اليمن: لئلا يزرع الإصلاح العسكري بذور صراع جديد
اليمن: لئلا يزرع الإصلاح العسكري بذور صراع جديد
How to Avert an Imminent Disaster off Yemen’s Red Sea Coast
How to Avert an Imminent Disaster off Yemen’s Red Sea Coast

اليمن: لئلا يزرع الإصلاح العسكري بذور صراع جديد

 أعادت إقالة الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي كلاً من العميد أحمد علي عبدالله صالح واللواء علي محسن الأحمر من منصبيهما، مسألة إصلاح الجهاز العسكري والأمني إلى الواجهة. وعلى رغم أهمية هذه القرارات في تحييد القادة الإشكاليين، إلا أنها مجرد بداية، فالعمل الشاق يتمثل في تنفيذ المراسيم ومن ثم المضي قدماً في بناء جيش وطني محترف يخضع لسيطرة مدنية. الفشل في تحقيق ذلك في إطار إجماع وطني شامل قد يزرع بذور صراع جديد

لو سألت أي يمني، بصرف النظر عن الطيف السياسي الذي يمثله، فسيسارع إلى إعلان تأييده المطلق لوجود جهاز عسكري أمني محترف متحرر من النفوذ العائلي والقبلي والحزبي والطائفي. وعلى رغم أن إعادة هيكلة الأجهزة العسكرية والأمنية تعتبر محورياً لنجاح العملية الانتقالية، إلّا أنها عملية بالغة الصعوبة لأنها تهدد في شكل مباشر جملة من المصالح المتجذرة

على رغم اتخاذ الرئيس عبد ربه منصور هادي خطوات أولية مهمة، فإن الخطوات الصعبة لا تزال تلوح في الأفق، لا سيما في ما يتعلق بالفساد والتسييس. إذ لا يزال ينبغي إحداث هيكلية إدارية وقيادية متماسكة، وفرض الانضباط والهوية المؤسسية الموحدة والمضي في إضعاف قبضة النخبة القديمة من دون إثارة رد فعل عنيف. وينبغي فعل كل ذلك في الوقت الذي تواجه البلاد مجموعة هائلة من التحديات الأمنية، بما في ذلك هجمات «القاعدة»، وتخريب البنية التحتية الرئيسة، والوجود القبلي المسلح المتزايد في المدن الرئيسة، والمكاسب التي حققها الحوثيون على الأرض في الشمال، واشتداد حدة العنف في الجنوب حول قضية الانفصال

تمتعت الأجهزة العسكرية والأمنية فعلياً بالحصانة ضد الرقابة المدنية في ظل حكم الرئيس السابق علي عبدالله صالح. تركزت الولاءات حول قادة أفراد يتحدرون في معظمهم من عائلة أو قبيلة الرئيس. ثم، ووسط انتفاضة عام 2011، انقسم قادة الجيش إلى نصفين، حيث وقفت إحدى المجـــموعتين حول اللواء علي محســـن الأحمر مع المحـــــتجين، فيما وقفت المجموعة الأخرى حول عائلة صالح مع النظام. ولا يزال هذان الفريقان لاعبين سياسيين قويين يسيطران على موارد كبيرة وقطاعات لا بأس بها من الاقتصاد. لكن، على رغم مزاعمهما في دعم المرحلة الانتقالية، فإن ثمة ما يبرر الاعتقاد بأنهم سيحشدون مواردهم التي لا تزال هائلة لحرف الحوار الوطني أو حتى إفشاله

يتمثل الإصلاح العسكري والأمني جزئياً في إضعاف قبضة النظام القديم المنــقسم لفتح الفضاء السياسي أمام تغيير حقيقي من خلال الحوار الوطني الذي يشكل حجر زاوية في العملية الانتقالية. لقد حقق هادي بعض الاختراقات، فمن خلال إجرائه بعض التغييرات الإدارية وإحداث بعض التنقلات ومن ثم حل مؤسستين عسكريتين إشكاليتين هما الحرس الجمهوري بقيادة ابن علي عبدالله صالح أحمد علي، والفرقة التي يقودها علي محسن، ومن ثم تعيين هذا الأخير مستشاراً له لشؤون الدفاع وتعيين نجل صالح سفيراً لدى دولة الإمارات العربية المتحدة فقد قص جناحي خصميه الرئيــسين وعزز سيطرته. إلا أن ثمة أخطاراً لا تزال في انتظاره، حيث إن التنفيذ لا يزال في مراحله الجنينية وسيستغرق وقتاً، كما أن بعض تعيينات هادي تفوح منها رائحة طبعته الخاصة من التحيز. كما أن توجيه هادي الضربات الأكثر قوة لمعسكر صالح، فإنه، ومن دون قصد منه ربما، يعزز موقع علي محسن في شكل غير متناسب

إن الإصلاحات المؤسساتية الدائمة تتطلب أكثر من مجرد تدوير بعض المناصب. وهنا تكمن مخاطرة ثانية، أو موطن خلل ثانٍ. فحتى الآن، يبدو أن التغييرات التي أجراها هادي مدفوعة في شكل رئيسي، وهذا أمر مفهوم، بالاعتبارات السياسية والحاجة الملحة لإزاحة القادة الإشكاليين عن مواقعهم من دون إحداث مقاومة عنيفة

لكن ثمة قضايا أخرى تعتمل تحت السطح ولا يمكن تجاهلها لفترة طويلة، مثل تعزيز احترافية القطاع العسكري الأمني، والفرض التدريجي للقوانين غير المتحيزة التي تتحكم في التوظيف، والصرف من الخدمة، والتقاعد وتنقلات الموظفين، وإدماج رجال القبائل في قوات الأمن من دون تشجيع العصبية القبلية، وضمان الرقابة المدنية وتثبيت عملية اتخاذ القرار بأيدي المدنيين، ووضع استراتيجية أمنية وطنية يتحدد من خلالها تفويض وحجم الفروع الأمنية والعسكرية المختلفة

تتمثل العقبة الأساسية أمام أي إصلاح ذي معنى في غياب عقد سياسي شامل. من الصعب تصور تخلي اللاعبين العسكريين والأمنيين عن نفوذهم أو القبول في شكل كامل بالتغيير الذي يمكن أن يتركهم ضعفاء أمام خصومهم المحليين بأي حال من الأحوال. ومن شبه المستحيل تخيل ذلك في ظل حال انعدام الثقة التي تسود البلاد. ثمة تعقيدات أخرى ذات صلة حيث إن مكونين رئيسين يتمثلان في الحركة الحوثية الموجودة في شكل أساسي في الشمال والانفصاليين الجنوبيين يتشاطران شكوكاً عميقة حيال عملية إعادة الهيكلة التي تم إقصاؤهما عنها في شكل فعلي. هكذا، فمن غير المحتمل أن يؤيدا القرارات التي تتخذ من دون اتفاق موسع على معايير الدولة في حقبة ما بعد علي عبدالله صالح

هنا، يأتي دور الحوار الوطني إذ إن إدماج عملية إعادة الهيكلة العسكرية الأمنية في شكل وثيق في الجهد الأوسع للوصول إلى إجماع ســـياسي شامل هو وحده الذي يمكن أن يفضي إلى نجاح ميثاق وطني ودستور جديد. ويتمثل التحــدي في إيجاد حــلقة مثمرة تسير فيها عملــية إعادة الهيكلة والحوار بالتوازي وفي شكل يعزز أحدهما الآخر. إنها رقصة تتطلب الكثير من البراعة. اللاعبون الدوليون يمكن، بل وينبغي، أن يساعدوا في هذه العملية. إلا أن اليمنيين يحـــملون العبء الأثقل المتمثل في التوصل إلى الترتيب الزمني والتوقيت السليمين
 

The Smit Hunter heads a control operation of the FSO Safer at the Yemen Hunt Oil Terminal, Yemen, 1992. Flickr / Piet Sinke

كيفية تفادي حدوث كارثة وشيكة على ساحل اليمن على البحر الأحمر

ثمة منشأة تخزين نفط عائمة في المياه اليمنية على وشك التصدع أو الانفجار. والوقت ينفد لجمع 20 مليون دولار هو المبلغ المتبقي اللازم لعملية إنقاذية لمنع حدوث أضرار بيئية واقتصادية بأبعاد تاريخية.

تدعو مجموعة الأزمات الحكومات، والمؤسسات الدولية والأفراد المقتدرين مادياً للتبرع بشكل عاجل جداً للمساعدة في تفادي حدوث كارثة بحجم هائل في البحر الأحمر. صافر، وهي ناقلة نفط كبيرة تم تحويلها إلى خزان عائم ومِرفق لتفريغ شحنات النفط تحمل أكثر من مليون برميل نفط حالياً، ويمكن أن تنفجر أو تتصدع في أي لحظة. وإذا حدث ذلك، فمن شبه المؤكد أن تتسبب بكارثة بيئية ستتجاوز بكثير حادثة التسرب النفطي من إكسون فالديز عام 1989، "حاملة الرقم القياسي" الحالي للضرر البيئي من حادثة واحدة. كما أنها ستفاقم أيضاً المحنة الإنسانية الحادة ويمكن أن تعقّد الجهود الرامية لإنهاء الحرب في البلاد. إن عملية إنقاذية متضافرة ما تزال ممكنة، لكن الوقت قصير جداً، والأمم المتحدة، التي تفاوضت على خطة عملية، ما تزال بحاجة ماسّة للمبلغ النقدي – ومقداره 20 مليون دولار – رغم الجهود الحثيثة لجمع التبرعات.

الحقائق المرتبطة بالحالة معروفة تماماً. وقد تم إطلاع العالم عليها من قبل بعثة الأمم المتحدة الإنسانية في اليمن وتمت تغطيتها في عرض موجز في مجلة ذا نيويوركر. إن الحقائق باختصار شديد هي على النحو الآتي:

  • ترسو صافر في مياه على الساحل اليمني على البحر الأحمر يسيطر عليها المتمردون الحوثيون، الذين يسيطرون أيضاً على معظم أنحاء شمال البلاد. لقد جعلت سبع سنوات من الحرب والعقوبات من المستحيل تحريك النفط أو إجراء عملية صيانة روتينية على هذا المرفق العائم؛ وخلال هذا الوقت، بدأت الناقلة بالتآكل، في حين أن النظام الموجود على متنها لمنع انفجار الغازات القابلة للاشتعال بات معطلاً.
     
  • بعد مفاوضات مضنية قادتها الأمم المتحدة، وافق الحوثيون والأطراف الأخرى في الحرب اليمنية على تفريغ النفط من صافر وعلى أن يتم تفكيك الناقلة واستبدالها، ربما بسفينة أصغر تُربط بعوامة على الساحل، وهو نظام تستعمله عدة بلدان أخرى، بما فيها إيران.
     
  • وتكلّف المرحلة الأولى من العملية، أي تفريغ النفط، 80 مليون دولار. أما المرحلة الثانية، وهي وضع الناقلة الجديدة في مكانها، فيمكن أن يكلّف 64 مليون دولار إضافي (يمكن أن يحسم منه العائد المتوقع من بيع الخردة المعدنية لصافر، والمقدر ثمنها بـ 25 إلى 30 مليون دولار). إن الحاجة إلى الأموال اللازمة للمرحلة الثانية ليست بنفس الإلحاح.
     
  • الوقت هو العنصر الجوهري لإكمال المرحلة الأولى. ففي حين أن السفينة يمكن أن تتصدع أو تتحول إلى كتلة لهب في أي وقت، فإن المخاطرة سترتفع بشكل كبير حالما يتغير الطقس في تشرين الأول/أكتوبر، عندما تضرب الرياح العاتية البحر الأحمر. تحتاج العملية الإنقاذية، التي ستجريها شركة هولندية، أربعة أشهر. ولا يمكن تأخير تلك العملية للحظة واحدة إضافية.
     
  • لقد أثمرت مناشدة الأمم المتحدة للحصول على المال للمرحلة الأولى عن جمع 60 مليون دولار حتى الآن. وقد وصلت المساهمات من الحكومات الهولندية، والألمانية، والسعودية، والسويسرية، والبريطانية، والأمريكية، لكن يتبين أن جمع الـ 20 مليون الأخيرة هو الأكثر صعوبة.
     
  • لكن الحساب بسيط: إنفاق 80 مليون دولار الآن أو مليارات ومليارات الدولارات لاحقاً، أي على عملية تنظيف البيئة والتعامل مع التداعيات الثانوية، مثل ازدياد حدة المجاعة في اليمن (حيث ستُجبر المدن الواقعة على الساحل والتي تصل من خلالها معظم الواردات الغذائية على الإغلاق) ودمار المسامك والموارد الأخرى للدخل التي ستتأثر بتسرب النفط – ليس في اليمن وحسب بل على طول ساحل البحر الأحمر. أضف إلى ذلك الأثر على عمليات الشحن البحري عبر هذا الممر المائي الحيوي، على سبيل المثال على شكل تحديات إضافية في سلسلة الإمداد التي من شأنها أن تؤثر على الاقتصاد العالمي، وكلفة عدم القيام بما يلزم أكثر وضوحاً. وينبغي أن يشكل حادث سفينة إيفر غيفين، التي أغلقت قناة السويس لمدة ستة أيام في آذار/مارس 2021، تذكاراً صارخاً بالانقطاعات التي يمكن أن يسببها إغلاق من ذلك النوع، حتى ولو كان قصير الأمد.
     
  • ولذلك ينبغي أن ينظر المانحون إلى حزمة الـ 80 مليون دولار ليس كهدية للمتمردين الحوثيين، بل كفعل جوهري لحماية مصالحهم الاستراتيجية ورفاههم الاقتصادي، وكذلك البيئة الهشة لحوض البحر الأحمر.
     

لقد فعلت الأمم المتحدة كل ما في وسعها لإبقاء أزمة صافر منفصلة عن الحرب اليمنية التي نشأت عنها، لإدراكها بأن الأطراف المتحاربة ستحاول – كما حاولت أصلاً، لكن عبثاً – تسييس القضية وبفعلها ذلك تأخير عملية الإنقاذ أكثر. إلا أن الصلة حقيقية فعلاً، على الأقل لأن التسرب النفطي الهائل الذي يمكن أن يحدث من شأنه أن يعيق جهود صنع السلام. ومن شبه المؤكد أن الأطراف المختلفة لن تلقي مسؤولية الكارثة على بعضها بعضاً وحسب، بل إن إغلاق الموانئ ومضاعفة التحديات الإنسانية من شأنه أن يعيد إشعال فتيل القتال في الوقت الذي يشهد فيه اليمن لحظة من الهدوء النسبي بفضل الهدنة التي توسطت الأمم المتحدة للتوصل إليها، والتي دخلت شهرها الثالث. من شأن حدوث تسرب نفطي أن يزيد أيضاً من حدة التوترات الجيوسياسية في المنطقة.

قد تكون هذه المناشدة أبسط شيء فعلته مجموعة الأزمات على الإطلاق. لا تتعلق المسألة بقيام أطراف الصراع بوضع خلافاتهم العميقة جانباً والاتفاق على تسويات مؤلمة على طاولة المفاوضات. بل بقيام حكومات وآخرين باقتطاع أجزاء من موازناتهم لتخصيص 20 مليون دولار لهذا الجهد – وهو مبلغ لا يذكر تقريباً بالنسبة لمعظم الأطراف الغربية المعنية بالنظر إلى النفقات الأكبر التي ستترتب على الشركات الأخرى وأيضاً بالنظر إلى نطاق الكارثة الوشيكة. ما من شك في أن معالجة التهديد الذي تشكله صافر الآن سيوفر عائداً هائلاً على ما يمكن اعتباره استثماراً ضئيلاً.

بالطبع، وبصرف النظر عن قضية صافر، فإن أولئك الذين لهم مصلحة في وضع نهاية تفاوضية للحرب اليمنية سيكونون بحاجة لفعل ما هو أكثر بكثير لإنجاز تلك المهمة وأيضاً لتخفيف المعاناة الإنسانية الهائلة التي تسببت بها الحرب. سيكون إنقاذ سفينة متداعية خطوة أولى رخيصة، وسهلة ومنطقية تماماً نحو تحقيق هذا الهدف الأكبر.

Subscribe to Crisis Group’s Email Updates

Receive the best source of conflict analysis right in your inbox.