بعد عشرة أعوام، أين صار العراق؟
بعد عشرة أعوام، أين صار العراق؟

بعد عشرة أعوام، أين صار العراق؟

بعد أعمال عنفٍ رهيبة حطّمت حيات الآلاف، ولم تترك أحداً تقريباً من دون قصّة مأساوية يحكيها، استقرّ العراق في حالة تطبيع جديدة، لكن من دون أن يكون على بيِّنة من الوجهة التي يأخذها، ومن دون مساعدة العراقيين على استقراء المستقبل. هكذا يتساءل أحد الروائيين، وهو بالتحديد يحاول فهم الأمور: "كيف يمكن رواية السنوات العشر الأخيرة؟ ليست المشكلة في نقطة الانطلاق، بل في نقطة الوصول. فمن أجل كتابة تاريخ حرب الجزائر، تطلّب الانتظار حتّى انتهائها. أمّا هنا، فنحن ما زلنا في سلسلة متلاحقة من الأحداث، لم يلُحْ بعدُ شيء من نهاياتها". وحتى بنية الرواية التي يعمل عليها، والتي يروي كلّ فصلٍ من فصولها حكاية بالنسبة إلى أحداث سنةٍ محدّدة، تجعله مرتهناً لنظامٍ سياسيّ ما يزال يطالعنا بالمفاجآت المشوّقة

بعد مضيّ عشر سنوات على الاجتياح الأميركي الذي أنهى حكم صدام حسين، ما يزال العراق رهن أزمته. لكن للاطلاع على ذلك، تعتبر بغداد المكان الأخير الذي تجب زيارته. فالاعتداءات الدموية التي من دونها لا يكاد يُذكَر هذا البلد في وسائل الإعلام، أصبحت نادرة نسبة إلى السنوات القليلة السابقة، عندما كانت مقاومة الاحتلال والميليشيات الطائفية تعتمد السيارات المفخّخة والانتحاريين والقنابل الأخرى من مختلف الأنواع

حركة السير فيها تتحسَّن بعد أن أضحت كابوساً بسبب انتشار نقاط التفتيش والمعوّقات الاسمنتية. والعراقيون الذين هربوا، وفي العام 2006 خصوصاً، من أعمال العنف ولجؤوا إلى كردستان أو خارج الحدود، يعودون بأعداد كبيرة. والذين "تعاملوا" مع الولايات المتحدة استعادوا مواقعهم العادية في المجتمع. وغلاء المعيشة لا يمنع الكثير من الجماعات الجديدة التي استفادت من الخيرات النفطيّة من الإغراق في عملية استهلاكٍ مسعورة. كما وأنّ النشاط يبدو أكثر حيويّة في الشوارع التجارية منه في كواليس عالم السياسة، حيث يبدو أنّ شخصيات من كلّ الاتجاهات تتعاطى مع آخر موضوعٍ خلافي بشيءٍ من إهمال المتعوِّدين

مناهضو رئيس الوزراء السيد نور المالكي يتكاثرون بمقدار ما يعمل هو على فرض نفسه كالرجل الأقوى في البلاد. وقد استفاد كثيراً من الكباش بينه وبين القيادة الكرديّة الي تسيطر على شمال شرق البلاد، حول توزيع العائدات النفطيّة وتابعية الأراضي المتنازَع عليها ، من أجل استقطاب بعض الدعم في أوساط السكان العرب، الشيعة والسنّة على السواء، طارحاً نفسه مدافعاً عن مصالحهم وبشكلٍ أعمّ، عن الوحدة الوطنية. لكن ها هو يُسرِف في استغلال حجة "الإرهاب" لكي يقصي بعض رجالات السياسة مثل السيد رفيق العيساوي، نائبه السنّي الملتحِق بلائحةٍ شيعية في ظلّ نظامٍ سياسيّ يستنِد على توزيع المناصب على أساس إثنيّ-طائفي. ومذّاك قامت تحرّكات شعبية واسعة وحّدت الساحة السنيّة ضدّه، ما جعل تكاثر المظاهرات يرغم بعض الشخصيات السياسيّة المتعاونة مع السيد المالكي على الابتعاد عنه

وينتج عن ذلك تلقائياً تقريباً حالة انقباض شيعيّة إنتمائية، في مجتمعٍ ما يزال يعيش تحت صدمة أعمال العنف الطائفيّة التي استشرَت خصوصاً بين العامين 2006 و2008. ولذلك ليس للسيّد المالكي فقط حلفاء في الدائرة الشيعية التعدّدي، ذاك أن قوّته الشخصيّة تتضخّم مع الحدّ من تأثير منافسيه على طريقة الأواني المستطرقة

يجد رئيس الوزراء نفسه بالتالي معزولاً بشكلٍ غريب. فهو ضعيف في مواجهة الأكراد، ما أعاده إلى لعبة مذهبيّة، غوير واثق في الوقت نفسه من خطوطه الخلفية الطائفيّة التي حاول أن يترك مسافةً معها بلعبه ورقة القوميّة. لكن تبقى في يديه بعض أوراق القوة، مثل سيطرته على موارد الدولة، وعجز خصومه المختلفين معه عن التوافق على خلفٍ له. وتقوم حالة غريبة من التوافق الأميركي-الإيراني على الحفاظ على الاستقرار قبل كلّ شيء (الأميركيون يريدون تناسي فشلهم في العراق، والإيرانيون يخشون أن يفاقموا خسارتهم في سوريا)؛ وربما يكون من أقوى العوامل هذا المبدأ المحكم من الانتهازية السوداء التي يقوم عليها النظام السياسيّ؛ إضافة إلى حالة إرهاقٍ شعبي يمكن أن يمنع أيّ تحرّك

عندما تصنع الولايات المتحدة من العراق محاكاة ساخرة عنه

وبالعكس، ليست المواجهة مستحيلة نظراً إلى حجم الإحباط في الوسط السنيّ، وحالة الاستقطاب المذهبيّة التي نتجت عن ذلك، والقصور الماديّ والمعنويّ لجهازٍ أمني غير مؤهّل لمواجهة التمرّد ويفتقد للشرعية الوطنية. إذ ليس من المستبعد إذاً أن يأتي سيناريو معيّن تتولّد فيه حالة فراغ سياسيّ تتعطّل فيه حركة السيد المالكي أو حتّى يُرغم فيه على الاستقالة من دون الاتفاق على خلافته

من ناحية أخرى يبقى صععباً تحديد طبيعة النظام. فرئيس الحكومة يتّبع منطقاً لا يقصِّر خصومه في شجبه على أساس أنّه استبداديّ، إذ هو يستأثر بالسلطات التنفيذية لدرجة أنّ مجرَّد طلب تأشيرة دخول إلى البلاد قد تمرّ بمكاتبه. ويندرِج أسلوبه كشخصٍ فائق القوّة يتمتع بالرجولة في سياق تقليدٍ عريق ما يزال العراقيون حسّاسين تجاهه. وفي ظل مسؤولياته، تتكرّر عمليات انتهاك حقوق الإنسان وفق قواعد تذكّر بالسياق الجهنّمي للنظام السابق. لكنّه بالرغم من كلّ شيء يواجه حالة تعدديّة باتت متجذّرة وتكاد تطيح بكلّ طموحٍ توهّميّ نحو الاستبداد

يتعارض نفوذ السيد المالكي في الوقت نفسه مع ظهور حياة برلمانيّة فعليّة، ويستند بالأحرى على ضبابيّة قواعد اللعبة السياسيّة كأرضيّة لإعادة توزيع مرنة للموارد وللتحالفات في جوٍّ من النزاعات الدائمة. هكذا يرى السيّد عادل عبد المهدي، نائب الرئيس سابقاً، أنّه "لم يعد مسموحاً أن يقوم نظامٌ يسيطر فيه مذهبٌ أو حزبٌ أو شخص. لقد حاول السنة ذلك، وللشيعة أن يجرّبوا أيضاً، لكن هذا لن ينجح. كما أنّه لا يمكن في هذا الطور أيضاً الرهان على نظامٍ يعتمد على مواطنيّة متحرّرة من الطائفية. فالتعدّدية واللامركزية وحتّى الفدرالية هي حالات لا بدّ منها في الطور الحالي. لكنّنا لا نتّبع اليوم أيّ نظامٍ سياسيّ محدّد. والمؤسّسات تعمل بشكلٍ سيّئ، والدستور لا يطبَّق فعليّاً"

هذا الوضع هو واحد من بعدين حدّدتهما بشكلٍ فائق التركة الأميركية في العراق, فما بين اجتياحٍ اعتُبِر "عمليّة جراحية" من دون تحمّل تبعاتها، وانسحابٍ متسرِّع برغبة من الرئيس باراك أوباما (كان الهدف منه التبرؤ بأسرع ما يمكن من التعهّدات غير المناسبة التي أطلقها سلفه جورج والكر بوش)، شهد الوضع سنوات من التفنّن السياسي الذي يستحقّ، في أفضل الأحوال، تسمية الارتجال. ولننتقل إلى الخطايا الأصليّة، مثل تجريم بُنى النظام السابق وتفكيكها كلّياً، والنظرة المذهبيّة إلى النظام السياسي، والترويج حصراً لسياسيين منفيين منقطعين عن المجتمع، والتفاوض في الكواليس على دستورٍ يعكس اتفاقاً بين الشيعة والأكراد على حساب السنة، والإكثار من الانتخابات التي تكرّس تهميش هؤلاء السنة

كان بالإمكان إصلاح كل هذه الأغلاط بتأنٍّ؛ إلاّ أنّ الولايات المتحدة أخطات بنوعٍ خاص في إهمالها لذلك. فقد جاء انسحابها، على عكس الأهداف التي حدّدتها هي لنفسها، من دون أيّ اتفاقٍ على مجمل المشاكل التي ستبقى قائمة في العراق لوقتٍ طويل، ومنها إعادة النظر في الدستور، وتحديد سيادة الأراضي المتنازَع عليها، وتوزيع الثروات والعلاقات بين السلطة المركزية والمقاطعات وصلاحيات رئيس الوزراء ومأسسة السلطات المعارضة وعمل البرلمان داخليّاً وبنية الجهاز القمعيّ، إلخ. ظلّ كل شيء بحاجة إلى تفاوض وإعادة تفاوض، من أزمةٍ سياسية إلى أزمة سياسية. بحيث يبقى عدم الحسم هذا مستبطناً كلّياً لدى الأشخاص المعنيين. وهذا ما يلخّصه أحد المستشارين المقربين من السيد المالكي قائلاً: "إنّ الاضطرابات التي نمرّ فيها هي التعبير الطبيعيّ عن الظروف غير الطبيعية. فنحن ما نزال نواصل مسيرتنا الانتقاليّة"

الشقّ الثاني من التركة الأميركية يتعلَّق بالتوزيعة الكيانيّة، العرجاء والناقصة، التي يتخبَّط فيها العراقيون مؤقّتاً. ووإذ أسبغت الولايات المتحدة نظرة بدائيّة على المجتمع، وإذ ألصقت بالعراقيين مفاهيم فظّة من البعثية أو "الصداميّة" أو الإرهاب أو المذهبيّة أو القبلية، وإذ أقامت بنية سياسيّة مؤسّسة على الشعارات، فقد جعلت من العراق صورةً هزلية عن نفسه. تذكّر هذه الظاهرة بالتأثير الكمالي للمتخيَّل الاستعماري، وإن لم يكن الاجتياح الأميركي قد رمى بأيّ شكل إلى "الاستعمار" بالمعنى الدقيق للكلمة

فالمحتلّ عندما عامل السنة على أنّهم جميعاً مؤيّدون لصدام حسين إنّما وحّدهم ضدّه وتسبّب بتهميشهم في النظام السياسيّ، دافعاً إياهم إلى التأسّف على عصرٍ عانوا منه هم أيضاً أساساً. أمّا في الساحة الشيعيّة، فقد أراد الأميركيون أيضاً أن يروا فيها "أبراراً" و"أشراراً"، معمّقين بذلك انقساماً طبقيّاً من خلال إبعاد الحركة البروليتارية المسماة "الصدرية"، المتّهمة زوراً بتبعيّتها لطهران. والأكراد أنفسهم بدوا وكأنّهم حلفاء طبيعيون، معزّزين بذلك نزعتهم الاستقلالية وطموحاتهم على الأراضي المتنازَع عليها

هكذا بقي العراقيون في ناحيّةٍ ما أسرى صورةٍ مكوّنة عن أنفسهم صنعتها الولايات المتحدة، وخلّفها الأميركيون وراءهم. وفي الواقع، تبقى الهويات التي تبرز بأشدّ ما يمكن من العلانية في غالب الأحوال كاريكاتوريّة. فالإسلاميون من كلّ المشارب يجهرون بانتمائهم الحصريّ عبر أسلوبهم للالتحاء، لحية قصيرة أو طويلة، مع أو من دون شوارب، ومع حلق باقي الشعر أو لا. وقد أخذ الجنود ورجال الشرطة عن "شركائهم" الاهتمام المتأنّق بــ"مظهرهم"، وهو ما يُترجَم، في الموضة العراقية بحماية الركب التي تلبس دوماً من فوق الكاحل. وكلّ أحياء بغداد تقريباً تعرض بكثرة ما يميّز الانتماءات، مثل صور "الشهداء" والأعلام والكتابات على الجدران، التي تبيّن من دون أيّ لبس محتمل انتماءها الطائفي، الذي بات متجانساً. ولم تعد مؤسّسات الدولة وللأسف في منأى عن هذه الظاهرة، في بلدٍ انكفأت فيه الرموز الوطنيّة وراء شعارات أكثر خصوصية. بالتالي نجد بعض الرايات الشيعية ترفرف على معظم حواجز المراقبة في العاصمة

مجاهرات انتمائيّة تعزّز الأفكار السائدة

كما أنّ الخطابات موسومة بالتبسيطيّة المذهبية نفسها، التي لم تكن غائبة عن المجتمع ما قبل العام 2003، بل عن الحيِّز العام. وقد بات التعبير اليوم علنيّاً عن الأفكار المسبقة المتبادلة. وبعيداً عن الكلام الاصطلاحيّ اللامتناهي الذي كان يصدر فيما مضى عن الأخوّة الوطنية، لا يستغرق أيّ متكلمٍ نختاره عشوائيّاً سوى بضع دقائق لكي يُسقِط الأقنعة، ويتّهم المتظاهرين في غرب العراق بأنّهم خليط من البعثيين وعناصر من القاعدة وعملاء مندسّين، وليحكم بأنّ "لكلّ عصرٍ رجله والآن جاء دورنا، نحن الشيعة لكي نحكم". ولا تختلف عن ذلك أعلام المعارضة وأغانيها؛ إذ إنها حرّكت في البداية مرجعيّات مرتبطة بالنظام القديم وبثقافة جهاديّة وبذهنيّة الثأر الطائفيّ. وفي الغالب ليس هذا السجلّ الموروث من نوع ممارسة الإيمان، بقدر ما هو من نوع الاستفزاز المجانيّ؛ لكن ذلك لا يهمّ، إذ إنّ الاستعراضات الكيانيّة لكلا الفريقين تأتي لتؤكّد الأفكار السائدة لكلّ منهما

ومع ذلك، وفي هذا الحيّز العام المشبع بالصور الشائعة، تتكاثر الأحاديث التي تذكّر بتشابك الكيانات العراقية. وهذا ما تفعله هذه المجموعة من الشبّان الذين يلتقون كلّ مساء ليتحادثوا بشكلٍ متعصِّب أحياناً، في حين أنّها مؤلّفة من خليطٍ من السنة والشيعة والأكراد. وقد اضطرّ مصور فوتوغرافي فنّان إلى الفرار من أعمال العنف في العام 2006 واللجوء إلى حيٍّ شيعي كلّياً، لكنّه بات يجاهر بإلحاده أكثر من أيّ وقت. وطبيب شيعيّ يروي عذاباته على يد ميليشيا من المذهب نفسه، فيما زميلٌ له سنّي يتذكّر المخاطر التي اضطرّ إلى مواجهتها عندما سلك بعض المحاور التي يسيطر عليها تنظيم القاعدة. في بعض الحالات ما تزال مفاهيم الطبقة الاجتماعية تخترق ردّات الفعل الطائفية، وحتى يومنا هذا لم تزُل كلّياً الزيجات المختلطة

وما يجسّد حالة الانقسام بين الخطاب التعزيميّ والممارسات الفعليّة نجد رجل أعمال سنّي متزمّت، يدعو إلى أن تكون المظاهرات مذهبيّة كلياً وعنفيّة على الأخص، ثمّ لا يكلّف نفسه حتّى متابعة نشرة الأخبار... لأنّه لا يهتمّ بالموضوع في العمق. كما أنّ الصداقات المستدامة تساعد في تحقيق حالات تقارب مهمّة، فأحد المثقفين الذي أصبح إسلامياً معتدلاً ومن مؤيدي السيد المالكي، يصلّي بكل روحٍ طبيعيّة في مقرّ الحزب الشيوعي

"اليوم باتوا كثراً في الحكم وعندهم جوع مزمن"

وفي الإجمال، هناك عوامل كثيرة يمكن أن تخفّف من المبالغات الانتمائية الأكثر حدّة، وما يلزم لكي تظهر هذه التغييرات بشكلٍ أوضح هو القليل من الوقت والهدوء والاسترخاء. فما يخيّم على المدينة هو شبح "الأيام السود" أو "الأحداث المذهبيّة"، أي أعمال العنف الداخلية جدّاً في الغالب والتي تحاول العبارات التخفيفية أن تزيلها. ولدى كلّ شخص ترتسم خارطة الأماكن المألوفة والمطمئنة، و"الداعمة"، والمناطق المخيفة حيث لا يتجرّأ البعض على العودة إليها. وسكان الأحياء التي باتت آمنة يتعجّبون من سمعتها الخطيرة في أوساط أولئك الذين لا يزورونها، ويعكسون مخاوفهم الخاصّة على مناطقٍ أخرى هي بدورها صار يسودها الهدوء. هذه المسافة المتروكة وهذا الإنكار نجدهما أيضاً على الصعيد السياسي، إذ تبقى الزيارات نادرة إلى المناطق التي تصنّف في المعسكر الخصم. كما أنّها أساس للعبة السياسية ودافع لهاـ ولا تقصِّر في إثارة المخاوف عند الآخر والتشنّجات الكيانيّة، وكذلك سجلٍّ كامل من حماية مصالح الجماعات

وفي انتظار التطبيع الفعليّ المُنتَظر على أحرّ من الجمر، يرتجل العراقيون حياتهم اليومية، ويتوجّهون بشكلٍ لافت في متاهات نظامٍ سياسيّ ملتبس، ومجتمعٍ مضطرب، ومدينة مفكَّكة، واقتصاد معقّد بألف شكلٍ وشكل من التعقيدات الشائكة. فمثلاً تتغذّى معظم المنازل من ثلاثة مصادر للطاقة الكهربائيّة: من الشبكة الحكوميّة لبضع ساعات يوميّاً، ومن مولِّد خاص في الحيّ، ومن مولِّد صغير عند الحاجة لمواجهة الانقطاعات الكثيرة؛ وذلك في سياق تنظيمٍ فوضويّ بدلاً من أن يكون حسن التركيب. وقد عمّ المشهد أيضاً الفساد عند نقاط التفتيش، والتي لم يعد هدفها أحياناً سوى الابتزاز. وفي هذا البلد الذي تعوّد الانفصامات والفظاظات، تستمرّ اللغة الوطنية في الإغتناء بكلّ المفردات اللازمة من أجل إبراز كلّ ما هو جديد وتدجين العبثيّ، من مثل كلمة "حواسم" التأسيسيّة والتي لا ترجمة لها، وهي مشتقّة من اللغة الدعائيّة لصدام حسين في العام 2003، والمقصود بها في الأساس هو مفهوم "الطابع الحاسم"، لكنها دلّت مذّاك على الكثير من التصرّفات الجرميّة التي أمكن حصولها في الفوضى القائمة. كما أنّ لروح الفكاهة مكاناً في ذلك. إلاّ أنّ هذه الروح الخلاّقة لا تخلخل أبداً مقاومة المعايير القديمة التي يبدو العراقيّون متعلِّقين بها أكثر من أيّ وقتٍ مضى. فعناوين محلاّت الحلوى الجيِّدة ما تزال هي نفسها، ولم تبطَل موضة المقاهي المعروفة. أمّا الطعام التقليدي، مثل طبق السمك المشويّ، المسقوف، فهو يتحوّل إلى نوعٍ من الهوس

والمخيف أكثر هو موقف الطبقة السياسية، التي تأقلمت مع الوضع بدلاً من أن تحاول تغييره. فكأنّما النظام الجديد قد انسلّ في لباس النظام السابق. والمسؤولون يقيمون في المقرّات الفخمة التي كان فيها أسلافهم بعد أن استملكوها غداة سقوط عصرٍ أرادوا وضع حدٍّ له. وفي بغداد، لم تشيَّد أيّ بنية تحتيّة منذ عشر سنوات، باستثناء مركز البلدية وطريق المطار وبعض الجسور الصغيرة لحركة السير. وهناك بعض الأكشاك التي يقِف فيها رجال الشرطة عند تقاطع الطرقات تحمل دمغة "هديّة من البلدية"، في منطقٍ يذكّر بــ"مكارم" صدّام، ما يعني بديلاً ممّا يجب أن يكون سياسة مغفلة. وما تزال أجور الوظيفة في القطاع العام غير كافية، ما يدفع الموظفين إلى التفتيش عن مصادر دخلٍ إضافية، قانونيّة أو غير قانونيّة. والفساد مباح على أعلى المستويات، وموثّق، ليستخدم كوسيلة ضغطٍ عند الحاجة. وتعيث بالمؤسسات الانتهازيّة وتنفيع الأقارب وانعدام الكفاءات

وقد بات القصر الجمهوري في قلب بغداد، الذي حُوِّل "منطقة خضراء" عندما جعل منه الاحتلال الأميركي مركزه العصبيّ، يجسِّد أسوأ مظهرٍ من مظاهر النظام الجديد على غرار النظام السابق. فهو في محيطه الواسع الخاضع لحمايةٍ أمنيّة بشكلٍ أو بأخر، بات مجالاً سياسياً حصريّاً، وحيّزاً للامتيازات، في عالمٍ يبذل كلّ جهد من أجل الانفصال عن باقي المجتمع. وقد تمّ تطوير تشكيلة من بطاقات الدخول، لتتحدّد بذلك نخبة جديدة ومواقع تراتبية. ومن جرّاء إغلاق محور الكرادة-منصور، الذي يجتاز المنطقة الخضراء، بات الناس مضطرّين في تنقلاتهم إلى القيام بالتفافات لا تصدَّق. بحيث تتطلّب إعادة فتحه تدابير ممكنة على ما يبدو، إلاّ أنّ الرهان بات في مكانٍ آخر: إذ أنّ المنطقة الخضراء أصبحت بصريح العبارة امتيازاً لا تخلِّيَ عنه لزمرةٍ تحرص تحديداً على عدم تقديم حسابٍ لأيٍّ كان

كل هذا يذكِّر بما كان في نظر الكثير من العراقيين يشكّل حقيقة النظام السابق. والانتقادات التي تصدر عن العراقيين تلتقي في الأساس دائماً مع العبارات التي كانت تستعمل سابقاً. وليست إقامة المقارنة محرّمة، حتّى عند الذين لا يريدون بأيّ ثمنٍ كان العودة إلى الوراء. وهو ما ينطبق على هذا الرجل الذي أكّد قائلاً: "جاء دورنا الآن. كان صدام واحداً ومتخماً. والمشكلة اليوم أنّهم باتوا كثراً في الحكم وعندهم جوع مزمن"

وفي النهاية، هناك سؤال مؤلِم يطرح نفسه: هل أنّ على العراق أن يتحمّل عقداً آخر من المعاناة من أجل لا شيء؟. بالطبع كان سقوط نظام صدام حسين ضروريّ من أجل الخروج من المأزق وفتح المجال أمام توزيعةٍ جديدة. فحيّ الضباط في اليرموك قد وقع في الحرمان، فيما حي الجوادين، البائس فيما مضى، افتتح حديقة أطفال، لا بل من كان ليصدِّق أنّه افتتح أيضاً ملعب كرة مضرب. لكن ما هو الثمن المطلوب لتبادل بعض الكرات... أو حتّى بعض المناصب في جهاز الدولة. في الكثير من الأحيان، تبقى الهجرة أو تحقيق الثروة الشخصية هما الأفق الوحيد أمام مجتمعٍ يجاهد من أجل تحديد طموحه الجماعيّ. النخبة الجديدة ليست مذنبة إلى هذا الحدّ عن هذا الوضع الذي نتجت أصلاً منه، في بلدٍ يبدو الحاضر فيه وليد سلسلة طويلة جدّاً من الانفصامات

ولذلك تبدو ذاكرة من يحنّون إلى النظام القوي خاوية. فهم لا يتذكّرون مثلاً المطارِدين الذين كان يوظّفهم عدي بن صدّام، الابن المنحطّ للطاغية، من أجل الإتيان، من مناطق اصطياف العراقيين، ببنات الأسر الرفيعة لكي يغتصبهنَّ من دون أيّ عقاب. كان المطلوب هو السير قدماً، وهو ما لم يكن بالتأكيد صدام حسين ولا محيطه يملك وسائله ولا النيّة في تحقيقه. أما اليوم فيجب الأمل في كلّ شيء، وذلك لأنّ هناك الكثير للقيام به. الإمكانيات والموارد على الأقل متوفّرة. والبلد غنيّ بالنفط، علماً أنّ الفساد يحرص على ألاّ يكشف عن هذا الثراء بأيّ شكل. وهجرة الأدمغة يمكن أن تنقلب يوماً ما عندما يتغذّى جهاز الدولة مجدّداً بالكفاءات أكثر من إفادة الأتباع والأصدقاء والأقرباء. ويبقى مطروحاً أن يخرج البلد من المأزق الجديد في نظام سياسيّ يبدو التردّد فيه شرطاً للمؤقّت الدائم

العراق: تحقيق الاستقرار في قضاء سنجار المتنازع عليه

لم يتعافَ قضاء سنجار بعد من الخراب الذي أصابه في عام 2014، عندما أخضع تنظيم الدولة الإسلامية سكانه لحملة رعب شرسة. ما يزال آلاف السكان نازحين. ومن أجل إقناعهم بالعودة، ستحتاج الحكومة الاتحادية العراقية وحكومة إقليم كردستان مساعدة السكان المقيمين هناك لتحسين الحوكمة والأمن.

  • Share
  • Save
  • Print
  • Download PDF Full Report

ما الجديد؟ في 15 تشرين الأول/أكتوبر 2020، وقّعت بغداد وأربيل اتفاقاً يهدف إلى تحقيق الاستقرار في قضاء سنجار العراقي من خلال إدارة وهيكلية أمنية جديدتين من شأنهما أن تسمحا بعودة المهجرين. إلا أن الاتفاق لم يُنجز إلا جزئياً. فتركيا تكثف قصفها لحزب العمال الكردستاني والمجموعات المرتبطة به في المنطقة.

ما أهمية ذلك؟ مع مرور الوقت دون التوصل إلى ترتيب عملي لحكم سنجار وتحقيق الأمن فيه، فإن الحوافز بالنسبة لأهل سنجار المهجرين الذين يعيشون في مخيمات بائسة للعودة إلى بيوتهم باتت تتضاءل. وفي هذه الأثناء، فإن تصاعد حدة العنف يخاطر بجر القضاء إلى صراع القوى بين تركيا وإيران.

ما الذي ينبغي فعله؟ ينبغي على بغداد وأربيل تنفيذ أحكام الحوكمة، والأمن وإعادة الإعمار في اتفاق سنجار في أقرب وقت ممكن. وينبغي أن تعالجا إخفاقهما، عند التوصل إلى الاتفاق، في تأمين مشاركة وموافقة المجموعات العراقية المسلحة الفاعلة على الأرض من خلال استشارتها واستشارة ممثلي المجتمع المدني السنجاري حول كيفية إنجاح الاتفاق.

الملخص التنفيذي

بعد نحو سبع سنوات من تمكّن تحالف غير وثيق مكوَّن من مجموعات مسلحة وقوات من إقليم كردستان وبغطاء جوي أميركي من إخراج تنظيم الدولة الإسلامية من سنجار، فإن الوضع هناك ما يزال متوتراً. سنجار، الذي كان في وقت من الأوقات قضاءً هادئاً في الزاوية الشمالية الغربية البعيدة من العراق، بات يصارع، مع افتقار إدارته المحلية للشرعية، وإخفاق خدماته العامة في تلبية التوقعات وتوقف عملية إعادة الإعمار فيه. ثمة مجموعة متفرقة من الجماعات المسلحة تبقي المنطقة غير آمنة، وهو الوضع الذي يترك 70 بالمئة من سكانه في حالة نزوح. وتنتشر الأغلبية العرقية – الدينية الإيزيدية، التي استُهدفت في هجوم أقرب إلى الإبادة الجماعية شنه تنظيم الدولة الإسلامية عليها في عام 2014، في سائر أنحاء الشمال الغربي (وفي المنفى) وتعاني من الانقسام السياسي. في عام 2020، توصلت الحكومة الاتحادية العراقية وحكومة إقليم كردستان إلى اتفاق لتحقيق الاستقرار في سنجار، لكن المتابعة تباطأت، وهددت الصدامات التي جرت في أيار/مايو بين الجيش وإحدى الميليشيات المحلية إلى تقويضه بشكل كامل. سيتعين على أطراف الاتفاق العمل مع سكان سنجار لتعزيز الدعم للاتفاق والإشراف على تنفيذه، بشكل يسمح بعودة المهجرين.

حتى قبل وصول تنظيم الدولة الإسلامية في عام 2014، كان قضاء سنجار رهينة مواجهة بين الحكومة الاتحادية في بغداد وحكومة إقليم كردستان في أربيل بسبب وضع الإقليم كمنطقة متنازع عليها (أي منطقة تدعي كلا الحكومتان السلطة عليها). ينص الدستور العراقي لعام 2005 على عملية مصممة لتسوية الادعاءات المزدوجة بالحق بالمناطق المتنازع عليها. إلا أن حكومة كردستان، وخصوصاً المكوّن الأكثر قوة فيها وهو الحزب الديمقراطي الكردستاني، سعت منذ وقت طويل إلى السيطرة على المناطق المتنازع عليها، بما في ذلك سنجار، كمقدمة لضمها إلى إقليم كردستان. ودخل مقاتلو الحزب الديمقراطي الكردستاني وقوات البشمركة التابعة له إلى سنجار في عام 2003، واستمالوا ووظفوا النخب المحلية لأداء مهام الحوكمة الروتينية. إلا أن الحزب لم يحقق شعبية تذكر هناك. وبوجه خاص، عامل الإيزيديين بوصفهم أكراداً، وبذلك حرمهم فعلياً من الهوية المميزة للجماعة وزرع بذور الاستياء في أوساطهم.

حوَّل هجوم تنظيم الدولة الإسلامية على الإيزيديين في آب/أغسطس 2014، سنجار إلى بؤرة تجمّع لطيف واسع من الجماعات المسلحة. وتمثلت إحدى هذه الجماعات في حزب العمال الكردستاني – وهو مجموعة كردية متمردة تصنفها تركيا (وكذلك الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي) تنظيماً إرهابياً. كان حزب العمال الكردستاني قد بحث عن مكان آمن في شمال العراق، رغم أن وجوده كان يقتصر بشكل عام على جبال قنديل قبل عام 2014 ومنطقة من قضاء مخمور حيث يقع مخيم للاجئين الأكراد من تركيا. لكن عندما سحب الحزب الديمقراطي الكردستاني قوات البشمركة التابعة له عندما شن مقاتلو تنظيم الدولة الإسلامية هجوماً على المنطقة، تدخلت جماعات تابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني بغطاء جوي أميركي – وتمكنت من إنقاذ الناجين وصد تنظيم الدولة الإسلامية تدريجياً. ثم، في أواخر عام 2015، أرسلت الولايات المتحدة مرة أخرى طائراتها الحربية لمساعدة خليط من الجماعات المرتبطة بحزب العمال الكردستاني (وحدات حماية الشعب السورية، ووحدات مقاومة سنجار التي أسست حديثاً) والبشمركة التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني على طرد تنظيم الدولة الإسلامية بشكل كامل. وعلى مدى العامين التاليين، ظل إقليم سنجار بشكل عام تحت سيطرة الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي هيمن على الشمال الشرقي وأيضاً على بلدة سنجار، وحزب العمال الكردستاني، الذي تركز وجوده في جبل سنجار والشمال الغربي.

في عام 2017، تغير الوضع في شمال العراق مرة أخرى، حيث أعاد تصعيد الحملة المناهضة لتنظيم الدولة الإسلامية بدعم من الولايات المتحدة القوات الاتحادية العراقية إلى الشمال، وانضمت إليها مجموعات الحشد الشعبي شبه العسكرية التي تتكون بشكل رئيسي من عراقيين من أجزاء أخرى من البلاد. فتمت استعادة الموصل، آخر مدينة كانت واقعة تحت سيطرة الدولة الإسلامية. ثم مضى الحشد أبعد من ذلك. فبعد أن أحدث استفتاء على الاستقلال نظمته حكومة إقليم كردستان رد فعل عكسي، تم إخراج الحزب الديمقراطي الكردستاني من سنجار والاكتفاء بتعاون مضطرب مع مكونات الحزب وفروعه والمجموعات المرتبطة به المقيمة هناك.

تتسم ترتيبات الحوكمة الناجمة عن ذلك بالعشوائية وانعدام الفعالية. إذ يتمتع الحزب الديمقراطي الكردستاني بتفويض رسمي لحكم سنجار، لكنه يمارس هذا التفويض من خارج القضاء، وحتى من خارج محافظة نينوى التي تقع فيها سنجار، أي من محافظة دهوك المجاورة. داخل سنجار، عيّن الحشد قائم مقام بديل ومدراء نواحٍ دون مباركة الحكومة الاتحادية، في حين أنشأت وحدات حماية الشعب، التي تتكون غالباً من إيزيديين عراقيين إضافة إلى عدد قليل من العرب الذين حملوا السلاح ضد تنظيم الدولة الإسلامية، ذراعاً حاكماً – "الإدارة الذاتية في سنجار" – تسعى لأداء بعض الوظائف البيروقراطية، لكنها تفتقر إلى السلطة والقدرة على أدائها.

في هذه الأثناء، وبسبب المجموعات المسلحة التي يستضيفها قضاء سنجار فإن القضاء يجد نفسه على نحو متزايد في وسط المواجهة بين تركيا وإيران. إيران تدعم الحشد، في حين أن تركيا تسعى إلى القضاء على حزب العمال الكردستاني الذي ترى فيه تهديداً لأمنها القومي. عندما انسحب مقاتلو الحزب الديمقراطي الكردستاني في عام 2017، فقدت تركيا – التي تتعاون مع الحزب الديمقراطي الكردستاني في محاربة حزب العمال الكردستاني – فقدت شريكها الرئيسي على الأرض في سنجار. وهكذا صعدت الضربات الجوية التي كانت تشنها أصلاً على مخابئ حزب العمال الكردستاني في شمال العراق، وضربت قواعد لوحدات حماية الشعب تستضيف كوادر من حزب العمال الكردستاني في سنجار أيضاً. من وجهة نظر تركيا، فإن القادة الكبار في وحدات حماية الشعب هم أنفسهم أعضاء في حزب العمال الكردستاني. وقد أصبحت هذه الهجمات سمة منتظمة لبيئة أمنية هشة أصلاً. وقد أوجد الحشد وحزب العمال الكردستاني (مع المجموعات التابعة له) أرضية مشتركة في مواجهة تركيا والحزب الديمقراطي الكردستاني – الحشد لأنه يسعى إلى الحصول على موطئ قدم أكثر ثباتاً في الشمال، فإنه يعد الوجود العسكري التركي هناك احتلالاً ويرفض ادعاء الحزب الديمقراطي الكردستاني بحقه في سنجار، وحزب العمال الكردستاني لأنه يسعى إلى العثور على ملاذ آمن في شمال العراق.

وسعياً من الأمم المتحدة إلى وضع القضاء على مسار أفضل، فإنها توسطت في التوصل إلى اتفاق في تشرين الأول/أكتوبر 2020 بين بغداد وأربيل يهدف إلى ملء الفراغ الأمني والإداري في مرحلة ما بعد وجود تنظيم الدولة الإسلامية من خلال الجمع بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان معاً في إدارة سنجار، وتحت السلطة الكلية لبغداد. لكن حتى الآن دخلت أجزاء فقط من الاتفاق حيز التنفيذ، بالنظر إلى أنه أخفق في أن يأخذ بالحسبان المناظير المختلفة للجهات الفاعلة المسيطرة على الأرض – أي وحدات حماية الشعب ومجموعات الحشد المختلفة. وحدات حماية الشعب، بما في ذلك الإدارة الذاتية لسنجار، ترفض الاتفاق، الذي لا يكتفي بعدم ذكر دورها في القضاء، بل يحظر وجودها بشكل كامل. وفي حين أن الحشد، الذي يخضع رسمياً لسلطة رئيس الوزراء العراقي، طرف منفذ للاتفاق، فإن الكثير من المجموعات الشيعية التي تكوّن النواة الصلبة للحشد تنظر إلى الحكومة على أنها منحازة ضدها في السعي إلى نقل المسؤوليات الأمنية إلى القوات النظامية الخاضعة لوزارتي الدفاع والداخلية. اتضحت الطبيعة العاجلة لتسريع التنفيذ الكامل للاتفاق في أيار/مايو، عندما اندلعت اشتباكات بين الجيش ووحدات حماية الشعب في إحدى النواحي التابعة لقضاء سنجار. وفي حين أن مثل تلك المواجهات تبدو متقطعة، فإنها تكشف عن تحدٍ لم تتم معالجته، والمتمثل في مصير وحدات حماية الشعب، التي وإن كانت مرتبطة بمجموعة خارجية فإن حزب العمال الكردستاني يتكون أفراده هو نفسه من سنجاريين، أي مواطنين عراقيين لديهم هواجس محلية مشروعة. وهكذا، فإن هذا الملف يستحق معالجة حساسة، وليس إلى لجوء الجيش إلى استخدام المطرقة في كل مكان يرى فيها مسماراً أعوج.

ومن أجل معالجة التأخير الخطير في إنفاذ اتفاق سنجار فعلياً، ينبغي على بغداد وأربيل العمل باتجاه درجة أكبر من قبول الاتفاق من قبل طيف واسع من الجماعات المسلحة المحلية وممثلي المجتمعات المعنية. فيما يتعلق بالجانب المدني، ينبغي على الحكومة أن تعين مكلفاً بأعمال القائم مقام حالياً، وإجراء مشاورات وثيقة مع سلطات أربيل وقادة المجتمع المحلي في سنجار لتعيين شخص إيزيدي مناسب وغير منحاز سياسياً من سنجار. على الجبهة الأمنية، ينبغي على الحكومة الاتحادية الابتعاد عن مقاربتها القتالية، والانخراط في حوار مباشر مع وحدات حماية الشعب بشأن تحديات مثل إنشاء قوة شرطة محلية والسعي إلى إدماج مقاتليها (وأعضاء المجموعات المسلحة الأخرى) في قوات الدولة. ويمكن لبعثة الأمم المتحدة للمساعدة في العراق أن تساعد في إنجاح هذه الإجراءات من خلال إرسال مراقبين مدنيين دوليين ومستشارين تقنيين للإشراف على العملية.

بغداد/بروكسل، 31 أيار/مايو 2022

Subscribe to Crisis Group’s Email Updates

Receive the best source of conflict analysis right in your inbox.