العراق: الصفقة الخاسرة في الفلّوجة
العراق: الصفقة الخاسرة في الفلّوجة
Table of Contents
  1. Executive Summary

العراق: الصفقة الخاسرة في الفلّوجة

  • Share
  • Save
  • Print
  • Download PDF Full Report

الملخص التنفيذي

مع ارتفاع حرارة الحملة الانتخابية تحضيراً للانتخابات البرلمانية العراقية في 30 نيسان/أبريل، تصاعدت حدة التوترات في الفلّوجة أيضاً. لقد شهد الوضع هناك تحوّلاً دراماتيكياً نحو الأسوأ منذ أواخر عام 2013 عندما عاد الجيش إليها، بعد غياب طويل، رداً على الاحتجاجات التي عمّت محافظة الأنبار. مع وجود الجيش في محيط المدينة، ومقاتلي الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) داخلها ومحاولة المجلس العسكري المحلي الذي عيّن نفسه بنفسه أن يجد له مكاناً على الخيط الرفيع الفاصل بين الطرفين، يبدو أن الفلّوجة ستشهد تكراراً لمعارك 2004، عندما جرت فيها بعض أشرس المعارك ضد الاحتلال الأمريكي. إن احتمال حدوث خطأ في الحسابات، أو حدوث تصعيد متعمّد، هو احتمال كبير جداً. لقد فات الأوان على اتخاذ خطوات كان من شأنها أن تُتَّخَذ لتخفيف حدة التوترات قبل الانتخابات. إن أي حل دائم يتطلب معالجة الجذور الأعمق لتهميش السنة في بلد يقع على نحو متزايد بين براثن التوترات الطائفية. إن صعود نجم داعش يشكل عرضاً، وليس سبباً رئيسياً، لسوء الإدارة الذي يعتبر السبب الرئيسي لعدم استقرار العراق. على الحكومة، والأمم المتحدة والولايات المتحدة التعامل مع داعش بطريقة تختلف عن تعاملها مع المجلس العسكري ومع الفلّوجة بشكل عام، بدلاً من وضع الجميع في سلة واحدة في حرب غير تمييزية على الإرهاب.

عندما فرَّقت السلطات المركزية العراقية في كانون الأول/ديسمبر 2013 اعتصاماً دام عاماً كاملاً في المدينة كان يطالب بمعاملة أفضل من قبل بغداد، خرج سكان الفلّوجة إلى الشوارع. استغل تنظيم داعش الفوضى التي نشأت، وحرّك قوات إلى المدينة وزعم أنه فرض سيطرته عليها. كان زعمه مبالغاً به؛ ففي حين رفع التنظيم علمه الأسود على بعض الأبنية الإدارية في مركز المدينة، أعاق السكان المحليون معظم غاراته وأجبروه على الانسحاب إلى محيط المدينة.

إلاّ أن بغداد بات لديها سبب لشن عمل عسكري؛ فقد حاصرت المدينة، وتجاهلت محاولات السكان المحليين للتوسط لانسحاب داعش وهددت بالهجوم. لم يكن لدى سكان الفلّوجة الكثير من العوامل المشتركة مع داعش، إلاّ أن كراهيتهم للجيش العراقي ـ الذي يُنظَر إليه كأداة في يد نظام شيعي طائفي، موجّه من إيران، يميّز ضد السنة بشكل عام والأنبار بشكل خاص ـ كان أعمق حتى من كراهيتهم لداعش. عقد مسلحو المدينة صفقة 'فاوستية'، حيث شكّلوا تحالف مصلحة مع داعش. ربما تمكّن المقاتلون الجهاديون من إبقاء الجيش خارج المدينة، إلاّ أن وجودهم يبرر ادعاء الحكومة بأن المدينة بأسرها تقع تحت سيطرة الجهاديين. لقد نشأت حلقة تعزز نفسها بنفسها؛ حيث إن الأنشطة الجهادية تشجع السلوك العدواني للحكومة الذي يتطلب بدوره حماية أكبر ضده من قبل الجهاديين.

مقاتلو الفلّوجة وسلطات بغداد المركزية يعتبرون أنفسهم وطنيون حقيقيون، ويزدرون خصمهم بوصفه عدواً أجنبياً. لقد استفاد داعش من تجديد قاعدة دعمه في العراق، التي ما فتئت تتضاءل منذ تحولت الصحوة ضد القاعدة في عام 2006. مع اكتسابه درجة أكبر من الشهرة من قتاله في سورية وحصوله على أسلحة متفوقة، فقد أصبح مرة أخرى عنصر جذب للمستائين من الأوضاع في العراق.

لقد أنقذت هذه الأزمة فرص رئيس الوزراء نوري المالكي في الانتخابات البرلمانية، التي بدت، حتى دخول داعش على خط الأحداث، قاتمة بالفعل. تعتبر فترة حكمه الثانية كارثية؛ فخلال العام الماضي، ألحق ارتفاع وتيرة العنف في سائر أنحاء البلاد، والانتهاكات التي ارتكبتها الأجهزة الأمنية، وحالات الطوفان الكبيرة في العاصمة وسوء تعامل الحكومة مع الاحتجاجات السنية ضرراً كبيراً بمصداقيته كزعيم وطني في أوساط السنة والشيعة على حد سواء. ومن أجل إنقاذ حظوظه الانتخابية، استعار صفحة من دليل عمل الرئيس السوري بشار الأسد بمبالغته في التهديد الذي تشكّله الفلّوجة على الاستقرار الوطني، وبذلك فاقم فعلياً من هذا التهديد. لقد بات هذا التهديد أكبر بكثير من مجرد تحويل للانتباه؛ فقد شكّل فرصة لإجراء تحوّل في عناصر المناظرة الانتخابية، وحشد الشيعة ضد إرهابيين مزعومين، وتقسيم وتحييد السنة، واستعادة صورة الجيش كمدافع عن الدولة والوطن وتعبئة المجتمع الدولي ـ الذي يتسم تركيزه المفرط على الإرهاب الجهادي بقصر النظر ـ لدعمه.

تشكّل القاعدة تهديداً جدياً، ولذلك ينبغي على الحكومة حشد كل المساعدة التي تستطيع الحصول عليها. تتمثل إحدى وسائل القيام بذلك، وبالتالي تخفيف حدة التوترات في الأنبار، في التمييز بين العناصر المختلفة الموجودة في المحافظة، وخصوصاً بين المجموعات المسلحة المحلية التي لها مظالم ومصالح سياسية محددة ومجاهدي داعش متعددي الجنسيات، الذين تتناقض أجندتهم بشكل صارخ مع توجهات سكان المدينة. بوجود هوية جامعة ومتجانسة فريدة في الأنبار، فإن الفلّوجة تفضّل طرد الجهاديين إذا حصلت على ضمانات بأنها لن تواجه هجوماً من قبل النظام، تماماً كما حدث قبل عقد من الزمن عندما انضمت الصحوة إلى الحكومة. غير أن رئيس الوزراء راهن في إعادة انتخابه على حملة مكافحة للإرهاب تتخذ شكلاً طائفياً فجاً؛ ومن غير المحتمل أن ينسحب هو أو أي جزء من الطيف السني منها. لقد استثمرت قائمة متّحدون الانتخابية، وهي تحالف ذو أغلبية سنية قاد الاحتجاجات في البداية لكنه بات متحالفاً جزئياً مع الحكومة الآن، بنفس المقدار الذي استثمرت به الحكومة في رواية الإرهاب. كما أن خصوم قائمة متّحدون وخصوم المالكي يعتقدون بأن الانتخابات مزورة وأنهم سيخسرون حتى لو لم تكن كذلك، وبالتالي فإنهم سيقاطعونها.

لن تكون الانتخابات البرلمانية، على الأقل في الأنبار، ذات مصداقية ـ ليس فقط لأنها تجري والمحافظة عبارة عن منطقة حرب فعلياً، بل أيضاً لأن العنف، ومكافحة الإرهاب والتركيز على الأمن ـ وهي نفس العوامل التي قوّضت الانتخابات ـ أصبحت عناصر جوهرية في طريقة حكم العراق. المطلوب الآن هو عقد سياسي جديد، وهو أمر تعتبر الانتخابات إحدى وسائل التوصل إليه.

السؤال هو ما الذي ينبغي فعله بعد الانتخابات. على المدى القصير، على الحكومة أن تعمل مع المجلس العسكري في الفلّوجة ـ الذي ينبغي عليه هو أيضاً أن يحاول إصلاح علاقته بخصومه السنة ـ لدفع داعش خارج المدينة. على المدى البعيد، ينبغي أن يُنظر إلى العنف في الفلّوجة وحولها بشكل موضوعي، أي على أنه نتيجة للعيوب السياسية العميقة للدولة، وليس سببها الرئيسي وينبغي معالجته على هذا الأساس. ليس هناك وقت أفضل أو أكثر ملاءمة للشروع في فعل ذلك من فترة ما بعد الانتخابات، عندما تبدأ عمليات المساومة السياسية.

As the campaign for Iraq’s 30 April parliamentary elections heated up, so too did Falluja. The situation there has taken a dramatic turn for the worse since late 2013 when the army, after a long absence, returned in response to protests around Anbar province. With the troops on the outskirts, the jihadi ISIL within and the city’s self-appointed military council trying to walk a fine line between the two, Falluja seems poised to repeat the battles of 2004, when it experienced some of the most intense fighting of the U.S. occupation. The potential for miscalculation, or calculated escalation, is enormous. It is too late for steps that might have been taken to reduce tensions before the elections. Any lasting solution requires addressing the deeper roots of Sunni alienation in a country increasingly gripped by sectarian tension. ISIL’s rise is a symptom, not the main cause, of the poor governance that is the principal reason for Iraq’s instability. The government, UN and U.S. should treat ISIL differently from the military council and Falluja as a whole, rather than bundling them together in an indiscriminate “war on terror”.

When in December 2013 Iraq’s central authorities cleared a year-long sit-in in the city that was demanding better treatment from Baghdad, Falluja’s residents took to the streets. ISIL (the Islamic State of Iraq and the Levant) took advantage of the ensuing chaos, moved forces into the city and asserted it had seized control. The claim was greatly exaggerated: while it raised its black flag above some administration buildings in the city centre, locals blocked most of their forays and forced them to retreat to the outskirts.

But Baghdad had a casus belli: it besieged the city, ignored local attempts to mediate an ISIL withdrawal and threatened to attack. Falluja residents held no brief for ISIL, but their hatred of the Iraqi army – seen as the instrument of a Shiite, sectarian regime, directed from Tehran, that discriminates against Sunnis in general and Anbar in particular – ran even deeper. The city’s rebels struck a Faustian bargain, forming an alliance of convenience with ISIL. The jihadis’ military might kept the army at bay, but their presence justified the government’s claim that the entire city was under jihadi control. A self-reinforcing cycle has taken root: jihadi activity encourages government truculence that in turn requires greater jihadi protection.

Falluja’s fighters and Baghdad’s central authorities both are posing as the country’s true patriots, deriding their adversary as a foreign enemy. ISIL has benefited by renewing its base of support in Iraq, which had been shrinking ever since the sahwa (awakening) turned against al-Qaeda in 2006. With a high profile from the fighting in Syria and superior weaponry, they once again have become a magnet for the country’s disaffected.

The crisis has rescued Prime Minister Nouri al-Maliki’s chances in the parliamentary elections, which, until ISIL entered the picture, appeared grim. His second term is widely considered a disaster: over the past year, the rising tempo of violence across the country, abuses by the security services, massive floods in the capital and the government’s mismanagement of Sunni protests damaged his credibility as a national leader among both Sunnis and Shiites. To save his prospects, he took a page out of Syrian President Bashar al-Assad’s playbook by exaggerating – and thereby exacerbating – the threat Falluja poses to national stability. It offered more than a diversion: it was an opportunity to shift the terms of debate, rally Shiites against alleged terrorists, divide and neutralise Sunnis, redeem the army’s image as defender of state and nation and lobby the international community – with an often myopic focus on jihadi terrorism – for support.

Al-Qaeda is a serious threat, which is why the government should mobilise all the help it can get. One way to do so and to defuse tension in Anbar, however, would be to distinguish among the elements in the province, in particular between local insurgents with specific grievances and political interests and transnational ISIL jihadis, whose agenda is anathema to the city’s residents. With a cohesive corporate identity unique in Anbar, Falluja would prefer to evict the jihadis if guaranteed it would not face regime attack, much as it was almost a decade ago, when the sahwa joined with the government. But the prime minister has staked his re-election on an anti-terrorism campaign with a crude sectarian cast; neither he nor any part of the Sunni spectrum is likely to retreat. The Muttahidun electoral list, a predominantly Sunni coalition that initially led protests but is now partially aligned with the government, is as invested in the terrorism narrative as the government; its and Maliki’s Sunni adversaries, believing the elections are rigged and they would lose even if they were not, are set to boycott.

The parliamentary elections, at least in Anbar, will not be credible – not only because they are proceeding with the province a virtual war zone, but also because violence, fighting terrorism and a focus on security – the very factors that have undermined the elections – have become integral elements of governance in Iraq. What is needed is a new political compact, something elections are but one way to spur.

The question is what should happen after the poll. In the short term, the government should work with Falluja’s military council – which itself should endeavour to repair its relationship with its Sunni rivals – to push ISIL from the city. In the longer term, the violence in and around Falluja should be seen for what it is: a consequence of the state’s deep political flaws, not their root cause, that needs to be addressed as such. There is no better or more convenient time to begin to do so than in the wake of the elections, when political horse-trading will be the order of the day.

العراق: تحقيق الاستقرار في قضاء سنجار المتنازع عليه

لم يتعافَ قضاء سنجار بعد من الخراب الذي أصابه في عام 2014، عندما أخضع تنظيم الدولة الإسلامية سكانه لحملة رعب شرسة. ما يزال آلاف السكان نازحين. ومن أجل إقناعهم بالعودة، ستحتاج الحكومة الاتحادية العراقية وحكومة إقليم كردستان مساعدة السكان المقيمين هناك لتحسين الحوكمة والأمن.

  • Share
  • Save
  • Print
  • Download PDF Full Report

ما الجديد؟ في 15 تشرين الأول/أكتوبر 2020، وقّعت بغداد وأربيل اتفاقاً يهدف إلى تحقيق الاستقرار في قضاء سنجار العراقي من خلال إدارة وهيكلية أمنية جديدتين من شأنهما أن تسمحا بعودة المهجرين. إلا أن الاتفاق لم يُنجز إلا جزئياً. فتركيا تكثف قصفها لحزب العمال الكردستاني والمجموعات المرتبطة به في المنطقة.

ما أهمية ذلك؟ مع مرور الوقت دون التوصل إلى ترتيب عملي لحكم سنجار وتحقيق الأمن فيه، فإن الحوافز بالنسبة لأهل سنجار المهجرين الذين يعيشون في مخيمات بائسة للعودة إلى بيوتهم باتت تتضاءل. وفي هذه الأثناء، فإن تصاعد حدة العنف يخاطر بجر القضاء إلى صراع القوى بين تركيا وإيران.

ما الذي ينبغي فعله؟ ينبغي على بغداد وأربيل تنفيذ أحكام الحوكمة، والأمن وإعادة الإعمار في اتفاق سنجار في أقرب وقت ممكن. وينبغي أن تعالجا إخفاقهما، عند التوصل إلى الاتفاق، في تأمين مشاركة وموافقة المجموعات العراقية المسلحة الفاعلة على الأرض من خلال استشارتها واستشارة ممثلي المجتمع المدني السنجاري حول كيفية إنجاح الاتفاق.

بعد نحو سبع سنوات من تمكّن تحالف غير وثيق مكوَّن من مجموعات مسلحة وقوات من إقليم كردستان وبغطاء جوي أميركي من إخراج تنظيم الدولة الإسلامية من سنجار، فإن الوضع هناك ما يزال متوتراً. سنجار، الذي كان في وقت من الأوقات قضاءً هادئاً في الزاوية الشمالية الغربية البعيدة من العراق، بات يصارع، مع افتقار إدارته المحلية للشرعية، وإخفاق خدماته العامة في تلبية التوقعات وتوقف عملية إعادة الإعمار فيه. ثمة مجموعة متفرقة من الجماعات المسلحة تبقي المنطقة غير آمنة، وهو الوضع الذي يترك 70 بالمئة من سكانه في حالة نزوح. وتنتشر الأغلبية العرقية – الدينية الإيزيدية، التي استُهدفت في هجوم أقرب إلى الإبادة الجماعية شنه تنظيم الدولة الإسلامية عليها في عام 2014، في سائر أنحاء الشمال الغربي (وفي المنفى) وتعاني من الانقسام السياسي. في عام 2020، توصلت الحكومة الاتحادية العراقية وحكومة إقليم كردستان إلى اتفاق لتحقيق الاستقرار في سنجار، لكن المتابعة تباطأت، وهددت الصدامات التي جرت في أيار/مايو بين الجيش وإحدى الميليشيات المحلية إلى تقويضه بشكل كامل. سيتعين على أطراف الاتفاق العمل مع سكان سنجار لتعزيز الدعم للاتفاق والإشراف على تنفيذه، بشكل يسمح بعودة المهجرين.

حتى قبل وصول تنظيم الدولة الإسلامية في عام 2014، كان قضاء سنجار رهينة مواجهة بين الحكومة الاتحادية في بغداد وحكومة إقليم كردستان في أربيل بسبب وضع الإقليم كمنطقة متنازع عليها (أي منطقة تدعي كلا الحكومتان السلطة عليها). ينص الدستور العراقي لعام 2005 على عملية مصممة لتسوية الادعاءات المزدوجة بالحق بالمناطق المتنازع عليها. إلا أن حكومة كردستان، وخصوصاً المكوّن الأكثر قوة فيها وهو الحزب الديمقراطي الكردستاني، سعت منذ وقت طويل إلى السيطرة على المناطق المتنازع عليها، بما في ذلك سنجار، كمقدمة لضمها إلى إقليم كردستان. ودخل مقاتلو الحزب الديمقراطي الكردستاني وقوات البشمركة التابعة له إلى سنجار في عام 2003، واستمالوا ووظفوا النخب المحلية لأداء مهام الحوكمة الروتينية. إلا أن الحزب لم يحقق شعبية تذكر هناك. وبوجه خاص، عامل الإيزيديين بوصفهم أكراداً، وبذلك حرمهم فعلياً من الهوية المميزة للجماعة وزرع بذور الاستياء في أوساطهم.

حوَّل هجوم تنظيم الدولة الإسلامية على الإيزيديين في آب/أغسطس 2014، سنجار إلى بؤرة تجمّع لطيف واسع من الجماعات المسلحة. وتمثلت إحدى هذه الجماعات في حزب العمال الكردستاني – وهو مجموعة كردية متمردة تصنفها تركيا (وكذلك الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي) تنظيماً إرهابياً. كان حزب العمال الكردستاني قد بحث عن مكان آمن في شمال العراق، رغم أن وجوده كان يقتصر بشكل عام على جبال قنديل قبل عام 2014 ومنطقة من قضاء مخمور حيث يقع مخيم للاجئين الأكراد من تركيا. لكن عندما سحب الحزب الديمقراطي الكردستاني قوات البشمركة التابعة له عندما شن مقاتلو تنظيم الدولة الإسلامية هجوماً على المنطقة، تدخلت جماعات تابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني بغطاء جوي أميركي – وتمكنت من إنقاذ الناجين وصد تنظيم الدولة الإسلامية تدريجياً. ثم، في أواخر عام 2015، أرسلت الولايات المتحدة مرة أخرى طائراتها الحربية لمساعدة خليط من الجماعات المرتبطة بحزب العمال الكردستاني (وحدات حماية الشعب السورية، ووحدات مقاومة سنجار التي أسست حديثاً) والبشمركة التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني على طرد تنظيم الدولة الإسلامية بشكل كامل. وعلى مدى العامين التاليين، ظل إقليم سنجار بشكل عام تحت سيطرة الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي هيمن على الشمال الشرقي وأيضاً على بلدة سنجار، وحزب العمال الكردستاني، الذي تركز وجوده في جبل سنجار والشمال الغربي.

في عام 2017، تغير الوضع في شمال العراق مرة أخرى، حيث أعاد تصعيد الحملة المناهضة لتنظيم الدولة الإسلامية بدعم من الولايات المتحدة القوات الاتحادية العراقية إلى الشمال، وانضمت إليها مجموعات الحشد الشعبي شبه العسكرية التي تتكون بشكل رئيسي من عراقيين من أجزاء أخرى من البلاد. فتمت استعادة الموصل، آخر مدينة كانت واقعة تحت سيطرة الدولة الإسلامية. ثم مضى الحشد أبعد من ذلك. فبعد أن أحدث استفتاء على الاستقلال نظمته حكومة إقليم كردستان رد فعل عكسي، تم إخراج الحزب الديمقراطي الكردستاني من سنجار والاكتفاء بتعاون مضطرب مع مكونات الحزب وفروعه والمجموعات المرتبطة به المقيمة هناك.

تتسم ترتيبات الحوكمة الناجمة عن ذلك بالعشوائية وانعدام الفعالية. إذ يتمتع الحزب الديمقراطي الكردستاني بتفويض رسمي لحكم سنجار، لكنه يمارس هذا التفويض من خارج القضاء، وحتى من خارج محافظة نينوى التي تقع فيها سنجار، أي من محافظة دهوك المجاورة. داخل سنجار، عيّن الحشد قائم مقام بديل ومدراء نواحٍ دون مباركة الحكومة الاتحادية، في حين أنشأت وحدات حماية الشعب، التي تتكون غالباً من إيزيديين عراقيين إضافة إلى عدد قليل من العرب الذين حملوا السلاح ضد تنظيم الدولة الإسلامية، ذراعاً حاكماً – "الإدارة الذاتية في سنجار" – تسعى لأداء بعض الوظائف البيروقراطية، لكنها تفتقر إلى السلطة والقدرة على أدائها.

في هذه الأثناء، وبسبب المجموعات المسلحة التي يستضيفها قضاء سنجار فإن القضاء يجد نفسه على نحو متزايد في وسط المواجهة بين تركيا وإيران. إيران تدعم الحشد، في حين أن تركيا تسعى إلى القضاء على حزب العمال الكردستاني الذي ترى فيه تهديداً لأمنها القومي. عندما انسحب مقاتلو الحزب الديمقراطي الكردستاني في عام 2017، فقدت تركيا – التي تتعاون مع الحزب الديمقراطي الكردستاني في محاربة حزب العمال الكردستاني – فقدت شريكها الرئيسي على الأرض في سنجار. وهكذا صعدت الضربات الجوية التي كانت تشنها أصلاً على مخابئ حزب العمال الكردستاني في شمال العراق، وضربت قواعد لوحدات حماية الشعب تستضيف كوادر من حزب العمال الكردستاني في سنجار أيضاً. من وجهة نظر تركيا، فإن القادة الكبار في وحدات حماية الشعب هم أنفسهم أعضاء في حزب العمال الكردستاني. وقد أصبحت هذه الهجمات سمة منتظمة لبيئة أمنية هشة أصلاً. وقد أوجد الحشد وحزب العمال الكردستاني (مع المجموعات التابعة له) أرضية مشتركة في مواجهة تركيا والحزب الديمقراطي الكردستاني – الحشد لأنه يسعى إلى الحصول على موطئ قدم أكثر ثباتاً في الشمال، فإنه يعد الوجود العسكري التركي هناك احتلالاً ويرفض ادعاء الحزب الديمقراطي الكردستاني بحقه في سنجار، وحزب العمال الكردستاني لأنه يسعى إلى العثور على ملاذ آمن في شمال العراق.

وسعياً من الأمم المتحدة إلى وضع القضاء على مسار أفضل، فإنها توسطت في التوصل إلى اتفاق في تشرين الأول/أكتوبر 2020 بين بغداد وأربيل يهدف إلى ملء الفراغ الأمني والإداري في مرحلة ما بعد وجود تنظيم الدولة الإسلامية من خلال الجمع بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان معاً في إدارة سنجار، وتحت السلطة الكلية لبغداد. لكن حتى الآن دخلت أجزاء فقط من الاتفاق حيز التنفيذ، بالنظر إلى أنه أخفق في أن يأخذ بالحسبان المناظير المختلفة للجهات الفاعلة المسيطرة على الأرض – أي وحدات حماية الشعب ومجموعات الحشد المختلفة. وحدات حماية الشعب، بما في ذلك الإدارة الذاتية لسنجار، ترفض الاتفاق، الذي لا يكتفي بعدم ذكر دورها في القضاء، بل يحظر وجودها بشكل كامل. وفي حين أن الحشد، الذي يخضع رسمياً لسلطة رئيس الوزراء العراقي، طرف منفذ للاتفاق، فإن الكثير من المجموعات الشيعية التي تكوّن النواة الصلبة للحشد تنظر إلى الحكومة على أنها منحازة ضدها في السعي إلى نقل المسؤوليات الأمنية إلى القوات النظامية الخاضعة لوزارتي الدفاع والداخلية. اتضحت الطبيعة العاجلة لتسريع التنفيذ الكامل للاتفاق في أيار/مايو، عندما اندلعت اشتباكات بين الجيش ووحدات حماية الشعب في إحدى النواحي التابعة لقضاء سنجار. وفي حين أن مثل تلك المواجهات تبدو متقطعة، فإنها تكشف عن تحدٍ لم تتم معالجته، والمتمثل في مصير وحدات حماية الشعب، التي وإن كانت مرتبطة بمجموعة خارجية فإن حزب العمال الكردستاني يتكون أفراده هو نفسه من سنجاريين، أي مواطنين عراقيين لديهم هواجس محلية مشروعة. وهكذا، فإن هذا الملف يستحق معالجة حساسة، وليس إلى لجوء الجيش إلى استخدام المطرقة في كل مكان يرى فيها مسماراً أعوج.

ومن أجل معالجة التأخير الخطير في إنفاذ اتفاق سنجار فعلياً، ينبغي على بغداد وأربيل العمل باتجاه درجة أكبر من قبول الاتفاق من قبل طيف واسع من الجماعات المسلحة المحلية وممثلي المجتمعات المعنية. فيما يتعلق بالجانب المدني، ينبغي على الحكومة أن تعين مكلفاً بأعمال القائم مقام حالياً، وإجراء مشاورات وثيقة مع سلطات أربيل وقادة المجتمع المحلي في سنجار لتعيين شخص إيزيدي مناسب وغير منحاز سياسياً من سنجار. على الجبهة الأمنية، ينبغي على الحكومة الاتحادية الابتعاد عن مقاربتها القتالية، والانخراط في حوار مباشر مع وحدات حماية الشعب بشأن تحديات مثل إنشاء قوة شرطة محلية والسعي إلى إدماج مقاتليها (وأعضاء المجموعات المسلحة الأخرى) في قوات الدولة. ويمكن لبعثة الأمم المتحدة للمساعدة في العراق أن تساعد في إنجاح هذه الإجراءات من خلال إرسال مراقبين مدنيين دوليين ومستشارين تقنيين للإشراف على العملية.

بغداد/بروكسل، 31 أيار/مايو 2022

Subscribe to Crisis Group’s Email Updates

Receive the best source of conflict analysis right in your inbox.