icon caret Arrow Down Arrow Left Arrow Right Arrow Up Line Camera icon set icon set Ellipsis icon set Facebook Favorite Globe Hamburger List Mail Map Marker Map Microphone Minus PDF Play Print RSS Search Share Trash Crisiswatch Alerts and Trends Box - 1080/761 Copy Twitter Video Camera  copyview Whatsapp Youtube
نهايات غير محسومة: قوات الأمن العراقية بين تخفيض عدد القوات الأميركية وانسحابها
نهايات غير محسومة: قوات الأمن العراقية بين تخفيض عدد القوات الأميركية وانسحابها
Table of Contents
  1. ملخص تنفيذي
سلاسة خبيثة للقاعدة في العراق
سلاسة خبيثة للقاعدة في العراق

نهايات غير محسومة: قوات الأمن العراقية بين تخفيض عدد القوات الأميركية وانسحابها

  • Share
  • Save
  • Print
  • Download PDF Full Report

ملخص تنفيذي

هناك الكثير من الرهانات على المفاوضات التي لا تنتهي حول تشكيل الحكومة الجديدة، لكن ليس هناك أهم من مستقبل قوات الأمن في البلاد.  وخلال السنوات السبع التي أعقبت الغزو الذي قادته الولايات المتحدة، أصبحت قوات الأمن العراقية أكثر فعالية واحترافية وتبدو قادرة على ترويض ما تبقى من الجماعات المسلحة.  غير أن ما تمتلكه هذه القوات من حيث القدرات تفتقر إليه من حيث الانسجام والتماسك.  وكأحد أعراض الوضع المفتت للدولة العراقية والانقسامات العرقية والطائفية فيها، فإن الجيش، والشرطة، وقوات الأمن الأخرى لا زالت متشظية بشكل واضح، وولاءاتها غير مؤكدة؛ ومن غير الواضح أنها ستكون قادرة على البقاء في ظل صراع أكثر طولاً و شدّة على السلطة في قمة الهرم السياسي.  وقد اتخذ رئيس الوزراء نوري المالكي خطوات مثيرة للقلق لفرض سيطرته على الأجهزة الأمنية، خصوصاً من خلال تأسيس أجهزة جديدة يمثّل هو نفسه مرجعيتها الوحيدة.  وتتمثل إحدى المهام الأساسية التي تواجه القادة السياسيين في البلاد في التوصل إلى اتفاق حول إيجاد جهاز أمني غير سياسي وخاضع للمساءلة والضوابط الرقابية الفعالة.  وسيمثل تنفيذ هذا القرار أولوية بالنسبة للحكومة والبرلمان الجديدين.  كما أن إحدى المسؤوليات الجوهرية التي تواجه المجتمع الدولي تتمثل في استعمال جميع الأدوات المتوافرة لها في التشجيع على حدوث ذلك.

إن قوات الأمن العراقية هي نتاج سبع سنوات من الجهود التي قادتها الولايات المتحدة، والتي بدأت بعد أن قامت باقتلاع وتفكيك بقايا النظام السابق.  وقد ترتب على هذا النهج في البداية من الصفر ثمن باهظ.  فقد أحدثت فراغاً أمنياً خطيراً، وأنتجت عدداً كبيراً من الجنود السابقين العاطلين عن العمل من ذوي المعنويات المنهارة، وغذّت الجماعات المسلحة.  ما ترتب على ذلك من محاولة غير منظّمة لبناء القوات من خلال عمليات التعيين والتجنيد السريعة، ودون بذل الاهتمام الكافي بخلفية ومؤهلات العناصر الجدد، تسبب أيضاً بقدر لا بأس به من المشاكل.  كما أن الانقسام والتشظي العرقي والطائفي المتزايد في المشهد السياسي الذي ساد بعد عام 2003 انعكس أيضاً في عمليات التعيين والترفيع.  مع مواجهتها للجماعات المسلحة التي كانت تزداد قوة، شعرت الولايات المتحدة أن لا خيار أمامها سوى التركيز على السرعة قبل أي شيء آخر؛ والنتيجة هي أن واحد من كل سبعة عراقيين بالغين يحملون السلاح اليوم.  وهكذا، وحتى مع تنامي عدد وعتاد أجهزة الجيش، والشرطة وغيرها من الأجهزة الأمنية، فإنها تظل جميعاً رازحة تحت وطأة هذا الإرث الناجم عن التسرع.

بالنظر إلى هذه الخلفية، فمن المفاجئ وجود بعض المؤشرات الإيجابية.  فالعنف، ورغم أن وتيرته لا زالت أعلى بكثير مما يمكن التساهل إزاءه، وصل إلى حدود مستقرة خلال العامين الماضيين.  وقد لعبت قوات الأمن العراقية دوراً قيادياً في العديد من العمليات الهامة.  وقد صمدت مؤخراً أمام ثلاثة اختبارات هامة تمثلت في رحيل ما يقارب مئة ألف جندي أميركي منذ كانون الثاني/يناير 2009؛ والانتخابات البرلمانية التي أجريت في آذار/مارس 2010؛ وانعدام اليقين السياسي الناجم عن المأزق المؤسساتي خلال الأشهر الماضية.  إذا ظلت الجماعات المسلحة على ضعفها الحالي، ولم تعثر على فرص جديدة لاستغلال الانقسامات السياسية، فإن قوات الأمن التي تعمل حالياً بمستويات أقل من كفاءتها القصوى لا ينبغي أن تواجه صعوبة كبرى في مواجهة هذه الجماعات.  على الجبهة الإقليمية، وفي حين أن جيران العراق ضالعون في السياسية العراقية، فإن أحداً منهم لم يظهر أي سلوك عدواني يمكن أن يوحي بخطر عسكري جدي في المستقبل المنظور.

إذا كان المقياس هو الحِرفية والقدرات اللوجستية، وإذا كان التقييم يعتمد على التهديدات المحتملة فإن قوات الأمن العراقية تبقى عملاً غير منجز، لكنها باتت في مستوى مقبول نسبياً.  غير أن القوة تبقى معياراً واحداً يستعمل لقياس استدامتها وليس بالضرورة المقياس الأكثر أهمية.  وقد تم بناء الجهاز الأمني بشكل أساسي رداً على حالة طارئة لم تعد موجودة (ظهور واتساع الخطر المميت للجماعات المسلحة)، وانسجاماً مع نمط كان سائداً لكنه بات إشكالياً (رسم خط واضح نسبياً بين النظام السياسي من جهة وأولئك الذين يعارضونه من جهة أخرى)؛ وتم بناؤه من قبل جهة هي في طريقها للانسحاب من العراق، عسكرياً على الأقل (الولايات المتحدة).  اليوم، لا ينبع التهديد الرئيسي للنظام السياسي من الجماعات المسلحة المنظّمة التي ترغب بقلب هذا النظام وإخراج المحتلين. و إنما ينبع من الداخل، من الطبيعة المتشظية للمجتمع والطبقة السياسية التي تشجع من جهتها تشظي قوى الأمن وتسييسها.

تعكس بنية قوات الأمن العراقية المناهج التي اتبعت في إنشائها وطبيعة الدولة العراقية بشكل عام؛ فقد جرى إدماج عناصر من النظام السابق، وأفراد الميليشيات، وأعضاء سابقين في الجماعات المسلحة والقوات الكردية على نحو غير متسق في المؤسسات الأمنية التي أصبحت فريسة للقوى العرقية، والطائفية، والسياسية المتنافسة.  وكانت الحصيلة قوى متوازية، وأحياناً متقاطعة لا تنسق مهامها في كثير من الأحيان ولا تتبادل المعلومات الاستخبارية، ولا زالت تفتقر إلى رؤية موحدة والإحساس بأن لها رسالة واحدة.  على سبيل المثال، من شأن أي انهيار سياسي حاد  خلال العملية الجارية حالياً لتشكيل الحكومة أو حول الانتخابات في المستقبل – أن يتردد صداه في جميع مفاصل مؤسسات الدولة، بما فيها قوات الأمن.  وهنا سيكون المعيار الثاني، المتمثل في الانسجام والتماسك، هو الأهم، عندما يطرح السؤال حول من سيكون مسؤولاً عن الوحدات المختلفة وقادتها: الدولة بوصفها الحكم الحيادي الذي يفصل في النزاعات، أو قادة سياسيون معينون يسيطرون على فصائل سياسية أو مجموعات عرقية أو طائفية.

 لقد شجعت الولايات المتحدة هذا النمط – وذلك بالتركيز المفرط على تشكيل وحدات أمنية كبيرة دون مرعاة كافية لانسجامها وتماسكها، وتمكنت من احتوائها بفضل وجودها المكثف في سائر مفاصل الجهاز الأمني والنظام السياسي.  مع تقليص عدد القوات الأميركية وانسحابها الكامل الوشيك بحلول نهاية عام 2011، وما سينتج عنه من ضعف دور الولايات المتحدة، فإن مخاطر بلقنة قوات الأمن ستزداد على الأرجح.  في هذا السياق، فإن عدم القدرة على تشكيل حكومة في أعقاب الانتخابات التشريعية في 7 آذار/مارس، من شأنه، إذا استمر، أن يكون له تداعيات خطيرة على جهاز أمني لا زال هشاً من حيث البنية، والتركيب والقدرات.

وثمة ظاهرة أخرى تزيد من تعقيد الوضع.  فمنذ عام 2008، سعى المالكي لفرض المزيد من سيطرته الشخصية على قوات الأمن.  وكانت حجته الرئيسية تتعلق بالسلامة ولم تكن في البداية دون أساس.  كان العراق بالكاد خرج من حرب طائفية؛ ولم يكن البرلمان قادراً على إصدار القوانين الناظمة لأجهزة الأمن أو الموافقة على الترشيحات للمناصب الرئيسية.  غير أن العلاج الذي قدّمه المالكي كان خطراً بنفس المقدار؛ فبدون الرقابة البرلمانية أو الأساس القانوني، كانت المؤسسات التي أنشأها مسؤولة أمامه فقط.  حتى بعض العراقيين الذين قبلوا بهذا على أساس أنه فرضته الظروف يجادلون بأن ذلك فقد أي مبرر الآن.  رغم أنه عُرف عن القوات النظامية أيضاً انخراطها في ممارسات غير قانونية، يسود اعتقاد بأن هذه الأجهزة الأمنية الجديدة تقوم بعمليات غير قانونية، وغير منسقة مع وزارة الدفاع أو وزارة الداخلية، ولا تخضع لرقابة البرلمان ولا تنظم عملها هيئات رقابية.  تواجَه النزعات السلطوية للمالكي بالانتقاد على نطاق واسع – وهو أحد الأسباب التي تدفع بعض خصومه إلى مقاومة منحه فترة جديدة كرئيس للوزراء و البعض الآخر إلى القبول به شريطة أن يتم تقليص صلاحياته بشكل كبير.

لقد عززت قوات الأمن العراقية من سلامة مواطنيها، غير أن هذه المشاكل تطرح تهديدات طويلة الأمد ينبغي تصحيحها بشكل عاجل.  تواجه الهيئة التشريعية الجديدة التحدي الهام المتمثل في وضع إطار شفاف يحدد بوضوح دور وصلاحيات المؤسسات الأمنية المختلفة ويفرض المساءلة والرقابة، وفي نفس الوقت يضمن حصانتها ضد التدخلات السياسية غير المبررة.  الأجهزة التي تفتقر إلى الأساس القانوني ينبغي إما تفكيكها أو وضع الضوابط المناسبة لها وإخضاعها للمراقبة.  ولن تكون تلك بالمهمة السهلة، بالنظر إلى أن البرلمان لم يجتمع منذ أشهر، وأنه هو نفسه منقسم بعمق وأنه سيواجه قائمة طويلة من الأولويات المتنافسة.  لكن المهمة ستكون أكثر أهمية مع انتهاء الوجود الأميركي.  لا زال بوسع البلدين الاتفاق على إطالة أمد هذا الوجود بشكل ما – وهو قرار على الحكومة الجديدة أن تناقشه قريباً لكنه لن يقلل من الحاجة إلى بناء مؤسسات أمنية عراقية غير طائفية أكثر انسجاماً وتماسكاً وأكثر خضوعاً للمساءلة.

بغداد/واشنطن/بروكسل، 26 تشرين الأول/أكتوبر 2010

A car burns outside the UN headquarters at the Canal Hotel after a huge suicide truck bomb explosion rocked the building. Baghdad, Iraq, September 2003. AFP PHOTO/Sabah ARAR

سلاسة خبيثة للقاعدة في العراق

As part of our series The Legacy of 9/11 and the “War on Terror”, Joost Hiltermann argues that the U.S. invasion of Iraq gave rise to a fierce variety of Sunni Islamist militancy, one just as intent on killing Shiite Muslims as on fighting the U.S. occupation.

اتصل بي صديقي آرثر في أحد صباحات صيف عام 2003، مباشرة بعد أن عدت من العراق، الذي كان قد سقط في يد الولايات المتحدة في نيسان/أبريل من ذلك العام. كان آرثر مديراً لبرنامج اللاجئين في لجنة "محامون من أجل حقوق الإنسان". قبل ذلك بعشر سنوات، كنا قد سافرنا معاً إلى العراق، وإيران وتركيا لدراسة أزمة اللاجئين في أعقاب حرب الخليج 1990-1991. الآن، قال إنه يريد زيارة بغداد للمشاركة في اجتماعات حول الكلفة البشرية للحرب الجديدة. وسألني ما إذا كان ينبغي عليه أن يأخذ معه سترة واقية من الرصاص. كنا في مجموعة الأزمات قد قرعنا ناقوس الخطر بشأن التمرد المسلح الناشئ في العراق، استناداً إلى ملاحظاتي خلال زيارتين قمت بهما منذ الغزو الأميركي. لكن الوضع في العاصمة، وإن كان فوضوياً، كان ما يزال هادئاً مقارنة بما لم نكن نعرف أنه سيحدث. قلت له إن السترة الواقية من الرصاص لن تكون شيئاً إلزامياً.

بعد شهر من ذلك الحديث، كان آرثر يجلس في مكتب الممثل الخاص للأمم المتحدة، سيرجيو فييرا دي ميلو، عندما اقتحمت شاحنة مسطحة مقر الأمم المتحدة في فندق القناة في بغداد، الذي أعيد تأهيله لهذا الغرض، وفجرت قنبلة كبيرة أدت إلى مقتل كلا الرجلين إضافة إلى 20 آخرين. أحاول أن أريح ضميري بالتفكير بأن سترة واقية من الرصاص لم تكن لتنقذ صديقي، لكني لن أعرف ذلك على نحو مؤكد.

كان التفجير الانتحاري في فندق القناة أول هجوم من نوعه في العراق بعد سقوط صدام حسين. وأعلن المسؤولية عنه أبو مصعب الزرقاوي، وهو مجرم أردني كان قد ارتكب جرائم صغيرة لكنه انضم إلى الحلقات الجهادية في السجن ومن ثم جذبه الاحتلال الأميركي إلى العراق، تماماً كما كان مقاتلون من سائر أنحاء العالم الإسلامي قد تدفقوا إلى أفغانستان التي احتلها السوفييت قبل جيل. قبل ذلك بعامين، كانت القاعدة قد رسخت مواقعها كاسم جهادي عالمي بتنفيذها هجمات 11 أيلول/سبتمبر في الولايات المتحدة، واستهدافها "عدوها البعيد" – القوى الغربية – بطريقة مشهدية.

كانت الولايات المتحدة قد ردت على الهجمات في نيويورك وواشنطن أولاً بغزو أفغانستان، حيث كانت طالبان التي تحكم البلاد توفر ملاذاً لأسامة بن لادن وعصابته، ومن ثم في العراق أيضاً. لم تكن الصلة بين القاعدة والعراق واضحة، وكما تبين لاحقاً، لم تكن موجودة عموماً، على الأقل إلى أن اجتذب الغزو الأميركي نفسه إلى البلاد أولئك الذين سيصبحون جهاديين. سمحت الظروف الخاصة السائدة في العراق بسبب الغزو الأميركي، والتوترات القديمة بين الطوائف الدينية في العراق، للزرقاوي بتأسيس فرع قوي للقاعدة، فرع أكثر خبثاً في طائفيته من القاعدة التي أسسها بن لادن، وعازم على قتل الشيعة، بوجه خاص. كان الزرقاوي يعتبر الشيعة مرتدين، وهي فكرة متطرفة لم يكن سنة العراق بشكل عام يعتنقونها حينذاك. لكنه تمكن من حشد الدعم السني بسبب عداء الكثير من السنة لإيران واعتقادهم بأن الشيعة ارتبطوا بقضية مشتركة مع جارة العراق خلال حرب الثمان سنوات بين البلدين في ثمانينيات القرن العشرين.

Middle East and North Africa Program Director Joost Hiltermann while on a research trip to devastated Sinjar, Iraq, September 2016. CRISISGROUP/Noah Bonsey
ومع اشتداد أوار الحرب الطائفية، تحول المجتمع العراقي من مجتمع متنوع إلى مجتمع منقسم بعمق

وخلال سنة واحدة، أصبح التمرد المسلح الذي كانت مجموعة الأزمات قد تنبأت به في أوج نشاطه ويستهدف بشكل رئيسي القوات الأميركية وقوات الأمن العراقية الناشئة. إلا أن مجموعة الزرقاوي، التي سرعان ما تبرأت منها القاعدة المركزية بسبب نشاطها المنفرد ونظرتها الطائفية، سيطرت على أجزاء من التمرد المسلح وحولتها إلى شيء مختلف تماماً. فباستهداف رجال الدين الشيعة وبيوت العبادة، إضافة إلى الأسواق المكتظة في الأحياء ذات الأغلبية الشيعية، فإن هذه القاعدة حديثة النشأة في العراق أغرقت البلاد في حرب طائفية شريرة. وردت الميليشيات الشيعية، وبعضها مدعوم من إيران، على عمليات القتل بمثلها، فهاجمت ليس فقط مقاتلي القاعدة في العراق بل أيضاً السكان السنة في البلاد بشكل عام. كان يمكن لتلك المعركة أن تحدث حتى دون وجود القاعدة في العراق، بالنظر إلى ربط سلطة الاحتلال الأميركي بشكل علني جداً للسنة بنظام صدام وتصنيفها شيعة البلاد على أنهم مقموعين – وهي سردية لم تفعل الأحزاب الإسلامية الشيعية الحاكمة الجديدة الكثير للحد من انتشارها. غير أن القاعدة في العراق كانت بالتأكيد عود الثقاب الذي أشعل الفتيل المشبع أصلاً بالنفط.

ومع اشتداد أوار الحرب الطائفية، تحول المجتمع العراقي من مجتمع متنوع إلى مجتمع منقسم بعمق، وهو تغير تم التعبير عنه أول الأمر بالطريقة التي بات العراقيون يعرفون بها أنفسهم. إضافة إلى زياراتي إلى العراق، حضرت أيضاً عدداً من ورشات العمل مع عراقيين في عمان، التي كنت قد اتخذت منها مقراً لعملي حينذاك. قبل عام 2005، كان هؤلاء العراقيين، وهم بشكل رئيسي سياسيين وتكنوقراط وشخصيات من المجتمع المدني، يعرفون عن أنفسهم إجمالاً على أنهم عراقيين؛ ثم بدأوا فجأة، كما لو أن يداً خفية تحركهم، بالإشارة إلى أنفسهم وإلى بعضهم بعضاً على أنهم سنة وشيعة.

اغتالت الولايات المتحدة الزرقاوي في عملية كوماندوس في عام 2006. ومع فقدانها لزعيمها، فإن القاعدة في العراق لم تستعد قوتها. لكنها لم تختفِ أيضاً، بل ظلت على قيد الحياة كحال حركات التمرد في سائر أنحاء العالم، بالاختباء في الأرياف، والظهور فجأة فقط لإضعاف معنويات السلطات عبر غارات ليلية على نقاط التفتيش، ونصب الكمائن للدوريات على الطرق الرئيسية وأحياناً القيام بتوغلات في المناطق الحضرية. إلا أن الضرر كان قد لحق بالمجتمع العراقي؛ فعمليات القتل الطائفي استمرت حتى بدون أن تحفزها وتوجهها عمليات القاعدة في العراق الأكثر دموية، مع هيمنة الميليشيات الشيعية الآن.

اخترق القتال المناطق السنية – الشيعية المختلطة لنحو ثلاث سنوات إلى أن نجحت الولايات المتحدة باستعادة قدر من النظام عبر مقاربة عسكرية جديدة – "الحشد" – وتعبئة المجموعات القبلية السنية. وقد كان دافع هؤلاء لمحاربة تنظيم القاعدة في العراق الشراسة التي تعامل بها هذا التنظيم مع السنة الذين لم ينحنوا لإرادته. في عام 2012، هرب بقايا تنظيم القاعدة من العراق إلى سورية الغارقة في حرب أهلية لإعادة تشكيل أنفسهم كنسخة جديدة أخرى من القاعدة. وسرعان ما انفصلوا عن القاعدة المركزية بشكل أكثر قطعية لإنشاء تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، والاستحواذ على جزء كبير من شمال سورية، حكموه بوحشية قبل العودة منتصرين إلى العراق في أيار/مايو 2014. ومن ثم أعلنوا عن تأسيس خلافة جديدة في المناطق التي بدأوا بـ "تحريرها" من سيطرة بغداد – والتي بلغت في النهاية نحو ثلث البلاد.

باختصار، فإن الغزو الأميركي خلق وحشاً. فالقوات الأميركية التي رحب بها كثيرون لإطاحتها بديكتاتور فظيع، وأيضاً سلطة الائتلاف المؤقتة التي تم تأسيسها فوراً، فقدت شعبيتها بسبب عدم قدرتها (التي فسرت على أنها عدم استعداد "لفرض الأمن، إضافة إلى تفكيك الجيش العراقي، والحظر الشامل لحزب البعث، ورعاية وتمكين المنفيين العراقيين، والأبوية في الحكم – التي جعلها عدم كفاءة سلطة الائتلاف المؤقتة أكثر مرارة) وتجاهل المؤسسات العراقية الحاكمة التي كانت قد ظلت تعمل رغم الحكم العنيف لنظام صدام. وحتى بعد تفكيك سلطة الائتلاف المؤقتة، وتسليم زمام السلطة لحكومة عراقية مؤقتة في عام 2004، فإن الوجود الأميركي كان مكروهاً ومقاوماً بفعالية من قبل أولئك الذين شعروا بأنهم وضعوا في الخانة الواسعة للتعاون مع نظام صدام، وهي التهمة التي اعتبروا أنفسهم أبرياء منها. بالنسبة للقاعدة في العراق، كانت تلك بيئة مثالية يمكنها أن تزدهر فيها، بالاستفادة من استياء ومظالم إحدى المجموعتين.

بمرور الوقت، أحكم المتشددون العراقيون سيطرتهم على القاعدة في العراق، ومنحوها، وخليفتها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، قيادة عراقية مهيمنة تمتلك أيديولوجيا ذات صبغة عراقية وتستند جزئياً إلى الدين (وهو شكل ضيق جداً، ويقول البعض إنه منحرف، من الإسلام السني) وجزئياً إلى الشوفينية العربية العراقية. العديد من الكوادر العليا في التنظيم كانوا من أجهزة الأمن والمخابرات التابعة للنظام المخلوع. اليوم، وبعد هزيمة التنظيم واستعادة جميع الأراضي التي كان يسيطر عليها في العراق وسورية، تعود بقاياه للعب اللعبة الطويلة للتمرد المسلح التقليدي، التجول بعيداً عن أعين السلطات والتحرش بالقوات الحكومية عبر هجمات مباغتة في محاولة لإعادة بناء القوة القديمة لما يسمى بالخلافة.

كان التخطيط للمشروع الأميركي في العراق سيئاً وتنفيذه أسوأ.

إن مصير القاعدة في العراق والدولة الإسلامية في العراق والشام في العراق أقل أهمية من الرسالة التي بعث بها ظهورها؛ وهي أن الأيديولوجيات الخبيثة والتنظيمات العنيفة موجودة في كل مكان من حولنا، لكنها بحاجة للتربة المناسبة للازدهار. وقد وفر لها العراق ما بعد الغزو تلك التربة، وكذلك العديد من البلدان والمناطق الأخرى التي مزقتها الحرب منذ ذلك الحين. وحتى لو كانت الولايات المتحدة قد اتبعت سياسة أكثر حكمة تركز على بناء مجتمع عادل بقدر ما تركز على التخلص من عدو متعب، فإنها كانت ستجد صعوبة في تحقيق أهدافها. لكن رغم جميع ادعاءاتها، فإن تطبيق الديمقراطية في العراق لم يكن مجال تركيزها الرئيسي، ونشأت القاعدة في العراق في الفوضى التي خلقتها.

كان التخطيط للمشروع الأميركي في العراق سيئاً وتنفيذه أسوأ. فقد سمح بترسيخ بعض العمليات الديمقراطية، لكن هذه العمليات وقعت ضحية للفساد المستشري الذي شجعت عليه هي نفسها. وقلت حينذاك – وما زلت أعتقد بقوة – إنه ما كان لينجح، حتى ولو خصصت له موارد أكبر بكثير، وقدر أكبر من الخبرات ودرجة أكبر من الإرادة. مهما كانت حكومات المنطقة بحاجة للإصلاح، فإن الحكام المستبدين في الشرق لن يتم إسقاطهم بشكل دائم بأيدي أجنبية، وخصوصاً ليس عبر خطط غير ناضجة تعتمد على قراءات انتقائية جداً للتاريخ، وتسييس الاختلافات الإثنية والدينية، وتعزيز قوة بعض المجموعات على حساب مجموعات أخرى، دون رأفة أو رحمة. هذه هي الظروف التي يمكن استغلالها بسهولة والتي نشأ فيها الزرقاوي وعصابته.

من منظور الاستراتيجية الكبرى للولايات المتحدة، فإن المناورة العراقية كانت فعلاً لا مبرر له في إيذاء الذات، حتى لو كان معظم العراقيين قد شعروا بارتياح عميق برحيل النظام القديم، وحتى لو كان كثيرون منهم ما يزالون لا يرغبون بعودة أي نظام شبيه به. لقد كان رداً زائفاً على هجمات 11 أيلول/سبتمبر، بالنظر إلى أن أياً من منظمي أو منفذي الهجوم لم يكن له أي علاقة بالعراق. لقد كان حالة من حالات الغطرسة التي منحت تنظيماً جهادياً كان قد نفذ للتو هجوماً دراماتيكياً على رموز القوة الأميركية فرصة في تفريخ العديد مقلديه المحتملين، مثل الزرقاوي وزعيم تنظيم الدولة الإسلامية أبو بكر البغدادي، في الشرق الأوسط وغيره. إضافة إلى ذلك، فإنه بعث حياة جديدة في النزعة الجهادية العالمية بعد أن فقدت ملاذاتها الآمنة في أفغانستان وكانت في حالة انحسار بشكل عام.

بعد 11 أيلول/سبتمبر، أصبحت الحرب العراقية المسرّع الأول للجهادية، فأغوت العديد من الشباب الساعين إلى فرصة لتحقيق البطولة والشهادة، وتشكيل مجتمع وإيجاد غاية ومعنى لحياتهم. كما أظهرت الحالة العراقية أنه في حين أن المظالم لعبت دوراً رئيسياً في تشكيل القوة الدافعة للتمرد – المظالم ضد الاحتلال الأميركي؛ وضد الأحزاب الإسلامية الشيعية التي سيطرت على الدولة، وهمشت السنة؛ وضد الراعي الرئيسي لهذه الأحزاب، إيران – فإنها تبنت أيديولوجية خارجية، مع ما يرافقها من هجمات مشهدية على أهداف مختارة، لتوفير الوقود الذي سمح للتمرد بالانتشار واتخاذ شكله الطائفي الخبيث.

المفارقة، أن القاعدة في العراق، ولاحقاً الدولة الإسلامية في العراق والشام باتت من القوة إلى حد يدفع إيران والولايات المتحدة إلى التلاقي وأحياناً التعاون دولياً في جهودهما المنفصلة في محاربة الجهاديين. عارضت إيران الوجود العسكري الأميركي في العراق لكنها لم تعارض مساعدتها في محاربة الجهاديين السنة. الولايات المتحدة، من جهتها، كانت مختلفة مع إيران منذ ثورة عام 1979 وأزمة الرهائن، لكنها ما تزال ترى فائدة للميليشيات المدعومة إيرانياً في المحافظة على النظام الجديد المتداعي الذي كانت قد خلقته في العراق، خصوصاً في محاربة تمرد مسلح عنيد. كل ما هنالك أنها تفضل اندماج هذه التنظيمات بشكل كامل بالدولة المركزية المدعومة من الولايات المتحدة والخضوع لسيطرتها.

كما تظهر الحالة العراقية أيضاً أن الجهاديين يمكن أن يكونوا أسوأ أعداء أنفسهم من خلال التطرف.

كما تظهر الحالة العراقية أيضاً أن الجهاديين يمكن أن يكونوا أسوأ أعداء أنفسهم من خلال التطرف. إن وحشيتهم تزرع الخوف لكنها أيضاً تنفر أنصاراً محتملين، بل مجتمعات بأكملها، على سبيل المثال عندما تفرض عقوبات قاسية على التدخين أو تجبر الأُسر على التخلي عن بناتها "بتزويجهن" لهم. بسبب هذه الممارسات بالذات تمكّن الجيش الأميركي من تعبئة المجموعات القبلية التي باتت تعرف بـ "مجالس الصحوات" أو "أبناء العراق". كان يمكن للقاعدة في العراق أن تكون أكثر فعالية بكثير في كسب السكان في المناطق التي نشطت فيها لو أنها جعلت من نسختها من الفكر الإسلامي السني أكثر اعتدالاً أو مثلت المظالم المحلية من أجل اجتذاب السكان المستائين وتزويدهم بالعتاد اللازم وشحنهم عقائدياً وحشدهم. بدلاً من ذلك، كانت القاعدة في العراق حاملة معول تدمير ذاتها. علّمت هذه التجربة بعض فروع القاعدة التي نشأت لاحقاً، مثل جبهة النصرة في سورية، أن تخفف من حدة نهجها في الحكم، وبالتالي تعزيز شرعيتها وتوسيع نطاق حكمها.

قتل الزرقاوي قبل خمسة عشر عاماً، إلا أن إرثه العنيف مستمر في العيش بعده. وهو واضح في دول هشة وفي ميادين المعارك في سائر أنحاء العالم الإسلامي، وكذلك في مدن الغرب وروسيا. لم يخترع الزرقاوي التفجيرات الانتحارية، لكنه حولها إلى سلاح جهادي عابر للحدود الوطنية يستعمل بشكل روتيني. وجعل من استهداف المدنيين سياسة عامة – وهي في الأصل ممارسة حربية قديمة إشكالية حتى داخل الجماعات الجهادية – في البيئات غير الحربية. كما إنه أول من استحدث أسلوب الهجمات المزدوجة، بتفجير قنبلة ثانية حالما تكون القنبلة الأولى قد اجتذبت فرق الإسعاف والأشخاص المندفعين للعثور على أحبائهم.

إن فكرة ألا أحد آمن، وأن القاعدة الوحيدة هي عدم وجود قواعد، مخيفة على نحو خاص، بما في ذلك للعاملين في الشأن الإنساني الذين يسعون، دون أن يكون لهم أجندة سياسية، إلى نجدة ضحايا الحرب وتقديم العون لهم. أحد هؤلاء الأشخاص هو جيل لوشر، الذي توفي عام 2020 عن خمسة وسبعين عاماً، وهو خبير في شؤون اللاجئين تنقل في سائر أنحاء العالم لتقديم المشورة للأمم المتحدة. وكتب بشكل موسع عن التهديدات التي باتت مهنته تتعرض لها. وحذّر في كتاباته من أنه "في الحرب العالمية على الإرهاب، أصبح الخط الفاصل بين النشاط الإنساني والنشاط العسكري مشوشاً".

وكان لوشر يعرف عما يتحدث. فمن بين الأشخاص الثمانية في مكتب فييرا دي ميلو في زاوية فندق القناة عندما انفجرت القنبلة الموضوعة في الشاحنة، كان الشخص الوحيد الذي ظل على قيد الحياة، رغم أنه فقد كلا ساقيه في محاولة سحبه من بين الأنقاض. ورغم إصاباته، استمر في عمله في صياغة السياسات الدولية المتعلقة بقضايا اللاجئين، بما في ذلك من خلال كتاباته، وبالتالي السماح للوكالات الإنسانية بتقديم معالجة أفضل للتحديات الحرجة التي يواجهها عالمنا الذي يزداد تعقيداً، والمساهمة في إرث يستطيع أن يستمر ربما بعد موت إرث الزرقاوي.

[مهداة إلى آرثر هيلتون، سانت لويس، ميزوري، 1949 – بغداد، 2003]