سُنّة العراق والدولة: فرصة كبرى أو خسارة فادحة
سُنّة العراق والدولة: فرصة كبرى أو خسارة فادحة
Table of Contents
  1. Executive Summary

سُنّة العراق والدولة: فرصة كبرى أو خسارة فادحة

  • Share
  • Save
  • Print
  • Download PDF Full Report

الملخص التنفيذي

لا تزال مسألة مشاركة العرب السُنّة في النظام السياسي العراقي الذي طغى على العملية الانتقالية منذ بدايتها حادة وانفجارية كما كانت دائماً. أفراد الطائفة، الذين سرعان ما همشتهم المحاصصة العرقية ـ الطائفية التي حشرتهم في خانة الأقلية في نظام يهيمن عليه الشيعة والأكراد، رفضوا التوزيع الجديد للحصص في البداية ومن ثم حاربوه. نظراً لتحوّلهم التدريجي من التمرد إلى الانخراط السياسي المتردد، فإن رهانهم لم يحقق لهم سوى تمثيل رمزي، بينما عزز مشاعر الظلم والتمييز لديهم. اليوم، مع وصول إحباطهم إلى درجة الغليان، ووصول الاستقطاب السُنِّي ـ الشيعي في المنطقة إلى مستويات غير مسبوقة ومع الارتفاع الكبير في عدد التفجيرات الناتجة عن السيارات المفخخة في سائر أنحاء البلاد منذ بداية رمضان في تموز/يوليو، فإن العودة إلى حرب أهلية مذهبية باتت تمثل خطراً جدياً. لتجنب هذا المآل، على الحكومة أن تتفاوض على عمليات وقف إطلاق نار محلية مع المسؤولين السُنّة، وإيجاد السُبُل لإدماج العرب السُنّة بطريقة أكثر عدالة في العملية السياسية والتعاون مع اللاعبين المحليين لبناء نظام أمني فعّال على طول الحدود مع سورية.

للأزمة جذور عميقة؛ فطوال فترة وجوده في منصبه، نفّذ رئيس الوزراء نوري المالكي استراتيجية فرِّق تَسُد أدت إلى تحييد أي قيادة عربية سُنيّة ذات مصداقية. كما أن السلطات اتخذت خطوات تعزز التصورات بوجود أجندة مذهبية. تم تهميش سياسيين بارزين ـ معظمهم من السُنّة ـ تطبيقاً لقانون المساءلة والعدالة على أساس ارتباطات مزعومة وعلى مستويات عليا بحزب البعث السابق. وانتشرت قوات الأمن الاتحادية بشكل غير متناسب في الأحياء السُنِّية من بغداد، وكذلك في المحافظات التي يسكنها السُنّة (الأنبار، وصلاح الدين، ونينوى، وكركوك وديالى). القائمة العراقية، الحركة السياسية التي شعر معظم العرب السُنّة بأنها تمثّلهم، تفككت ببطء بسبب الخلافات الداخلية، في نفس الوقت الذي لجأ فيه المالكي إلى وسائل قانونية وأيضاً إلى وسائل تقع خارج إطار النظام القضائي لتعزيز قوته.

لقد حفل العام الأخير بالتطورات الأكثر ضرراً في هذا السياق؛ فمع تغذية الأحداث في سورية لآمالهم بالعودة إلى المشهد السياسي، أطلق العرب السُنّة حركة احتجاجية سلمية غير مسبوقة في أواخر عام 2012 رداً على اعتقال الحراس الشخصيين لرافع العيساوي، العضو البارز في العراقية. كما أنها أخفقت في توفير معالجات للمظالم المتراكمة. بدلاً من ذلك، فإن المظاهرات وعمليات القمع التي أعقبتها فاقمت من الشعور بالإقصاء والاضطهاد في أوساط السُنّة.

اختارت الحكومة في البداية رداً تقنياً يفتقر إلى الجاذبية، وذلك بتشكيلها لجاناً لمعالجة مطالب المحتجين بشكل أحادي، ورفضت المفاوضات المباشرة وشددت الإجراءات الأمنية في المناطق التي يقطنها السُنّة. فاقمت التنازلات المتأخرة والمترددة من انعدام الثقة وعززت من قوة الفصائل الأكثر راديكالية. بعد مأزق استمر أربعة أشهر، تصاعدت الأزمة. في 23 نيسان/أبريل، داهمت قوات الحكومة مخيّماً للمحتجين في مدينة الحويجة، في محافظة كركوك، فقتلت أكثر من 50 وجرحت 110. أدى ذلك إلى موجة عنف فاقت في حدّتها أي شيء شهدته البلاد خلال السنوات الخمس الماضية. أعادت الهجمات ضد قوات الأمن، وضد المدنيين – وهو الأكثر إنذاراً بالخطر - إحياء المخاوف من العودة إلى حرب أهلية شاملة. الدولة الإسلامية في العراق، التي تمثّل التعبير المحلي عن القاعدة، عادت إلى أنشطتها المسلّحة. وقد ردت الميليشيات الشيعية بشن هجمات على السُنّة. من المرجّح أن يؤدي اعتزام الحكومة معالجة قضية سياسية بشكل رئيسي، وهي تمثيل العرب السُنّة في حكومة بغداد، من خلال إجراءات أمنية أكثر تشدّداً إلى تفاقم الوضع.

نظراً للتقليل من شأن الحراك الشعبي، وشيطنته ووقوعه عرضة لقمع الحكومة المركزية، فإنه يتحوّل بسرعة إلى صراع مسلح. في هذا الصدد، فإن غياب قيادة سُنيّة موحّدة ـ وهو أمر أسهمت فيه سياسات بغداد، وقد يكون المالكي اعتبره ميزة ـ تحوّل إلى عبء خطير.  في المواجهة التي باتت تكتسب صبغة مذهبية على نحو متزايد، فإن أنصار الحراك يتطلعون غرباً إلى سورية بوصفها الحلبة التي يمكن أن يشنوا المعركة فيها على الحكومة العراقية وحلفائها الشيعة، وشرقاً إلى إيران، بوصفها مصدراً لكل مصائبهم.

نظراً لتعرّضهم لضغوط مكثّفة من القوات الحكومية وتراجع إيمانهم بالحل السياسي، فإن العديد من العرب السُنّة استنتجوا أن خيارهم الواقعي الوحيد يتمثل في صراع عنيف يتخذ على نحو متزايد صبغة مذهبية. بالمقابل، فإن الحكومة  تجد في ذلك فرصة مناسبة لوضع كل المعارضة في خانة المجموعات الطائفية المسلحة التي تتطلب مواجهتها إجراءات أمنية أكثر تشدداً. وفي غياب تحولٍ دراماتيكي في المقاربة، ثمة مخاطرة في انهيار الدولة الهشة في العراق ووقوعها ضحية لمزيج انفجاري يتكون من عيوبها القديمة والمعروفة والتوترات الإقليمية المتنامية.

بغداد/بروكسل، 14 آب/أغسطس 2013

 

Executive Summary

The question of Sunni Arab participation in Iraq’s political order that has plagued the transition since its inception is as acute and explosive as ever. Quickly marginalised by an ethno-sectarian apportionment that confined them to minority status in a system dominated by Shiites and Kurds, most community members first shunned the new dispensation then fought it. Having gradually turned from insurgency to tentative political involvement, their wager produced only nominal representation, while reinforcing feelings of injustice and discrimination. Today, with frustration at a boil, unprecedented Sunni-Shiite polarisation in the region and deadly car bombings surging across the country since the start of Ramadan in July, a revived sectarian civil war is a serious risk. To avoid it, the government should negotiate local ceasefires with Sunni officials, find ways to more fairly integrate Sunni Arabs in the political process and cooperate with local actors to build an effective security regime along the Syrian border.

The origins of the crisis run deep. Throughout his seven-year tenure, Prime Minister Nouri al-Maliki has implemented a divide-and-conquer strategy that has neutered any credible Sunni Arab leadership. The authorities also have taken steps that reinforce perceptions of a sectarian agenda. Prominent officials – predominantly Sunni – have been cast aside pursuant to the Justice and Accountability Law on the basis of alleged senior-level affiliation to the former Baath party. Federal security forces have disproportionately deployed in Baghdad’s Sunni neighbourhoods as well as Sunni-populated governorates (Anbar, Salah al-Din, Ninewa, Kirkuk and Diyala). Al-Iraqiya, the political movement to which Sunni Arabs most readily related, slowly came apart due to internal rivalries even as Maliki resorted to both legal and extrajudicial means to consolidate power.

This past year has proved particularly damaging. As events in Syria nurtured their hopes for a political comeback, Sunni Arabs launched an unprecedented, peaceful protest movement in late 2012 in response to the arrest of bodyguards of Rafea al-Issawi, a prominent Iraqiya member. It too failed to provide answers to accumulated grievances. Instead, the demonstrations and the repression to which they gave rise further exacerbated the sense of exclusion and persecution among Sunnis.

The government initially chose a lacklustre, technical response, forming committees to unilaterally address protesters’ demands, shunning direct negotiations and tightening security measures in Sunni-populated areas. Half-hearted, belated concessions exacerbated distrust and empowered more radical factions. After a four-month stalemate, the crisis escalated. On 23 April, government forces raided a protest camp in the city of Hawija, in Kirkuk province, killing over 50 and injuring 110. This sparked a wave of violence exceeding anything witnessed for five years. Attacks against security forces and, more ominously, civilians have revived fears of a return to all-out civil strife. The Islamic State of Iraq, al-Qaeda’s local expression, is resurgent. Shiite militias have responded against Sunnis. The government’s seeming intent to address a chiefly political issue – Sunni Arab representation in Baghdad – through tougher security measures has every chance of worsening the situation.

Belittled, demonised and increasingly subject to a central government crackdown, the popular movement is slowly mutating into an armed struggle. In this respect, the absence of a unified Sunni leadership – to which Baghdad’s policies contributed and which Maliki might have perceived as an asset – has turned out to be a serious liability. In a showdown that is acquiring increasing sectarian undertones, the movement’s proponents look westward to Syria as the arena in which the fight against the Iraqi government and its Shiite allies will play out and eastward toward Iran as the source of all their ills.

Under intensifying pressure from government forces and with dwindling faith in a political solution, many Sunni Arabs have concluded their only realistic option is a violent conflict increasingly framed in confessional terms. In turn, the government conveniently dismisses all opposition as a sectarian insurgency that warrants ever more stringent security measures. In the absence of a dramatic shift in approach, Iraq’s fragile polity risks breaking down, a victim of the combustible mix of its long­standing flaws and growing regional tensions.

Baghdad/Brussels, 14 August 2013

العراق: تحقيق الاستقرار في قضاء سنجار المتنازع عليه

لم يتعافَ قضاء سنجار بعد من الخراب الذي أصابه في عام 2014، عندما أخضع تنظيم الدولة الإسلامية سكانه لحملة رعب شرسة. ما يزال آلاف السكان نازحين. ومن أجل إقناعهم بالعودة، ستحتاج الحكومة الاتحادية العراقية وحكومة إقليم كردستان مساعدة السكان المقيمين هناك لتحسين الحوكمة والأمن.

  • Share
  • Save
  • Print
  • Download PDF Full Report

ما الجديد؟ في 15 تشرين الأول/أكتوبر 2020، وقّعت بغداد وأربيل اتفاقاً يهدف إلى تحقيق الاستقرار في قضاء سنجار العراقي من خلال إدارة وهيكلية أمنية جديدتين من شأنهما أن تسمحا بعودة المهجرين. إلا أن الاتفاق لم يُنجز إلا جزئياً. فتركيا تكثف قصفها لحزب العمال الكردستاني والمجموعات المرتبطة به في المنطقة.

ما أهمية ذلك؟ مع مرور الوقت دون التوصل إلى ترتيب عملي لحكم سنجار وتحقيق الأمن فيه، فإن الحوافز بالنسبة لأهل سنجار المهجرين الذين يعيشون في مخيمات بائسة للعودة إلى بيوتهم باتت تتضاءل. وفي هذه الأثناء، فإن تصاعد حدة العنف يخاطر بجر القضاء إلى صراع القوى بين تركيا وإيران.

ما الذي ينبغي فعله؟ ينبغي على بغداد وأربيل تنفيذ أحكام الحوكمة، والأمن وإعادة الإعمار في اتفاق سنجار في أقرب وقت ممكن. وينبغي أن تعالجا إخفاقهما، عند التوصل إلى الاتفاق، في تأمين مشاركة وموافقة المجموعات العراقية المسلحة الفاعلة على الأرض من خلال استشارتها واستشارة ممثلي المجتمع المدني السنجاري حول كيفية إنجاح الاتفاق.

الملخص التنفيذي

بعد نحو سبع سنوات من تمكّن تحالف غير وثيق مكوَّن من مجموعات مسلحة وقوات من إقليم كردستان وبغطاء جوي أميركي من إخراج تنظيم الدولة الإسلامية من سنجار، فإن الوضع هناك ما يزال متوتراً. سنجار، الذي كان في وقت من الأوقات قضاءً هادئاً في الزاوية الشمالية الغربية البعيدة من العراق، بات يصارع، مع افتقار إدارته المحلية للشرعية، وإخفاق خدماته العامة في تلبية التوقعات وتوقف عملية إعادة الإعمار فيه. ثمة مجموعة متفرقة من الجماعات المسلحة تبقي المنطقة غير آمنة، وهو الوضع الذي يترك 70 بالمئة من سكانه في حالة نزوح. وتنتشر الأغلبية العرقية – الدينية الإيزيدية، التي استُهدفت في هجوم أقرب إلى الإبادة الجماعية شنه تنظيم الدولة الإسلامية عليها في عام 2014، في سائر أنحاء الشمال الغربي (وفي المنفى) وتعاني من الانقسام السياسي. في عام 2020، توصلت الحكومة الاتحادية العراقية وحكومة إقليم كردستان إلى اتفاق لتحقيق الاستقرار في سنجار، لكن المتابعة تباطأت، وهددت الصدامات التي جرت في أيار/مايو بين الجيش وإحدى الميليشيات المحلية إلى تقويضه بشكل كامل. سيتعين على أطراف الاتفاق العمل مع سكان سنجار لتعزيز الدعم للاتفاق والإشراف على تنفيذه، بشكل يسمح بعودة المهجرين.

حتى قبل وصول تنظيم الدولة الإسلامية في عام 2014، كان قضاء سنجار رهينة مواجهة بين الحكومة الاتحادية في بغداد وحكومة إقليم كردستان في أربيل بسبب وضع الإقليم كمنطقة متنازع عليها (أي منطقة تدعي كلا الحكومتان السلطة عليها). ينص الدستور العراقي لعام 2005 على عملية مصممة لتسوية الادعاءات المزدوجة بالحق بالمناطق المتنازع عليها. إلا أن حكومة كردستان، وخصوصاً المكوّن الأكثر قوة فيها وهو الحزب الديمقراطي الكردستاني، سعت منذ وقت طويل إلى السيطرة على المناطق المتنازع عليها، بما في ذلك سنجار، كمقدمة لضمها إلى إقليم كردستان. ودخل مقاتلو الحزب الديمقراطي الكردستاني وقوات البشمركة التابعة له إلى سنجار في عام 2003، واستمالوا ووظفوا النخب المحلية لأداء مهام الحوكمة الروتينية. إلا أن الحزب لم يحقق شعبية تذكر هناك. وبوجه خاص، عامل الإيزيديين بوصفهم أكراداً، وبذلك حرمهم فعلياً من الهوية المميزة للجماعة وزرع بذور الاستياء في أوساطهم.

حوَّل هجوم تنظيم الدولة الإسلامية على الإيزيديين في آب/أغسطس 2014، سنجار إلى بؤرة تجمّع لطيف واسع من الجماعات المسلحة. وتمثلت إحدى هذه الجماعات في حزب العمال الكردستاني – وهو مجموعة كردية متمردة تصنفها تركيا (وكذلك الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي) تنظيماً إرهابياً. كان حزب العمال الكردستاني قد بحث عن مكان آمن في شمال العراق، رغم أن وجوده كان يقتصر بشكل عام على جبال قنديل قبل عام 2014 ومنطقة من قضاء مخمور حيث يقع مخيم للاجئين الأكراد من تركيا. لكن عندما سحب الحزب الديمقراطي الكردستاني قوات البشمركة التابعة له عندما شن مقاتلو تنظيم الدولة الإسلامية هجوماً على المنطقة، تدخلت جماعات تابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني بغطاء جوي أميركي – وتمكنت من إنقاذ الناجين وصد تنظيم الدولة الإسلامية تدريجياً. ثم، في أواخر عام 2015، أرسلت الولايات المتحدة مرة أخرى طائراتها الحربية لمساعدة خليط من الجماعات المرتبطة بحزب العمال الكردستاني (وحدات حماية الشعب السورية، ووحدات مقاومة سنجار التي أسست حديثاً) والبشمركة التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني على طرد تنظيم الدولة الإسلامية بشكل كامل. وعلى مدى العامين التاليين، ظل إقليم سنجار بشكل عام تحت سيطرة الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي هيمن على الشمال الشرقي وأيضاً على بلدة سنجار، وحزب العمال الكردستاني، الذي تركز وجوده في جبل سنجار والشمال الغربي.

في عام 2017، تغير الوضع في شمال العراق مرة أخرى، حيث أعاد تصعيد الحملة المناهضة لتنظيم الدولة الإسلامية بدعم من الولايات المتحدة القوات الاتحادية العراقية إلى الشمال، وانضمت إليها مجموعات الحشد الشعبي شبه العسكرية التي تتكون بشكل رئيسي من عراقيين من أجزاء أخرى من البلاد. فتمت استعادة الموصل، آخر مدينة كانت واقعة تحت سيطرة الدولة الإسلامية. ثم مضى الحشد أبعد من ذلك. فبعد أن أحدث استفتاء على الاستقلال نظمته حكومة إقليم كردستان رد فعل عكسي، تم إخراج الحزب الديمقراطي الكردستاني من سنجار والاكتفاء بتعاون مضطرب مع مكونات الحزب وفروعه والمجموعات المرتبطة به المقيمة هناك.

تتسم ترتيبات الحوكمة الناجمة عن ذلك بالعشوائية وانعدام الفعالية. إذ يتمتع الحزب الديمقراطي الكردستاني بتفويض رسمي لحكم سنجار، لكنه يمارس هذا التفويض من خارج القضاء، وحتى من خارج محافظة نينوى التي تقع فيها سنجار، أي من محافظة دهوك المجاورة. داخل سنجار، عيّن الحشد قائم مقام بديل ومدراء نواحٍ دون مباركة الحكومة الاتحادية، في حين أنشأت وحدات حماية الشعب، التي تتكون غالباً من إيزيديين عراقيين إضافة إلى عدد قليل من العرب الذين حملوا السلاح ضد تنظيم الدولة الإسلامية، ذراعاً حاكماً – "الإدارة الذاتية في سنجار" – تسعى لأداء بعض الوظائف البيروقراطية، لكنها تفتقر إلى السلطة والقدرة على أدائها.

في هذه الأثناء، وبسبب المجموعات المسلحة التي يستضيفها قضاء سنجار فإن القضاء يجد نفسه على نحو متزايد في وسط المواجهة بين تركيا وإيران. إيران تدعم الحشد، في حين أن تركيا تسعى إلى القضاء على حزب العمال الكردستاني الذي ترى فيه تهديداً لأمنها القومي. عندما انسحب مقاتلو الحزب الديمقراطي الكردستاني في عام 2017، فقدت تركيا – التي تتعاون مع الحزب الديمقراطي الكردستاني في محاربة حزب العمال الكردستاني – فقدت شريكها الرئيسي على الأرض في سنجار. وهكذا صعدت الضربات الجوية التي كانت تشنها أصلاً على مخابئ حزب العمال الكردستاني في شمال العراق، وضربت قواعد لوحدات حماية الشعب تستضيف كوادر من حزب العمال الكردستاني في سنجار أيضاً. من وجهة نظر تركيا، فإن القادة الكبار في وحدات حماية الشعب هم أنفسهم أعضاء في حزب العمال الكردستاني. وقد أصبحت هذه الهجمات سمة منتظمة لبيئة أمنية هشة أصلاً. وقد أوجد الحشد وحزب العمال الكردستاني (مع المجموعات التابعة له) أرضية مشتركة في مواجهة تركيا والحزب الديمقراطي الكردستاني – الحشد لأنه يسعى إلى الحصول على موطئ قدم أكثر ثباتاً في الشمال، فإنه يعد الوجود العسكري التركي هناك احتلالاً ويرفض ادعاء الحزب الديمقراطي الكردستاني بحقه في سنجار، وحزب العمال الكردستاني لأنه يسعى إلى العثور على ملاذ آمن في شمال العراق.

وسعياً من الأمم المتحدة إلى وضع القضاء على مسار أفضل، فإنها توسطت في التوصل إلى اتفاق في تشرين الأول/أكتوبر 2020 بين بغداد وأربيل يهدف إلى ملء الفراغ الأمني والإداري في مرحلة ما بعد وجود تنظيم الدولة الإسلامية من خلال الجمع بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان معاً في إدارة سنجار، وتحت السلطة الكلية لبغداد. لكن حتى الآن دخلت أجزاء فقط من الاتفاق حيز التنفيذ، بالنظر إلى أنه أخفق في أن يأخذ بالحسبان المناظير المختلفة للجهات الفاعلة المسيطرة على الأرض – أي وحدات حماية الشعب ومجموعات الحشد المختلفة. وحدات حماية الشعب، بما في ذلك الإدارة الذاتية لسنجار، ترفض الاتفاق، الذي لا يكتفي بعدم ذكر دورها في القضاء، بل يحظر وجودها بشكل كامل. وفي حين أن الحشد، الذي يخضع رسمياً لسلطة رئيس الوزراء العراقي، طرف منفذ للاتفاق، فإن الكثير من المجموعات الشيعية التي تكوّن النواة الصلبة للحشد تنظر إلى الحكومة على أنها منحازة ضدها في السعي إلى نقل المسؤوليات الأمنية إلى القوات النظامية الخاضعة لوزارتي الدفاع والداخلية. اتضحت الطبيعة العاجلة لتسريع التنفيذ الكامل للاتفاق في أيار/مايو، عندما اندلعت اشتباكات بين الجيش ووحدات حماية الشعب في إحدى النواحي التابعة لقضاء سنجار. وفي حين أن مثل تلك المواجهات تبدو متقطعة، فإنها تكشف عن تحدٍ لم تتم معالجته، والمتمثل في مصير وحدات حماية الشعب، التي وإن كانت مرتبطة بمجموعة خارجية فإن حزب العمال الكردستاني يتكون أفراده هو نفسه من سنجاريين، أي مواطنين عراقيين لديهم هواجس محلية مشروعة. وهكذا، فإن هذا الملف يستحق معالجة حساسة، وليس إلى لجوء الجيش إلى استخدام المطرقة في كل مكان يرى فيها مسماراً أعوج.

ومن أجل معالجة التأخير الخطير في إنفاذ اتفاق سنجار فعلياً، ينبغي على بغداد وأربيل العمل باتجاه درجة أكبر من قبول الاتفاق من قبل طيف واسع من الجماعات المسلحة المحلية وممثلي المجتمعات المعنية. فيما يتعلق بالجانب المدني، ينبغي على الحكومة أن تعين مكلفاً بأعمال القائم مقام حالياً، وإجراء مشاورات وثيقة مع سلطات أربيل وقادة المجتمع المحلي في سنجار لتعيين شخص إيزيدي مناسب وغير منحاز سياسياً من سنجار. على الجبهة الأمنية، ينبغي على الحكومة الاتحادية الابتعاد عن مقاربتها القتالية، والانخراط في حوار مباشر مع وحدات حماية الشعب بشأن تحديات مثل إنشاء قوة شرطة محلية والسعي إلى إدماج مقاتليها (وأعضاء المجموعات المسلحة الأخرى) في قوات الدولة. ويمكن لبعثة الأمم المتحدة للمساعدة في العراق أن تساعد في إنجاح هذه الإجراءات من خلال إرسال مراقبين مدنيين دوليين ومستشارين تقنيين للإشراف على العملية.

بغداد/بروكسل، 31 أيار/مايو 2022

Subscribe to Crisis Group’s Email Updates

Receive the best source of conflict analysis right in your inbox.