مستقبل الأكراد في العراق
مستقبل الأكراد في العراق

مستقبل الأكراد في العراق

ملوك الجبال السابقين أصبحوا يصنعون الملوك في بغداد. هذه حال الأحزاب الكرديّة اليوم في العراق التي لا يمكن تشكيل أيّة حكومةٍ فدرالية دونها. ويسمح لها هذا الدور الجديد بوضع جدول أعمالها على الطاولة: توسيع مناطق نفوذها والموارد الطبيعية تحت سيطرتها (النفط والغاز والمياه). وهي تأمل بذلك وضع أسسٍ لدولةٍ كرديّة مستقلّة؛ وهذا طموحٌ قد يسمح لهم باستبدال مخابئها الجبلية القاحلة بمنازلٍ مستقرّة في السهول الخصبة

ربما لم يتفاجأ أحدٌ أكثر من الأكراد أنفسهم بالسرعة التي دُفِعَ بها قادة "البشمركة" السابقين إلى مراكز السلطة في بغداد. وقد حصلوا على أعلى المناصب: رئيس الجمهورية، ونائب رئيس مجلس الوزراء، ووزير الخارجية، ونائب رئيس هيئة أركان الجيش، بالإضافة إلى عددٍ كبيرٍ من المراكز المحورية في مؤسّسات وهيئات ولجان العراق الجديد، بما فيها أجهزة الأمني والإستخبارات

لكنّ الأكراد لا يطمحون لإدارة مناطق العراق غير الكرديّة. فقد كان صراعهم بهدف انعتاقٍ قوميّ، وليس للسيطرة على الدولة العراقية. ولديهم الآن فرصة غير مسبوقة للمضيّ قدماً بمشروع دولتهم. ويسعون اليوم لاستعمال مقومات الدولة العراقيّة من أجل هدفين مزدوجين متلازمين: منع دولة مركزية قويّة من قمعهم، كما حصل غالباً في القرن الماضي، وزيادة فرص استقلال كردستان بالنجاح

بفضل هذه الإستراتيجية، أحرز الأكراد تقدّماً على طريق تقوية استقلالهم الإقليمي وتفريغ الدولة المركزية؛ وقد وجدوا حليفاً قويّاً لهم في المجلس الأعلى للثورة الإسلاميّة في العراق [fn]يعود هذا التحالف مع الحزب الشيعيّ الذي تأسّس في إيران عام 1982، إلى الحرب العراقية-الإيرانية. وقد قاتلوا سويّةً في عدّة معارك في الشمال، بما فيها معركة حلبجة في آذار/مارس 1988.Hide Footnote . لكنّها في الحقيقة مناورة خطيرة: إذ يغذّي إضعاف الدولة قوى الطرد المركزي التي تدمّر البلد، وبذلك يخلق تهديدات جديدة لأمن سكان المنطقة، الأكراد والعرب على حدٍّ سواء. أيضاً، بدأ الأكراد، من خلال مناوراتهم لكسب السيطرة على كركوك ومناطق أخرى يزعمون أنّها كردية منذ الأزل، باستثارة حتّى أصدقائهم و حلفائهم

مؤامرات التاريخ

لقد شكّل التوتّر بين الأهداف القصيرة والبعيدة المدى للأكراد، بين دعم الحكم الذاتي والإستقلال، بين حماية مكاسبهم والهجوم لتحقيق المزيد، نزعةً متكرّرة أزليّة في تاريخهم. وحيث أنّهم ما زالوا غير واثقين من كيفيّة حلّ هذه المعضلة الإستراتيجية، فقد احتفظ القادة الأكراد - السيّدان مسعود بارزاني من الحزب الديمقراطي الكردستاني، وجلال طالباني من الإتحاد الوطني الكردستاني [fn]الذي انشقّ عن الحزب الأخير عام 1976.Hide Footnote  - حتّى اليوم بمراكز أحزابهم ليس في أربيل والسليمانية، بل في ساري راش وقلعة جوالان، وهي مناطق محميّة في أعلى وعمق الجبال

يتقصّى الأكراد الأمور في كلّ مرّة يستلم فيها نظامٌ جديدٌ الحكم في بغداد. لكنّهم يجدون دوماً أنّ سعيهم لتحقيق استقلالهم يصطدم بالواقع المرّ، وهو تآمر الظروف التاريخية والجغرافية لإحباط تطلّعاتهم. ومعضلتهم هي دوماً ذاتها: التلاؤم أم الثورة؟ المشاركة في السياسة في بغداد أم التقوقع في جبالهم؟ حماية مكاسبهم أم الهجوم لتحقيق المزيد؟

فبعد ثورة 1958، عاد الملاّ مصطفى البرزاني، والد مسعود، ومؤسّس الحركة الوطنية الكردية، من المنفى السوفييتي للتواصل مع القادة العسكريّين الجدد. وقد وجد آذان مصغية؛ لكن سرعان ما ظهرت برامج متنافسة، أدّت إلى قصصٍ متعارضة عكست القوميات المتنافسة. وسرعان ما وجد الأكراد أنفسهم أهدافا ً لحملةٍ جوية، وقراهم عرضةً للدمار. وكان الإستماع للقرويين في مخيّماتهم، كما فعلتُهُ لحساب مرقب حقوق الإنسان Human Rights Watch في 1992-1993، يعني لمس حالات المعاناة والقصص التي لا تنتهي عن القصف والخراب والتعذيب والموت العنيف

وعندما تسلّم حزب البعث السلطة في العام 1968، كان حكمه ضعيفاً في البداية. ومع شعوره بهذا الضعف، سارع الملاّ مصطفى إلى العاصمة وفاوض على اتفاقية حكمٍ ذاتيّ. ولكن قبل التمكّن من تنفيذها، انفجرت أزمة النفط في العام 1973. وملأت عائدات البترول الخزائن العراقية وعزّزت من قوّة النظام؛ فنكث بوعوده وألغى الإتفاقية؛ فعاد الأكراد بدورهم إلى الجبال وعاودوا تمرّدهم. وعندما وقّع شاه إيران، الذي كان يساعد الثوار الأكراد، على إتفاقيةً مع بغداد أنهت الخلاف حول حدود شطّ العرب، سحب دعمه، فانهارت الثورة. وعاد الملاّ مصطفى إلى المنفى، هذه المرّة إلى إيران

وقد شكّلت الحرب الإيرانية-العراقية منعطفاً خطيراً لثورة الأكراد. ففي خطوة مميتة، تحالف في البدء الحزب الديمقراطي الكردستاني لبرزاني، ومن ثمّ الإتحاد الوطني الكردستاني لطالباني مع إيران (مع أنّ الطالباني أبقى مجالاً للمناورة لسنتين مع نظام صدّام حسين آملاً بمكاسبٍ ضدّ غريمه). وقد جعلت هذه الخطوة من الرجلين خونة للقضيّة العراقيّة وحوّلت تنظيمهما إلى طابورٍ خامس. وكان ردّ النظام على ذلك شرساً،؛ فصعّد ضد حركة التمرّد، وبدأ بتدمير منهجيّ للقرى الكرديّة عام 1987، واستعمل الأسلحة الكيماوية لقتل المتمرّدين وإخافة السكان. وقد تُوِّجت هذه الاستراتيجية بالهجوم بالغاز على قرية حلبجة الذي قتل فيه الآلاف؛ وتلته حملة الأنفال التي استعمل فيها النظام أيضاً الغاز لإخراج القرويين من مناطقهم [fn]See Joost R. Hiltermann, A Poisonous Affair: America, Iraq and the Gassing of Halabja (Cambridge: Cambridge University Press, 2007Hide Footnote . سمح هذا التكتيك للجيش العراقي بجمع عشرات الآلاف من المدنيين وقتلهم. وهرب الثوار إلى إيران محبطين. هكذا بدا هذه المرّة أنّ الحركة الكرديّة قد قُهِرَت تماماً

ولم تعُد هذه الحركة من بين الأموات إلاّ بمعجزة، وبفضل التدخّل "الإلهي" الأميركي. فقد أطلق احتلال صدام الأرعن للكويت حملةً عسكريّة دوليّة لإخراج قواته؛ وسمح هذا الأمر بصعود المتمرّدين العراقيين، الشيعة في الجنوب، والأكراد في الشمال. فعادت الأحزاب المتمرّدة الكرديّة من المنفى منتصرة، وتمركزت في المدن والسهول: أربيل، السليمانية ودهوك . لكن إدارة بوش الأب لم تساند انتفاضتهم؛ وسرعان ما تعافى النظام وسحق المتمرّدين، مرسلاً مئات الآلاف من الأكراد إلى إيران والحدود الجبلية مع تركيا. ردّاً على ذلك ولمساعدة حليفها التركيّ لإيقاف أفواج اللاجئين الأكراد القادمين إلى أراضيه، أسّست الولايات المتحدة ملجئاً آمناً [fn]تسمية "الملجأ الآمن" التي سيطر عليها التحالف بشكلٍ كامل في نيسان/إبريل 1991 لم تكن تضمّ سوى المناطق المتاخمة للحدود التركية، مع مدن زاخو ودهوك. انسحاب الجيش العراقي من جهة واحدة هو الذي كبّر هذا الملجأ الآمن بشكلٍ كبير. أمّا منطقة الحظر الجويّ فقد غطّت مناطق متعدّدة لا علاقة لها مع الطبيعة السياسية على الأرض؛ إذ ضمّت الموصل ولم تضمّ السليمانيّة.Hide Footnote  ومنطقة حظر جوّي في شمال العراق

تفاوضت الأحزاب الكردية مع النظام العراقي لفترة، حتّى أنّها نظّمت دوريّات مشتركة بين الجيش والبشمركة في المدن الكرديّة؛ ولكن في تشرين الأول/أكتوبر 1991، انسحبت القوّات العراقية إلى "الخط الأخضر"، أي إلى حدود المنطقة التي منحها النظام للأكراد في إتفاقية الحكم الذاتي عام 1970. وخلال ستّة أشهر، أقامت الأحزاب الكرديّة الإنتخابات وشكّلت حكومةً إقليمية. كانت هذه بداية الحكم الذاتي الفعلي، وهي فترة نمو الثقة بالنفس والإزدهار النسبي والسلام... الذي خرقته عدّة سنوات من الصراعات الدمويّة بين الحزبين الكرديين الرئيسيين

في الفترة التالية ظهرت توتّرات جديدة. فبينما بدأ الأكراد يتمتّعون بحريّات غير مسبوقة، بحماية أميركا وتركيا، وجدوا أنفسهم محاصرين جغرافياً ويعتمدون بشكلٍ كلّيّ على تلك الدول نفسها للوصول إلى الخارج. وقد سمحت أميركا وتركيا ببعض إعادة البناء، ولكن دون تطوّرٍ إقتصاديّ حقيقي كان بإمكانه وضع الأكراد على طريق الإستقلال. وكان الخروج من هذه المعضلة أمراً حيويّاً بالنسبة للأكراد؛ ولكنّ قلقهم قد دفعهم إلى التشدّد حول قضية قديمة محورها مدينة ومنطقة كركوك

ففي كلّ من المراحل التاريخية المذكورة، فشلت المفاوضات بين الأكراد والدولة، بالذات حول مسألة ضمّ كركوك إلى منطقة حكمهم الذاتي. فالرهان كبير؛ إذ يقع حقل النفط في كركوك على 13% من الاحتياطي العراقي المثبت، ويمكن أن يؤمّن إيرادات لعدّة قرون. ويزعم الأكراد أنّه كانوا دوماً متواجدين في كركوك، ويؤكّدون أنّ المدينة كانت عاصمة شهرزور، وهي منطقة كرديّة تواجدت في زمن الإمبراطورية العثمانية. ولكن سكّان كركوك الأخرين لا يوافقونهم على هذا الرأي - العرب والتركمان، بالإضافة إلى مجموعة صغيرة من المسيحيين الكلدان والآشوريين - ويخشون أن يصبحوا أقليّات في دولةٍ كردية. لكنّ الأكراد يصرّون على رؤية كركوك أساساً، على الأقل، لتأمين الدعم الإقتصادي لمواجهة الحكومة المركزية، بل نقطة ارتكاز تدعم مشروعهم لإقامة دولة مستقلّة

جعل العراق كرديا

أطلق سقوط النظام العراقي إبّان الغزو الأمريكي في نيسان/إبريل 2003 الطاقات الكرديّة. وقد كان تحالفهم مع الولايات المتحدة مربحاً جداً خاصّةً مع رفض تركيا مرور القوّات الأمريكيّة عبر أراضيها. ولم يضيعوا وقتاً للعمل على ثلاث محاور: إذ وطّدوا سيطرتهم على المناطق الكرديّة، وبدؤوا دمج إدارتيهم المتوازيّتين في أربيل (الحزب الديمقراطي الكردستاني) والسليمانية (الإتحاد الوطني الكردستاني)؛ وتوغّلوا إلى المناطق المتنازع عليها، وهي شريطٌ عريضٌ يحتوي على خليطٍ سكانيّ يمتد من سورية إلى الحدود الإيرانية؛ كما اخترقوا مؤسّسات العراق الجديد

وهكذا نجح الأكراد فعليا ً في "تكريد" السياسة العراقية، حيث لا يمكن اتخاذ أي قرارٍ بدون رأيهم ودون المخاطرة باستعمالهم حقّهم في النقض. وقد ظهر هذا جليّاً حين النقاشات على الدستور المؤقّت، القانون الإداري الإنتقالي الذي صدر عام 2004: إذ تمّ فرض الحصول على أكثريّة مطلقة للاستفتاء على الدستور الدائم، مع إمكانيّة رفض النصّ بأكثرية الثلثين في ثلاث محافظات عراقيّة بحدٍّ أدنى، وكان المقصود هنا هو المحافظات الكرديّة الثلاث [fn]ومن سخرية القدر، أنّ حقّ النقض على الدستور الجديد لم يستخدم من قبل الأكراد، بل من المحافظات ذات الأغلبيّة العربيّة السنيّة، التي رأت فيه ممثّلاً لمصالح الغرماء الأكراد وفي المجلس الأعلى للثورة الإسلاميّة في العراق.Hide Footnote . وقد نتج عن ذلك دستورٌ عكس مصالح الأحزاب التي ربحت انتخابات كانون الثاني/يناير 2005: الأكراد والمجلس الإسلامي العراقي الأعلى (الذي ترأس التحالف العراقي الموحّد، وهو إئتلافٌ ضعيف يتألّف بمعظمه من أحزابٍ وأفرادٍ شيعة). هكذا ترك الأكراد بصماتهم بشكل حازمٍ ومتكرّر على القوانين العراقية

وقد توّج الأكراد إنجازاتهم بالمادة 140 من الدستور، التي تطرّقت، بالرغم من كونها مبهمة بشكلٍ خطير وقابلة للتأويل، على كيفية كسب (قد يقول الأكراد استرجاع) الأكراد لمدينة كركوك خلال سنتين. إذ وضعت المادة 140 مساراً ("التطبيع"، إحصاء السكان، ثمّ الاستفتاء) وموعداً نهائياً (31 كانون الأول/ديسمبر 2007) لصالح للأكراد، معتمدةً آليّة لا يمكن أن ينتج عنها سوى نجاحهم، خاصّة مع الأكثرية الديموغرافية الكردية التي ستنتج عمّا سمي بعملية "التطبيع". إذ استخدم هذا التعبير للدلالة على تهجير العرب المستقرّين في كركوك وعودة الأكراد الذين طردوا من المنطقة كجزءٍ من عمليّة التعريب

لكن في حين برهنت المادة 140 على قوّة الأكراد، فقد دلّت أيضاً على ضعفهم ومعاناتهم الأساسية كأقليّة، وهي نزعة متكرّرة ثالثة. إذ يستطيع الأكراد نقض التشريعات التي تضرّهم، ولكنّهم لا يقوون على وضع قوانين تفيدهم قيد التنفيذ، كما هي الحال بالنسبة للمادة 140 ذاتها. إذ مرّ الموعد النهائي دون إجراء الاستفتاء، وبالتأكيد دون إحراز أي تقدّمٍ حاسمٍ لجهة "التطبيع". صحيحٌ أنّ عدداً من "الوافدين" العرب قد غادروا كركوك منذ العام 2003، قبل وصول الأكراد، لكن لم تتبعهم أيّة أعداد مهمّة بعدها بالرغم من الضغط الكردي المتواصل. والأسوأ من ذلك هو عودة أقليّة فقط من أكراد كركوك بسبب غياب الأمن، والوظائف، والخدمات الأساسية [fn]من بين التناقضات الغريبة، أنّ سكّان كركوك ينعمون بالكهرباء الحكومية أكثر من أولئك في إربيل والسليمانية، الذين يعتمدون على المولّدات الخاصّة التي تموّن بالوقود بأسعارٍ عالية؛ وبمعزلٍ عن الفساد المستشري، يشكّل عجز الإدارة الكرديّة عن تأمين الكهرباء في مناطقها أحد أكبر ظواهر فشلها.Hide Footnote ؛ هذا، بالرغم من المساعدات التي وعد بها أولئك "العائدون". وتعطّلت كل جهود إعادة الإعمار هناك في التناقضات بينهم وبين الحكومة المركزيّة، مع التدخّلات المنهجيّة للجيش الأمريكي فيها عبر "دبلوماسيّة المروحيّات"، وبقي حتّى الأكراد "العائدون" يخيّمون في الملعب الرياضي الكبير في المدينة. وهكذا لم تسمح سيطرة الأحزاب الكرديّة على كركوك بتغيير أوضاعها، بالرغم من حيازتهم على معظم مقاعد مجلسها الإقليمي عام 2005، وتولّيهم معظم المناصب الإدارية العليا. وبدلاً من إقناع العرب والتركمان بقدرتهم على تأمين حكمٍ عادلٍ إذا ما انضمّت كركوك إلى كردستان، نجحت الأحزاب الكردية في البرهان على العكس، جاعلةً المقاومة ضدهم أكثر صلابةً، بل مثيرةً انتقادات شديدة نحوهم في كردستان العراق (فشل سياسي وإداري، فساد عقود النفط السريّة). وذهب ترتيب أوضاع كركوك إلى عالم النسيان

الأوّلى لتعبر باب شرذمة العراق

ترك الأكراد دمغةً دائمة على هندسة بناء عراق ما بعد 2003. إذ لم تؤدّي إطاحة النظام السابق إلى الديمقراطية، بل إلى انقلابٍ جذريّ في أسس الدولة: وانتقل العراق من دولةٍ مركزيّةٍ جداً حوّلها قائدها السابق إلى دكتاتورية شريرة، إلى دولةٍ غير مركزيّة لدرجة أنّها أصبحت غير قابلة للحُكم. ومع أنّهم ليسوا المسؤولين الوحيدين عن هذه النتيجة، فقد لعب الأكراد دوراً رائداً للوصول إليها. إذ أنّهم هم من أدخل فكرة الفدراليّة المبنيّة على الأعراق، حتّى أُضعِفَ العراق من جرّاء بيع الأمريكان لأسسه بالمزاد، لدرجة أنّه لم يعُد يستطِع مقاومة المنطق العرقي الطائفي، الذي امتدّ من كردستان إلى باقي أرجاء العراق

كانت الفديرالية تعني في الأساس بالنسبة للأكراد الكونفدراليّة، أي الخيار المتبادل بين أكراد وعرب العراق للعيش سويّاً، ولكن في ظلّ تدبيراتٍ ضعيفة تمنح استقلالية قصوى للأكراد في إدارة أمورهم. وقد سوَّقوا هذه الفكرة لدى أحزاب المعارضة العراقية المتشرذمة في المنفى، خاصّةً بعد عام 1991، التي لم تتمكّن سوى الاتفاق على الحدّ الأدنى المشترك: مشروع فدراليّة مفرغٌ من محتواه. ولكنّه، عندما عادت هذه الاحزاب إلى البلاد، انغمست في سياسات الهوية والميليشيات لـ"جلب" الدعم الشعبي لها، حيث لم يكن يثق أحدٌ بها ولا بقدراتها. وقد كرّس بول بريمر هذه السياسات العرقية-الطائفية الجديدة في المؤسسات الحاكمة، دون أن يفهم جذورها أو يدرك مخاطرها: المجلس العراقي الحاكم عام 2003، حكومة 2004 الإنتقالية، والحكومات المتلاحقة التي انتجتها الإنتخابات البرلمانية في العام 2005. هكذا أدّت هذه السياسات إلى خلق المناخ الملائم لزرع أسس فيدرالية تتأسّس على مبدأ الهويّة العرقية والطائفيّة، في حين كان بعض المسؤولين الأمريكيين يرون في تقسيم العراق الحلّ الأمثل لـ"هؤلاء" الذين لا يستطيعون العيش سويّةً

هكذا نصّ دستور 2005 على نظامٍ فدراليّ يحوي عاملين فريدين: إذ يقوّض بشكلٍ كامل قدرات السلطة المركزيّة لصالح حكومات المناطق؛ كما فسح المجال للمحافظات لتشكيل أقاليم، وحدها أو بدمجٍ بين بعضها، يمكن لسلطاتها أن تتشكّل قويّة على مثال سلطة كردستان. وكونها الأولى التي عبرت هذا الباب، أضحت كردستان العراق هي الأقليم الوحيد الذي استفاد من هذا التدبير

وتعتمد إمكانية إتباع آخرين الخطى ذاتها لعبور هذا الباب على قدرات الأحزاب كالمجلس الإسلامي العراقي الأعلى - الذي دعا لإقليمٍ شيعيّ ضخم جنوب بغداد يتألّف من تسع محافظات - على تحريك دعمٍ كافٍ في كلّ من المحافظات المعنيّة للفوز في استفتاءٍ محلّي لتشكيل هذا الإقليم. ولكن الطائفية المفرِطة للمجلس الإسلامي العراقي الأعلى وضعف شعبيته يعملان ضدّ إمكانيّات نجاحه؛ هذا مع أنّه يملك الكثير من الأموال وسلطة مؤسساتية لا بأس بها تراكمت منذ استعراضه للقوّة في انتخابات المجالس الإقليميّة عام 2005، عندما بقي تيّار السيّد مقتدى الصدر، منافسهم الأساسي، بعيداً عن هذه الإنتخابات. وقد عارض الصدريّون وأحزاب عربية شيعيّة وسنية أخرى أسس الفدرالية الموضوعة، وتركّز معظم النقاش البرلماني في الفترة الأخيرة بالذات حول السلطات التي ستملكها فعلاً تلك المناطق؛ مثلاً حول إدارة حقول النفط وتقسيم السلطات بين الأقاليم والمحافظات، وسلطة الحكومة الفدرالية في فصل الحكّام المحليّين 

السؤال اليوم هو ما إذا كان الأكراد لهم مصلحة حقيقيّة في تشكّل أقاليم قويّة أخرى في العراق أم أنّهم يفضّلون العيش ضمن كونفدراليّة عربيّة-كرديّة غير متوازيّة: إقليم كرديّ موحّد يتعايش مع محافظات عربيّة عراقيّة عديدة. جامعين الفرصة مع الحاجة الملحّة - الخوف من قيام دولة مركزيّة نافذة تتحكّم بها مجموعات تعادي التطلّعات الكردية - اعتقد الأكراد، ضمن نشاطات الجمعيّة التأسيسيّة، أنّهم يحسنون صنعاً بتفريغ الدولة المركزيّة من مضمونها من خلال تشجيع قيام أقاليمٍ أخرى ونقل سلطات كبيرة إليها. وكانت النتيجة قيام نقاش أقطابٍ حول درجة اللاّ مركزية الضرورية للمحافظة على كيان الدولة

قد يكون من الصعب إزالة الضرر اليوم؛ مع هذا، فأنّ تحالفٍ أحزابٍ جديد يحاول ذلك؛ يقوم العامل المشترك بينهم على نبذ التقسيم العرقي-الطائفي وعلى الشعور الوطنيّ. ويتألّف هذا التحالف من التيّار الصدريّ، وحزب الفضيلة، واللائحة الوطنية العراقية العلمانية لإياد علاوي، ومن اللائحتين العربيّتين السنّيتين الأساسيتين: جبهة التوافق العراقية الدينية، وجبهة الحوار الوطني العراقي العلمانية. وبالرغم من عدم اعتناق كل هذه الأحزاب لفكرة الفدراليّة بإخلاص، ولكن جميعهم أشاروا إلى أنّ بإمكانهم العيش في ظلّ اللامركزية، وخلافهم يتمحور بمجمله حول درجتها. لكنّهم يتشاركون في نبذهم الشديد للاّمركزية المطلقة التي يدعمها المجلس الإسلامي العراقي الأعلى والأكراد؛ وقد بدؤوا بدفع الأمور للوراء، بما فيها فيما يتعلّق بالقانون حول كيفيّة تشكيل الأقاليم. فقد مرّ هذا القانون بشقّ الأنفس على البرلمان في تشرين الأوّل 2006/ أكتوبر بعد مساومة، أخّرت وضعه قيد التنفيذ لمدة ثماني عشرة شهراً

وقد مرّت تلك المهلة للتوّ، ولكن بغداد بقيت صامتة: إذ لا توجد أيّة تحركات ظاهرة لإطلاق الاستفتاءات المحليّة في المحافظات الجنوبية، كما دعا إلى ذلك المجلس الإسلامي العراقي الأعلى. عوضا ً عن ذلك، يبدو أنّ العراقيين مشغولون بإنتخابات المجالس المحليّة، التي كان من المفترض أن تتمّ بحلول الأول من تشرين الأوّل/أكتوبر الماضي، والتي يمكن لنتائجها أن تحوّل المسار السياسي برمّته. إضافةً إلى ذلك، لم يجِد الأكرادوالمجلس الإسلامي العراقي الأعلى أيّ دعمٍ إقليميّ أو دولي لصنف الفدرالية الذي ينادون به. إذ قد تفضّل الدول المجاورة للعراق وجود دولةً ضعيفةً فيه، ولكنّها لا أحد يرغب في أن ينهار إلى دويلات، مهدّداً أمن المنطقة بمجملها. بالنتيجة، تبقى الفدرالية العراقية في صيغة معلّقة غير مستقرّة، تعتمد على توازنات القوى المحليّة والإقليمية، حيث لا يمكن لأيٍّ من القوى المحلية أن تفرض الصيغة التي تفضّلها

البحث عن الأمن

فتحت مغامرة صدّام حسين في الكويت نافذة فرصة للأكراد. وقد وسّع الرئيس جورد والكر بوش هذه النافذة بمغامرته المجنونة لتغيير الشرق الاوسط باستعمال الجيش الأميركي كوسيلة لإحلال "الديمقراطية" في العراق. أمّا اليوم فإنّ هذه النافذة قد بدأت تنغلق من جديد. ينتج ذلك عن المعارك العسكريّة الأخيرة في العراق، ومحاولة الرئيس بوش اليائسة لإنقاذ سمعته وإرثه السياسي. ففي محاولة لكبح القوى التي تمزّق البلاد، قامت إدارته بإعادة موضعة للتوازنات السياسيّة القائمة، كابحاً مسارات الأحزاب الحاكمة في محاولة لإغراء العرب السنة الساخطين لقبول النظام الجديد. وقد تمثّل هذا الجهد، في بغداد والأنبار، باستيعاب "أبناء العراق" في المؤسّسات والقوات الأمنية. لكنّه في المناطق المتنازع عليها، تقاوم الأحزاب الكرديّة قيام القبائل السنيّة بإنشاء "مجالس الصحوة" لمكافحة تنظيم القاعدة، إذ أنّها ترى فيها تحدياً لتأثيرها في هذه المناطق التي يسعى إلى إلحاقها بكردستان

ففي تطوّرٍ ملحوظ، وبعدما قام أعضاءٌ من قبيلة الجبور بتشكيل "مجلس صحوة" في حويجة العبيد، وهي منطقة عربية في محافظة كركوك، في تشرين الثاني/نوفمبر 2007، توسّط مسؤولون أميركيون لإقامة إتفاقٍ للتشارك في السلطة بين العرب والقادة السياسيّون الأكراد؛ وكان بمثابة هديّة مقابل استعداد آل جبور المساهمة في إعادة الهدوء إلى المنطقة. ومع أنّ تنفيذه على الأرض مشكوكٌ في أمره، إلاّ أنّ تبنّيه من قبل السيّدة كوندوليزا رايس كخطوة محورية خلال زيارتها في 18 كانون الأوّل/ديسمبر الماضي [fn]راجع خطاب السيّدة رايس في مقابلتها الصحفيّة في 21 كانون الأوّل/ديسمبر 2007، حيث اعتبرت الأمر نجاحاً لتعاون السياسيين المحليين أمام فشل أولئك في بغداد (!).Hide Footnote ، جاء بمثابة رسالة للأكراد بأنّ شهر عسلهم المطوّل مع الولايات المتحدة قد شارف على نهايته. وكان حدثٌ آخر قبل ذلك قد زاد من قلق الأكراد. ففي 16 من الشهر نفسه، قامت القوات الجوية التركية بشن أوّل هجومٍ عسكريٍّ لها على حزب العمال الكردستاني في شمال العراق. وقد رأى أكراد العراق أنّ الطيّارين الأتراك، كما السياسيين وراءهم، لا ينظرون فقط إلى حزب العمال الكردستاني، بل إلى الحكومة الإقليميّة الكردية أيضاً. وقد ردّوا بغضبٍ شديد، خاصّة وأن الولايات المتحدة دعمت علنياً العمليات التركية، بل أيضاً ساعدت عليها عبر منح معلومات استخباراتية. بالنسبة للأكراد، دلّ هذا الأمر على إعادة تأكيد الولايات المتحدة على وحدة الأراضي العراقية، وعلى التذكير بأنّ الدعم الأميركي لهم لن يكون إلاّ مقابل مشاركتهم في جدول الأعمال الأميركي في العراق[fn]أحد الآثار غير السارّة للتحالف الكردي مع الولايات المتحدة، هو عندما يطلب منهم بعض المهمّات التي لا توافق مصالحهم. هكذا كانت الحال مثلاً، خلال الحملة الأمريكية على تنظيم القاعدة في بغداد في 2007، حيث طلب منهم المساهمة في المعارك وإرسال وحدتين كرديّتين من الجيش العراقي كانتا متمركزتين في كركوك لحمايتها من هجمات كانت تأتي من الحويجة. تذمّر الأكراد ولكنّهم نفّذوال الطلبHide Footnote

بالطبع لا يُعلن الأكراد بأنّهم يتحضّرون للانفصال، حتى عندما يؤكّدون دوماً بأنّهم يريدون في قلوبهم الاستقلال. هكذا يبقى الأكراد عالقين في معضلةٍ أساسية وضعوا أنفسهم فيها: هل يجب أن يقوموا بضمّ كركوك عنوةً، مع المخاطرة بإغضاب جيرانهم خاصّة تركيا التي يحتاجون إليها اقتصادياً، وكذلك حلفائهم خاصّةً الولايات المتحدة التي كانت قد أمّنت لهم الحماية؟ أم هل يجب عليهم المطالبة بحقوقٍ أهم، وبمزيد من السلطات، والحصول على مصادر إيرادات إضافيّة، ضمن الحدود والقيود السياسية الحالية، ويخاطرون بمواجهة دولة عراقيّة مركزيّة قويّة أخرى في المستقبل، قد تقمعهم مجدداً؟

وكيف يمكنهم الهروب من الجغرافيا؟ إذ حتى لو ربحت كردستان حقول النفط في كركوك أو طوّرت تلك التي في منطقتها، فستحتاج لضخ النفط إلى البحر المتوسط؛ والآن الطريق الوحيد المتوفّر يمرّ عبر تركيا؛ وإذا أرادت التنويع، فعليها عقد إتفاقٍ مع سورية، التي تعارض بدورها مخططات الأكراد على كركوك (مثل إيران). هكذا ستعتمد حريّة الأكراد في المناورة دوماً على جودة علاقاتهم مع جيرانهم

وربّما لهذا السبب، أجاب السيّد مسعود برزاني سؤال صديقٍ لي، إذا ما كان يسعى لتحقيق "الفدرالية"، بأنّه يريد "الأمن" للأكراد. وقال أنّ "الفدرالية" هي مجرّد تعبير، وما يحتاج له الأكراد بالفعل هو الأمن. وكيف لا، بعد النتائج المؤلمة لتحالفهم مع إيران في الثمانينات، عندما سُمّموا بالغاز في منازلهم، وجُمّعوا وسيقوا كالماشية، وجُرّوا إلى مواقع الإعدام وقُتلوا؟

السؤال الحقيقي هو: كيف يمكن للأكراد تحقيق الأمن، ولو نسبيّاً؟ وقد ضعت الحكومة الإقليمية الكردية كركوك نصب أعينها، على أمل تحقيق الأمن والنفوذ الإقتصادي في المنطقة. لكن هناك دروسٌ مهمّة يجب تعلّمها من تجارب حلبجة والأنفال. ففي النهاية، ومع أنّ صدّام حسين مدان بدون تردّد بجرائمٍ ضدّ الإنسانيّة عندما أرسل مقاتلاته ترمي الغازات السامّة على المدن والقرى الكرديّة، فإنّ الأحزاب الكرديّة قد لعبت دوراً لا يمكن تجاهله، وما يزال أهل حلبجة وغيرها يطرحون التساؤل عنه. إنّها الأحزاب الكردية التي اختارت التحالف مع إيران خلال حرب كانت مصيريّة على كلا البلدين، وكانوا هم من وجّه الحرس الثوري الإيراني داخل الأراضي العراقيّة لطرد القوّات العراقيّة و"تحرير" حلبجة. ومهما كان هذا التحالف مبرّراً نظراً إلى وحشيّة النظام العراقي، فقد قامت البشمركة حينها بمغامرة مدركةً تماماً ردود فعل النظام الممكنة تجاههم وتجاه السكّان العزّل. وإذا هناك شيء كان مفاجئاً في هجوم حلبجة الكيميائي فهو حجمه وشراسته، وليس الواقع بأنّه حصل أو أنّه تضمّن استخدام الغاز، الذي كان يستعمله النظام ضدّ الأكراد لمدة عام تقريباً

لم تكن النتيجة كارثةً مدنية وحسب، بل أيضاً إنهيارً تامّاً للحركة الوطنية الكردية، التي تخلّت عن المعركة وهربت. كانت الأحزاب قد تجاوزت حدودها وعانت من النتائج. ولم يأتِ إنتعاش الحركة الوطنية وعودتها إلى كردستان في 1991 نتيجة أي شيءٍ قامت به الأحزاب نفسها. وهي تواجه اليوم تحدياً مماثلاً في كركوك. فبغضّ النظر عن أيّة أقوالٍ، مشروعةٍ أم لا، حول حقوق الأكراد في هذه المنطقة بناءً على التاريخ والجغرافيا، فإنّ أمامهم عدّة عوائق مهمّة في حال أرادوا ضمّها: مقاومة الحكومة العراقية والدول المجاورة، وعدم رغبة الولايات المتحدة برؤية حلفائهم الأكراد يغرقون القارب العراقي، بالإضافة إلى تحدّي الدفاع عن كركوك في حال ضمّوها. ومن الواضح أنّ الأحزاب الكردية لم تفلح في الماضي في حماية قراها من الغزاة، ومحاولتهم السيطرة على كركوك في 1991 خلال أسبوع قد انتهت بشكلٍ مخزي، ويمكن الرهان أنّه إذا لم يحصل اتفاق على كركوك فإنّ أعداءهم سينتظرون الفرصة السانحة ضدّهم: وسيقومون عندما تخرج القوات الامريكية من العراق بالردّ بما سيكون لهم من قوّة. وفي أدنى حدّ، ستعمل الدول المجاورة ووكلاؤها المحليّين على جعل حياة الأكراد في كركوك مستحيلة

بدلاً من ذلك، يجب على الأكراد، في سعيهم الشرعي لتحقيق الأمن، الضغط للحصول على الحدّ الأقصى الذي يمكن تحقيقه فعلياً وبالإجماع في هذا الظرف التاريخي. وبدعمٍ من الأمريكيين، لديهم فرصة نادرة لعقد إتفاقات مفيدة ستكون متينة. قد لا تؤدّي هذه الإتفاقات إلى منح الأكراد السيطرة الحصريّة على كركوك، ولكنها قد تسمح للحكومة الإقليمية الكرديّة بتطوير نفطها وغازها في ظل التشريع الفدرالي الذي سيجذب الاستثمارات الدولية التي يحتاجها الأكراد لتطوير ثرواتهم الطبيعية. كما يمكن أن ينتج عن هذه الإتفاقات حدودٌ شرعيّة للمنطقة الكردية، معترفُ بها دولياً، ومن قبل الجيران، وخاصّةً من الدولة العراقيّة.

في النهاية، سيكون على الأكراد الاختيار بين النزاعات اللا متناهيّة وبين التوافق الذي يمكن أن يؤمن لهم السلام لجيلٍ أو أكثر

العراق: تحقيق الاستقرار في قضاء سنجار المتنازع عليه

لم يتعافَ قضاء سنجار بعد من الخراب الذي أصابه في عام 2014، عندما أخضع تنظيم الدولة الإسلامية سكانه لحملة رعب شرسة. ما يزال آلاف السكان نازحين. ومن أجل إقناعهم بالعودة، ستحتاج الحكومة الاتحادية العراقية وحكومة إقليم كردستان مساعدة السكان المقيمين هناك لتحسين الحوكمة والأمن.

  • Share
  • Save
  • Print
  • Download PDF Full Report

ما الجديد؟ في 15 تشرين الأول/أكتوبر 2020، وقّعت بغداد وأربيل اتفاقاً يهدف إلى تحقيق الاستقرار في قضاء سنجار العراقي من خلال إدارة وهيكلية أمنية جديدتين من شأنهما أن تسمحا بعودة المهجرين. إلا أن الاتفاق لم يُنجز إلا جزئياً. فتركيا تكثف قصفها لحزب العمال الكردستاني والمجموعات المرتبطة به في المنطقة.

ما أهمية ذلك؟ مع مرور الوقت دون التوصل إلى ترتيب عملي لحكم سنجار وتحقيق الأمن فيه، فإن الحوافز بالنسبة لأهل سنجار المهجرين الذين يعيشون في مخيمات بائسة للعودة إلى بيوتهم باتت تتضاءل. وفي هذه الأثناء، فإن تصاعد حدة العنف يخاطر بجر القضاء إلى صراع القوى بين تركيا وإيران.

ما الذي ينبغي فعله؟ ينبغي على بغداد وأربيل تنفيذ أحكام الحوكمة، والأمن وإعادة الإعمار في اتفاق سنجار في أقرب وقت ممكن. وينبغي أن تعالجا إخفاقهما، عند التوصل إلى الاتفاق، في تأمين مشاركة وموافقة المجموعات العراقية المسلحة الفاعلة على الأرض من خلال استشارتها واستشارة ممثلي المجتمع المدني السنجاري حول كيفية إنجاح الاتفاق.

بعد نحو سبع سنوات من تمكّن تحالف غير وثيق مكوَّن من مجموعات مسلحة وقوات من إقليم كردستان وبغطاء جوي أميركي من إخراج تنظيم الدولة الإسلامية من سنجار، فإن الوضع هناك ما يزال متوتراً. سنجار، الذي كان في وقت من الأوقات قضاءً هادئاً في الزاوية الشمالية الغربية البعيدة من العراق، بات يصارع، مع افتقار إدارته المحلية للشرعية، وإخفاق خدماته العامة في تلبية التوقعات وتوقف عملية إعادة الإعمار فيه. ثمة مجموعة متفرقة من الجماعات المسلحة تبقي المنطقة غير آمنة، وهو الوضع الذي يترك 70 بالمئة من سكانه في حالة نزوح. وتنتشر الأغلبية العرقية – الدينية الإيزيدية، التي استُهدفت في هجوم أقرب إلى الإبادة الجماعية شنه تنظيم الدولة الإسلامية عليها في عام 2014، في سائر أنحاء الشمال الغربي (وفي المنفى) وتعاني من الانقسام السياسي. في عام 2020، توصلت الحكومة الاتحادية العراقية وحكومة إقليم كردستان إلى اتفاق لتحقيق الاستقرار في سنجار، لكن المتابعة تباطأت، وهددت الصدامات التي جرت في أيار/مايو بين الجيش وإحدى الميليشيات المحلية إلى تقويضه بشكل كامل. سيتعين على أطراف الاتفاق العمل مع سكان سنجار لتعزيز الدعم للاتفاق والإشراف على تنفيذه، بشكل يسمح بعودة المهجرين.

حتى قبل وصول تنظيم الدولة الإسلامية في عام 2014، كان قضاء سنجار رهينة مواجهة بين الحكومة الاتحادية في بغداد وحكومة إقليم كردستان في أربيل بسبب وضع الإقليم كمنطقة متنازع عليها (أي منطقة تدعي كلا الحكومتان السلطة عليها). ينص الدستور العراقي لعام 2005 على عملية مصممة لتسوية الادعاءات المزدوجة بالحق بالمناطق المتنازع عليها. إلا أن حكومة كردستان، وخصوصاً المكوّن الأكثر قوة فيها وهو الحزب الديمقراطي الكردستاني، سعت منذ وقت طويل إلى السيطرة على المناطق المتنازع عليها، بما في ذلك سنجار، كمقدمة لضمها إلى إقليم كردستان. ودخل مقاتلو الحزب الديمقراطي الكردستاني وقوات البشمركة التابعة له إلى سنجار في عام 2003، واستمالوا ووظفوا النخب المحلية لأداء مهام الحوكمة الروتينية. إلا أن الحزب لم يحقق شعبية تذكر هناك. وبوجه خاص، عامل الإيزيديين بوصفهم أكراداً، وبذلك حرمهم فعلياً من الهوية المميزة للجماعة وزرع بذور الاستياء في أوساطهم.

حوَّل هجوم تنظيم الدولة الإسلامية على الإيزيديين في آب/أغسطس 2014، سنجار إلى بؤرة تجمّع لطيف واسع من الجماعات المسلحة. وتمثلت إحدى هذه الجماعات في حزب العمال الكردستاني – وهو مجموعة كردية متمردة تصنفها تركيا (وكذلك الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي) تنظيماً إرهابياً. كان حزب العمال الكردستاني قد بحث عن مكان آمن في شمال العراق، رغم أن وجوده كان يقتصر بشكل عام على جبال قنديل قبل عام 2014 ومنطقة من قضاء مخمور حيث يقع مخيم للاجئين الأكراد من تركيا. لكن عندما سحب الحزب الديمقراطي الكردستاني قوات البشمركة التابعة له عندما شن مقاتلو تنظيم الدولة الإسلامية هجوماً على المنطقة، تدخلت جماعات تابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني بغطاء جوي أميركي – وتمكنت من إنقاذ الناجين وصد تنظيم الدولة الإسلامية تدريجياً. ثم، في أواخر عام 2015، أرسلت الولايات المتحدة مرة أخرى طائراتها الحربية لمساعدة خليط من الجماعات المرتبطة بحزب العمال الكردستاني (وحدات حماية الشعب السورية، ووحدات مقاومة سنجار التي أسست حديثاً) والبشمركة التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني على طرد تنظيم الدولة الإسلامية بشكل كامل. وعلى مدى العامين التاليين، ظل إقليم سنجار بشكل عام تحت سيطرة الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي هيمن على الشمال الشرقي وأيضاً على بلدة سنجار، وحزب العمال الكردستاني، الذي تركز وجوده في جبل سنجار والشمال الغربي.

في عام 2017، تغير الوضع في شمال العراق مرة أخرى، حيث أعاد تصعيد الحملة المناهضة لتنظيم الدولة الإسلامية بدعم من الولايات المتحدة القوات الاتحادية العراقية إلى الشمال، وانضمت إليها مجموعات الحشد الشعبي شبه العسكرية التي تتكون بشكل رئيسي من عراقيين من أجزاء أخرى من البلاد. فتمت استعادة الموصل، آخر مدينة كانت واقعة تحت سيطرة الدولة الإسلامية. ثم مضى الحشد أبعد من ذلك. فبعد أن أحدث استفتاء على الاستقلال نظمته حكومة إقليم كردستان رد فعل عكسي، تم إخراج الحزب الديمقراطي الكردستاني من سنجار والاكتفاء بتعاون مضطرب مع مكونات الحزب وفروعه والمجموعات المرتبطة به المقيمة هناك.

تتسم ترتيبات الحوكمة الناجمة عن ذلك بالعشوائية وانعدام الفعالية. إذ يتمتع الحزب الديمقراطي الكردستاني بتفويض رسمي لحكم سنجار، لكنه يمارس هذا التفويض من خارج القضاء، وحتى من خارج محافظة نينوى التي تقع فيها سنجار، أي من محافظة دهوك المجاورة. داخل سنجار، عيّن الحشد قائم مقام بديل ومدراء نواحٍ دون مباركة الحكومة الاتحادية، في حين أنشأت وحدات حماية الشعب، التي تتكون غالباً من إيزيديين عراقيين إضافة إلى عدد قليل من العرب الذين حملوا السلاح ضد تنظيم الدولة الإسلامية، ذراعاً حاكماً – "الإدارة الذاتية في سنجار" – تسعى لأداء بعض الوظائف البيروقراطية، لكنها تفتقر إلى السلطة والقدرة على أدائها.

في هذه الأثناء، وبسبب المجموعات المسلحة التي يستضيفها قضاء سنجار فإن القضاء يجد نفسه على نحو متزايد في وسط المواجهة بين تركيا وإيران. إيران تدعم الحشد، في حين أن تركيا تسعى إلى القضاء على حزب العمال الكردستاني الذي ترى فيه تهديداً لأمنها القومي. عندما انسحب مقاتلو الحزب الديمقراطي الكردستاني في عام 2017، فقدت تركيا – التي تتعاون مع الحزب الديمقراطي الكردستاني في محاربة حزب العمال الكردستاني – فقدت شريكها الرئيسي على الأرض في سنجار. وهكذا صعدت الضربات الجوية التي كانت تشنها أصلاً على مخابئ حزب العمال الكردستاني في شمال العراق، وضربت قواعد لوحدات حماية الشعب تستضيف كوادر من حزب العمال الكردستاني في سنجار أيضاً. من وجهة نظر تركيا، فإن القادة الكبار في وحدات حماية الشعب هم أنفسهم أعضاء في حزب العمال الكردستاني. وقد أصبحت هذه الهجمات سمة منتظمة لبيئة أمنية هشة أصلاً. وقد أوجد الحشد وحزب العمال الكردستاني (مع المجموعات التابعة له) أرضية مشتركة في مواجهة تركيا والحزب الديمقراطي الكردستاني – الحشد لأنه يسعى إلى الحصول على موطئ قدم أكثر ثباتاً في الشمال، فإنه يعد الوجود العسكري التركي هناك احتلالاً ويرفض ادعاء الحزب الديمقراطي الكردستاني بحقه في سنجار، وحزب العمال الكردستاني لأنه يسعى إلى العثور على ملاذ آمن في شمال العراق.

وسعياً من الأمم المتحدة إلى وضع القضاء على مسار أفضل، فإنها توسطت في التوصل إلى اتفاق في تشرين الأول/أكتوبر 2020 بين بغداد وأربيل يهدف إلى ملء الفراغ الأمني والإداري في مرحلة ما بعد وجود تنظيم الدولة الإسلامية من خلال الجمع بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان معاً في إدارة سنجار، وتحت السلطة الكلية لبغداد. لكن حتى الآن دخلت أجزاء فقط من الاتفاق حيز التنفيذ، بالنظر إلى أنه أخفق في أن يأخذ بالحسبان المناظير المختلفة للجهات الفاعلة المسيطرة على الأرض – أي وحدات حماية الشعب ومجموعات الحشد المختلفة. وحدات حماية الشعب، بما في ذلك الإدارة الذاتية لسنجار، ترفض الاتفاق، الذي لا يكتفي بعدم ذكر دورها في القضاء، بل يحظر وجودها بشكل كامل. وفي حين أن الحشد، الذي يخضع رسمياً لسلطة رئيس الوزراء العراقي، طرف منفذ للاتفاق، فإن الكثير من المجموعات الشيعية التي تكوّن النواة الصلبة للحشد تنظر إلى الحكومة على أنها منحازة ضدها في السعي إلى نقل المسؤوليات الأمنية إلى القوات النظامية الخاضعة لوزارتي الدفاع والداخلية. اتضحت الطبيعة العاجلة لتسريع التنفيذ الكامل للاتفاق في أيار/مايو، عندما اندلعت اشتباكات بين الجيش ووحدات حماية الشعب في إحدى النواحي التابعة لقضاء سنجار. وفي حين أن مثل تلك المواجهات تبدو متقطعة، فإنها تكشف عن تحدٍ لم تتم معالجته، والمتمثل في مصير وحدات حماية الشعب، التي وإن كانت مرتبطة بمجموعة خارجية فإن حزب العمال الكردستاني يتكون أفراده هو نفسه من سنجاريين، أي مواطنين عراقيين لديهم هواجس محلية مشروعة. وهكذا، فإن هذا الملف يستحق معالجة حساسة، وليس إلى لجوء الجيش إلى استخدام المطرقة في كل مكان يرى فيها مسماراً أعوج.

ومن أجل معالجة التأخير الخطير في إنفاذ اتفاق سنجار فعلياً، ينبغي على بغداد وأربيل العمل باتجاه درجة أكبر من قبول الاتفاق من قبل طيف واسع من الجماعات المسلحة المحلية وممثلي المجتمعات المعنية. فيما يتعلق بالجانب المدني، ينبغي على الحكومة أن تعين مكلفاً بأعمال القائم مقام حالياً، وإجراء مشاورات وثيقة مع سلطات أربيل وقادة المجتمع المحلي في سنجار لتعيين شخص إيزيدي مناسب وغير منحاز سياسياً من سنجار. على الجبهة الأمنية، ينبغي على الحكومة الاتحادية الابتعاد عن مقاربتها القتالية، والانخراط في حوار مباشر مع وحدات حماية الشعب بشأن تحديات مثل إنشاء قوة شرطة محلية والسعي إلى إدماج مقاتليها (وأعضاء المجموعات المسلحة الأخرى) في قوات الدولة. ويمكن لبعثة الأمم المتحدة للمساعدة في العراق أن تساعد في إنجاح هذه الإجراءات من خلال إرسال مراقبين مدنيين دوليين ومستشارين تقنيين للإشراف على العملية.

بغداد/بروكسل، 31 أيار/مايو 2022

Subscribe to Crisis Group’s Email Updates

Receive the best source of conflict analysis right in your inbox.