icon caret Arrow Down Arrow Left Arrow Right Arrow Up Line Camera icon set icon set Ellipsis icon set Facebook Favorite Globe Hamburger List Mail Map Marker Map Microphone Minus PDF Play Print RSS Search Share Trash Crisiswatch Alerts and Trends Box - 1080/761 Copy Twitter Video Camera  copyview Youtube
ما الذي كسبه الأكراد من الاستفتاء؟
ما الذي كسبه الأكراد من الاستفتاء؟
كيف يمكن تخفيف مخاطر الاستفتاء في كردستان العراق
كيف يمكن تخفيف مخاطر الاستفتاء في كردستان العراق

ما الذي كسبه الأكراد من الاستفتاء؟

Originally published in The Atlantic

"كي تنشأ الدولة، ينبغي لحق شعب بتقرير المصير ورغبته بممارسة هذا الحق أن يكونا مصحوبين بالقدر نفسه من إمكانية إنجاز ذلك الحق.""كي تنشأ الدولة، ينبغي لحق شعب بتقرير المصير ورغبته بممارسة هذا الحق أن يكونا مصحوبين بالقدر نفسه من إمكانية إنجاز ذلك الحق."

في 25 أيلول/سبتمبر، عبّر أكراد العراق للمرة الثانية خلال اثني عشر عاماً عن رغبتهم في أن يتحرروا من ارتباطهم بالأجزاء الأخرى من البلاد. في حين لم تظهر النتائج النهائية بعد، فإن المؤشرات الأولى تبيّن أن الاستفتاء تمخض عن نصر طاغٍ للمصوتين بـ "نعم." لا يمكن أن تعد هذه المشاعر مفاجئة؛ حيث إن الأكراد، الذين خدعوا ولم يمنحوا دولة خاصة بهم بعد الحرب العالمية الأولى؛ وبعد كفاحهم ضد حكومات مركزية قمعت تطلعاتهم، وبعد معاناة مريرة طوال تلك التجربة، بات من المفهوم أن يروا في الاستقلال الملاذ الوحيد القابل للحياة الذي يجنبهم تكرار مثل تلك الويلات.

لكن وكي تنشأ الدولة، ينبغي لحق شعب بتقرير المصير ورغبته بممارسة هذا الحق أن يكونا مصحوبين بالقدر نفسه من إمكانية إنجاز ذلك الحق. في هذا الصدد، فإن أكراد العراق، ولدرجة أقل بكثير من أكراد تركيا، وإيران، وسورية لا تزال أمامهم رحلة طويلة لتحقيق ذلك. إن التصويت بـ "نعم" في الاستفتاء لن يحقق لهم الاستقلال؛ حيث إن الاستفتاء مصمَّم لتذكير القادة العراقيين في بغداد برغبة الأكراد القوية بالانفصال عن بلد طالما شعروا أنهم غرباء عنه – لوضع حد لزواج قسري كان متعسفاً ومجرداً من الحب منذ البداية.

لا شك في أن مسعود برزاني، رئيس إقليم كردستان العراق كان يعي جيداً حدود التطلعات الكردية؛ فقد دعا بشكل متكرر لإجراء استفتاء في الماضي، لكنه لم يدفع فعلياً لإجرائه. هذه المرة مضى إلى النهاية موسّعاً الاحتمالات الممكنة لأوراق قوية يملكها في مفاوضات الاستقلال مع بغداد لاجتذاب الناخبين الأكراد. كان من الملفت أنه تصرف بحكمة عندما أحجم عن تقديم وعد للأكراد بأن الاستقلال سيكون وراء الباب. قد يكمن سبب مضيه قدماً في الاستفتاء هذه المرة في مخاوفه من أنه إذا أُلحقت الهزيمة بتنظيم الدولة الإسلامية، وعندما يحدث ذلك، فإن الدعم العسكري الأمريكي والأوروبي له قد يتوقف، وكذلك النفوذ الدبلوماسي الذي يصاحب ذلك الدعم. بعبارة أخرى، فإن برزاني قد يعتقد أن نافذة الدعم الغربي لمحاولته تحقيق الاستقلال قد تغلق قريباً.

لكن السؤال هو ما إذا كان نفوذ برزاني في مواجهته مع بغداد سيتعزز فعلاً بفضل جوقة المصوتين بـ "نعم،" علماً بأنه فعل ذلك ضد رغبات ليس أعدائه وحسب، مثل إيران، بل أيضاً ضد رغبات أصدقائه مثل تركيا، والولايات المتحدة والدول الأوروبية. كان من الممكن ربما أن يحصل على الدعم الدولي في محادثاته مع بغداد من أجل الاستقلال لو أنه رضي باتفاق مع حلفائه الغربيين لتأجيل الاستفتاء، كما حثّوه على ذلك. تلك الفرصة تبدو بعيدة الآن. لكن لا بد وأنه كان يعي هذا السيناريو جيداً، وأنه كان مستعداً له.

لمدة طويلة، جعل برزاني من محاولة إجراء استفتاء تبدو وكأنها استراتيجية مساومة أكثر منها وعداً قاطعاً بإجرائه. ومن المؤكد أن الوقت الفاصل بين إعلان الاستفتاء والحدث نفسه كان حافلاً بالمساومات، وكذلك بقدر كبير من التهديدات والتخويف. اتخذ برزاني موقفاً متشدداً قائلاً بأنه لن يقبل بأقل من دعم دولي مضمون في مفاوضات مع بغداد تفضي إلى الاستقلال خلال سنتين أو نحو ذلك. لكن كل ما كانت الولايات المتحدة وأصدقاء الأكراد الآخرون مستعدين لتقديمه هو دعمهم لمفاوضات الزعيم الكردي مع بغداد على شروط علاقتهما المستقبلية، وليس على شروط الانفصال. تبقى الحقيقة هي ألّا أحد، باستثناء أغلبية الأكراد أنفسهم، إضافة إلى إسرائيل (التي تحتاج الأكراد لاعتباراتها الجيو-استراتيجية الخاصة بها)، يدعم استقلال الأكراد. لا تزال حدود ما بعد الدولة العثمانية مقدسة، خشية أن يفضي تغيير واحد إلى تغييرات عديدة أخرى.

لكن يمكن لبرزاني أن يجادل عن حق بأنه حتى لو أخفق في تحقيق تقدم ملموس بشأن إقامة الدولة الآن، فإنه يكون قد حقق الكثير. يمكنه أن يزعم أن الأكراد اتخذوا خطوة إلى الأمام نحو الاستقلال. برزاني نفسه ابن مصطفى برزاني، مؤسسة الحركة القومية الكردية، يمكنه أن يزعم أنه مضى أبعد من أبيه، الذي أخفقت جهوده بشكل مريع بتحقيق أي شيء يتجاوز بناء حركة ورثها ابنه. يمكن لبرزاني الآن أن يورث تركته لابنه، مسرور، الذي قد يكمل مشروع إقامة الدولة الكردية إذا مال ميزان القوى الإقليمي لصالح الأكراد.

الأمر الذي لا يقل أهمية ربما هو أن برزاني عزز موقعه الداخلي الضعيف كرئيس كردي بحشد المصوتين بـ "نعم" وزرع التشرذم في أوساط المعارضة. منتقدوه في السليمانية، على وجه الخصوص، الذين يدعمون الاستقلال الكردي من حيث المبدأ، لكنهم يعارضونه إذا أفضى إلى قيام دولة يقودها برزاني، قالوا لأنصارهم بأنهم أحرار بأن يدلوا بأصواتهم. كما سمح تحرك برزاني بإعادة فتح البرلمان، الذي أغلقه قبل عامين بعد أن رفضت المعارضة تمديد مدة بقائه في الرئاسة لسنتين أخريين، دون انتخابات. حزب المعارضة الرئيسي، غوران، قرر عدم المشاركة، ما أنتج برلماناً متوافقاً مع برزان.

دون وجود غوران ليوفر ثقلاً موازياً، فإن الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة برزاني يمكن أن يتوصل إلى اتفاق مع شريكه في الفساد المستشري القائم على الانتماء الحزبي، الاتحاد الوطني الكردستاني، للتمديد للبرلمان، ومعه التمديد أيضاً لوجود برزاني في الرئاسة دون انتخابات. إن توافر وقت إضافي يشكل ميزة للأكراد في منطقة دائمة التغير ويسودها عدم استقرار عميق. كما أن عامين إضافيين قد يكونا كافيين لبرزاني كي يديم حكمه الأحادي دون معارضة تذكر. عدا عن ذلك، وبالنظر إلى سجله حتى الآن، فإنه قد يعتقد أن حلاً آخر يمكن أن يطرح نفسه لتمديد رئاسته لمدة أطول.

هذه المكاسب مهمة، لكن لا يزال من الممكن أن يتم تطويقها، من قبل العراق وإيران وتركيا خلال الأيام القادمة. لقد أطلقت البلدان الثلاثة سلسلة من التهديدات بإغلاق حدود الإقليم الكردي ومجاله الجوي، وقد تنفذ بعض تلك التهديدات. بالنظر إلى أن الإقليم الكردي لا يمتلك منفذاً بحرياً، فإنه ضعيف بوجه خاص أمام الحصار الاقتصادي. لكن أياً من هذه البلدان لا يبدي قلقاً كبيراً من أن الأكراد قد يصبحوا مستقلين قريباً. إنهم يتمتعون بقوة إقليمية راجحة، ويعرفون أن الولايات المتحدة وأوروبا تقفان إلى جانبهم فيما يتعلق بقضية الاستقلال. لكنهم قد يتفقون جميعاً على جولة جديدة من المفاوضات بين بغداد وأربيل حول شروط علاقتهما المتبادلة وخصوصاً حدود الكيان الكردي، بصرف النظر عن وضعه الرسمي. (وهو حالياً إقليم فيدرالي في العراق).

لقد عكّرت مسألة الحدود العلاقات بين بغداد وأربيل منذ العام 2003 (ولها في الواقع تاريخ أطول من ذلك بكثير)؛ وقد غذّى عدم تسوية هذه المسألة حالات إحباط دفعت برزاني إلى حد تنظيم الاستفتاء. وتتعلق المسألة بما يشار إليه في الدستور العراقي (بإصرار من الأكراد) بـ "المناطق المتنازع عليها،" التي تشكل، لأغراض عملية، مناطق يدّعي الأكراد بأنها من حقهم. لقد تعرضت هذه المناطق لـ "التعريب" في ظل الأنظمة العراقية من الستينيات فصاعداً (عندما انطلقت الحركة القومية الكردية داخل العراق بقيادة مصطفى برزاني ووضعت كركوك نصب عينها). لكن هذه المنطقة الواسعة، الممتدة من الحدود الإيرانية إلى الحدود السورية وتضم أربعاً من محافظات العراق الثماني عشرة كلياً أو جزئياً، يقطنها تاريخياً خليط إثني وديني من السكان؛ كما يصادف أنها غنية بالنفط.

بالنسبة لأولئك القادة العراقيين المتعاطفين مع فكرة الاستقلال الكردي – والعديد منهم قاتلوا إلى جانب الأكراد ضد صدام حسين – فإنهم يرفضون مجرد التفكير بإعطاء كركوك للأكراد. من وجهة نظرهم، فإن الدولة الكردية ينبغي ألا تضم المناطق الغنية بالنفط، خصوصاً حقل نفط كركوك العملاق، من أجل الاستفادة من عائدات النفط وأيضاً للإبقاء على الدولة الكردية ضعيفة. بالنسبة للأكراد، فإنهم يريدون ضم المناطق المتنازع عليها إلى إقليم كردستان (وإلى الدولة المستقبلية) كي يحصلوا على الحد الأدنى من النفوذ الاقتصادي في علاقتهم بجيرانهم، بالنظر إلى أن أراضي هؤلاء الجيران تحيط بهم من كل الجهات.

لقد سيطر الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني على حقول نفط كركوك (الحقل الرئيسي وبعض الحقول الأخرى أيضاً) منذ انهيار الجيش العراقي في وجه تنظيم الدولة الإسلامية في حزيران/يونيو 2014. تريد بغداد استعادة هذه الحقول، وتهدد باستعادتها بالقوة. إن التهديد الذي يلوح في الأفق بصراع مسلح يوحي بأن الوقت قد يكون قد حان لحل تفاوضي يتقاسم فيه الطرفان إدارة كركوك وعائداتها.

وهذه ليست فكرة جديدة. عندما ترنحت جهود سابقة لتسوية مسألة المناطق المتنازع عليها بسبب كسل بغداد وعدم اكتراثها (فقد كانت مشلولة وتتلاطمها حالات التمرد والحرب الطائفية في أعقاب الغزو الأمريكي) وتحركات الأحزاب الكردية الأحادية للاستيلاء على هذه المناطق، بدأت الأمم المتحدة بوضع الأساس لحصيلة يتم التفاوض عليها. وكانت النتيجة دراسة مفصلة لكل منطقة على حدا للتاريخ الإداري، والقانوني، والاقتصادي، والسياسي للمناطق المتنازع عليها. وكان الهدف الضمني لتلك الدراسة تحديد على أي من جانبي الخط من المرجح أن ينتهي الأمر بمنطقة ما. بالنسبة لكركوك، اقترحت الدراسة ترتيباً لتقاسم السلطة لفترة انتقالية، يتبعه استفتاء، انسجاماً مع الدستور.

لم يُنشر التقرير النهائي للأمم المتحدة، بل وُزع على المعنيين الرئيسيين وحسب. لكنه يبقى وثيقة جديرة بالإعجاب ومصدراً مهماً للغاية؛ مصدر، إذا تم تحديثه (فقد تم الانتهاء من وضعه قبل نحو ثماني سنوات)، يمكن أن يشكل أساساً لمفاوضات جديدة على وضع المناطق المتنازع عليها، وبالتالي التوصل إلى ترسيم منصف لحدود الإقليم الكردي.

ربما تشكل الأزمة الراهنة فرصة جديدة للعودة إلى طاولة المفاوضات، إذا قاربها الطرفان بنية طيبة، أو إذا أمكن إقناعهما بالقيام بذلك من قبل الأصدقاء الدوليين لكل منهما. ما ينبغي أن يكون واضحاً من البداية هو أن بغداد لن تسمح للأكراد بالدفع نحو الاستقلال إذا كانت دولتهم المستقبلية ستشمل كركوك، وأن برزاني لن يقبل بأقل من ذلك. وبالتالي، فإن النقاش الوحيد القابل للحياة يمكن أن يكون فقط حول ترسيم الحدود وتقاسم العائدات. ينبغي على الولايات المتحدة وأوروبا، بدعم من تركيا وإيران، أن تدفعا نحو تفويض جديد لبعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق يركز حصرياً على هذه المسألة. أما البديل فسيكون المزيد مما حدث حتى الآن، أي حلقة لا نهاية لها من الإحباط والصراع والمعاناة.

Iraqi Kurds fly Kurdish flags during an event to urge people to vote in the upcoming independence referendum in Erbil, the capital of the autonomous Kurdish region of northern Iraq, on 15 September 2017. AFP/Safin Hamed

كيف يمكن تخفيف مخاطر الاستفتاء في كردستان العراق

A century-long quest for an independent Kurdistan has encouraged Iraqi Kurds to exploit Iraq’s ongoing crises and schedule a referendum on 25 September 2017. But the referendum is more a reflection of Iraq’s disorder than the Kurds’ readiness for statehood, and the vote’s outcome could exacerbate internal and regional tensions.

في 25 أيلول/سبتمبر، وما لم يتم تأجيل هذا الموعد في اللحظة الأخيرة، فإن إقليم كردستان العراق سيجري استفتاء على الاستقلال. وسيُسأل الناخبون ما إذا كانوا يريدون "أن يصبح إقليم كردستان والمناطق الكردية خارج إدارة الإقليم دولة مستقلة". لا يمكن للاستفتاء أن يحول كردستان إلى دولة مستقلة، بصرف النظر عن نسبة المشاركين فيه وعن نتيجته، لأن الاستفتاء مجرد عملية استشارية وغير ملزم قانونياً. رغم ذلك، فإن الوضع يطرح مخاطر جدية، سواء تم إجراء الاستفتاء أو كان ثمن تأجيله مرتفعاً أكثر مما ينبغي.

على الأرض، من المرجح أن يبدو اليوم الذي يلي الاستفتاء تماماً كاليوم الذي سبقه. لن يتغير الوضع القانوني لكردستان العراق، وقد يحتفظ المسؤولون الأكراد بمناصبهم في الحكومة المركزية في بغداد، بما في ذلك الرئيس العراقي فؤاد معصوم. إن الدوافع لإجراء الاستفتاء تتعلق بالاعتبارات السياسية الكردية الداخلية والعلاقات بعيدة المدى مع بغداد أكثر مما تتعلق بالتطلعات القومية الكردية المباشرة.

بالنسبة لأولئك الذين يدفعون لإجراء الاستفتاء، أي رئيس إقليم كردستان مسعود برزاني وحزبه، الحزب الديمقراطي الكردستاني، فإن الهدف الأكثر إلحاحاً ليس التحرك بسرعة نحو إعلان الاستقلال، بقدر ما هو تحسين فرصهم السياسية داخل كردستان العراق وعاصمتها أربيل. إنهم يأملون بأن يمكنهم تبنيهم لموقف قومي قوي من إخماد المعارضة وإجبار خصومهم على السير وراءهم. الأكثر من ذلك هو أنه بتوسيع الاستفتاء ليشمل ما يسمى "المناطق المتنازع عليها"، وهو مصطلح يحدد المناطق الواقعة خارج إقليم كردستان التي تدعي كل من بغداد وأربيل الحق فيها، تهدف القيادة الكردية إلى تقوية حضورها ومبرراتها لضم هذه المناطق، شريطة الحصول على نعم مدويّة في الاستفتاء.

لا يشكل الاستفتاء انعكاساً لتقدم تاريخي مستمر نحو قيام دولة كردية بقدر ما هو انعكاس للأزمات المحيطة بالعراق.

إلا أنه يمكن للتبعات السياسية للاستفتاء، المقصودة وغير المقصودة، أن تكون عميقة. حالما يتم إلحاق الهزيمة بتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، ستُطرح أوجه رئيسية من بنية السلطة في العراق مرة أخرى لإعادة التفاوض. وهذا يشمل مسألة لا مركزية السلطة، وتنظيم ونشر القوات الأمنية، والتوازن الداخلي للسلطة داخل الأغلبية الشيعية وحالة التنافس بين الولايات المتحدة وإيران على النفوذ في البلاد. إن دعوة برزاني للاستفتاء هو بمثابة رمي حجر في بحيرة مضطربة أصلاً.

لاعبون قدامى، حقائق جديدة

إن أثر الاستفتاء واضح أصلاً للعيان. لقد شعر رئيس الوزراء حيدر العبادي، الذي حث حتى الآن على التوصل إلى تسوية مع أربيل، بأنه مجبر على الانتقال إلى موقع أكثر تشدداً. لقد أعلنت حكومته أن الاستفتاء غير دستوري؛ ورغم أن البرلمان العراقي لا يملك سلطة قانونية لفعل ذلك، فإنه صوّت على إقالة محافظ كركوك، أحد الدعاة الأقوياء لإجراء الاستفتاء من منطقة متقلبة ومتنازع عليها على نحو خاص. خرج المشرعون الأكراد من الجلسة، في مؤشر على كيف أن قضية الاستفتاء يمكن أن تؤدي بسرعة إلى انهيار العملية السياسية. يتعرض العبادي للضغط من فصائل شيعية مقربة من إيران يمكن أن تستخدم الاستفتاء لتقويض قيادته، حيث يقدم هؤلاء أنفسهم بوصفهم المدافعين الحقيقيين عن وحدة العراق ضد المطالب الكردية. قد يساعدهم هذا على كسب تأييد السنة الذين يعيشون في المناطق المتنازع عليها، لكنه يمكن أن يثير أيضاً مواجهات بين الفصائل المسلحة التي يسيطرون عليها والبشمركة التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني خلال الاستفتاء أو بعده.

كما أن ثمة تبعات إقليمية أيضاً. لقد عبرت تركيا وإيران، وكلاهما جاران لكردستان العراق، عن معارضتهما القوية للاستفتاء وحذّرا من تبعاته الخطيرة. لكن حتى الآن فإن أفعالهما لا يبدو أنها تستهدف فعلاً منع إجراء الاستفتاء. تبدو أنقرة وطهران واثقتان من أنهما تمتلكان ما يكفي من النفوذ على الشخصيات القيادية في الحزب الديمقراطي الكردستاني وخصمه، الاتحاد الوطني الكردستاني، لمنع كردستان العراق من أن تصبح دولة مستقلة بشكل كامل، بصرف النظر عن نتيجة الاستفتاء. هؤلاء السياسيون الأكراد يعتمدون على دعم تركيا وإيران، وسيزداد اعتمادهم عليهما إذا أثار الاستفتاء تصعيداً مع بغداد.

يبدو أن تركيا وإيران تنتظران اتضاح آثار الاستفتاء على السياسات العراقية والإقليمية بشكل أكبر قبل أن تتخذا خطوات أكثر حسماً. إذا انتهى الأمر بالحزب الديمقراطي الكردستاني، باندفاعه نحو إجراء الاستفتاء رغم المعارضة الدولية القوية، بأن يصبح معزولاً على نحو متزايد، فإن تركيا قد تسعى لاستغلال هشاشة شريكها الكردي لتعزيز موطئ القدم الذي اتخذته في دهوك وسهل نينوى، في شمال غرب العراق. تتسم هذه المنطقة بأهمية استراتيجية لأنقرة لأنها تقع على الحدود الشرقية لسورية، التي تهيمن عليها الآن حركة تعتبرها عدواً خطيراً تتمثل في حزب الاتحاد الديمقراطي. وهذا الحزب هو الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني، الذي قاتل في تمرد ضد أنقرة على مدى ثلاثة عقود.

إن تأجيل الاستفتاء سيكون أفضل السيناريوهات، لكن ليس بأي ثمن.

إيران من جهتها قد ترى في الاستفتاء فرصة لتعزيز موقعها في بغداد وشمال شرق العراق. من شبه المؤكد أن تدهور العلاقات بين أربيل وبغداد سيقوي الفصائل الشيعية المرتبطة بإيران على حساب العبادي وحكومته. كما يمكن لطهران أن تسعى لتعزيز نفوذ حلفائها العراقيين ونفوذها على العرب السنة الذين يعيشون في المناطق المتنازع عليها ويخشون من التعديات الكردية، وكذلك على أعضاء الاتحاد الوطني الكردستاني الذين يعارضون سياسات الحزب الديمقراطي الكردستاني.

سيناريوهات التأجيل

في هذا السياق، فإن الأصوات التي تحث برزاني على أن يقوم على الأقل بتأجيل الاستفتاء كانت مرتفعة، وواضحة وانتقائية. وتشمل هذه المجموعة من البلدان الولايات المتحدة، وحلفاءها الغربيين، وتركيا وإيران، إضافة إلى الأمم المتحدة. وقد رد برزاني بالقول بأنه يستطيع تأجيل الاستفتاء إذا حصل الأكراد على ضمانات دولية بأن المفاوضات على الاستقلال مع بغداد ستبدأ. من شبه المؤكد أن هذا يشكل خطوة أبعد بكثير مما يمكن حتى لأقرب شركائه الغربيين اتخاذها. في الوقت الراهن، تستمر المحادثات فيما يتعلق بما إذا كان برزاني قد يقبل بصيغة أقل أهمية وأكثر غموضاً تسمح له بالتراجع دون أن يخسر ماء وجهه في الوقت الذي يتحاشى فيه استفزاز بغداد.

إن تأجيل الاستفتاء سيشكل السيناريو الأفضل، لكن ليس بأي ثمن. في محاولات اللاعبين الدوليين – وعلى رأسهم الولايات المتحدة – لوقف الاستفتاء، عليهم أن يسيروا بحذر وأن يتحاشوا دفع ثمن قد يندمون عليه لاحقاً. بعض الالتزامات منطقية، مثل دعم الاستئناف الفوري للمفاوضات بين أربيل وبغداد حول كامل نطاق القضايا التي تفرقهما. التزامات أخرى ستكون مشحونة أكثر بالمشاكل، مثل أي التزام يؤثر بوضع كركوك أو المناطق المتنازع عليها، أو الدعم الأعمى لإجراء استفتاء في تاريخ معين إذا فشلت المفاوضات مع بغداد، بصرف النظر عما إذا كان سيتم إجراء الاستفتاء في كركوك أو المناطق المتنازع عليها. بعبارة أخرى، فإن رمي الكرة إلى الأمام أمر منطقي، لكن ليس في أي اتجاه. وإلا، فإن كلفة التأجيل يمكن أن تكون مكلفة أكثر على المدى البعيد من كلفة الاستفتاء نفسه.

إذا مضى الاستفتاء كما هو مخطط له، من المرجح أن تنشأ توترات مصحوبة بإغراء معاقبة أربيل.

ينبغي اتباع بعض القواعد التوجيهية في سيناريوهي التأجيل أو عدم التأجيل. إذا تم تأجيل الاستفتاء، ينبغي استخدام الوقت الذي يتم كسبه من أجل إجراء وساطة نشطة من قبل شركاء العراق والأكراد لتخفيف تصعيد الوضع والضغط على بغداد وأربيل للتفاوض بنية طيبة حول تعديلات الإطار القانوني الذي يحكم علاقتهما.

إذا مضى الاستفتاء كما هو مخطط له، من المرجح أن تنشأ توترات مصحوبة بإغراء معاقبة أربيل. غير أن المسار الأذكى بالنسبة لبغداد، وكذلك بالنسبة للاعبين الإقليميين والدوليين، سيكون التخفيف من أهمية الحدث وتجاهله فعلياً. ما لم يتخذ برزاني الخطوة التالية، والأكثر خطورة بكثير، في مسعاه للتحرك أحادياً نحو الاستقلال، فإن قيمة الاستفتاء ستنكمش بمرور الوقت حيث لن يتغير شيء على الأرض كما لن يتغير وضع إقليم كردستان. إذا تم التعامل مع الاستفتاء بشكل سليم، بشكل أساسي على أنه لا يشكل حدثاً، فإنه قد لا يكون له تبعات ضارة جداً.

الاعتماد الفعال على الذات

بالنسبة للأكراد، يمكن أن يشكل هذا خيبة أمل مريرة؛ فالعديد منهم يقرؤون تاريخهم على أنه صراع على مسار مستمر نحو الدولة. في الواقع، فإن الصراع القومي الكردي في العراق لم يكن مستمراً بقدر ما كان متقلباً، ووظيفة من وظائف وضع الدولة المركزية. كلما تعرض النظام في بغداد للتهديد، كان يلجأ إما لقمع الأطراف الكردية للدولة بوحشية أو للانسحاب من هذه المناطق، والسماح للأحزاب الكردية بأداء وظائف الإدارة الأساسية والأمن المحلي بينما يقاوم محاولاتها للحصول على الاستقلال التام. حدث هذا بعد هزيمة صدام حسين في حرب الخليج عام 1991 وبعد الإطاحة به في العام 2003. تطورات اليوم تعكس ضعف الدولة المركزية في وجه تنظيم الدولة الإسلامية.

بهذا المعنى، فإن الاستفتاء لا يشكل انعكاساً لتقدم تاريخي مستمر نحو دولة كردية بقدر ما هو انعكاس للأزمات المحيطة بالعراق. ولا يشكل إثباتاً على أن دولة كردية يمكنها أن تقف بمفردها بقدر ما هو منتج جانبي لضعف الدولة العراقية حالياً ولمنطقة في حالة اضطراب. بصرف النظر عن وضعهم المستقبلي، فإن الأولوية بالنسبة لأكراد العراق ينبغي أن تكون ترتيب بيتهم الداخلي بدلاً من السعي لاستغلال الفوضى الإقليمية المحيطة بهم، والتي سيكونون دون شك عرضة لأخطارها.

باختصار، فإن الأحزاب الكردية التي قادت الصراع القومي على مدى القرن الماضي تواجه الآن التحدي المتمثل في تحويل قوتها وسلطتها إلى مؤسسات كردية. ويكمن مفتاح ذلك في تجديد قيادة الحزبين الكرديين التاريخيين، الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، لتمكين جيل جديد من القادة الأكراد الذين، بصرف النظر عن انتماءاتهم الحزبية، يمكنهم أن يجعلوا أولويتهم تدريب ورعاية جهاز بيروقراطي كفؤ وقوات أمن محترفة. بفعل ذلك، يمكن أن يحولوا الإقليم الكردي إلى كيان أكثر فعالية واعتماداً على الذات، وهو ما سيعود عليهم بالنفع بصرف النظر عن أي تصرف مستقبلي في الوضع القانوني. وبنفس الروح، ينبغي عليهم أيضاً تحاشي إثارة الصراع مع بغداد والمجموعات العراقية غير الكردية. وهذا ينطبق على نحو خاص على مسألة الحد الذي يفصل إقليم كردستان عن باقي أنحاء العراق. ينبغي التفاوض على وضع "المناطق المتنازع عليها" لأنه لا يمكن فرض هذا الوضع من قبل أي من الطرفين. الأمر الذي لا يقل أهمية هو أن على القادة الأكراد طرح رؤية لكردستان العراق يمكن أن تتشاطرها جميع الحركات السياسية والأقليات غير الكردية.

A compact, formatted PDF of this commentary can be downloaded here.