icon caret Arrow Down Arrow Left Arrow Right Arrow Up Line Camera icon set icon set Ellipsis icon set Facebook Favorite Globe Hamburger List Mail Map Marker Map Microphone Minus PDF Play Print RSS Search Share Trash Crisiswatch Alerts and Trends Box - 1080/761 Copy Twitter Video Camera  copyview Whatsapp Youtube
الجبهة الجديدة في العراق: الصراع على نينوى
الجبهة الجديدة في العراق: الصراع على نينوى
سلاسة خبيثة للقاعدة في العراق
سلاسة خبيثة للقاعدة في العراق
Report 90 / Middle East & North Africa

الجبهة الجديدة في العراق: الصراع على نينوى

  • Share
  • Save
  • Print
  • Download PDF Full Report

الملخص التنفيذي

 

لقد انخفض العنف إلى مستويات أدنى مما كان عليه في السنوات الماضية في معظم أنحاء العراق، غير أن المذابح لا زالت مستمرة في نينوى.  في آب/أغسطس و أيلول/سبتمبر، أودت هجمات كبيرة ومروعة بحياة العشرات من الأشخاص.  والعرب والأكراد عالقون في طريق سياسية مسدود.  يمثل سفك الدماء والشلل المؤسساتي عَرَضان للتحول الجاري في جبهات المعارك؛ فقد تحولت من صراع مذهبي بين السنة والشيعة بشكل رئيسي، يتركز في العاصمة بغداد إلى حد بعيد، إلى معركة عرقية بين العرب والأكراد تدور رحاها على جانبي محور احتكاك طويل.  سيكون من شبه المستحيل حل الأزمة دون معالجة القضايا السياسية العالقة على مستوى البلاد بأسرها.  إلاّ أن نينوى لا يسعها الانتظار.  ثمة حاجة، في هذه الأثناء، لاتخاذ خطوات عاجلة مؤقتة لضمان التوصل إلى تقاسم عادل للسلطة على المستوى المحلي وتسيير دوريات أمنية مشتركة بين العرب والأكراد في الأقضية المتنازع عليها إضافة إلى توفير حماية أفضل للأقليات.  سيتطلب كل هذا دوراً أميركياً نشطاً ومستمراً.  قد تكون واشنطن في طريقها للخروج من العراق، إلاّ أنها ستظل منهمكة بالكثير من القضايا حتى وهي في طريقها نحو باب الخروج.

بالنسبة للعرب والأكراد، تبقى الجائزة الحقيقية متمثلة في كركوك، حيث تستعر العواطف إلى أقصى حد وحيث احتياطات النفط هي الأكبر.  غير أنه وبسبب هذه الرهانات بحد ذاتها، فقد تحول الكثير من الاهتمام الوطني والدولي إلى كركوك وتم بذل جهود، إن لم يكن لإنهاء الصراع، فعلى الأقل لتجميده.  إلاّ أن الأمر ليس كذلك في نينوى، حيث دفعت عوامل داخلية بالصراع إلى أقصاه وجعلت من المنطقة الجبهة الرئيسية للمعركة العرقية.

لقد تميزت العلاقات العرقية بالتداخل والإشكالية في نينوى؛ فقد كان النزاع القومي العربي - الكردي حاداً على نحو خاص، وبشكل ملحوظ في العاصمة الموصل معقل المشاعر العروبية المتجذرة.  وقد دفع الأكراد ثمناً باهظاً.  فقد قامت الدولة بمحاولات عدوانية لاحتواء أو قمع تطلعاتهم القومية.  وانخرط النظام البعثي على نحو خاص في عمليات التهجير القسري وتوزيع الموارد على نحو يميز بين العرب والأكراد.  رأى الأكراد فرصة لتصحيح هذا الخلل في عام 2003، فشنوا هجوماً لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء وإزالة آثار ممارسات الماضي.  وهذا أيضاً كانت له كلفته.  تصرف الأكراد على نحو غير منظم وحسب مقتضى الأمور في كل حالة ودون اتباع الإجراءات النظامية، وأحكموا سيطرتهم بالقوة على عدة أقضية تضم عدداً من البلدات والقرى التي سعوا لضمها إلى المنطقة الكردية. ونظراً لمقاطعة العرب السنة للانتخابات المحلية التي جرت عام 2005، فقد تمكنوا من إحكام سيطرتهم السياسية على المحافظة.

في نفس الوقت، أثبتت نينوى أنها أرض خصبة للجماعات المسلحة السنية، الذي أوقده التراث العسكري العربي والديني (السني) القوي وأطلقته من عقاله المشاعر المتنامية المعادية للأكراد والشيعة.  واستغلت المجموعات التي حملت السلاح ضد القوات الأميركية والمقاتلين الأكراد الحدود السورية الطويلة وغير المحروسة في الغالب وتاريخ من التجارة عبر الحدود بينما كانت تجد متطوعين متحمسين بين الضباط السابقين، والبعثيين والشباب الذين يعانون على نحو متزايد من الفقر المدقع لفرض سلطتها على المناطق التي يشكل العرب السنة أغلبية فيها.  بدت نينوى بين عامي 2003 و 2005 عالقة بين السيطرة الكردية والجماعات السنية المسلحة.

وعلى نحو تدريجي، طرأ تحوّل على المشهد السياسي.  بالغت المجموعات المسلحة – وخصوصاً الإسلامية منها – باستعمال القوة؛ وأحيت القوات الأميركية والعراقية الجهود لإشاعة الاستقرار في نينوى؛ وسعى رئيس الوزراء المالكي إلى وقف وعكس تقدم الأكراد على الأرض.  وقد يكون العنصر الأكثر أهمية هو دخول القادة العرب السنة المعترك السياسي وعقد تحالفات من منطلق قومي ومعاد للأكراد بشكل كبير.

دفعت الانتخابات المحلية التي أجريت في كانون الثاني /يناير 2009 المرحلة الجديدة في لعبة شد الحبل بين العرب والأكراد إلى نقطة مفصلية.  قبل أربع سنوات، كان العرب السنة قد قاطعوا الانتخابات، حيث اعتبروا أن العملية السياسية بمجملها لا شرعية.  ولم يكونوا مستعدين لتكرار خطأهم.  اتحدوا حول "قائمة الحدباء الوطنية"، ففازوا وشنوا حملة تركزت على نقطتين رئيسيتين: الهوية العربية لنينوى وعدم الإخلال بحدود الأمر الواقع التي كانت قد رسمت في الحقبة البعثية وفصلت بين المحافظة وكردستان منذ تشرين الأول/أكتوبر 1991.  حققت الانتخابات تصحيحاً للوضع الديموغرافي.  فازت الأحزاب الكردية بحوالي ثلث مقاعد المجلس تحت راية "قائمة نينوى المتآخية"؛ وكانت تلك هي النتيجة التي توقعوها بالنظر إلى نسبتهم من السكان.  لكن ورغم قبولهم بالتراجع الكبير الذي لحق بهم في الانتخابات، لكنهم كانوا يخشون الخطاب المعادي بقوة للأكراد الذي تميزت به "الحدباء"، وشعروا بالاستياء من جهودها لتقليص النفوذ العسكري والإداري والثقافي للأكراد وأصروا على تقاسم السلطة.  رفضت "الحدباء" هذا المطلب الأخير، فقاطع الأكراد مجلس المحافظة.

أدى شلل الحكومة المحلية الناجم عن ذلك، مصحوباً بقرار "الحدباء" إعادة فرض سلطة الحكومة المحلية على أراض متنازع عليها كانت حتى ذلك الحين تحت السيطرة الكردية، إلى زيادة مرعبة في حدة التوتر.  وحدث الصراع بشكل رئيسي في المناطق التي تنازع فيها العرب والأكراد على السيطرة الإدارية، وحيث يتواجه الجيش العراقي مع البشمركة الكردية على جانبي خط فاصل يسوده التوتر على نحو متزايد.  وفي عدة مناسبات، اقتربت القوات الحكومية العربية والكردية وعلى نحو خطر من الاصطدام المباشر.  ما فاقم من حالة عدم الاستقرار في المحافظة وقابليتها للانفجار وجود عدد كبير من المجموعات المسلحة الرسمية وغير الرسمية، فهناك الجيش والشرطة الوطنيان، وقوات أمن حكومة إقليم كردستان أو البشمركة، وبقايا المجموعات المسلحة بين العرب السنة، والميليشيات العشائرية.

ثمة أقليات عرقية ودينية عالقة بين العرب والأكراد لم تبد الحكومة المركزية كبير اهتمام بها.  في حين أن نينوى تتكون من غالبية عربية وأقلية كردية قوية، لكنها تحتوي أيضاً على عدد من المجموعات الأصغر – من مسيحيين، وأزيديين، وتركمان، وشبك – يمكن أن تشكل مجرد 10 بالمئة من السكان لكنها تتركز في أراض حدودية متنازع عليها بين كردستان والعراق العربي.  لقد كان نصيب هذه المجموعات أكبر من نصيب غيرها من المعاناة الناجمة عن الحرب والاحتلال والعنف الذي اندلع بين المجموعات الدينية والعرقية المختلفة.  أما اليوم فتصارع هذه المجموعات من أجل البقاء.  لقد تم احتواؤها من قبل بعض المجموعات أحياناً، وتهديدها من قبل أحد المعسكرين في أحيان أخرى، وباتت بالنتيجة مجرد بيادق ضعيفة في صراع لا يرى فيها إلاّ وقوداً له.  بالنسبة لهذه المجموعات، كانت هذه الأشهر هي الأشد وطأة. 

لقد ظهرت مؤشرات مؤخراً على أن الحكومة الفيدرالية ونظرائها في كردستان، وبمساعدة وضغوط من الولايات المتحدة، تسعى لمعالجة هذه المشكلة.  غير أن الأخطار تبقى شديدة، خصوصاً وأن الانسحاب الأميركي قد بدأ وسيكون له تبعات يصعب التكهن بها على حسابات مختلف الأطراف وعلى التوازن الإجمالي للقوى.  رغم أن قوة المجموعات المسلحة تقلصت، غير أنها تبقى نشطة.  قد تلجأ هذه المجموعات إلى التركيز على الهجمات ضد الأكراد أو تصعيد العنف ضد مجموعات الأقليات في المناطق المتنازع عليها على أمل زعزعة الاستقرار وتشجيع الأعمال الانتقامية من قبل العرب والأكراد.

ينبغي على أي جهد ناجح لنزع فتيل هذه الأزمة أن يكون ذا مسارين.  كما حثت مجموعة الأزمات الدولية مراراً وتكراراً، فإن المشكلة الجوهرية والمتفاقمة في العراق تتعلق بتوزيع السلطات والأرض والموارد.  ومع اقتراب الانتخابات العامة في مطلع عام 2010، يصعب تخيل انخراط الحكومة المركزية، أو حكومة إقليم كردستان أو أي حزب محلي في تسوية سياسية مكلفة مهما كانت الحاجة إليها ملحّة.  أما على مستوى المحافظة، فيمكن أن تكون الخطوات أكثر واقعية.  ينبغي أن يتوصل العرب والأكراد إلى اتفاقية مؤقتة تمنح الأكراد حصة مشروعة من السلطة في حين يسمح للعرب بالحكم.  وينبغي أن يتم إدماج قوات الجيش والشرطة الكرديان بشكل رسمي في وحدات الجيش الفيدرالي  وقوات أمن نينوى على التوالي، وتسيير دوريات مشتركة.  ينبغي أن تحظى مجموعات الأقليات بقدر أكير بكثير من الاهتمام ومحاولات أقل للاستغلال والتوظيف.  وتعتبر الفكرة التي يروج لها بعض المسؤولين الأميركيين بإشراك جنود أميركيين على نحو مؤقت في دوريات مشتركة بين الجيش والبشمركة فكرة جيدة، ليس فقط لأن من شأنها أن تحدث آثاراً إيجابية مباشرة، بل لأنها تبعث برسالة عن التزام واشنطن بعيد المدى، وهو أمر لا غنى عنه.

الموصل/واشنطن/بروكسل، 28 أيلول/سبتمبر 2009

 

A car burns outside the UN headquarters at the Canal Hotel after a huge suicide truck bomb explosion rocked the building. Baghdad, Iraq, September 2003. AFP PHOTO/Sabah ARAR

سلاسة خبيثة للقاعدة في العراق

As part of our series The Legacy of 9/11 and the “War on Terror”, Joost Hiltermann argues that the U.S. invasion of Iraq gave rise to a fierce variety of Sunni Islamist militancy, one just as intent on killing Shiite Muslims as on fighting the U.S. occupation.

اتصل بي صديقي آرثر في أحد صباحات صيف عام 2003، مباشرة بعد أن عدت من العراق، الذي كان قد سقط في يد الولايات المتحدة في نيسان/أبريل من ذلك العام. كان آرثر مديراً لبرنامج اللاجئين في لجنة "محامون من أجل حقوق الإنسان". قبل ذلك بعشر سنوات، كنا قد سافرنا معاً إلى العراق، وإيران وتركيا لدراسة أزمة اللاجئين في أعقاب حرب الخليج 1990-1991. الآن، قال إنه يريد زيارة بغداد للمشاركة في اجتماعات حول الكلفة البشرية للحرب الجديدة. وسألني ما إذا كان ينبغي عليه أن يأخذ معه سترة واقية من الرصاص. كنا في مجموعة الأزمات قد قرعنا ناقوس الخطر بشأن التمرد المسلح الناشئ في العراق، استناداً إلى ملاحظاتي خلال زيارتين قمت بهما منذ الغزو الأميركي. لكن الوضع في العاصمة، وإن كان فوضوياً، كان ما يزال هادئاً مقارنة بما لم نكن نعرف أنه سيحدث. قلت له إن السترة الواقية من الرصاص لن تكون شيئاً إلزامياً.

بعد شهر من ذلك الحديث، كان آرثر يجلس في مكتب الممثل الخاص للأمم المتحدة، سيرجيو فييرا دي ميلو، عندما اقتحمت شاحنة مسطحة مقر الأمم المتحدة في فندق القناة في بغداد، الذي أعيد تأهيله لهذا الغرض، وفجرت قنبلة كبيرة أدت إلى مقتل كلا الرجلين إضافة إلى 20 آخرين. أحاول أن أريح ضميري بالتفكير بأن سترة واقية من الرصاص لم تكن لتنقذ صديقي، لكني لن أعرف ذلك على نحو مؤكد.

كان التفجير الانتحاري في فندق القناة أول هجوم من نوعه في العراق بعد سقوط صدام حسين. وأعلن المسؤولية عنه أبو مصعب الزرقاوي، وهو مجرم أردني كان قد ارتكب جرائم صغيرة لكنه انضم إلى الحلقات الجهادية في السجن ومن ثم جذبه الاحتلال الأميركي إلى العراق، تماماً كما كان مقاتلون من سائر أنحاء العالم الإسلامي قد تدفقوا إلى أفغانستان التي احتلها السوفييت قبل جيل. قبل ذلك بعامين، كانت القاعدة قد رسخت مواقعها كاسم جهادي عالمي بتنفيذها هجمات 11 أيلول/سبتمبر في الولايات المتحدة، واستهدافها "عدوها البعيد" – القوى الغربية – بطريقة مشهدية.

كانت الولايات المتحدة قد ردت على الهجمات في نيويورك وواشنطن أولاً بغزو أفغانستان، حيث كانت طالبان التي تحكم البلاد توفر ملاذاً لأسامة بن لادن وعصابته، ومن ثم في العراق أيضاً. لم تكن الصلة بين القاعدة والعراق واضحة، وكما تبين لاحقاً، لم تكن موجودة عموماً، على الأقل إلى أن اجتذب الغزو الأميركي نفسه إلى البلاد أولئك الذين سيصبحون جهاديين. سمحت الظروف الخاصة السائدة في العراق بسبب الغزو الأميركي، والتوترات القديمة بين الطوائف الدينية في العراق، للزرقاوي بتأسيس فرع قوي للقاعدة، فرع أكثر خبثاً في طائفيته من القاعدة التي أسسها بن لادن، وعازم على قتل الشيعة، بوجه خاص. كان الزرقاوي يعتبر الشيعة مرتدين، وهي فكرة متطرفة لم يكن سنة العراق بشكل عام يعتنقونها حينذاك. لكنه تمكن من حشد الدعم السني بسبب عداء الكثير من السنة لإيران واعتقادهم بأن الشيعة ارتبطوا بقضية مشتركة مع جارة العراق خلال حرب الثمان سنوات بين البلدين في ثمانينيات القرن العشرين.

Middle East and North Africa Program Director Joost Hiltermann while on a research trip to devastated Sinjar, Iraq, September 2016. CRISISGROUP/Noah Bonsey
ومع اشتداد أوار الحرب الطائفية، تحول المجتمع العراقي من مجتمع متنوع إلى مجتمع منقسم بعمق

وخلال سنة واحدة، أصبح التمرد المسلح الذي كانت مجموعة الأزمات قد تنبأت به في أوج نشاطه ويستهدف بشكل رئيسي القوات الأميركية وقوات الأمن العراقية الناشئة. إلا أن مجموعة الزرقاوي، التي سرعان ما تبرأت منها القاعدة المركزية بسبب نشاطها المنفرد ونظرتها الطائفية، سيطرت على أجزاء من التمرد المسلح وحولتها إلى شيء مختلف تماماً. فباستهداف رجال الدين الشيعة وبيوت العبادة، إضافة إلى الأسواق المكتظة في الأحياء ذات الأغلبية الشيعية، فإن هذه القاعدة حديثة النشأة في العراق أغرقت البلاد في حرب طائفية شريرة. وردت الميليشيات الشيعية، وبعضها مدعوم من إيران، على عمليات القتل بمثلها، فهاجمت ليس فقط مقاتلي القاعدة في العراق بل أيضاً السكان السنة في البلاد بشكل عام. كان يمكن لتلك المعركة أن تحدث حتى دون وجود القاعدة في العراق، بالنظر إلى ربط سلطة الاحتلال الأميركي بشكل علني جداً للسنة بنظام صدام وتصنيفها شيعة البلاد على أنهم مقموعين – وهي سردية لم تفعل الأحزاب الإسلامية الشيعية الحاكمة الجديدة الكثير للحد من انتشارها. غير أن القاعدة في العراق كانت بالتأكيد عود الثقاب الذي أشعل الفتيل المشبع أصلاً بالنفط.

ومع اشتداد أوار الحرب الطائفية، تحول المجتمع العراقي من مجتمع متنوع إلى مجتمع منقسم بعمق، وهو تغير تم التعبير عنه أول الأمر بالطريقة التي بات العراقيون يعرفون بها أنفسهم. إضافة إلى زياراتي إلى العراق، حضرت أيضاً عدداً من ورشات العمل مع عراقيين في عمان، التي كنت قد اتخذت منها مقراً لعملي حينذاك. قبل عام 2005، كان هؤلاء العراقيين، وهم بشكل رئيسي سياسيين وتكنوقراط وشخصيات من المجتمع المدني، يعرفون عن أنفسهم إجمالاً على أنهم عراقيين؛ ثم بدأوا فجأة، كما لو أن يداً خفية تحركهم، بالإشارة إلى أنفسهم وإلى بعضهم بعضاً على أنهم سنة وشيعة.

اغتالت الولايات المتحدة الزرقاوي في عملية كوماندوس في عام 2006. ومع فقدانها لزعيمها، فإن القاعدة في العراق لم تستعد قوتها. لكنها لم تختفِ أيضاً، بل ظلت على قيد الحياة كحال حركات التمرد في سائر أنحاء العالم، بالاختباء في الأرياف، والظهور فجأة فقط لإضعاف معنويات السلطات عبر غارات ليلية على نقاط التفتيش، ونصب الكمائن للدوريات على الطرق الرئيسية وأحياناً القيام بتوغلات في المناطق الحضرية. إلا أن الضرر كان قد لحق بالمجتمع العراقي؛ فعمليات القتل الطائفي استمرت حتى بدون أن تحفزها وتوجهها عمليات القاعدة في العراق الأكثر دموية، مع هيمنة الميليشيات الشيعية الآن.

اخترق القتال المناطق السنية – الشيعية المختلطة لنحو ثلاث سنوات إلى أن نجحت الولايات المتحدة باستعادة قدر من النظام عبر مقاربة عسكرية جديدة – "الحشد" – وتعبئة المجموعات القبلية السنية. وقد كان دافع هؤلاء لمحاربة تنظيم القاعدة في العراق الشراسة التي تعامل بها هذا التنظيم مع السنة الذين لم ينحنوا لإرادته. في عام 2012، هرب بقايا تنظيم القاعدة من العراق إلى سورية الغارقة في حرب أهلية لإعادة تشكيل أنفسهم كنسخة جديدة أخرى من القاعدة. وسرعان ما انفصلوا عن القاعدة المركزية بشكل أكثر قطعية لإنشاء تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، والاستحواذ على جزء كبير من شمال سورية، حكموه بوحشية قبل العودة منتصرين إلى العراق في أيار/مايو 2014. ومن ثم أعلنوا عن تأسيس خلافة جديدة في المناطق التي بدأوا بـ "تحريرها" من سيطرة بغداد – والتي بلغت في النهاية نحو ثلث البلاد.

باختصار، فإن الغزو الأميركي خلق وحشاً. فالقوات الأميركية التي رحب بها كثيرون لإطاحتها بديكتاتور فظيع، وأيضاً سلطة الائتلاف المؤقتة التي تم تأسيسها فوراً، فقدت شعبيتها بسبب عدم قدرتها (التي فسرت على أنها عدم استعداد "لفرض الأمن، إضافة إلى تفكيك الجيش العراقي، والحظر الشامل لحزب البعث، ورعاية وتمكين المنفيين العراقيين، والأبوية في الحكم – التي جعلها عدم كفاءة سلطة الائتلاف المؤقتة أكثر مرارة) وتجاهل المؤسسات العراقية الحاكمة التي كانت قد ظلت تعمل رغم الحكم العنيف لنظام صدام. وحتى بعد تفكيك سلطة الائتلاف المؤقتة، وتسليم زمام السلطة لحكومة عراقية مؤقتة في عام 2004، فإن الوجود الأميركي كان مكروهاً ومقاوماً بفعالية من قبل أولئك الذين شعروا بأنهم وضعوا في الخانة الواسعة للتعاون مع نظام صدام، وهي التهمة التي اعتبروا أنفسهم أبرياء منها. بالنسبة للقاعدة في العراق، كانت تلك بيئة مثالية يمكنها أن تزدهر فيها، بالاستفادة من استياء ومظالم إحدى المجموعتين.

بمرور الوقت، أحكم المتشددون العراقيون سيطرتهم على القاعدة في العراق، ومنحوها، وخليفتها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، قيادة عراقية مهيمنة تمتلك أيديولوجيا ذات صبغة عراقية وتستند جزئياً إلى الدين (وهو شكل ضيق جداً، ويقول البعض إنه منحرف، من الإسلام السني) وجزئياً إلى الشوفينية العربية العراقية. العديد من الكوادر العليا في التنظيم كانوا من أجهزة الأمن والمخابرات التابعة للنظام المخلوع. اليوم، وبعد هزيمة التنظيم واستعادة جميع الأراضي التي كان يسيطر عليها في العراق وسورية، تعود بقاياه للعب اللعبة الطويلة للتمرد المسلح التقليدي، التجول بعيداً عن أعين السلطات والتحرش بالقوات الحكومية عبر هجمات مباغتة في محاولة لإعادة بناء القوة القديمة لما يسمى بالخلافة.

كان التخطيط للمشروع الأميركي في العراق سيئاً وتنفيذه أسوأ.

إن مصير القاعدة في العراق والدولة الإسلامية في العراق والشام في العراق أقل أهمية من الرسالة التي بعث بها ظهورها؛ وهي أن الأيديولوجيات الخبيثة والتنظيمات العنيفة موجودة في كل مكان من حولنا، لكنها بحاجة للتربة المناسبة للازدهار. وقد وفر لها العراق ما بعد الغزو تلك التربة، وكذلك العديد من البلدان والمناطق الأخرى التي مزقتها الحرب منذ ذلك الحين. وحتى لو كانت الولايات المتحدة قد اتبعت سياسة أكثر حكمة تركز على بناء مجتمع عادل بقدر ما تركز على التخلص من عدو متعب، فإنها كانت ستجد صعوبة في تحقيق أهدافها. لكن رغم جميع ادعاءاتها، فإن تطبيق الديمقراطية في العراق لم يكن مجال تركيزها الرئيسي، ونشأت القاعدة في العراق في الفوضى التي خلقتها.

كان التخطيط للمشروع الأميركي في العراق سيئاً وتنفيذه أسوأ. فقد سمح بترسيخ بعض العمليات الديمقراطية، لكن هذه العمليات وقعت ضحية للفساد المستشري الذي شجعت عليه هي نفسها. وقلت حينذاك – وما زلت أعتقد بقوة – إنه ما كان لينجح، حتى ولو خصصت له موارد أكبر بكثير، وقدر أكبر من الخبرات ودرجة أكبر من الإرادة. مهما كانت حكومات المنطقة بحاجة للإصلاح، فإن الحكام المستبدين في الشرق لن يتم إسقاطهم بشكل دائم بأيدي أجنبية، وخصوصاً ليس عبر خطط غير ناضجة تعتمد على قراءات انتقائية جداً للتاريخ، وتسييس الاختلافات الإثنية والدينية، وتعزيز قوة بعض المجموعات على حساب مجموعات أخرى، دون رأفة أو رحمة. هذه هي الظروف التي يمكن استغلالها بسهولة والتي نشأ فيها الزرقاوي وعصابته.

من منظور الاستراتيجية الكبرى للولايات المتحدة، فإن المناورة العراقية كانت فعلاً لا مبرر له في إيذاء الذات، حتى لو كان معظم العراقيين قد شعروا بارتياح عميق برحيل النظام القديم، وحتى لو كان كثيرون منهم ما يزالون لا يرغبون بعودة أي نظام شبيه به. لقد كان رداً زائفاً على هجمات 11 أيلول/سبتمبر، بالنظر إلى أن أياً من منظمي أو منفذي الهجوم لم يكن له أي علاقة بالعراق. لقد كان حالة من حالات الغطرسة التي منحت تنظيماً جهادياً كان قد نفذ للتو هجوماً دراماتيكياً على رموز القوة الأميركية فرصة في تفريخ العديد مقلديه المحتملين، مثل الزرقاوي وزعيم تنظيم الدولة الإسلامية أبو بكر البغدادي، في الشرق الأوسط وغيره. إضافة إلى ذلك، فإنه بعث حياة جديدة في النزعة الجهادية العالمية بعد أن فقدت ملاذاتها الآمنة في أفغانستان وكانت في حالة انحسار بشكل عام.

بعد 11 أيلول/سبتمبر، أصبحت الحرب العراقية المسرّع الأول للجهادية، فأغوت العديد من الشباب الساعين إلى فرصة لتحقيق البطولة والشهادة، وتشكيل مجتمع وإيجاد غاية ومعنى لحياتهم. كما أظهرت الحالة العراقية أنه في حين أن المظالم لعبت دوراً رئيسياً في تشكيل القوة الدافعة للتمرد – المظالم ضد الاحتلال الأميركي؛ وضد الأحزاب الإسلامية الشيعية التي سيطرت على الدولة، وهمشت السنة؛ وضد الراعي الرئيسي لهذه الأحزاب، إيران – فإنها تبنت أيديولوجية خارجية، مع ما يرافقها من هجمات مشهدية على أهداف مختارة، لتوفير الوقود الذي سمح للتمرد بالانتشار واتخاذ شكله الطائفي الخبيث.

المفارقة، أن القاعدة في العراق، ولاحقاً الدولة الإسلامية في العراق والشام باتت من القوة إلى حد يدفع إيران والولايات المتحدة إلى التلاقي وأحياناً التعاون دولياً في جهودهما المنفصلة في محاربة الجهاديين. عارضت إيران الوجود العسكري الأميركي في العراق لكنها لم تعارض مساعدتها في محاربة الجهاديين السنة. الولايات المتحدة، من جهتها، كانت مختلفة مع إيران منذ ثورة عام 1979 وأزمة الرهائن، لكنها ما تزال ترى فائدة للميليشيات المدعومة إيرانياً في المحافظة على النظام الجديد المتداعي الذي كانت قد خلقته في العراق، خصوصاً في محاربة تمرد مسلح عنيد. كل ما هنالك أنها تفضل اندماج هذه التنظيمات بشكل كامل بالدولة المركزية المدعومة من الولايات المتحدة والخضوع لسيطرتها.

كما تظهر الحالة العراقية أيضاً أن الجهاديين يمكن أن يكونوا أسوأ أعداء أنفسهم من خلال التطرف.

كما تظهر الحالة العراقية أيضاً أن الجهاديين يمكن أن يكونوا أسوأ أعداء أنفسهم من خلال التطرف. إن وحشيتهم تزرع الخوف لكنها أيضاً تنفر أنصاراً محتملين، بل مجتمعات بأكملها، على سبيل المثال عندما تفرض عقوبات قاسية على التدخين أو تجبر الأُسر على التخلي عن بناتها "بتزويجهن" لهم. بسبب هذه الممارسات بالذات تمكّن الجيش الأميركي من تعبئة المجموعات القبلية التي باتت تعرف بـ "مجالس الصحوات" أو "أبناء العراق". كان يمكن للقاعدة في العراق أن تكون أكثر فعالية بكثير في كسب السكان في المناطق التي نشطت فيها لو أنها جعلت من نسختها من الفكر الإسلامي السني أكثر اعتدالاً أو مثلت المظالم المحلية من أجل اجتذاب السكان المستائين وتزويدهم بالعتاد اللازم وشحنهم عقائدياً وحشدهم. بدلاً من ذلك، كانت القاعدة في العراق حاملة معول تدمير ذاتها. علّمت هذه التجربة بعض فروع القاعدة التي نشأت لاحقاً، مثل جبهة النصرة في سورية، أن تخفف من حدة نهجها في الحكم، وبالتالي تعزيز شرعيتها وتوسيع نطاق حكمها.

قتل الزرقاوي قبل خمسة عشر عاماً، إلا أن إرثه العنيف مستمر في العيش بعده. وهو واضح في دول هشة وفي ميادين المعارك في سائر أنحاء العالم الإسلامي، وكذلك في مدن الغرب وروسيا. لم يخترع الزرقاوي التفجيرات الانتحارية، لكنه حولها إلى سلاح جهادي عابر للحدود الوطنية يستعمل بشكل روتيني. وجعل من استهداف المدنيين سياسة عامة – وهي في الأصل ممارسة حربية قديمة إشكالية حتى داخل الجماعات الجهادية – في البيئات غير الحربية. كما إنه أول من استحدث أسلوب الهجمات المزدوجة، بتفجير قنبلة ثانية حالما تكون القنبلة الأولى قد اجتذبت فرق الإسعاف والأشخاص المندفعين للعثور على أحبائهم.

إن فكرة ألا أحد آمن، وأن القاعدة الوحيدة هي عدم وجود قواعد، مخيفة على نحو خاص، بما في ذلك للعاملين في الشأن الإنساني الذين يسعون، دون أن يكون لهم أجندة سياسية، إلى نجدة ضحايا الحرب وتقديم العون لهم. أحد هؤلاء الأشخاص هو جيل لوشر، الذي توفي عام 2020 عن خمسة وسبعين عاماً، وهو خبير في شؤون اللاجئين تنقل في سائر أنحاء العالم لتقديم المشورة للأمم المتحدة. وكتب بشكل موسع عن التهديدات التي باتت مهنته تتعرض لها. وحذّر في كتاباته من أنه "في الحرب العالمية على الإرهاب، أصبح الخط الفاصل بين النشاط الإنساني والنشاط العسكري مشوشاً".

وكان لوشر يعرف عما يتحدث. فمن بين الأشخاص الثمانية في مكتب فييرا دي ميلو في زاوية فندق القناة عندما انفجرت القنبلة الموضوعة في الشاحنة، كان الشخص الوحيد الذي ظل على قيد الحياة، رغم أنه فقد كلا ساقيه في محاولة سحبه من بين الأنقاض. ورغم إصاباته، استمر في عمله في صياغة السياسات الدولية المتعلقة بقضايا اللاجئين، بما في ذلك من خلال كتاباته، وبالتالي السماح للوكالات الإنسانية بتقديم معالجة أفضل للتحديات الحرجة التي يواجهها عالمنا الذي يزداد تعقيداً، والمساهمة في إرث يستطيع أن يستمر ربما بعد موت إرث الزرقاوي.

[مهداة إلى آرثر هيلتون، سانت لويس، ميزوري، 1949 – بغداد، 2003]