي، طرف منفذ للاتفاق، فإن الكثير من المجموعات الشيعية التي تكوّن النواة الصلبة للحشد تنظر إلى الحكومة على أنها منحازة ضدها في السعي إلى نقل المسؤوليات الأمنية إلى القوات النظامية الخاضعة لوزارتي الدفاع والداخلية. اتضحت الطبيعة العاجلة لتسريع التنفيذ الكامل للاتفاق في أيار/مايو، عندما اندلعت اشتباكات بين الجيش ووحدات حماية الشعب في إحدى النواحي التابعة لقضاء سنجار. وفي حين أن مثل تلك المواجهات تبدو متقطعة، فإنها تكشف عن تحدٍ لم تتم معالجته، والمتمثل في مصير وحدات حماية الشعب، التي وإن كانت مرتبطة بمجموعة خارجية فإن حزب العمال الكردستاني يتكون أفراده هو نفسه من سنجاريين، أي مواطنين عراقيين لديهم هواجس محلية مشروعة. وهكذا، فإن هذا الملف يستحق معالجة حساسة، وليس إلى لجوء الجيش إلى استخدام المطرقة في كل مكان يرى فيها مسماراً أعوج.

ومن أجل معالجة التأخير الخطير في إنفاذ اتفاق سنجار فعلياً، ينبغي على بغداد وأربيل العمل باتجاه درجة أكبر من قبول الاتفاق من قبل طيف واسع من الجماعات المسلحة المحلية وممثلي المجتمعات المعنية. فيما يتعلق بالجانب المدني، ينبغي على الحكومة أن تعين مكلفاً بأعمال القائم مقام حالياً، وإجراء مشاورات وثيقة مع سلطات أربيل وقادة المجتمع المحلي في سنجار لتعيين شخص إيزيدي مناسب وغير منحاز سياسياً من سنجار. على الجبهة الأمنية، ينبغي على الحكومة الاتحادية الابتعاد عن مقاربتها القتالية، والانخراط في حوار مباشر مع وحدات حماية الشعب بشأن تحديات مثل إنشاء قوة شرطة محلية والسعي إلى إدماج مقاتليها (وأعضاء المجموعات المسلحة الأخرى) في قوات الدولة. ويمكن لبعثة الأمم المتحدة للمساعدة في العراق أن تساعد في إنجاح هذه الإجراءات من خلال إرسال مراقبين مدنيين دوليين ومستشارين تقنيين للإشراف على العملية.

بغداد/بروكسل، 31 أيار/مايو 2022

Subscribe to Crisis Group’s Email Updates

Receive the best source of conflict analysis right in your inbox.