نهايات غير محسومة: قوات الأمن العراقية بين تخفيض عدد القوات الأميركية وانسحابها
نهايات غير محسومة: قوات الأمن العراقية بين تخفيض عدد القوات الأميركية وانسحابها
Table of Contents
  1. Executive Summary

نهايات غير محسومة: قوات الأمن العراقية بين تخفيض عدد القوات الأميركية وانسحابها

  • Share
  • Save
  • Print
  • Download PDF Full Report

ملخص تنفيذي

هناك الكثير من الرهانات على المفاوضات التي لا تنتهي حول تشكيل الحكومة الجديدة، لكن ليس هناك أهم من مستقبل قوات الأمن في البلاد.  وخلال السنوات السبع التي أعقبت الغزو الذي قادته الولايات المتحدة، أصبحت قوات الأمن العراقية أكثر فعالية واحترافية وتبدو قادرة على ترويض ما تبقى من الجماعات المسلحة.  غير أن ما تمتلكه هذه القوات من حيث القدرات تفتقر إليه من حيث الانسجام والتماسك.  وكأحد أعراض الوضع المفتت للدولة العراقية والانقسامات العرقية والطائفية فيها، فإن الجيش، والشرطة، وقوات الأمن الأخرى لا زالت متشظية بشكل واضح، وولاءاتها غير مؤكدة؛ ومن غير الواضح أنها ستكون قادرة على البقاء في ظل صراع أكثر طولاً و شدّة على السلطة في قمة الهرم السياسي.  وقد اتخذ رئيس الوزراء نوري المالكي خطوات مثيرة للقلق لفرض سيطرته على الأجهزة الأمنية، خصوصاً من خلال تأسيس أجهزة جديدة يمثّل هو نفسه مرجعيتها الوحيدة.  وتتمثل إحدى المهام الأساسية التي تواجه القادة السياسيين في البلاد في التوصل إلى اتفاق حول إيجاد جهاز أمني غير سياسي وخاضع للمساءلة والضوابط الرقابية الفعالة.  وسيمثل تنفيذ هذا القرار أولوية بالنسبة للحكومة والبرلمان الجديدين.  كما أن إحدى المسؤوليات الجوهرية التي تواجه المجتمع الدولي تتمثل في استعمال جميع الأدوات المتوافرة لها في التشجيع على حدوث ذلك.

إن قوات الأمن العراقية هي نتاج سبع سنوات من الجهود التي قادتها الولايات المتحدة، والتي بدأت بعد أن قامت باقتلاع وتفكيك بقايا النظام السابق.  وقد ترتب على هذا النهج في البداية من الصفر ثمن باهظ.  فقد أحدثت فراغاً أمنياً خطيراً، وأنتجت عدداً كبيراً من الجنود السابقين العاطلين عن العمل من ذوي المعنويات المنهارة، وغذّت الجماعات المسلحة.  ما ترتب على ذلك من محاولة غير منظّمة لبناء القوات من خلال عمليات التعيين والتجنيد السريعة، ودون بذل الاهتمام الكافي بخلفية ومؤهلات العناصر الجدد، تسبب أيضاً بقدر لا بأس به من المشاكل.  كما أن الانقسام والتشظي العرقي والطائفي المتزايد في المشهد السياسي الذي ساد بعد عام 2003 انعكس أيضاً في عمليات التعيين والترفيع.  مع مواجهتها للجماعات المسلحة التي كانت تزداد قوة، شعرت الولايات المتحدة أن لا خيار أمامها سوى التركيز على السرعة قبل أي شيء آخر؛ والنتيجة هي أن واحد من كل سبعة عراقيين بالغين يحملون السلاح اليوم.  وهكذا، وحتى مع تنامي عدد وعتاد أجهزة الجيش، والشرطة وغيرها من الأجهزة الأمنية، فإنها تظل جميعاً رازحة تحت وطأة هذا الإرث الناجم عن التسرع.

بالنظر إلى هذه الخلفية، فمن المفاجئ وجود بعض المؤشرات الإيجابية.  فالعنف، ورغم أن وتيرته لا زالت أعلى بكثير مما يمكن التساهل إزاءه، وصل إلى حدود مستقرة خلال العامين الماضيين.  وقد لعبت قوات الأمن العراقية دوراً قيادياً في العديد من العمليات الهامة.  وقد صمدت مؤخراً أمام ثلاثة اختبارات هامة تمثلت في رحيل ما يقارب مئة ألف جندي أميركي منذ كانون الثاني/يناير 2009؛ والانتخابات البرلمانية التي أجريت في آذار/مارس 2010؛ وانعدام اليقين السياسي الناجم عن المأزق المؤسساتي خلال الأشهر الماضية.  إذا ظلت الجماعات المسلحة على ضعفها الحالي، ولم تعثر على فرص جديدة لاستغلال الانقسامات السياسية، فإن قوات الأمن التي تعمل حالياً بمستويات أقل من كفاءتها القصوى لا ينبغي أن تواجه صعوبة كبرى في مواجهة هذه الجماعات.  على الجبهة الإقليمية، وفي حين أن جيران العراق ضالعون في السياسية العراقية، فإن أحداً منهم لم يظهر أي سلوك عدواني يمكن أن يوحي بخطر عسكري جدي في المستقبل المنظور.

إذا كان المقياس هو الحِرفية والقدرات اللوجستية، وإذا كان التقييم يعتمد على التهديدات المحتملة فإن قوات الأمن العراقية تبقى عملاً غير منجز، لكنها باتت في مستوى مقبول نسبياً.  غير أن القوة تبقى معياراً واحداً يستعمل لقياس استدامتها وليس بالضرورة المقياس الأكثر أهمية.  وقد تم بناء الجهاز الأمني بشكل أساسي رداً على حالة طارئة لم تعد موجودة (ظهور واتساع الخطر المميت للجماعات المسلحة)، وانسجاماً مع نمط كان سائداً لكنه بات إشكالياً (رسم خط واضح نسبياً بين النظام السياسي من جهة وأولئك الذين يعارضونه من جهة أخرى)؛ وتم بناؤه من قبل جهة هي في طريقها للانسحاب من العراق، عسكرياً على الأقل (الولايات المتحدة).  اليوم، لا ينبع التهديد الرئيسي للنظام السياسي من الجماعات المسلحة المنظّمة التي ترغب بقلب هذا النظام وإخراج المحتلين. و إنما ينبع من الداخل، من الطبيعة المتشظية للمجتمع والطبقة السياسية التي تشجع من جهتها تشظي قوى الأمن وتسييسها.

تعكس بنية قوات الأمن العراقية المناهج التي اتبعت في إنشائها وطبيعة الدولة العراقية بشكل عام؛ فقد جرى إدماج عناصر من النظام السابق، وأفراد الميليشيات، وأعضاء سابقين في الجماعات المسلحة والقوات الكردية على نحو غير متسق في المؤسسات الأمنية التي أصبحت فريسة للقوى العرقية، والطائفية، والسياسية المتنافسة.  وكانت الحصيلة قوى متوازية، وأحياناً متقاطعة لا تنسق مهامها في كثير من الأحيان ولا تتبادل المعلومات الاستخبارية، ولا زالت تفتقر إلى رؤية موحدة والإحساس بأن لها رسالة واحدة.  على سبيل المثال، من شأن أي انهيار سياسي حاد  خلال العملية الجارية حالياً لتشكيل الحكومة أو حول الانتخابات في المستقبل – أن يتردد صداه في جميع مفاصل مؤسسات الدولة، بما فيها قوات الأمن.  وهنا سيكون المعيار الثاني، المتمثل في الانسجام والتماسك، هو الأهم، عندما يطرح السؤال حول من سيكون مسؤولاً عن الوحدات المختلفة وقادتها: الدولة بوصفها الحكم الحيادي الذي يفصل في النزاعات، أو قادة سياسيون معينون يسيطرون على فصائل سياسية أو مجموعات عرقية أو طائفية.

 لقد شجعت الولايات المتحدة هذا النمط – وذلك بالتركيز المفرط على تشكيل وحدات أمنية كبيرة دون مرعاة كافية لانسجامها وتماسكها، وتمكنت من احتوائها بفضل وجودها المكثف في سائر مفاصل الجهاز الأمني والنظام السياسي.  مع تقليص عدد القوات الأميركية وانسحابها الكامل الوشيك بحلول نهاية عام 2011، وما سينتج عنه من ضعف دور الولايات المتحدة، فإن مخاطر بلقنة قوات الأمن ستزداد على الأرجح.  في هذا السياق، فإن عدم القدرة على تشكيل حكومة في أعقاب الانتخابات التشريعية في 7 آذار/مارس، من شأنه، إذا استمر، أن يكون له تداعيات خطيرة على جهاز أمني لا زال هشاً من حيث البنية، والتركيب والقدرات.

وثمة ظاهرة أخرى تزيد من تعقيد الوضع.  فمنذ عام 2008، سعى المالكي لفرض المزيد من سيطرته الشخصية على قوات الأمن.  وكانت حجته الرئيسية تتعلق بالسلامة ولم تكن في البداية دون أساس.  كان العراق بالكاد خرج من حرب طائفية؛ ولم يكن البرلمان قادراً على إصدار القوانين الناظمة لأجهزة الأمن أو الموافقة على الترشيحات للمناصب الرئيسية.  غير أن العلاج الذي قدّمه المالكي كان خطراً بنفس المقدار؛ فبدون الرقابة البرلمانية أو الأساس القانوني، كانت المؤسسات التي أنشأها مسؤولة أمامه فقط.  حتى بعض العراقيين الذين قبلوا بهذا على أساس أنه فرضته الظروف يجادلون بأن ذلك فقد أي مبرر الآن.  رغم أنه عُرف عن القوات النظامية أيضاً انخراطها في ممارسات غير قانونية، يسود اعتقاد بأن هذه الأجهزة الأمنية الجديدة تقوم بعمليات غير قانونية، وغير منسقة مع وزارة الدفاع أو وزارة الداخلية، ولا تخضع لرقابة البرلمان ولا تنظم عملها هيئات رقابية.  تواجَه النزعات السلطوية للمالكي بالانتقاد على نطاق واسع – وهو أحد الأسباب التي تدفع بعض خصومه إلى مقاومة منحه فترة جديدة كرئيس للوزراء و البعض الآخر إلى القبول به شريطة أن يتم تقليص صلاحياته بشكل كبير.

لقد عززت قوات الأمن العراقية من سلامة مواطنيها، غير أن هذه المشاكل تطرح تهديدات طويلة الأمد ينبغي تصحيحها بشكل عاجل.  تواجه الهيئة التشريعية الجديدة التحدي الهام المتمثل في وضع إطار شفاف يحدد بوضوح دور وصلاحيات المؤسسات الأمنية المختلفة ويفرض المساءلة والرقابة، وفي نفس الوقت يضمن حصانتها ضد التدخلات السياسية غير المبررة.  الأجهزة التي تفتقر إلى الأساس القانوني ينبغي إما تفكيكها أو وضع الضوابط المناسبة لها وإخضاعها للمراقبة.  ولن تكون تلك بالمهمة السهلة، بالنظر إلى أن البرلمان لم يجتمع منذ أشهر، وأنه هو نفسه منقسم بعمق وأنه سيواجه قائمة طويلة من الأولويات المتنافسة.  لكن المهمة ستكون أكثر أهمية مع انتهاء الوجود الأميركي.  لا زال بوسع البلدين الاتفاق على إطالة أمد هذا الوجود بشكل ما – وهو قرار على الحكومة الجديدة أن تناقشه قريباً لكنه لن يقلل من الحاجة إلى بناء مؤسسات أمنية عراقية غير طائفية أكثر انسجاماً وتماسكاً وأكثر خضوعاً للمساءلة.

بغداد/واشنطن/بروكسل، 26 تشرين الأول/أكتوبر 2010

العراق: تحقيق الاستقرار في قضاء سنجار المتنازع عليه

لم يتعافَ قضاء سنجار بعد من الخراب الذي أصابه في عام 2014، عندما أخضع تنظيم الدولة الإسلامية سكانه لحملة رعب شرسة. ما يزال آلاف السكان نازحين. ومن أجل إقناعهم بالعودة، ستحتاج الحكومة الاتحادية العراقية وحكومة إقليم كردستان مساعدة السكان المقيمين هناك لتحسين الحوكمة والأمن.

  • Share
  • Save
  • Print
  • Download PDF Full Report

ما الجديد؟ في 15 تشرين الأول/أكتوبر 2020، وقّعت بغداد وأربيل اتفاقاً يهدف إلى تحقيق الاستقرار في قضاء سنجار العراقي من خلال إدارة وهيكلية أمنية جديدتين من شأنهما أن تسمحا بعودة المهجرين. إلا أن الاتفاق لم يُنجز إلا جزئياً. فتركيا تكثف قصفها لحزب العمال الكردستاني والمجموعات المرتبطة به في المنطقة.

ما أهمية ذلك؟ مع مرور الوقت دون التوصل إلى ترتيب عملي لحكم سنجار وتحقيق الأمن فيه، فإن الحوافز بالنسبة لأهل سنجار المهجرين الذين يعيشون في مخيمات بائسة للعودة إلى بيوتهم باتت تتضاءل. وفي هذه الأثناء، فإن تصاعد حدة العنف يخاطر بجر القضاء إلى صراع القوى بين تركيا وإيران.

ما الذي ينبغي فعله؟ ينبغي على بغداد وأربيل تنفيذ أحكام الحوكمة، والأمن وإعادة الإعمار في اتفاق سنجار في أقرب وقت ممكن. وينبغي أن تعالجا إخفاقهما، عند التوصل إلى الاتفاق، في تأمين مشاركة وموافقة المجموعات العراقية المسلحة الفاعلة على الأرض من خلال استشارتها واستشارة ممثلي المجتمع المدني السنجاري حول كيفية إنجاح الاتفاق.

الملخص التنفيذي

بعد نحو سبع سنوات من تمكّن تحالف غير وثيق مكوَّن من مجموعات مسلحة وقوات من إقليم كردستان وبغطاء جوي أميركي من إخراج تنظيم الدولة الإسلامية من سنجار، فإن الوضع هناك ما يزال متوتراً. سنجار، الذي كان في وقت من الأوقات قضاءً هادئاً في الزاوية الشمالية الغربية البعيدة من العراق، بات يصارع، مع افتقار إدارته المحلية للشرعية، وإخفاق خدماته العامة في تلبية التوقعات وتوقف عملية إعادة الإعمار فيه. ثمة مجموعة متفرقة من الجماعات المسلحة تبقي المنطقة غير آمنة، وهو الوضع الذي يترك 70 بالمئة من سكانه في حالة نزوح. وتنتشر الأغلبية العرقية – الدينية الإيزيدية، التي استُهدفت في هجوم أقرب إلى الإبادة الجماعية شنه تنظيم الدولة الإسلامية عليها في عام 2014، في سائر أنحاء الشمال الغربي (وفي المنفى) وتعاني من الانقسام السياسي. في عام 2020، توصلت الحكومة الاتحادية العراقية وحكومة إقليم كردستان إلى اتفاق لتحقيق الاستقرار في سنجار، لكن المتابعة تباطأت، وهددت الصدامات التي جرت في أيار/مايو بين الجيش وإحدى الميليشيات المحلية إلى تقويضه بشكل كامل. سيتعين على أطراف الاتفاق العمل مع سكان سنجار لتعزيز الدعم للاتفاق والإشراف على تنفيذه، بشكل يسمح بعودة المهجرين.

حتى قبل وصول تنظيم الدولة الإسلامية في عام 2014، كان قضاء سنجار رهينة مواجهة بين الحكومة الاتحادية في بغداد وحكومة إقليم كردستان في أربيل بسبب وضع الإقليم كمنطقة متنازع عليها (أي منطقة تدعي كلا الحكومتان السلطة عليها). ينص الدستور العراقي لعام 2005 على عملية مصممة لتسوية الادعاءات المزدوجة بالحق بالمناطق المتنازع عليها. إلا أن حكومة كردستان، وخصوصاً المكوّن الأكثر قوة فيها وهو الحزب الديمقراطي الكردستاني، سعت منذ وقت طويل إلى السيطرة على المناطق المتنازع عليها، بما في ذلك سنجار، كمقدمة لضمها إلى إقليم كردستان. ودخل مقاتلو الحزب الديمقراطي الكردستاني وقوات البشمركة التابعة له إلى سنجار في عام 2003، واستمالوا ووظفوا النخب المحلية لأداء مهام الحوكمة الروتينية. إلا أن الحزب لم يحقق شعبية تذكر هناك. وبوجه خاص، عامل الإيزيديين بوصفهم أكراداً، وبذلك حرمهم فعلياً من الهوية المميزة للجماعة وزرع بذور الاستياء في أوساطهم.

حوَّل هجوم تنظيم الدولة الإسلامية على الإيزيديين في آب/أغسطس 2014، سنجار إلى بؤرة تجمّع لطيف واسع من الجماعات المسلحة. وتمثلت إحدى هذه الجماعات في حزب العمال الكردستاني – وهو مجموعة كردية متمردة تصنفها تركيا (وكذلك الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي) تنظيماً إرهابياً. كان حزب العمال الكردستاني قد بحث عن مكان آمن في شمال العراق، رغم أن وجوده كان يقتصر بشكل عام على جبال قنديل قبل عام 2014 ومنطقة من قضاء مخمور حيث يقع مخيم للاجئين الأكراد من تركيا. لكن عندما سحب الحزب الديمقراطي الكردستاني قوات البشمركة التابعة له عندما شن مقاتلو تنظيم الدولة الإسلامية هجوماً على المنطقة، تدخلت جماعات تابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني بغطاء جوي أميركي – وتمكنت من إنقاذ الناجين وصد تنظيم الدولة الإسلامية تدريجياً. ثم، في أواخر عام 2015، أرسلت الولايات المتحدة مرة أخرى طائراتها الحربية لمساعدة خليط من الجماعات المرتبطة بحزب العمال الكردستاني (وحدات حماية الشعب السورية، ووحدات مقاومة سنجار التي أسست حديثاً) والبشمركة التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني على طرد تنظيم الدولة الإسلامية بشكل كامل. وعلى مدى العامين التاليين، ظل إقليم سنجار بشكل عام تحت سيطرة الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي هيمن على الشمال الشرقي وأيضاً على بلدة سنجار، وحزب العمال الكردستاني، الذي تركز وجوده في جبل سنجار والشمال الغربي.

في عام 2017، تغير الوضع في شمال العراق مرة أخرى، حيث أعاد تصعيد الحملة المناهضة لتنظيم الدولة الإسلامية بدعم من الولايات المتحدة القوات الاتحادية العراقية إلى الشمال، وانضمت إليها مجموعات الحشد الشعبي شبه العسكرية التي تتكون بشكل رئيسي من عراقيين من أجزاء أخرى من البلاد. فتمت استعادة الموصل، آخر مدينة كانت واقعة تحت سيطرة الدولة الإسلامية. ثم مضى الحشد أبعد من ذلك. فبعد أن أحدث استفتاء على الاستقلال نظمته حكومة إقليم كردستان رد فعل عكسي، تم إخراج الحزب الديمقراطي الكردستاني من سنجار والاكتفاء بتعاون مضطرب مع مكونات الحزب وفروعه والمجموعات المرتبطة به المقيمة هناك.

تتسم ترتيبات الحوكمة الناجمة عن ذلك بالعشوائية وانعدام الفعالية. إذ يتمتع الحزب الديمقراطي الكردستاني بتفويض رسمي لحكم سنجار، لكنه يمارس هذا التفويض من خارج القضاء، وحتى من خارج محافظة نينوى التي تقع فيها سنجار، أي من محافظة دهوك المجاورة. داخل سنجار، عيّن الحشد قائم مقام بديل ومدراء نواحٍ دون مباركة الحكومة الاتحادية، في حين أنشأت وحدات حماية الشعب، التي تتكون غالباً من إيزيديين عراقيين إضافة إلى عدد قليل من العرب الذين حملوا السلاح ضد تنظيم الدولة الإسلامية، ذراعاً حاكماً – "الإدارة الذاتية في سنجار" – تسعى لأداء بعض الوظائف البيروقراطية، لكنها تفتقر إلى السلطة والقدرة على أدائها.

في هذه الأثناء، وبسبب المجموعات المسلحة التي يستضيفها قضاء سنجار فإن القضاء يجد نفسه على نحو متزايد في وسط المواجهة بين تركيا وإيران. إيران تدعم الحشد، في حين أن تركيا تسعى إلى القضاء على حزب العمال الكردستاني الذي ترى فيه تهديداً لأمنها القومي. عندما انسحب مقاتلو الحزب الديمقراطي الكردستاني في عام 2017، فقدت تركيا – التي تتعاون مع الحزب الديمقراطي الكردستاني في محاربة حزب العمال الكردستاني – فقدت شريكها الرئيسي على الأرض في سنجار. وهكذا صعدت الضربات الجوية التي كانت تشنها أصلاً على مخابئ حزب العمال الكردستاني في شمال العراق، وضربت قواعد لوحدات حماية الشعب تستضيف كوادر من حزب العمال الكردستاني في سنجار أيضاً. من وجهة نظر تركيا، فإن القادة الكبار في وحدات حماية الشعب هم أنفسهم أعضاء في حزب العمال الكردستاني. وقد أصبحت هذه الهجمات سمة منتظمة لبيئة أمنية هشة أصلاً. وقد أوجد الحشد وحزب العمال الكردستاني (مع المجموعات التابعة له) أرضية مشتركة في مواجهة تركيا والحزب الديمقراطي الكردستاني – الحشد لأنه يسعى إلى الحصول على موطئ قدم أكثر ثباتاً في الشمال، فإنه يعد الوجود العسكري التركي هناك احتلالاً ويرفض ادعاء الحزب الديمقراطي الكردستاني بحقه في سنجار، وحزب العمال الكردستاني لأنه يسعى إلى العثور على ملاذ آمن في شمال العراق.

وسعياً من الأمم المتحدة إلى وضع القضاء على مسار أفضل، فإنها توسطت في التوصل إلى اتفاق في تشرين الأول/أكتوبر 2020 بين بغداد وأربيل يهدف إلى ملء الفراغ الأمني والإداري في مرحلة ما بعد وجود تنظيم الدولة الإسلامية من خلال الجمع بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان معاً في إدارة سنجار، وتحت السلطة الكلية لبغداد. لكن حتى الآن دخلت أجزاء فقط من الاتفاق حيز التنفيذ، بالنظر إلى أنه أخفق في أن يأخذ بالحسبان المناظير المختلفة للجهات الفاعلة المسيطرة على الأرض – أي وحدات حماية الشعب ومجموعات الحشد المختلفة. وحدات حماية الشعب، بما في ذلك الإدارة الذاتية لسنجار، ترفض الاتفاق، الذي لا يكتفي بعدم ذكر دورها في القضاء، بل يحظر وجودها بشكل كامل. وفي حين أن الحشد، الذي يخضع رسمياً لسلطة رئيس الوزراء العراقي، طرف منفذ للاتفاق، فإن الكثير من المجموعات الشيعية التي تكوّن النواة الصلبة للحشد تنظر إلى الحكومة على أنها منحازة ضدها في السعي إلى نقل المسؤوليات الأمنية إلى القوات النظامية الخاضعة لوزارتي الدفاع والداخلية. اتضحت الطبيعة العاجلة لتسريع التنفيذ الكامل للاتفاق في أيار/مايو، عندما اندلعت اشتباكات بين الجيش ووحدات حماية الشعب في إحدى النواحي التابعة لقضاء سنجار. وفي حين أن مثل تلك المواجهات تبدو متقطعة، فإنها تكشف عن تحدٍ لم تتم معالجته، والمتمثل في مصير وحدات حماية الشعب، التي وإن كانت مرتبطة بمجموعة خارجية فإن حزب العمال الكردستاني يتكون أفراده هو نفسه من سنجاريين، أي مواطنين عراقيين لديهم هواجس محلية مشروعة. وهكذا، فإن هذا الملف يستحق معالجة حساسة، وليس إلى لجوء الجيش إلى استخدام المطرقة في كل مكان يرى فيها مسماراً أعوج.

ومن أجل معالجة التأخير الخطير في إنفاذ اتفاق سنجار فعلياً، ينبغي على بغداد وأربيل العمل باتجاه درجة أكبر من قبول الاتفاق من قبل طيف واسع من الجماعات المسلحة المحلية وممثلي المجتمعات المعنية. فيما يتعلق بالجانب المدني، ينبغي على الحكومة أن تعين مكلفاً بأعمال القائم مقام حالياً، وإجراء مشاورات وثيقة مع سلطات أربيل وقادة المجتمع المحلي في سنجار لتعيين شخص إيزيدي مناسب وغير منحاز سياسياً من سنجار. على الجبهة الأمنية، ينبغي على الحكومة الاتحادية الابتعاد عن مقاربتها القتالية، والانخراط في حوار مباشر مع وحدات حماية الشعب بشأن تحديات مثل إنشاء قوة شرطة محلية والسعي إلى إدماج مقاتليها (وأعضاء المجموعات المسلحة الأخرى) في قوات الدولة. ويمكن لبعثة الأمم المتحدة للمساعدة في العراق أن تساعد في إنجاح هذه الإجراءات من خلال إرسال مراقبين مدنيين دوليين ومستشارين تقنيين للإشراف على العملية.

بغداد/بروكسل، 31 أيار/مايو 2022

Subscribe to Crisis Group’s Email Updates

Receive the best source of conflict analysis right in your inbox.