ما الذي كسبه الأكراد من الاستفتاء؟
ما الذي كسبه الأكراد من الاستفتاء؟
How to Mitigate the Risks of Iraqi Kurdistan's Referendum
How to Mitigate the Risks of Iraqi Kurdistan's Referendum

ما الذي كسبه الأكراد من الاستفتاء؟

"كي تنشأ الدولة، ينبغي لحق شعب بتقرير المصير ورغبته بممارسة هذا الحق أن يكونا مصحوبين بالقدر نفسه من إمكانية إنجاز ذلك الحق.""كي تنشأ الدولة، ينبغي لحق شعب بتقرير المصير ورغبته بممارسة هذا الحق أن يكونا مصحوبين بالقدر نفسه من إمكانية إنجاز ذلك الحق."

في 25 أيلول/سبتمبر، عبّر أكراد العراق للمرة الثانية خلال اثني عشر عاماً عن رغبتهم في أن يتحرروا من ارتباطهم بالأجزاء الأخرى من البلاد. في حين لم تظهر النتائج النهائية بعد، فإن المؤشرات الأولى تبيّن أن الاستفتاء تمخض عن نصر طاغٍ للمصوتين بـ "نعم." لا يمكن أن تعد هذه المشاعر مفاجئة؛ حيث إن الأكراد، الذين خدعوا ولم يمنحوا دولة خاصة بهم بعد الحرب العالمية الأولى؛ وبعد كفاحهم ضد حكومات مركزية قمعت تطلعاتهم، وبعد معاناة مريرة طوال تلك التجربة، بات من المفهوم أن يروا في الاستقلال الملاذ الوحيد القابل للحياة الذي يجنبهم تكرار مثل تلك الويلات.

لكن وكي تنشأ الدولة، ينبغي لحق شعب بتقرير المصير ورغبته بممارسة هذا الحق أن يكونا مصحوبين بالقدر نفسه من إمكانية إنجاز ذلك الحق. في هذا الصدد، فإن أكراد العراق، ولدرجة أقل بكثير من أكراد تركيا، وإيران، وسورية لا تزال أمامهم رحلة طويلة لتحقيق ذلك. إن التصويت بـ "نعم" في الاستفتاء لن يحقق لهم الاستقلال؛ حيث إن الاستفتاء مصمَّم لتذكير القادة العراقيين في بغداد برغبة الأكراد القوية بالانفصال عن بلد طالما شعروا أنهم غرباء عنه – لوضع حد لزواج قسري كان متعسفاً ومجرداً من الحب منذ البداية.

لا شك في أن مسعود برزاني، رئيس إقليم كردستان العراق كان يعي جيداً حدود التطلعات الكردية؛ فقد دعا بشكل متكرر لإجراء استفتاء في الماضي، لكنه لم يدفع فعلياً لإجرائه. هذه المرة مضى إلى النهاية موسّعاً الاحتمالات الممكنة لأوراق قوية يملكها في مفاوضات الاستقلال مع بغداد لاجتذاب الناخبين الأكراد. كان من الملفت أنه تصرف بحكمة عندما أحجم عن تقديم وعد للأكراد بأن الاستقلال سيكون وراء الباب. قد يكمن سبب مضيه قدماً في الاستفتاء هذه المرة في مخاوفه من أنه إذا أُلحقت الهزيمة بتنظيم الدولة الإسلامية، وعندما يحدث ذلك، فإن الدعم العسكري الأمريكي والأوروبي له قد يتوقف، وكذلك النفوذ الدبلوماسي الذي يصاحب ذلك الدعم. بعبارة أخرى، فإن برزاني قد يعتقد أن نافذة الدعم الغربي لمحاولته تحقيق الاستقلال قد تغلق قريباً.

The post-Ottoman borders remain sacrosanct for fear that a single change will trigger many more.

لكن السؤال هو ما إذا كان نفوذ برزاني في مواجهته مع بغداد سيتعزز فعلاً بفضل جوقة المصوتين بـ "نعم،" علماً بأنه فعل ذلك ضد رغبات ليس أعدائه وحسب، مثل إيران، بل أيضاً ضد رغبات أصدقائه مثل تركيا، والولايات المتحدة والدول الأوروبية. كان من الممكن ربما أن يحصل على الدعم الدولي في محادثاته مع بغداد من أجل الاستقلال لو أنه رضي باتفاق مع حلفائه الغربيين لتأجيل الاستفتاء، كما حثّوه على ذلك. تلك الفرصة تبدو بعيدة الآن. لكن لا بد وأنه كان يعي هذا السيناريو جيداً، وأنه كان مستعداً له.

لمدة طويلة، جعل برزاني من محاولة إجراء استفتاء تبدو وكأنها استراتيجية مساومة أكثر منها وعداً قاطعاً بإجرائه. ومن المؤكد أن الوقت الفاصل بين إعلان الاستفتاء والحدث نفسه كان حافلاً بالمساومات، وكذلك بقدر كبير من التهديدات والتخويف. اتخذ برزاني موقفاً متشدداً قائلاً بأنه لن يقبل بأقل من دعم دولي مضمون في مفاوضات مع بغداد تفضي إلى الاستقلال خلال سنتين أو نحو ذلك. لكن كل ما كانت الولايات المتحدة وأصدقاء الأكراد الآخرون مستعدين لتقديمه هو دعمهم لمفاوضات الزعيم الكردي مع بغداد على شروط علاقتهما المستقبلية، وليس على شروط الانفصال. تبقى الحقيقة هي ألّا أحد، باستثناء أغلبية الأكراد أنفسهم، إضافة إلى إسرائيل (التي تحتاج الأكراد لاعتباراتها الجيو-استراتيجية الخاصة بها)، يدعم استقلال الأكراد. لا تزال حدود ما بعد الدولة العثمانية مقدسة، خشية أن يفضي تغيير واحد إلى تغييرات عديدة أخرى.

لكن يمكن لبرزاني أن يجادل عن حق بأنه حتى لو أخفق في تحقيق تقدم ملموس بشأن إقامة الدولة الآن، فإنه يكون قد حقق الكثير. يمكنه أن يزعم أن الأكراد اتخذوا خطوة إلى الأمام نحو الاستقلال. برزاني نفسه ابن مصطفى برزاني، مؤسسة الحركة القومية الكردية، يمكنه أن يزعم أنه مضى أبعد من أبيه، الذي أخفقت جهوده بشكل مريع بتحقيق أي شيء يتجاوز بناء حركة ورثها ابنه. يمكن لبرزاني الآن أن يورث تركته لابنه، مسرور، الذي قد يكمل مشروع إقامة الدولة الكردية إذا مال ميزان القوى الإقليمي لصالح الأكراد.

الأمر الذي لا يقل أهمية ربما هو أن برزاني عزز موقعه الداخلي الضعيف كرئيس كردي بحشد المصوتين بـ "نعم" وزرع التشرذم في أوساط المعارضة. منتقدوه في السليمانية، على وجه الخصوص، الذين يدعمون الاستقلال الكردي من حيث المبدأ، لكنهم يعارضونه إذا أفضى إلى قيام دولة يقودها برزاني، قالوا لأنصارهم بأنهم أحرار بأن يدلوا بأصواتهم. كما سمح تحرك برزاني بإعادة فتح البرلمان، الذي أغلقه قبل عامين بعد أن رفضت المعارضة تمديد مدة بقائه في الرئاسة لسنتين أخريين، دون انتخابات. حزب المعارضة الرئيسي، غوران، قرر عدم المشاركة، ما أنتج برلماناً متوافقاً مع برزان.

Barzani bolstered his own tenuous domestic position as Kurdish president by mobilizing the popular “yes” vote and sowing disarray among the opposition.

دون وجود غوران ليوفر ثقلاً موازياً، فإن الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة برزاني يمكن أن يتوصل إلى اتفاق مع شريكه في الفساد المستشري القائم على الانتماء الحزبي، الاتحاد الوطني الكردستاني، للتمديد للبرلمان، ومعه التمديد أيضاً لوجود برزاني في الرئاسة دون انتخابات. إن توافر وقت إضافي يشكل ميزة للأكراد في منطقة دائمة التغير ويسودها عدم استقرار عميق. كما أن عامين إضافيين قد يكونا كافيين لبرزاني كي يديم حكمه الأحادي دون معارضة تذكر. عدا عن ذلك، وبالنظر إلى سجله حتى الآن، فإنه قد يعتقد أن حلاً آخر يمكن أن يطرح نفسه لتمديد رئاسته لمدة أطول.

هذه المكاسب مهمة، لكن لا يزال من الممكن أن يتم تطويقها، من قبل العراق وإيران وتركيا خلال الأيام القادمة. لقد أطلقت البلدان الثلاثة سلسلة من التهديدات بإغلاق حدود الإقليم الكردي ومجاله الجوي، وقد تنفذ بعض تلك التهديدات. بالنظر إلى أن الإقليم الكردي لا يمتلك منفذاً بحرياً، فإنه ضعيف بوجه خاص أمام الحصار الاقتصادي. لكن أياً من هذه البلدان لا يبدي قلقاً كبيراً من أن الأكراد قد يصبحوا مستقلين قريباً. إنهم يتمتعون بقوة إقليمية راجحة، ويعرفون أن الولايات المتحدة وأوروبا تقفان إلى جانبهم فيما يتعلق بقضية الاستقلال. لكنهم قد يتفقون جميعاً على جولة جديدة من المفاوضات بين بغداد وأربيل حول شروط علاقتهما المتبادلة وخصوصاً حدود الكيان الكردي، بصرف النظر عن وضعه الرسمي. (وهو حالياً إقليم فيدرالي في العراق).

لقد عكّرت مسألة الحدود العلاقات بين بغداد وأربيل منذ العام 2003 (ولها في الواقع تاريخ أطول من ذلك بكثير)؛ وقد غذّى عدم تسوية هذه المسألة حالات إحباط دفعت برزاني إلى حد تنظيم الاستفتاء. وتتعلق المسألة بما يشار إليه في الدستور العراقي (بإصرار من الأكراد) بـ "المناطق المتنازع عليها،" التي تشكل، لأغراض عملية، مناطق يدّعي الأكراد بأنها من حقهم. لقد تعرضت هذه المناطق لـ "التعريب" في ظل الأنظمة العراقية من الستينيات فصاعداً (عندما انطلقت الحركة القومية الكردية داخل العراق بقيادة مصطفى برزاني ووضعت كركوك نصب عينها). لكن هذه المنطقة الواسعة، الممتدة من الحدود الإيرانية إلى الحدود السورية وتضم أربعاً من محافظات العراق الثماني عشرة كلياً أو جزئياً، يقطنها تاريخياً خليط إثني وديني من السكان؛ كما يصادف أنها غنية بالنفط.

بالنسبة لأولئك القادة العراقيين المتعاطفين مع فكرة الاستقلال الكردي – والعديد منهم قاتلوا إلى جانب الأكراد ضد صدام حسين – فإنهم يرفضون مجرد التفكير بإعطاء كركوك للأكراد. من وجهة نظرهم، فإن الدولة الكردية ينبغي ألا تضم المناطق الغنية بالنفط، خصوصاً حقل نفط كركوك العملاق، من أجل الاستفادة من عائدات النفط وأيضاً للإبقاء على الدولة الكردية ضعيفة. بالنسبة للأكراد، فإنهم يريدون ضم المناطق المتنازع عليها إلى إقليم كردستان (وإلى الدولة المستقبلية) كي يحصلوا على الحد الأدنى من النفوذ الاقتصادي في علاقتهم بجيرانهم، بالنظر إلى أن أراضي هؤلاء الجيران تحيط بهم من كل الجهات.

لقد سيطر الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني على حقول نفط كركوك (الحقل الرئيسي وبعض الحقول الأخرى أيضاً) منذ انهيار الجيش العراقي في وجه تنظيم الدولة الإسلامية في حزيران/يونيو 2014. تريد بغداد استعادة هذه الحقول، وتهدد باستعادتها بالقوة. إن التهديد الذي يلوح في الأفق بصراع مسلح يوحي بأن الوقت قد يكون قد حان لحل تفاوضي يتقاسم فيه الطرفان إدارة كركوك وعائداتها.

Baghdad will not allow the Kurds to press for independence if their future state is meant to include Kirkuk.

وهذه ليست فكرة جديدة. عندما ترنحت جهود سابقة لتسوية مسألة المناطق المتنازع عليها بسبب كسل بغداد وعدم اكتراثها (فقد كانت مشلولة وتتلاطمها حالات التمرد والحرب الطائفية في أعقاب الغزو الأمريكي) وتحركات الأحزاب الكردية الأحادية للاستيلاء على هذه المناطق، بدأت الأمم المتحدة بوضع الأساس لحصيلة يتم التفاوض عليها. وكانت النتيجة دراسة مفصلة لكل منطقة على حدا للتاريخ الإداري، والقانوني، والاقتصادي، والسياسي للمناطق المتنازع عليها. وكان الهدف الضمني لتلك الدراسة تحديد على أي من جانبي الخط من المرجح أن ينتهي الأمر بمنطقة ما. بالنسبة لكركوك، اقترحت الدراسة ترتيباً لتقاسم السلطة لفترة انتقالية، يتبعه استفتاء، انسجاماً مع الدستور.

لم يُنشر التقرير النهائي للأمم المتحدة، بل وُزع على المعنيين الرئيسيين وحسب. لكنه يبقى وثيقة جديرة بالإعجاب ومصدراً مهماً للغاية؛ مصدر، إذا تم تحديثه (فقد تم الانتهاء من وضعه قبل نحو ثماني سنوات)، يمكن أن يشكل أساساً لمفاوضات جديدة على وضع المناطق المتنازع عليها، وبالتالي التوصل إلى ترسيم منصف لحدود الإقليم الكردي.

ربما تشكل الأزمة الراهنة فرصة جديدة للعودة إلى طاولة المفاوضات، إذا قاربها الطرفان بنية طيبة، أو إذا أمكن إقناعهما بالقيام بذلك من قبل الأصدقاء الدوليين لكل منهما. ما ينبغي أن يكون واضحاً من البداية هو أن بغداد لن تسمح للأكراد بالدفع نحو الاستقلال إذا كانت دولتهم المستقبلية ستشمل كركوك، وأن برزاني لن يقبل بأقل من ذلك. وبالتالي، فإن النقاش الوحيد القابل للحياة يمكن أن يكون فقط حول ترسيم الحدود وتقاسم العائدات. ينبغي على الولايات المتحدة وأوروبا، بدعم من تركيا وإيران، أن تدفعا نحو تفويض جديد لبعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق يركز حصرياً على هذه المسألة. أما البديل فسيكون المزيد مما حدث حتى الآن، أي حلقة لا نهاية لها من الإحباط والصراع والمعاناة.

Subscribe to Crisis Group’s Email Updates

Receive the best source of conflict analysis right in your inbox.