Report 30 / Middle East & North Africa

إعادة إعمار العراق

  • Share
  • Save
  • Print
  • Download PDF Full Report

في غمرة عدم الاستقرار السياسي، فقد تم اعتبار والنظر إلى قضايا العراق الاقتصادية وكأنها مسائل ثانوية وليست ذات علاقة. ولكنها ليست كذلك. إن المؤسسات الأمريكية والعراقية قد خسرت بشكل منهجي بينما اكتسب التمرد زخماً، في الوقت الذي فشلت فيه الأحوال المعيشية في التحسن. إن المعاناة الاقتصادية والعنف (السياسي والإجرامي) يتغذيان على بعضهما البعض: إن الاستياء الشعبي المتصاعد والبطالة المتزايدة يدعمان صفوف المتمردين، كما أن التمرد المتنامي يزيد من إعاقة التنمية والتطور. وبدون إعادة بناء حقيقية وخطة إعمار مستدامة، فإن أي نجاح سياسي سيكون قصير الأمد. بيد أن أداء سلطة التحالف المؤقتة (CPA) نفسه كان بعيداً جداً عن الاستجابة للتوقعات والاحتياجات، وقد ترك وراءه سجلاً هشاً ومختلاً لمن خلفه للبناء عليه. وليس بوسع الحكومة العراقية الانتقالية التي سيتم انتخابها في وقت لاحق والمجتمع الدولي أن يتحملا تكرار أخطائها.

لقد كان لانعدام الأمن أهميته، وسوف يستمر في إعاقة النشاط الاقتصادي. لقد أعاقت عمليات الاختطاف والقتل والاغتيال والقيود على السفر إعادة البناء والاستثمار وأجبرت العديدين من غير العراقيين على الانسحاب. إن الهجمات التي يتم شنها على مرافق النفط قد زادت من تعطيل الاقتصاد. كما إن تقييم الأمور التي كانت تسير بشكل خاطئ يجب أن يدرك أيضاً المصاعب الكامنة في إعادة إعمار بلد واقتصاد دمّره سوء حكم البعث والحرب والعقوبات.

بيد أن العقبات لم تكن ذات طبيعة أمنية فقط أو كانت تعود بكاملها للتركة التي خلفها البعثيون. إن سلطة التحالف المؤقتة قد جعلت من العمل الصعب ما هو أكثر صعوبة. لقد جاءت قوات الاحتلال في الغالب دون أن تكون لديها خطة. وقد عارض العراقيون بسرعة وبشدة خطط سلطة التحالف المؤقتة لإعادة بناء الاقتصاد العراقي من أساسه، لأنهم كانوا يرغبون في تطبيق استراتيجيتهم البعيدة الأمد: لقد عمدت سلطة التحالف المؤقتة إلى تغيير سياستها وبدأت تتخذ قرارات مؤقتة، تاركة دون حل القضايا السياسية الجوهرية، خشية إثارة نقمة أشد. لذلك، فقد كانت ترتكز أصلاً على الخصخصة الواسعة النطاق، ولكن في مواجهة العدائية العراقية، فإنها لم تتمكن من تحقيق الهدف أو التخلي عنه. ونتيجة لذلك، فقد فشلت في رسم منهج جديد ربما كان سينعش شركات الدولة الضعيفة لكي يتم استخدامها في إيجاد وظائف مؤقتة للعاطلين عن العمل.

إن التحول الذي حدث في 15 تشرين ثاني 2003 والذي عمل على الإسراع في نقل السيادة، قد جعل المسؤولين يعدّلون الخطط على نحو مفاجئ والتركيز على المشاريع التي كان باستطاعتهم إنجازها دون اعتبار لكيفية ملاءمتها لاستراتيجية إعادة بناء شامل، أو ما إذا كانت تعالج الاحتياجات المباشرة للعراقيين. كما أن الشجار البيروقراطي الأمريكي العنيف والانقلاب الكبير في الموظفين وعدم الخبرة قد زاد من العقبات. إن عدم كفاية الشفافية والمساءلة في العملية الموجزة، بالإضافة إلى الفساد الحقيقي أو المزعوم قد عملت جميعها على تغذية عدم الثقة والارتياب في كل من سلطات الاحتلال والمؤسسات العراقية.

إن الغاية من إحصاء العيوب وحالات الضعف هي التعلم منها. إن حكومة انتقالية، ذات سيادة، وفي نهاية الأمر حكومة منتخبة، قد تكون في موقع أفضل لتصحيح العثرات والخطوات الخاطئة؛ كما أن مؤسسات أكثر شرعية قد تكون قادرة بشكل أفضل على معالجة الاحتياجات اليومية. ولكن، حتى لو كانت العملية سلسة ويُنظر إليها من قبل العراقيين بأنها جديرة بالثقة –فإن كلمة "إذا أو لو" الجديرة بالاعتبار- سوف تكون إجابة جزئية. إن العديد من القضايا التي كانت تزعج وتربك سلطة التحالف المؤقتة لا تزال باقية. فالحكومة الانتقالية، على سبيل المثال، ستكون مترددة في إجراء تغييرات اقتصادية واسعة، خشية اتهامها بابتزاز المزايا الممنوحة لحكومة منتخبة.

إن السابقة التي حدثت في لبنان تبين أن توزيع السلطات والمناصب عبر خطوط عرقية/طائفية يجازف بالتشجيع على توزيع مواز للوظائف والموارد العامة. كما أن سلطات الاحتلال لم تتوارى في الواقع: إن الولايات المتحدة تظل قوية، وبشكل أكثر أهمية، تتحكم في معظم أموال إعادة البناء.

سيكون التحدي الأساسي للحكومة الانتقالية متمثلاً في رسم استراتيجية متماسكة لإعادة البناء تركز على إجراء تحسن جوهري مباشر وتضع مرحلة إعادة البناء السليم والطويل الأمد، في الوقت الذي تتجنب فيه أزمة اجتماعية – اقتصادية وما يصاحبها من تعقيدات سياسية. وهذا يعني حماية وخلق الوظائف لمساهمة عراقية أوسع بكثير –بما في ذلك المجتمع المدني والمجالس المحلية ونقابات وجمعيات العمال- على المستوى المحلي؛ والخطوات الهيكلية (كتطبيق اللامركزية ووسائل إعلامية ونظام قضائي أكثر قوة واستقلالية) لمكافحة الفساد.

هناك حاجة كاملة وسريعة لتقديم المساعدة من المجتمع الدولي. إن الإعانة المتزايدة لن تكون كافية؛ كما يجب على المؤسسات التي تقدم المساعدة، وعلى الخصوص تلك التي تقوم بتنفيذ مشاريع إعادة البناء نيابة عن الحكومة الأمريكية، أن تقوم بدراسة أسلوبها. إن المساعدة المخططة في الخارج والمدفوعة بالمشاريع لا تشكل الإجابة. وبدلاً من ذلك، يجب على المجتمع الدولي أن يعمل على المؤسسات العراقية لرسم خطة تنمية اقتصادية شاملة تسعى إلى إشراك المواطنين وتشدد على اللامركزية واستحداث الوظائف وتخفيف المكابدة والمعاناة الاجتماعية – الاقتصادية، بحيث تشمل شفافية قوية وعنصر مكافحة الفساد.

إن منح العراق فرصة حقيقية لاسترداد عافيته يتطلب أيضاً انفصالاً واضحاً عن التركة المالية التي خلفها النظام البعثي- ليس رفضاً كاملاً وتاماً، ولكن شطباً هاماً للديون والتزامات التعويضات الناجمة عن الحرب، وذلك من خلال دمج ذكي وبارع لقرارات تأجيل سداد الديون وتخفيض الديون والمعاملة التفضيلية للدائنين في مشاريع إعادة البناء.

عمان/ بغداد/ بروكسل 2 أيلول 2004

Executive Summary

Amid political instability and violence, Iraq's economic problems have been viewed as secondary and unrelated. They are not. U.S. and Iraqi institutions have systematically lost and the insurgency gained momentum as living conditions failed to improve. Economic hardship and violence (political and criminal) feed on each other: heightened popular dissatisfaction and unemployment swell insurgent ranks and the growing insurgency further hampers development. Without genuine reconstruction and a sustained recovery plan, any political success will be short-lived. Coalition Provisional Authority (CPA) performance fell far short of expectations and needs and offers a fragile, dysfunctional legacy on which to build. The Interim Iraqi Government, its still-to-come elected successor, and the international community can ill afford to repeat its mistakes.

Lack of security has been important and will continue to hinder economic activity. Kidnappings, assassinations and travel restrictions discouraged reconstruction and investment and led many non-Iraqis to withdraw. Attacks on oil facilities further disrupted the economy. Assessments of what went wrong also must recognise the difficulties of rebuilding an economy ravaged by Baathist misrule, war, and sanctions.

But obstacles have not been of a security nature alone or wholly due to the Baathist legacy. The CPA made a hard job harder. For the most part, the occupation forces came without a plan. What strategy they had benefited from little if any Iraqi input, was heavily shaped by ideology and repeatedly subject to Washington's political deadlines. CPA plans for complete economic overhaul quickly encountered stiff opposition by Iraqis intent on their own long-term strategy; shifting course, the CPA took ad hoc decisions, leaving unresolved crucial policy questions for fear of triggering even greater discontent. Thus, it was originally fixated on large-scale privatisation but, facing Iraqi hostility, neither privatised nor relinquished the objective. As a result, it failed to devise an alternative approach that might have revived ailing state companies so they could be used to find temporary jobs for the unemployed.

The 15 November 2003 turnaround accelerating the transfer of sovereignty led officials to readjust plans abruptly and emphasise projects they could complete, without regard to how they fitted an overall reconstruction strategy or whether they addressed Iraqis' immediate needs. U.S. bureaucratic infighting and high staff turnover and inexperience added to the obstacles. Inadequate transparency and accountability in the contracting process combined with real or alleged corruption has fed distrust of both occupation authorities and Iraqi institutions.

The point of listing failings is to learn from them. A sovereign Interim Government and eventually an elected one may be better positioned to correct missteps; more legitimate institutions may be better able to address everyday needs. But even if the process is smooth and viewed as credible by Iraqis -- a considerable "if" -- this will be a partial answer. Many issues that vexed the CPA remain. The Interim Government, for example, will be reluctant to make broad economic changes lest it be accused of usurping an elected government's prerogatives. As Lebanon's precedent shows, allocating power and positions along ethnic/sectarian lines risks encouraging a parallel apportionment of public jobs and resources, with corruption and malfeasance as by-products. Nor have the occupation authorities truly disappeared: the U.S. remains powerful and, importantly, controls most reconstruction funds.

The Interim Government's fundamental challenge will be to devise a coherent reconstruction strategy that focuses on immediate material improvement and sets the stage for longer-term sound rebuilding while avoiding a socio-economic crisis and its attendant political implications. This means protecting and creating jobs; far greater involvement by Iraqis -- including civil society, local councils, trade unions and associations -- at the local level; and structural steps (such as decentralisation, and a strengthened, independent media and judiciary) to curtail corruption.

The international community's full and swift help is needed. Increased assistance will not suffice; aid institutions, particularly those carrying out reconstruction projects on behalf of the U.S. government, should reconsider their approach. Project-driven, externally designed aid is not the answer. Instead, the international community should work with Iraqi institutions to design a comprehensive economic development plan that seeks citizen input, emphasises decentralisation, job creation and alleviation of socio-economic distress, and includes a powerful transparency and anti-corruption component.

Giving Iraq a real chance to recover also requires a clean break with the financial legacy of the Baathist regime -- not full and total repudiation, but a significant write-off of debt and war reparations obligations through a smart combination of moratoriums, debt reduction, and preferential treatment of creditors in reconstruction projects.

Amman/Baghdad/Brussels, 2 September 2004

العراق: تحقيق الاستقرار في قضاء سنجار المتنازع عليه

لم يتعافَ قضاء سنجار بعد من الخراب الذي أصابه في عام 2014، عندما أخضع تنظيم الدولة الإسلامية سكانه لحملة رعب شرسة. ما يزال آلاف السكان نازحين. ومن أجل إقناعهم بالعودة، ستحتاج الحكومة الاتحادية العراقية وحكومة إقليم كردستان مساعدة السكان المقيمين هناك لتحسين الحوكمة والأمن.

  • Share
  • Save
  • Print
  • Download PDF Full Report

ما الجديد؟ في 15 تشرين الأول/أكتوبر 2020، وقّعت بغداد وأربيل اتفاقاً يهدف إلى تحقيق الاستقرار في قضاء سنجار العراقي من خلال إدارة وهيكلية أمنية جديدتين من شأنهما أن تسمحا بعودة المهجرين. إلا أن الاتفاق لم يُنجز إلا جزئياً. فتركيا تكثف قصفها لحزب العمال الكردستاني والمجموعات المرتبطة به في المنطقة.

ما أهمية ذلك؟ مع مرور الوقت دون التوصل إلى ترتيب عملي لحكم سنجار وتحقيق الأمن فيه، فإن الحوافز بالنسبة لأهل سنجار المهجرين الذين يعيشون في مخيمات بائسة للعودة إلى بيوتهم باتت تتضاءل. وفي هذه الأثناء، فإن تصاعد حدة العنف يخاطر بجر القضاء إلى صراع القوى بين تركيا وإيران.

ما الذي ينبغي فعله؟ ينبغي على بغداد وأربيل تنفيذ أحكام الحوكمة، والأمن وإعادة الإعمار في اتفاق سنجار في أقرب وقت ممكن. وينبغي أن تعالجا إخفاقهما، عند التوصل إلى الاتفاق، في تأمين مشاركة وموافقة المجموعات العراقية المسلحة الفاعلة على الأرض من خلال استشارتها واستشارة ممثلي المجتمع المدني السنجاري حول كيفية إنجاح الاتفاق.

الملخص التنفيذي

بعد نحو سبع سنوات من تمكّن تحالف غير وثيق مكوَّن من مجموعات مسلحة وقوات من إقليم كردستان وبغطاء جوي أميركي من إخراج تنظيم الدولة الإسلامية من سنجار، فإن الوضع هناك ما يزال متوتراً. سنجار، الذي كان في وقت من الأوقات قضاءً هادئاً في الزاوية الشمالية الغربية البعيدة من العراق، بات يصارع، مع افتقار إدارته المحلية للشرعية، وإخفاق خدماته العامة في تلبية التوقعات وتوقف عملية إعادة الإعمار فيه. ثمة مجموعة متفرقة من الجماعات المسلحة تبقي المنطقة غير آمنة، وهو الوضع الذي يترك 70 بالمئة من سكانه في حالة نزوح. وتنتشر الأغلبية العرقية – الدينية الإيزيدية، التي استُهدفت في هجوم أقرب إلى الإبادة الجماعية شنه تنظيم الدولة الإسلامية عليها في عام 2014، في سائر أنحاء الشمال الغربي (وفي المنفى) وتعاني من الانقسام السياسي. في عام 2020، توصلت الحكومة الاتحادية العراقية وحكومة إقليم كردستان إلى اتفاق لتحقيق الاستقرار في سنجار، لكن المتابعة تباطأت، وهددت الصدامات التي جرت في أيار/مايو بين الجيش وإحدى الميليشيات المحلية إلى تقويضه بشكل كامل. سيتعين على أطراف الاتفاق العمل مع سكان سنجار لتعزيز الدعم للاتفاق والإشراف على تنفيذه، بشكل يسمح بعودة المهجرين.

حتى قبل وصول تنظيم الدولة الإسلامية في عام 2014، كان قضاء سنجار رهينة مواجهة بين الحكومة الاتحادية في بغداد وحكومة إقليم كردستان في أربيل بسبب وضع الإقليم كمنطقة متنازع عليها (أي منطقة تدعي كلا الحكومتان السلطة عليها). ينص الدستور العراقي لعام 2005 على عملية مصممة لتسوية الادعاءات المزدوجة بالحق بالمناطق المتنازع عليها. إلا أن حكومة كردستان، وخصوصاً المكوّن الأكثر قوة فيها وهو الحزب الديمقراطي الكردستاني، سعت منذ وقت طويل إلى السيطرة على المناطق المتنازع عليها، بما في ذلك سنجار، كمقدمة لضمها إلى إقليم كردستان. ودخل مقاتلو الحزب الديمقراطي الكردستاني وقوات البشمركة التابعة له إلى سنجار في عام 2003، واستمالوا ووظفوا النخب المحلية لأداء مهام الحوكمة الروتينية. إلا أن الحزب لم يحقق شعبية تذكر هناك. وبوجه خاص، عامل الإيزيديين بوصفهم أكراداً، وبذلك حرمهم فعلياً من الهوية المميزة للجماعة وزرع بذور الاستياء في أوساطهم.

حوَّل هجوم تنظيم الدولة الإسلامية على الإيزيديين في آب/أغسطس 2014، سنجار إلى بؤرة تجمّع لطيف واسع من الجماعات المسلحة. وتمثلت إحدى هذه الجماعات في حزب العمال الكردستاني – وهو مجموعة كردية متمردة تصنفها تركيا (وكذلك الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي) تنظيماً إرهابياً. كان حزب العمال الكردستاني قد بحث عن مكان آمن في شمال العراق، رغم أن وجوده كان يقتصر بشكل عام على جبال قنديل قبل عام 2014 ومنطقة من قضاء مخمور حيث يقع مخيم للاجئين الأكراد من تركيا. لكن عندما سحب الحزب الديمقراطي الكردستاني قوات البشمركة التابعة له عندما شن مقاتلو تنظيم الدولة الإسلامية هجوماً على المنطقة، تدخلت جماعات تابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني بغطاء جوي أميركي – وتمكنت من إنقاذ الناجين وصد تنظيم الدولة الإسلامية تدريجياً. ثم، في أواخر عام 2015، أرسلت الولايات المتحدة مرة أخرى طائراتها الحربية لمساعدة خليط من الجماعات المرتبطة بحزب العمال الكردستاني (وحدات حماية الشعب السورية، ووحدات مقاومة سنجار التي أسست حديثاً) والبشمركة التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني على طرد تنظيم الدولة الإسلامية بشكل كامل. وعلى مدى العامين التاليين، ظل إقليم سنجار بشكل عام تحت سيطرة الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي هيمن على الشمال الشرقي وأيضاً على بلدة سنجار، وحزب العمال الكردستاني، الذي تركز وجوده في جبل سنجار والشمال الغربي.

في عام 2017، تغير الوضع في شمال العراق مرة أخرى، حيث أعاد تصعيد الحملة المناهضة لتنظيم الدولة الإسلامية بدعم من الولايات المتحدة القوات الاتحادية العراقية إلى الشمال، وانضمت إليها مجموعات الحشد الشعبي شبه العسكرية التي تتكون بشكل رئيسي من عراقيين من أجزاء أخرى من البلاد. فتمت استعادة الموصل، آخر مدينة كانت واقعة تحت سيطرة الدولة الإسلامية. ثم مضى الحشد أبعد من ذلك. فبعد أن أحدث استفتاء على الاستقلال نظمته حكومة إقليم كردستان رد فعل عكسي، تم إخراج الحزب الديمقراطي الكردستاني من سنجار والاكتفاء بتعاون مضطرب مع مكونات الحزب وفروعه والمجموعات المرتبطة به المقيمة هناك.

تتسم ترتيبات الحوكمة الناجمة عن ذلك بالعشوائية وانعدام الفعالية. إذ يتمتع الحزب الديمقراطي الكردستاني بتفويض رسمي لحكم سنجار، لكنه يمارس هذا التفويض من خارج القضاء، وحتى من خارج محافظة نينوى التي تقع فيها سنجار، أي من محافظة دهوك المجاورة. داخل سنجار، عيّن الحشد قائم مقام بديل ومدراء نواحٍ دون مباركة الحكومة الاتحادية، في حين أنشأت وحدات حماية الشعب، التي تتكون غالباً من إيزيديين عراقيين إضافة إلى عدد قليل من العرب الذين حملوا السلاح ضد تنظيم الدولة الإسلامية، ذراعاً حاكماً – "الإدارة الذاتية في سنجار" – تسعى لأداء بعض الوظائف البيروقراطية، لكنها تفتقر إلى السلطة والقدرة على أدائها.

في هذه الأثناء، وبسبب المجموعات المسلحة التي يستضيفها قضاء سنجار فإن القضاء يجد نفسه على نحو متزايد في وسط المواجهة بين تركيا وإيران. إيران تدعم الحشد، في حين أن تركيا تسعى إلى القضاء على حزب العمال الكردستاني الذي ترى فيه تهديداً لأمنها القومي. عندما انسحب مقاتلو الحزب الديمقراطي الكردستاني في عام 2017، فقدت تركيا – التي تتعاون مع الحزب الديمقراطي الكردستاني في محاربة حزب العمال الكردستاني – فقدت شريكها الرئيسي على الأرض في سنجار. وهكذا صعدت الضربات الجوية التي كانت تشنها أصلاً على مخابئ حزب العمال الكردستاني في شمال العراق، وضربت قواعد لوحدات حماية الشعب تستضيف كوادر من حزب العمال الكردستاني في سنجار أيضاً. من وجهة نظر تركيا، فإن القادة الكبار في وحدات حماية الشعب هم أنفسهم أعضاء في حزب العمال الكردستاني. وقد أصبحت هذه الهجمات سمة منتظمة لبيئة أمنية هشة أصلاً. وقد أوجد الحشد وحزب العمال الكردستاني (مع المجموعات التابعة له) أرضية مشتركة في مواجهة تركيا والحزب الديمقراطي الكردستاني – الحشد لأنه يسعى إلى الحصول على موطئ قدم أكثر ثباتاً في الشمال، فإنه يعد الوجود العسكري التركي هناك احتلالاً ويرفض ادعاء الحزب الديمقراطي الكردستاني بحقه في سنجار، وحزب العمال الكردستاني لأنه يسعى إلى العثور على ملاذ آمن في شمال العراق.

وسعياً من الأمم المتحدة إلى وضع القضاء على مسار أفضل، فإنها توسطت في التوصل إلى اتفاق في تشرين الأول/أكتوبر 2020 بين بغداد وأربيل يهدف إلى ملء الفراغ الأمني والإداري في مرحلة ما بعد وجود تنظيم الدولة الإسلامية من خلال الجمع بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان معاً في إدارة سنجار، وتحت السلطة الكلية لبغداد. لكن حتى الآن دخلت أجزاء فقط من الاتفاق حيز التنفيذ، بالنظر إلى أنه أخفق في أن يأخذ بالحسبان المناظير المختلفة للجهات الفاعلة المسيطرة على الأرض – أي وحدات حماية الشعب ومجموعات الحشد المختلفة. وحدات حماية الشعب، بما في ذلك الإدارة الذاتية لسنجار، ترفض الاتفاق، الذي لا يكتفي بعدم ذكر دورها في القضاء، بل يحظر وجودها بشكل كامل. وفي حين أن الحشد، الذي يخضع رسمياً لسلطة رئيس الوزراء العراقي، طرف منفذ للاتفاق، فإن الكثير من المجموعات الشيعية التي تكوّن النواة الصلبة للحشد تنظر إلى الحكومة على أنها منحازة ضدها في السعي إلى نقل المسؤوليات الأمنية إلى القوات النظامية الخاضعة لوزارتي الدفاع والداخلية. اتضحت الطبيعة العاجلة لتسريع التنفيذ الكامل للاتفاق في أيار/مايو، عندما اندلعت اشتباكات بين الجيش ووحدات حماية الشعب في إحدى النواحي التابعة لقضاء سنجار. وفي حين أن مثل تلك المواجهات تبدو متقطعة، فإنها تكشف عن تحدٍ لم تتم معالجته، والمتمثل في مصير وحدات حماية الشعب، التي وإن كانت مرتبطة بمجموعة خارجية فإن حزب العمال الكردستاني يتكون أفراده هو نفسه من سنجاريين، أي مواطنين عراقيين لديهم هواجس محلية مشروعة. وهكذا، فإن هذا الملف يستحق معالجة حساسة، وليس إلى لجوء الجيش إلى استخدام المطرقة في كل مكان يرى فيها مسماراً أعوج.

ومن أجل معالجة التأخير الخطير في إنفاذ اتفاق سنجار فعلياً، ينبغي على بغداد وأربيل العمل باتجاه درجة أكبر من قبول الاتفاق من قبل طيف واسع من الجماعات المسلحة المحلية وممثلي المجتمعات المعنية. فيما يتعلق بالجانب المدني، ينبغي على الحكومة أن تعين مكلفاً بأعمال القائم مقام حالياً، وإجراء مشاورات وثيقة مع سلطات أربيل وقادة المجتمع المحلي في سنجار لتعيين شخص إيزيدي مناسب وغير منحاز سياسياً من سنجار. على الجبهة الأمنية، ينبغي على الحكومة الاتحادية الابتعاد عن مقاربتها القتالية، والانخراط في حوار مباشر مع وحدات حماية الشعب بشأن تحديات مثل إنشاء قوة شرطة محلية والسعي إلى إدماج مقاتليها (وأعضاء المجموعات المسلحة الأخرى) في قوات الدولة. ويمكن لبعثة الأمم المتحدة للمساعدة في العراق أن تساعد في إنجاح هذه الإجراءات من خلال إرسال مراقبين مدنيين دوليين ومستشارين تقنيين للإشراف على العملية.

بغداد/بروكسل، 31 أيار/مايو 2022

Subscribe to Crisis Group’s Email Updates

Receive the best source of conflict analysis right in your inbox.