الحرب العراقية المقبلة؟ الطائفية والنزاع الأهلي
الحرب العراقية المقبلة؟ الطائفية والنزاع الأهلي
Table of Contents
  1. Executive Summary
Report 52 / Middle East & North Africa

الحرب العراقية المقبلة؟ الطائفية والنزاع الأهلي

  • Share
  • Save
  • Print
  • Download PDF Full Report

ملخّص تنفيذي

لم يكن التفجير الذي طال ضريحاً شيعياً مقدساً في سامراء يوم 22 شباط (فبراير) 2006 وما تلى ذلك من أعمال ثأرية ضد المساجد السنّية وقتل العرب السنّة سوى آخر مؤشر دامي على انزلاق العراق نحو بداية كارثة شاملة. فطوال العام الماضي، كان التوتر الاجتماعي والسياسي ظاهراً، وتحول منذ إسقاط نظام البعث إلى انقسام عميق. وقد بدأت تركيبة المجتمع العراقي التعددية بالتشظي حسب الخطوط العرقية، والمذهبية والقبلية، ما تسبب في عنف وعدم استقرار في العديد من المناطق، خاصة تلك التي تضم خليطاً من هؤلاء. أكثر كوادر هذه النزاعات إلحاحاً هو الانقسام السني الشيعي الذي يهدد بتقسيم البلد. وأبرز ظواهر هذا الانقسام تلك الحرب القذرة الدائرة بين مجموعة صغيرة من المتمردين تسعى إلى إثارة النزاع الطائفي بقتل الشيعة وبعض وحدات الكوماندو الحكومية التي تقوم بعمليات انتقامية ضد العرب السنّة الذين يزدهر بين ظهرانيهم التمرد. ويتعين على الفعاليات السياسية العراقية والمجتمع الدولي العمل بسرعة لمنع تصاعد نزاع منخفض الحدة إلى حرب أهلية شاملة قد تقود إلى تفكيك العراق وبذر الاضطراب في المنطقة كلها.

سيتذكر الناس العام 2005 على أنه العام الذي اكتسبت فيه الطائفية النائمة أجنحة تطير بها، مخترقة الحوار السياسي ومتسببة في حوادث عنف مريعة وعمليات "تطهير" طائفي. الانتخابات التي أحاطت بالعام، من كانون الثاني/يناير إلى كانون الأول (ديسمبر)، أبرزت مكانة جديدة اكتسبها الدين، الذي ربما كان أهم تطور حدث منذ إسقاط النظام. فتحولت المساجد إلى مراكز حزبية وكيّف رجال الدين أنفسهم كسياسيين، وحول العراقيون الباحثون عن الاستقرار وقيادة لهم، في زمن يكتنفه الغموض، الانتخابات إلى ممارسة مذهبية. واستغل المتمردون فترة الانفلات التي تلت الحرب. المؤسف أن جهودهم الوحشية لإشعال حرب أهلية قد قوبلت بأعمال انتقامية عصبية لا تتسم بالحكمة.

في مواجهة تنامي العنف والخطاب الطائفي، بدأت الكوابح المؤسسية تتآكل. وبدأت كلمات التحذير والمصالحة التي يطلقها آية الله علي السيستاني، الزعيم الديني الشيعي البارز لا تجد آذاناً صاغية. الوسط العلماني تلاشى إلى حدّ بعيد، وغرق في حمأة الهوية السياسية. وبدأ النفوذ الأمريكي، رغم أنه ما زال مهماً للغاية، يتناقص إثر تعالي التلميحات التي تتحدث عن أن القوات الأمريكية ستنسحب في نهاية الأمر. والدول المجاورة، القلقة على مصالحها الاستراتيجية، قد تتخلى عن التزامها المعلن بالحفاظ على تكامل العراق الإقليمي إذا ما توصلت إلى قناعة بأن تفكيكه بات حتمياً، متدخلين مباشرة فيما سينتج من بقايا دول من بين حطام العراق المحترق.

إذا تجزأ العراق، فإن المؤرخين سيسعون على مدى سنوات من الآن لمعرفة ماذا كانت اللحظة الحاسمة. هل هي المصادقة على الدستور في تشرين الأول (أكتوبر) 2005، الوثيقة الطائفية التي همشت وأبعدت العرب السنّة؟ أم انتخابات كانون الثاني (يناير) المعيبة التي أعطت الفوز للتحالف الشيعي الكردي، الذي وضع مسودة الدستور وأقام حكومة ردت على الغضب ضد الشيعة بهجمات ضد السنة لا تميز بين أحد؟ أم هو تشكيل مجلس الحكم المؤقت في تموز (يوليو) 2003، الهيئة التي رجحت في تركيبتها الهوية الطائفية على الخطط السياسية القومية؟ أو حتى ما قبل ذلك، في طبيعة النظام المعزول وتركيبته وقمعه الوحشي للأنشطة السياسية لدى الشيعة والأكراد الذين يخشون عودتها من جديد؟ الأغلب أن السبب هو تركيبة من الأمور الأربعة سابقة الذكر، كما يجادل هذا التقرير.

اليوم، السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما الذي يمكن فعله لوقف انزلاق العراق إلى أسفل وتجنب الحرب الأهلية. يبدو، مؤخراً، أن الإدارة الأمريكية قد أدركت أن عملية شاملة كاملة –وليس عملية متعجلة- هي أمر لا بد منه لإعادة الاستقرار. هذا التحول مرحب فيه جداً، رغم أنه استحق منذ زمن. وقد أثمرت جهود السفير زلماي خليل زاده التي بدأت في أيلول (سبتمبر) 2005 لإعادة الطائفة العربية السنية إلى العملية، لكن جزئياً فقط. كما سجل له قوله بأن الولايات المتحدة "لن تستثمر موارد الشعب الأمريكي لبناء قوات تدار بأشخاص طائفيين". إلا أنه ما زال هناك الكثير للقيام به، لإعادة ضبط العملية السياسية أكثر ووضع البلد على طريق المصالحة والتنازلات.

  • أولاً، يتعين على الفائزين في انتخابات كانون الأول (ديسمبر) 2005، القوائم الشيعية والكردية الرئيسية، إقامة حكومة وحدة وطنية حقيقية يعطى فيها الزعماء العرب السنة أكثر من دور إسمي. وعلى الحكومة بدورها أن تبذل كل ما في وسعها لإعادة الشعور بالهوية الوطنية ومعالجة أولويات الشعب العراقي: السلامة الشخصية، والوظائف، ومدخل يعتمد عليه للمتطلبات الأساسية، مثل الكهرباء والوقود. وعليها البدء في حل المليشيات التي ساهمت في عدم استقرار البلاد. ولدى الولايات المتحدة دوراً حيوياً تلعبه للضغط على حلفائها العراقيين زمن الحرب للقبول بذلك. وعلى دول الجوار علاوة على الاتحاد الأوروبي الدفع في اتجاه تحقيق هذا الهدف.
     
  • ثانياً، لا بد من إجراء تغييرات ملموسة على الدستور ما أن تبدأ العملية الدستورية بعد شهر من تولي الحكومة لسلطاتها. ويجب أن يشمل ذلك مراجعة شاملة للبنود الرئيسية المتعلقة بطبيعة الفدرالية وتوزيع الحصص من مبيعات النفط. فالدستور بوضعه الحالي، أصبح وصفة ومسودة لتفكيك البلاد بدل أن يكون الغراء الذي يعزز لحمتها. مجدداً، يتعين على الولايات المتحدة وحلفائها بذل كل جهد لتحقيق هذا الهدف.
     
  • ثالثاً، يجب على المانحين تشجيع بناء المؤسسات غير الطائفية عن طريق تخصيص الأموال للوزارات والمشاريع التي تتمسك بالشمولية والشفافية، والكفاءة التقنية، ومنع الأموال عن المؤسسات المبنية على المحسوبية والكسب غير المشروع.
     
  • رابعاً، في حين يتعين على الولايات المتحدة أن تعلن صراحة عن نيتها سحب جميع قواتها من العراق، فإن أي انسحاب يجب أن يكون تدريجياً يأخذ بعين الاعتبار مدى التقدم في بناء قوات أمن عراقية قادرة على الاعتماد على نفسها وغير طائفية، علاوة على تشجيع عملية سياسية شاملة. ومع أن القوات الأمريكية والمتحالفة هي جزء من المشكلة أكثر مما يمكنها أن تكون جزءاً من الحل، فإنها تمنع الآن –بوجودها وعضلاتها العسكرية - خروج العنف العرقي والطائفي عن السيطرة. وأي تقييم للعواقب التي يمكن توقعها، سواء كانت سلبية أم إيجابية – من انسحاب مبكر للقوات عليه أن يأخذ في الحسبان خطر اندلاع حرب أهلية شاملة.

أخيراً -ومن المؤسف أن يكون هذا ضرورياً- فإن على المجتمع الدولي، بما في ذلك دول الجوار، أن يبدأ بالتخطيط لاحتمالية تقسيم العراق، وذلك بهدف احتواء التداعيات الحتمية لمثل ذلك الحدث على الاستقرار والأمن الإقليميين. وقد كان هذا النوع من الجهود محظوراً، لكن الفشل في الاستعداد لاحتمال كهذا قد يقود إلى المزيد من الكوارث في المستقبل.

عمان/ بغداد/ بروكسل 27 شباط (فبراير) 2006

 

The bomb attack on a sacred Shiite shrine in Samarra on 22 February 2006 and subsequent reprisals against Sunni mosques and killings of Sunni Arabs is only the latest and bloodiest indication that Iraq is teetering on the threshold of wholesale disaster. Over the past year, social and political tensions evident since the removal of the Baathist regime have turned into deep rifts. Iraq’s mosaic of communities has begun to fragment along ethnic, confessional and tribal lines, bringing instability and violence to many areas, especially those with mixed populations. The most urgent of these incipient conflicts is a Sunni-Shiite schism that threatens to tear the country apart. Its most visible manifestation is a dirty war being fought between a small group of insurgents bent on fomenting sectarian strife by killing Shiites and certain government commando units carrying out reprisals against the Sunni Arab community in whose midst the insurgency continues to thrive. Iraqi political actors and the international community must act urgently to prevent a low-intensity conflict from escalating into an all-out civil war that could lead to Iraq’s disintegration and destabilise the entire region.

2005 will be remembered as the year Iraq’s latent sectarianism took wings, permeating the political discourse and precipitating incidents of appalling violence and sectarian “cleansing”. The elections that bracketed the year, in January and December, underscored the newly acquired prominence of religion, perhaps the most significant development since the regime’s ouster. With mosques turned into party headquarters and clerics outfitting themselves as politicians, Iraqis searching for leadership and stability in profoundly uncertain times essentially turned the elections into confessional exercises. Insurgents have exploited the post-war free-for-all; regrettably, their brutal efforts to jumpstart civil war have been met imprudently with ill-tempered acts of revenge.

In the face of growing sectarian violence and rhetoric, institutional restraints have begun to erode. The cautioning, conciliatory words of Grand Ayatollah Ali al-Sistani, the Shiites’ pre-eminent religious leader, increasingly are falling on deaf ears. The secular centre has largely vanished, sucked into the maelstrom of identity politics. U.S. influence, while still extremely significant, is decreasing as hints of eventual troop withdrawal get louder. And neighbouring states, anxious to protect their strategic interests, may forsake their longstanding commitment to Iraq’s territorial integrity if they conclude that its disintegration is inevitable, intervening directly in whatever rump states emerge from the smoking wreckage.

If Iraq falls apart, historians may seek to identify years from now what was the decisive moment. The ratification of the constitution in October 2005, a sectarian document that both marginalised and alienated the Sunni Arab community? The flawed January 2005 elections that handed victory to a Shiite-Kurdish alliance, which drafted the constitution and established a government that countered outrages against Shiites with indiscriminate attacks against Sunnis? Establishment of the Interim Governing Council in July 2003, a body that in its composition prized communal identities over national-political platforms? Or, even earlier, in the nature of the ousted regime and its consistent and brutal suppression of political stirrings in the Shiite and Kurdish communities that it saw as threatening its survival? Most likely it is a combination of all four, as this report argues.

Today, however, the more significant and pressing question is what still can be done to halt Iraq’s downward slide and avert civil war. Late in the day, the U.S. administration seems to have realised that a fully inclusive process – not a rushed one – is the sine qua non for stabilisation. This conversion, while overdue, is nonetheless extremely welcome. Ambassador Zalmay Khalilzad’s intensive efforts since late September 2005 to bring the disaffected Sunni Arab community back into the process have paid off, but only in part. He is now also on record as stating that the U.S. is “not going to invest the resources of the American people to build forces run by people who are sectarian”. Much remains to be done, however, to recalibrate the political process further and move the country on to a path of reconciliation and compromise.

  • First, the winners of the December 2005 elections, the main Shiite and Kurdish lists, must establish a government of genuine national unity in which Sunni Arab leaders are given far more than a token role. That government, in turn, should make every effort to restore a sense of national identity and address Iraqis’ top priorities: personal safety, jobs and reliable access to basic amenities such as electricity and fuel. It should also start disbanding the militias that have contributed to the country’s destabilisation. The U.S. has a critical role to play in pressuring its Iraqi war-time allies to accept such an outcome. States neighbouring Iraq as well as the European Union should push toward the same goal.
     
  • Secondly, substantive changes must be made to the constitution once the constitutional process is reopened one month after the government enters office. These should include a total revision of key articles concerning the nature of federalism and the distribution of proceeds from oil sales. As it stands, this constitution, rather than being the glue that binds the country together, has become both the prescription and blueprint for its dissolution. Again, the U.S. and its allies should exercise every effort to reach that goal.
     
  • Thirdly, donors should promote non-sectarian institution building by allocating funds to ministries and projects that embrace inclusiveness, transparency and technical competence and withholding funds from those that base themselves on cronyism and graft.
     
  • Fourthly, while the U.S. should explicitly state its intention to withdraw all its troops from Iraq, any drawdown should be gradual and take into account progress in standing up self-sustaining, non-sectarian Iraqi security forces as well as in promoting an inclusive political process. Although U.S. and allied troops are more part of the problem than they can ever be part of its solution, for now they are preventing – by their very presence and military muscle – ethnic and sectarian violence from spiralling out of control. Any assessment of the consequences, positive and negative, that can reasonably be anticipated from an early troop withdrawal must take into account the risk of an all-out civil war.
     
  • Finally – and regrettable though it is that this is necessary – the international community, including neighbouring states, should start planning for the contingency that Iraq will fall apart, so as to contain the inevitable fall-out on regional stability and security. Such an effort has been a taboo, but failure to anticipate such a possibility may lead to further disasters in the future.

 

Amman/Baghdad/Brussels, 27 February 2006

العراق: تحقيق الاستقرار في قضاء سنجار المتنازع عليه

لم يتعافَ قضاء سنجار بعد من الخراب الذي أصابه في عام 2014، عندما أخضع تنظيم الدولة الإسلامية سكانه لحملة رعب شرسة. ما يزال آلاف السكان نازحين. ومن أجل إقناعهم بالعودة، ستحتاج الحكومة الاتحادية العراقية وحكومة إقليم كردستان مساعدة السكان المقيمين هناك لتحسين الحوكمة والأمن.

  • Share
  • Save
  • Print
  • Download PDF Full Report

ما الجديد؟ في 15 تشرين الأول/أكتوبر 2020، وقّعت بغداد وأربيل اتفاقاً يهدف إلى تحقيق الاستقرار في قضاء سنجار العراقي من خلال إدارة وهيكلية أمنية جديدتين من شأنهما أن تسمحا بعودة المهجرين. إلا أن الاتفاق لم يُنجز إلا جزئياً. فتركيا تكثف قصفها لحزب العمال الكردستاني والمجموعات المرتبطة به في المنطقة.

ما أهمية ذلك؟ مع مرور الوقت دون التوصل إلى ترتيب عملي لحكم سنجار وتحقيق الأمن فيه، فإن الحوافز بالنسبة لأهل سنجار المهجرين الذين يعيشون في مخيمات بائسة للعودة إلى بيوتهم باتت تتضاءل. وفي هذه الأثناء، فإن تصاعد حدة العنف يخاطر بجر القضاء إلى صراع القوى بين تركيا وإيران.

ما الذي ينبغي فعله؟ ينبغي على بغداد وأربيل تنفيذ أحكام الحوكمة، والأمن وإعادة الإعمار في اتفاق سنجار في أقرب وقت ممكن. وينبغي أن تعالجا إخفاقهما، عند التوصل إلى الاتفاق، في تأمين مشاركة وموافقة المجموعات العراقية المسلحة الفاعلة على الأرض من خلال استشارتها واستشارة ممثلي المجتمع المدني السنجاري حول كيفية إنجاح الاتفاق.

بعد نحو سبع سنوات من تمكّن تحالف غير وثيق مكوَّن من مجموعات مسلحة وقوات من إقليم كردستان وبغطاء جوي أميركي من إخراج تنظيم الدولة الإسلامية من سنجار، فإن الوضع هناك ما يزال متوتراً. سنجار، الذي كان في وقت من الأوقات قضاءً هادئاً في الزاوية الشمالية الغربية البعيدة من العراق، بات يصارع، مع افتقار إدارته المحلية للشرعية، وإخفاق خدماته العامة في تلبية التوقعات وتوقف عملية إعادة الإعمار فيه. ثمة مجموعة متفرقة من الجماعات المسلحة تبقي المنطقة غير آمنة، وهو الوضع الذي يترك 70 بالمئة من سكانه في حالة نزوح. وتنتشر الأغلبية العرقية – الدينية الإيزيدية، التي استُهدفت في هجوم أقرب إلى الإبادة الجماعية شنه تنظيم الدولة الإسلامية عليها في عام 2014، في سائر أنحاء الشمال الغربي (وفي المنفى) وتعاني من الانقسام السياسي. في عام 2020، توصلت الحكومة الاتحادية العراقية وحكومة إقليم كردستان إلى اتفاق لتحقيق الاستقرار في سنجار، لكن المتابعة تباطأت، وهددت الصدامات التي جرت في أيار/مايو بين الجيش وإحدى الميليشيات المحلية إلى تقويضه بشكل كامل. سيتعين على أطراف الاتفاق العمل مع سكان سنجار لتعزيز الدعم للاتفاق والإشراف على تنفيذه، بشكل يسمح بعودة المهجرين.

حتى قبل وصول تنظيم الدولة الإسلامية في عام 2014، كان قضاء سنجار رهينة مواجهة بين الحكومة الاتحادية في بغداد وحكومة إقليم كردستان في أربيل بسبب وضع الإقليم كمنطقة متنازع عليها (أي منطقة تدعي كلا الحكومتان السلطة عليها). ينص الدستور العراقي لعام 2005 على عملية مصممة لتسوية الادعاءات المزدوجة بالحق بالمناطق المتنازع عليها. إلا أن حكومة كردستان، وخصوصاً المكوّن الأكثر قوة فيها وهو الحزب الديمقراطي الكردستاني، سعت منذ وقت طويل إلى السيطرة على المناطق المتنازع عليها، بما في ذلك سنجار، كمقدمة لضمها إلى إقليم كردستان. ودخل مقاتلو الحزب الديمقراطي الكردستاني وقوات البشمركة التابعة له إلى سنجار في عام 2003، واستمالوا ووظفوا النخب المحلية لأداء مهام الحوكمة الروتينية. إلا أن الحزب لم يحقق شعبية تذكر هناك. وبوجه خاص، عامل الإيزيديين بوصفهم أكراداً، وبذلك حرمهم فعلياً من الهوية المميزة للجماعة وزرع بذور الاستياء في أوساطهم.

حوَّل هجوم تنظيم الدولة الإسلامية على الإيزيديين في آب/أغسطس 2014، سنجار إلى بؤرة تجمّع لطيف واسع من الجماعات المسلحة. وتمثلت إحدى هذه الجماعات في حزب العمال الكردستاني – وهو مجموعة كردية متمردة تصنفها تركيا (وكذلك الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي) تنظيماً إرهابياً. كان حزب العمال الكردستاني قد بحث عن مكان آمن في شمال العراق، رغم أن وجوده كان يقتصر بشكل عام على جبال قنديل قبل عام 2014 ومنطقة من قضاء مخمور حيث يقع مخيم للاجئين الأكراد من تركيا. لكن عندما سحب الحزب الديمقراطي الكردستاني قوات البشمركة التابعة له عندما شن مقاتلو تنظيم الدولة الإسلامية هجوماً على المنطقة، تدخلت جماعات تابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني بغطاء جوي أميركي – وتمكنت من إنقاذ الناجين وصد تنظيم الدولة الإسلامية تدريجياً. ثم، في أواخر عام 2015، أرسلت الولايات المتحدة مرة أخرى طائراتها الحربية لمساعدة خليط من الجماعات المرتبطة بحزب العمال الكردستاني (وحدات حماية الشعب السورية، ووحدات مقاومة سنجار التي أسست حديثاً) والبشمركة التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني على طرد تنظيم الدولة الإسلامية بشكل كامل. وعلى مدى العامين التاليين، ظل إقليم سنجار بشكل عام تحت سيطرة الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي هيمن على الشمال الشرقي وأيضاً على بلدة سنجار، وحزب العمال الكردستاني، الذي تركز وجوده في جبل سنجار والشمال الغربي.

في عام 2017، تغير الوضع في شمال العراق مرة أخرى، حيث أعاد تصعيد الحملة المناهضة لتنظيم الدولة الإسلامية بدعم من الولايات المتحدة القوات الاتحادية العراقية إلى الشمال، وانضمت إليها مجموعات الحشد الشعبي شبه العسكرية التي تتكون بشكل رئيسي من عراقيين من أجزاء أخرى من البلاد. فتمت استعادة الموصل، آخر مدينة كانت واقعة تحت سيطرة الدولة الإسلامية. ثم مضى الحشد أبعد من ذلك. فبعد أن أحدث استفتاء على الاستقلال نظمته حكومة إقليم كردستان رد فعل عكسي، تم إخراج الحزب الديمقراطي الكردستاني من سنجار والاكتفاء بتعاون مضطرب مع مكونات الحزب وفروعه والمجموعات المرتبطة به المقيمة هناك.

تتسم ترتيبات الحوكمة الناجمة عن ذلك بالعشوائية وانعدام الفعالية. إذ يتمتع الحزب الديمقراطي الكردستاني بتفويض رسمي لحكم سنجار، لكنه يمارس هذا التفويض من خارج القضاء، وحتى من خارج محافظة نينوى التي تقع فيها سنجار، أي من محافظة دهوك المجاورة. داخل سنجار، عيّن الحشد قائم مقام بديل ومدراء نواحٍ دون مباركة الحكومة الاتحادية، في حين أنشأت وحدات حماية الشعب، التي تتكون غالباً من إيزيديين عراقيين إضافة إلى عدد قليل من العرب الذين حملوا السلاح ضد تنظيم الدولة الإسلامية، ذراعاً حاكماً – "الإدارة الذاتية في سنجار" – تسعى لأداء بعض الوظائف البيروقراطية، لكنها تفتقر إلى السلطة والقدرة على أدائها.

في هذه الأثناء، وبسبب المجموعات المسلحة التي يستضيفها قضاء سنجار فإن القضاء يجد نفسه على نحو متزايد في وسط المواجهة بين تركيا وإيران. إيران تدعم الحشد، في حين أن تركيا تسعى إلى القضاء على حزب العمال الكردستاني الذي ترى فيه تهديداً لأمنها القومي. عندما انسحب مقاتلو الحزب الديمقراطي الكردستاني في عام 2017، فقدت تركيا – التي تتعاون مع الحزب الديمقراطي الكردستاني في محاربة حزب العمال الكردستاني – فقدت شريكها الرئيسي على الأرض في سنجار. وهكذا صعدت الضربات الجوية التي كانت تشنها أصلاً على مخابئ حزب العمال الكردستاني في شمال العراق، وضربت قواعد لوحدات حماية الشعب تستضيف كوادر من حزب العمال الكردستاني في سنجار أيضاً. من وجهة نظر تركيا، فإن القادة الكبار في وحدات حماية الشعب هم أنفسهم أعضاء في حزب العمال الكردستاني. وقد أصبحت هذه الهجمات سمة منتظمة لبيئة أمنية هشة أصلاً. وقد أوجد الحشد وحزب العمال الكردستاني (مع المجموعات التابعة له) أرضية مشتركة في مواجهة تركيا والحزب الديمقراطي الكردستاني – الحشد لأنه يسعى إلى الحصول على موطئ قدم أكثر ثباتاً في الشمال، فإنه يعد الوجود العسكري التركي هناك احتلالاً ويرفض ادعاء الحزب الديمقراطي الكردستاني بحقه في سنجار، وحزب العمال الكردستاني لأنه يسعى إلى العثور على ملاذ آمن في شمال العراق.

وسعياً من الأمم المتحدة إلى وضع القضاء على مسار أفضل، فإنها توسطت في التوصل إلى اتفاق في تشرين الأول/أكتوبر 2020 بين بغداد وأربيل يهدف إلى ملء الفراغ الأمني والإداري في مرحلة ما بعد وجود تنظيم الدولة الإسلامية من خلال الجمع بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان معاً في إدارة سنجار، وتحت السلطة الكلية لبغداد. لكن حتى الآن دخلت أجزاء فقط من الاتفاق حيز التنفيذ، بالنظر إلى أنه أخفق في أن يأخذ بالحسبان المناظير المختلفة للجهات الفاعلة المسيطرة على الأرض – أي وحدات حماية الشعب ومجموعات الحشد المختلفة. وحدات حماية الشعب، بما في ذلك الإدارة الذاتية لسنجار، ترفض الاتفاق، الذي لا يكتفي بعدم ذكر دورها في القضاء، بل يحظر وجودها بشكل كامل. وفي حين أن الحشد، الذي يخضع رسمياً لسلطة رئيس الوزراء العراقي، طرف منفذ للاتفاق، فإن الكثير من المجموعات الشيعية التي تكوّن النواة الصلبة للحشد تنظر إلى الحكومة على أنها منحازة ضدها في السعي إلى نقل المسؤوليات الأمنية إلى القوات النظامية الخاضعة لوزارتي الدفاع والداخلية. اتضحت الطبيعة العاجلة لتسريع التنفيذ الكامل للاتفاق في أيار/مايو، عندما اندلعت اشتباكات بين الجيش ووحدات حماية الشعب في إحدى النواحي التابعة لقضاء سنجار. وفي حين أن مثل تلك المواجهات تبدو متقطعة، فإنها تكشف عن تحدٍ لم تتم معالجته، والمتمثل في مصير وحدات حماية الشعب، التي وإن كانت مرتبطة بمجموعة خارجية فإن حزب العمال الكردستاني يتكون أفراده هو نفسه من سنجاريين، أي مواطنين عراقيين لديهم هواجس محلية مشروعة. وهكذا، فإن هذا الملف يستحق معالجة حساسة، وليس إلى لجوء الجيش إلى استخدام المطرقة في كل مكان يرى فيها مسماراً أعوج.

ومن أجل معالجة التأخير الخطير في إنفاذ اتفاق سنجار فعلياً، ينبغي على بغداد وأربيل العمل باتجاه درجة أكبر من قبول الاتفاق من قبل طيف واسع من الجماعات المسلحة المحلية وممثلي المجتمعات المعنية. فيما يتعلق بالجانب المدني، ينبغي على الحكومة أن تعين مكلفاً بأعمال القائم مقام حالياً، وإجراء مشاورات وثيقة مع سلطات أربيل وقادة المجتمع المحلي في سنجار لتعيين شخص إيزيدي مناسب وغير منحاز سياسياً من سنجار. على الجبهة الأمنية، ينبغي على الحكومة الاتحادية الابتعاد عن مقاربتها القتالية، والانخراط في حوار مباشر مع وحدات حماية الشعب بشأن تحديات مثل إنشاء قوة شرطة محلية والسعي إلى إدماج مقاتليها (وأعضاء المجموعات المسلحة الأخرى) في قوات الدولة. ويمكن لبعثة الأمم المتحدة للمساعدة في العراق أن تساعد في إنجاح هذه الإجراءات من خلال إرسال مراقبين مدنيين دوليين ومستشارين تقنيين للإشراف على العملية.

بغداد/بروكسل، 31 أيار/مايو 2022

Subscribe to Crisis Group’s Email Updates

Receive the best source of conflict analysis right in your inbox.