أين يتجه العراق ؟ دروس من البصرة
أين يتجه العراق ؟ دروس من البصرة
Table of Contents
  1. Executive Summary

أين يتجه العراق ؟ دروس من البصرة

  • Share
  • Save
  • Print
  • Download PDF Full Report

ملخّص تنفيذي

في خضم التركيز الإعلامي والعسكري على بغداد، يجري إهمال مدينة عراقية كبرى هي البصرة. على أن تجربة البصرة تحمل دروساً هامة فيما يخص العاصمة والبلاد كلها على حدٍّ سواء. فقد نفذت قوات التحالف خطةً أمنيةً هناك (وهي عملية سنباد) التي تشبه فورة الأعمال العسكرية الجارية في بغداد الآن من وجوهٍ كثيرة. فما يطلق عليه القادة العسكريون الأمريكيون الآن تعبير "التنظيف، والسيطرة، والبناء"، كان نظراؤهم البريطانيون يسمونه "التنظيف، والسيطرة، وإعادة البناء المدني". وكما هي الحال في العاصمة، كان الهدف المفترض هو تمهيد الطريق أمام تولي القوات العراقية مقاليد الأمور. لكن البصرة بعيدةٌ جداً عن أن تكون مثالاً يحتذى، بل هي مثالٌ لما يتعين العمل على تجنبه. فمع تجدد العنف وعدم الاستقرار، تكشف البصرة عن مزالقِ عمليةٍ انتقالية أفضت إلى انهيار جهاز الدولة وفشلت في بناء مؤسساتٍ شرعية. كما أن القتال الشرس الجاري بين فصائل الشيعة يثبت أيضاً خطأ النظرة التبسيطية إلى العراق على أنه ينقسم انقساماً واضحاً إلى مجموعاتٍ متجانسةٍ ثلاث.

إن قلة الاهتمام بأمر البصرة أمرٌ مفهوم. إذ يسود اعتقاد مفاده أن مستقبل العراق معتمدٌ على بغداد؛ كما تجري معظم أعمال التفجير الكبيرة في وسط البلاد بعيداً جداً عن هذه المدينة الجنوبية. ويلقى المراقبون الذين اعتادوا على آليات العاصمة صعوبةً في فهم آليات البصرة، مما يميل بهم إلى الإقلال من أهميتها. أخيراً، ولأن القوات الأمريكية لا تشارك مباشرةً في البصرة، فإن التغطية الإعلامية مقتصرةٌ على الإعلام العربي والبريطاني من ناحية، وهي مرغمةٌ على منافسة أخبار العنف الفظيع الذي يمزق وسط البلاد من ناحية أخرى.

لكن من الخطأ إهمال البصرة. فهي ثاني مدينةٍ في البلاط؛ وهي أغنى المناطق بالنفط. كما أن محافظة البصرة هي المحافظة الوحيدة التي تملك منفذاً على البحر؛ مما يجعلها عاصمة البلاد الاقتصادية بحكم الأمر الواقع، وكذلك مغنماً سياسياً كبيراً بالنسبة للقوى السياسية المحلية الفاعلة. وهذه المنطقة المحصورة بين إيران وملَكيات الخليج تتمتع بأهميةٍ استراتيجية، فهي تقع عند تلاقي العالمين العربي والفارسي. أما من الناحية الاجتماعية، فقد تشكلت هوية البصرة أساساً بالتعارض لا مع العاصمة فقط، بل مع بقية مدن الجنوب الكبرى أيضاً كالنجف وكربلاء. ولهذه الأسباب، يكون من الخطأ تجاهل البصرة أو دمجها في جنوبٍ شيعي لامتمايز مُتخيل.

من الناحية الظاهرية، اعتبرت خطة البصرة الأمنية نجاحاً مؤكداً. ففي فترة أيلول/سبتمبر 2006 – آذار/مارس 2007، حاولت عملية سنباد طرد الميليشيات وتسليم الأمن في المدينة إلى قوات أمن عراقية قوية مشكلة حديثاً، إلى جانب إطلاق عملية إعادة البناء الاقتصادي. وقد تراجعت الجريمة والاغتيالات السياسية وأعمال القتل الطائفي نوعاً ما (هذا بالمقارنة مع أماكن أخرى من البلاد طبعاً) بعد أن كانت منفلتةً من عقالها عام 2006؛ وساد هدوءٌ نسبي. أما في الواقع، فقد كان هذا الهدوء ظاهرياً وسريع الزوال في آنٍ معاً. ففي آذار/مارس ـ نيسان/أبريل 2007، عادت التوترات السياسية المتجددة لتهدد استقرار المدينة مرةً أخرى. كما أفضت هجماتٌ عنيفة ضد القوات البريطانية إلى انسحابها من الشوارع فعلياً وعتصامها بمعسكراتٍ لا تنفك تزداد عزلةً. ولا ينظر سكان البصرة، ولا عناصر الميليشيا فيها، إلى ذلك بصفته انسحاباً منظماً، بل بصفته هزيمةً مخزية. واليوم، تخضع المدينة لسيطرة ميليشياتٍ تبدو أكثر من أي وقت مضى قويةً وقادرة على العمل من غير عائق.

ومهما يكن التقدم الذي حدث فهو لا يستطيع إخفاء أبرز الإخفاقات قاطبةً: عدم القدرة على إقامة جهاز حكم شرعيّ فاعلٍ في المحافظة يستطيع إعادة توزيع الموارد وفرض احترام حكم القانون وضمان الانتقال السلمي على المستوى المحلي. ومازالت الحلبة السياسية في البصرة في قبضة جهاتٍ منغمسةٍ في منافسةٍ دموية على الموارد تودي بالقلة الباقية من مؤسسات تلك المحافظة وتفرض حكم هذه الجهات عنوةً. وما من خيارٍ أمام السكان إلا التماس الحماية لدى واحدٍ من المعسكرات المهيمنة. ولا تعكس فترات الاستقرار التي تمر على البصرة قدراً أكبر من وجود سلطةٍ حاكمة بقدر ما تعكس توزناً لحظياً (هشاً) للمصالح، أو توازناً للرعب، بين الميليشيات المتنافسة. ثم تعود النزاعات والاشتباكات إلى الظهور على نحوٍ لا سبيل إلى تفاديه. ويمكن لأية حوادث تبدو تافهةً أن تشعل فتيل دورة كاملة من العنف الانتقامي. وقد صارت العملية السياسية، المصممة أصلاً من أجل تهدئة المنافسة وضمان توزيع السلطة والمواد على نحوٍ غير عنيف، منبعاً لنزاعاتٍ حادةٍ غالباً ما تتخذ شكلاً وحشياً.

إن البصرة حالةٌ عيانية لأشكال العنف المتعددة والمتكاثرة في العراق. وغالباً ما لا يكون لهذه الأشكال كبير علاقةٍ بالطائفية أو بمقاومة الاحتلال. بل هي تتعلق بإساءة استخدامٍ منهجية للمؤسسات السياسية، وبالاغتيالات السياسية، وبحالات الثأر العشائرية، وبلجان الأمن الأهلية في الأحياء، وبفرض الأخلاقيات الاجتماعية، إلى جانب ظهور مافيات إجرامية يزداد تداخلها مع الجهات السياسية الفاعلة. فإذا تراجعت مصادر العنف والنزاع الأخرى (كالعنف الطائفي والقتال ضد قوات التحالف)، فلابد أن يظل الاهتمام منصباً على أن مآل البصرة سوف يتكرر في أنحاء البلاد كلها على سويةٍ أكبر حجماً وأكثر فوضى وخطراً.

والدروس واضحة. فالعنف في العراق متعدد الأوجه. وليست الطائفية إلا واحداً من مصادره. وينتج عن هذا أن تقسيم البلاد وفق خطوطٍ مذهبية وإثنيةٍ يفترض أنها راسخةٌ متجانسة ليس بالإجابة السليمة على الوضع. وينتج أيضاً أن إعادة بناء الدولة ومعالجة أمر الميليشيات وفرض حكم القانون أمورٌ غير ممكنة من غير مواجهةٍ مع الأطراف التي تسيطر على العملية السياسية حالياً ومن غير تشكيل تركيبة سياسيةٍ جديدة تفوق التركيبة الحالية اتساعاً إلى حدٍّ كبير.

إن العراق في لجّة حربٍ أهليةٍ الآن. لكنه أصبح، قبل ذلك وبما يتجاوزه أيضاً، دولةً منهارة. إنه بلدٌ تعرضت مؤسساته للإلغاء، ومعها كل ما يدل على اللحمة الوطنية. وهذا هو ما يجعل العنف (جميع أشكال العنف: الطائفي والمقاوم لقوات التحالف، والسياسي، والإجرامي، وغيره) أمراً ممكناً، بل أمراً ضرورياً بالنسبة لكثيرٍ من الأطراف. إن التوصل إلى حلٍّ للمواجهة بين العرب السنة والشيعة والأكراد واحدةٌ من الأولويات. لكن بناء دولةٍ فاعلةٍ تتمتع بالشرعيةِ أولويةٌ أيضاً لا تقل عن سابقتها إلحاحاً أو أهميةً أو مشقةً. 

دمشق/عمان/بروكسل، 25 حزيران/يونيو 2007  

Executive Summary

Amid the media and military focus on Baghdad, another major Iraqi city – Basra – is being overlooked. Yet Basra’s experience carries important lessons for the capital and nation as a whole. Coalition forces have already implemented a security plan there, Operation Sinbad, which was in many ways similar to Baghdad’s current military surge. What U.S. commanders call “clear, hold and build”, their British counterparts earlier had dubbed “clear, hold and civil reconstruction”. And, as in the capital, the putative goal was to pave the way for a takeover by Iraqi forces. Far from being a model to be replicated, however, Basra is an example of what to avoid. With renewed violence and instability, Basra illustrates the pitfalls of a transitional process that has led to collapse of the state apparatus and failed to build legitimate institutions. Fierce intra-Shiite fighting also disproves the simplistic view of Iraq neatly divided between three homogenous communities.

Lack of attention to Basra is understandable. Iraq’s future is often believed to depend on Baghdad, and most of the spectacular bombings have taken place in the centre of the country, far from the southern city. Observers, by now accustomed to the capital’s dynamics, have had difficulty making sense of Basra’s and so have tended to downplay them. Finally, because U.S. forces have not been directly involved, news coverage has been both limited to Arabic and British media and forced to compete with the gruesome violence that is tearing the centre apart.

But to neglect Basra is a mistake. The nation’s second largest city, it is located in its most oil-rich region. Basra governorate also is the only region enjoying maritime access, making it the country’s de facto economic capital and a significant prize for local political actors. Sandwiched between Iran and the Gulf monarchies, at the intersection of the Arab and Persian worlds, the region is strategically important. Sociologically, Basra’s identity essentially has been forged in opposition not only to the capital but also to other major southern cities such as Najaf and Karbala. For these reasons, it is wrong either to ignore it or lump it together with an imaginary, undifferentiated Shiite south.

On its face, Basra’s security plan ranked as a qualified success. Between September 2006 and March 2007, Operation Sinbad sought to rout out militias and hand security over to newly vetted and stronger Iraqi security forces while kick-starting economic reconstruction. Criminality, political assassinations and sectarian killings, all of which were rampant in 2006, receded somewhat and – certainly as compared to elsewhere in the country – a relative calm prevailed. Yet this reality was both superficial and fleeting. By March–April 2007, renewed political tensions once more threatened to destabilise the city, and relentless attacks against British forces in effect had driven them off the streets into increasingly secluded compounds. Basra’s residents and militiamen view this not as an orderly withdrawal but rather as an ignominious defeat. Today, the city is controlled by militias, seemingly more powerful and unconstrained than before.

What progress has occurred cannot conceal the most glaring failing of all: the inability to establish a legitimate and functioning provincial apparatus capable of redistributing resources, imposing respect for the rule of law and ensuring a peaceful transition at the local level. Basra’s political arena remains in the hands of actors engaged in bloody competition for resources, undermining what is left of governorate institutions and coercively enforcing their rule. The local population has no choice but to seek protection from one of the dominant camps. Periods of stability do not reflect greater governing authority so much as they do a momentary – and fragile – balance of interests or of terror between rival militias. Inevitably, conflicts re-emerge and even apparently minor incidents can set off a cycle of retaliatory violence. A political process designed to pacify competition and ensure the non-violent allocation of goods and power has become a source of intense and often brutal struggle.

Basra is a case study of Iraq’s multiple and multiplying forms of violence. These often have little to do with sectarianism or anti-occupation resistance. Instead, they involve the systematic misuse of official institutions, political assassinations, tribal vendettas, neighbourhood vigilantism and enforcement of social mores, together with the rise of criminal mafias that increasingly intermingle with political actors. Should other causes of strife – sectarian violence and the fight against coalition forces – recede, the concern must still be that Basra's fate will be replicated throughout the country on a larger, more chaotic and more dangerous scale. The lessons are clear. Iraq’s violence is multifaceted, and sectarianism is only one of its sources. It follows that the country’s division along supposedly inherent and homogenous confessional and ethnic lines is not an answer. It follows, too, that rebuilding the state, tackling militias and imposing the rule of law cannot be done without confronting the parties that currently dominate the political process and forging a new and far more inclusive political compact.

Iraq is in the midst of a civil war. But before and beyond that, Iraq has become a failed state – a country whose institutions and, with them, any semblance of national cohesion, have been obliterated. That is what has made the violence – all the violence: sectarian, anti-coalition, political, criminal and otherwise – both possible and, for many, necessary. Resolving the confrontation between Sunni Arabs, Shiites and Kurds is one priority. But rebuilding a functioning and legitimate state is another – no less urgent, no less important and no less daunting.

Damascus/Amman/Brussels, 25 June 2007

العراق: تحقيق الاستقرار في قضاء سنجار المتنازع عليه

لم يتعافَ قضاء سنجار بعد من الخراب الذي أصابه في عام 2014، عندما أخضع تنظيم الدولة الإسلامية سكانه لحملة رعب شرسة. ما يزال آلاف السكان نازحين. ومن أجل إقناعهم بالعودة، ستحتاج الحكومة الاتحادية العراقية وحكومة إقليم كردستان مساعدة السكان المقيمين هناك لتحسين الحوكمة والأمن.

  • Share
  • Save
  • Print
  • Download PDF Full Report

ما الجديد؟ في 15 تشرين الأول/أكتوبر 2020، وقّعت بغداد وأربيل اتفاقاً يهدف إلى تحقيق الاستقرار في قضاء سنجار العراقي من خلال إدارة وهيكلية أمنية جديدتين من شأنهما أن تسمحا بعودة المهجرين. إلا أن الاتفاق لم يُنجز إلا جزئياً. فتركيا تكثف قصفها لحزب العمال الكردستاني والمجموعات المرتبطة به في المنطقة.

ما أهمية ذلك؟ مع مرور الوقت دون التوصل إلى ترتيب عملي لحكم سنجار وتحقيق الأمن فيه، فإن الحوافز بالنسبة لأهل سنجار المهجرين الذين يعيشون في مخيمات بائسة للعودة إلى بيوتهم باتت تتضاءل. وفي هذه الأثناء، فإن تصاعد حدة العنف يخاطر بجر القضاء إلى صراع القوى بين تركيا وإيران.

ما الذي ينبغي فعله؟ ينبغي على بغداد وأربيل تنفيذ أحكام الحوكمة، والأمن وإعادة الإعمار في اتفاق سنجار في أقرب وقت ممكن. وينبغي أن تعالجا إخفاقهما، عند التوصل إلى الاتفاق، في تأمين مشاركة وموافقة المجموعات العراقية المسلحة الفاعلة على الأرض من خلال استشارتها واستشارة ممثلي المجتمع المدني السنجاري حول كيفية إنجاح الاتفاق.

الملخص التنفيذي

بعد نحو سبع سنوات من تمكّن تحالف غير وثيق مكوَّن من مجموعات مسلحة وقوات من إقليم كردستان وبغطاء جوي أميركي من إخراج تنظيم الدولة الإسلامية من سنجار، فإن الوضع هناك ما يزال متوتراً. سنجار، الذي كان في وقت من الأوقات قضاءً هادئاً في الزاوية الشمالية الغربية البعيدة من العراق، بات يصارع، مع افتقار إدارته المحلية للشرعية، وإخفاق خدماته العامة في تلبية التوقعات وتوقف عملية إعادة الإعمار فيه. ثمة مجموعة متفرقة من الجماعات المسلحة تبقي المنطقة غير آمنة، وهو الوضع الذي يترك 70 بالمئة من سكانه في حالة نزوح. وتنتشر الأغلبية العرقية – الدينية الإيزيدية، التي استُهدفت في هجوم أقرب إلى الإبادة الجماعية شنه تنظيم الدولة الإسلامية عليها في عام 2014، في سائر أنحاء الشمال الغربي (وفي المنفى) وتعاني من الانقسام السياسي. في عام 2020، توصلت الحكومة الاتحادية العراقية وحكومة إقليم كردستان إلى اتفاق لتحقيق الاستقرار في سنجار، لكن المتابعة تباطأت، وهددت الصدامات التي جرت في أيار/مايو بين الجيش وإحدى الميليشيات المحلية إلى تقويضه بشكل كامل. سيتعين على أطراف الاتفاق العمل مع سكان سنجار لتعزيز الدعم للاتفاق والإشراف على تنفيذه، بشكل يسمح بعودة المهجرين.

حتى قبل وصول تنظيم الدولة الإسلامية في عام 2014، كان قضاء سنجار رهينة مواجهة بين الحكومة الاتحادية في بغداد وحكومة إقليم كردستان في أربيل بسبب وضع الإقليم كمنطقة متنازع عليها (أي منطقة تدعي كلا الحكومتان السلطة عليها). ينص الدستور العراقي لعام 2005 على عملية مصممة لتسوية الادعاءات المزدوجة بالحق بالمناطق المتنازع عليها. إلا أن حكومة كردستان، وخصوصاً المكوّن الأكثر قوة فيها وهو الحزب الديمقراطي الكردستاني، سعت منذ وقت طويل إلى السيطرة على المناطق المتنازع عليها، بما في ذلك سنجار، كمقدمة لضمها إلى إقليم كردستان. ودخل مقاتلو الحزب الديمقراطي الكردستاني وقوات البشمركة التابعة له إلى سنجار في عام 2003، واستمالوا ووظفوا النخب المحلية لأداء مهام الحوكمة الروتينية. إلا أن الحزب لم يحقق شعبية تذكر هناك. وبوجه خاص، عامل الإيزيديين بوصفهم أكراداً، وبذلك حرمهم فعلياً من الهوية المميزة للجماعة وزرع بذور الاستياء في أوساطهم.

حوَّل هجوم تنظيم الدولة الإسلامية على الإيزيديين في آب/أغسطس 2014، سنجار إلى بؤرة تجمّع لطيف واسع من الجماعات المسلحة. وتمثلت إحدى هذه الجماعات في حزب العمال الكردستاني – وهو مجموعة كردية متمردة تصنفها تركيا (وكذلك الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي) تنظيماً إرهابياً. كان حزب العمال الكردستاني قد بحث عن مكان آمن في شمال العراق، رغم أن وجوده كان يقتصر بشكل عام على جبال قنديل قبل عام 2014 ومنطقة من قضاء مخمور حيث يقع مخيم للاجئين الأكراد من تركيا. لكن عندما سحب الحزب الديمقراطي الكردستاني قوات البشمركة التابعة له عندما شن مقاتلو تنظيم الدولة الإسلامية هجوماً على المنطقة، تدخلت جماعات تابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني بغطاء جوي أميركي – وتمكنت من إنقاذ الناجين وصد تنظيم الدولة الإسلامية تدريجياً. ثم، في أواخر عام 2015، أرسلت الولايات المتحدة مرة أخرى طائراتها الحربية لمساعدة خليط من الجماعات المرتبطة بحزب العمال الكردستاني (وحدات حماية الشعب السورية، ووحدات مقاومة سنجار التي أسست حديثاً) والبشمركة التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني على طرد تنظيم الدولة الإسلامية بشكل كامل. وعلى مدى العامين التاليين، ظل إقليم سنجار بشكل عام تحت سيطرة الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي هيمن على الشمال الشرقي وأيضاً على بلدة سنجار، وحزب العمال الكردستاني، الذي تركز وجوده في جبل سنجار والشمال الغربي.

في عام 2017، تغير الوضع في شمال العراق مرة أخرى، حيث أعاد تصعيد الحملة المناهضة لتنظيم الدولة الإسلامية بدعم من الولايات المتحدة القوات الاتحادية العراقية إلى الشمال، وانضمت إليها مجموعات الحشد الشعبي شبه العسكرية التي تتكون بشكل رئيسي من عراقيين من أجزاء أخرى من البلاد. فتمت استعادة الموصل، آخر مدينة كانت واقعة تحت سيطرة الدولة الإسلامية. ثم مضى الحشد أبعد من ذلك. فبعد أن أحدث استفتاء على الاستقلال نظمته حكومة إقليم كردستان رد فعل عكسي، تم إخراج الحزب الديمقراطي الكردستاني من سنجار والاكتفاء بتعاون مضطرب مع مكونات الحزب وفروعه والمجموعات المرتبطة به المقيمة هناك.

تتسم ترتيبات الحوكمة الناجمة عن ذلك بالعشوائية وانعدام الفعالية. إذ يتمتع الحزب الديمقراطي الكردستاني بتفويض رسمي لحكم سنجار، لكنه يمارس هذا التفويض من خارج القضاء، وحتى من خارج محافظة نينوى التي تقع فيها سنجار، أي من محافظة دهوك المجاورة. داخل سنجار، عيّن الحشد قائم مقام بديل ومدراء نواحٍ دون مباركة الحكومة الاتحادية، في حين أنشأت وحدات حماية الشعب، التي تتكون غالباً من إيزيديين عراقيين إضافة إلى عدد قليل من العرب الذين حملوا السلاح ضد تنظيم الدولة الإسلامية، ذراعاً حاكماً – "الإدارة الذاتية في سنجار" – تسعى لأداء بعض الوظائف البيروقراطية، لكنها تفتقر إلى السلطة والقدرة على أدائها.

في هذه الأثناء، وبسبب المجموعات المسلحة التي يستضيفها قضاء سنجار فإن القضاء يجد نفسه على نحو متزايد في وسط المواجهة بين تركيا وإيران. إيران تدعم الحشد، في حين أن تركيا تسعى إلى القضاء على حزب العمال الكردستاني الذي ترى فيه تهديداً لأمنها القومي. عندما انسحب مقاتلو الحزب الديمقراطي الكردستاني في عام 2017، فقدت تركيا – التي تتعاون مع الحزب الديمقراطي الكردستاني في محاربة حزب العمال الكردستاني – فقدت شريكها الرئيسي على الأرض في سنجار. وهكذا صعدت الضربات الجوية التي كانت تشنها أصلاً على مخابئ حزب العمال الكردستاني في شمال العراق، وضربت قواعد لوحدات حماية الشعب تستضيف كوادر من حزب العمال الكردستاني في سنجار أيضاً. من وجهة نظر تركيا، فإن القادة الكبار في وحدات حماية الشعب هم أنفسهم أعضاء في حزب العمال الكردستاني. وقد أصبحت هذه الهجمات سمة منتظمة لبيئة أمنية هشة أصلاً. وقد أوجد الحشد وحزب العمال الكردستاني (مع المجموعات التابعة له) أرضية مشتركة في مواجهة تركيا والحزب الديمقراطي الكردستاني – الحشد لأنه يسعى إلى الحصول على موطئ قدم أكثر ثباتاً في الشمال، فإنه يعد الوجود العسكري التركي هناك احتلالاً ويرفض ادعاء الحزب الديمقراطي الكردستاني بحقه في سنجار، وحزب العمال الكردستاني لأنه يسعى إلى العثور على ملاذ آمن في شمال العراق.

وسعياً من الأمم المتحدة إلى وضع القضاء على مسار أفضل، فإنها توسطت في التوصل إلى اتفاق في تشرين الأول/أكتوبر 2020 بين بغداد وأربيل يهدف إلى ملء الفراغ الأمني والإداري في مرحلة ما بعد وجود تنظيم الدولة الإسلامية من خلال الجمع بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان معاً في إدارة سنجار، وتحت السلطة الكلية لبغداد. لكن حتى الآن دخلت أجزاء فقط من الاتفاق حيز التنفيذ، بالنظر إلى أنه أخفق في أن يأخذ بالحسبان المناظير المختلفة للجهات الفاعلة المسيطرة على الأرض – أي وحدات حماية الشعب ومجموعات الحشد المختلفة. وحدات حماية الشعب، بما في ذلك الإدارة الذاتية لسنجار، ترفض الاتفاق، الذي لا يكتفي بعدم ذكر دورها في القضاء، بل يحظر وجودها بشكل كامل. وفي حين أن الحشد، الذي يخضع رسمياً لسلطة رئيس الوزراء العراقي، طرف منفذ للاتفاق، فإن الكثير من المجموعات الشيعية التي تكوّن النواة الصلبة للحشد تنظر إلى الحكومة على أنها منحازة ضدها في السعي إلى نقل المسؤوليات الأمنية إلى القوات النظامية الخاضعة لوزارتي الدفاع والداخلية. اتضحت الطبيعة العاجلة لتسريع التنفيذ الكامل للاتفاق في أيار/مايو، عندما اندلعت اشتباكات بين الجيش ووحدات حماية الشعب في إحدى النواحي التابعة لقضاء سنجار. وفي حين أن مثل تلك المواجهات تبدو متقطعة، فإنها تكشف عن تحدٍ لم تتم معالجته، والمتمثل في مصير وحدات حماية الشعب، التي وإن كانت مرتبطة بمجموعة خارجية فإن حزب العمال الكردستاني يتكون أفراده هو نفسه من سنجاريين، أي مواطنين عراقيين لديهم هواجس محلية مشروعة. وهكذا، فإن هذا الملف يستحق معالجة حساسة، وليس إلى لجوء الجيش إلى استخدام المطرقة في كل مكان يرى فيها مسماراً أعوج.

ومن أجل معالجة التأخير الخطير في إنفاذ اتفاق سنجار فعلياً، ينبغي على بغداد وأربيل العمل باتجاه درجة أكبر من قبول الاتفاق من قبل طيف واسع من الجماعات المسلحة المحلية وممثلي المجتمعات المعنية. فيما يتعلق بالجانب المدني، ينبغي على الحكومة أن تعين مكلفاً بأعمال القائم مقام حالياً، وإجراء مشاورات وثيقة مع سلطات أربيل وقادة المجتمع المحلي في سنجار لتعيين شخص إيزيدي مناسب وغير منحاز سياسياً من سنجار. على الجبهة الأمنية، ينبغي على الحكومة الاتحادية الابتعاد عن مقاربتها القتالية، والانخراط في حوار مباشر مع وحدات حماية الشعب بشأن تحديات مثل إنشاء قوة شرطة محلية والسعي إلى إدماج مقاتليها (وأعضاء المجموعات المسلحة الأخرى) في قوات الدولة. ويمكن لبعثة الأمم المتحدة للمساعدة في العراق أن تساعد في إنجاح هذه الإجراءات من خلال إرسال مراقبين مدنيين دوليين ومستشارين تقنيين للإشراف على العملية.

بغداد/بروكسل، 31 أيار/مايو 2022

Subscribe to Crisis Group’s Email Updates

Receive the best source of conflict analysis right in your inbox.