icon caret Arrow Down Arrow Left Arrow Right Arrow Up Line Camera icon set icon set Ellipsis icon set Facebook Favorite Globe Hamburger List Mail Map Marker Map Microphone Minus PDF Play Print RSS Search Share Trash Crisiswatch Alerts and Trends Box - 1080/761 Copy Twitter Video Camera  copyview Youtube
صنعاء، مدينة تتسم بالكبرياء لكن تعاني من الجوع ومن حصار يحقق آثاراً عكسية
صنعاء، مدينة تتسم بالكبرياء لكن تعاني من الجوع ومن حصار يحقق آثاراً عكسية
أدوات الألم (I): الصراع والمجاعة في اليمن
أدوات الألم (I): الصراع والمجاعة في اليمن
Women walk on a bridge in the old quarter of Yemen's capital Sanaa, on 9 April 2016. REUTERS/Khaled Abdullah.

صنعاء، مدينة تتسم بالكبرياء لكن تعاني من الجوع ومن حصار يحقق آثاراً عكسية

كبيرة محللي مجموعة الأزمات لشؤون شبه الجزيرة العربية، أبريل لونغلي آلي، وجدت في خلال أبحاثها الميدانية في صنعاء، العاصمة اليمنية، الكبرياء والصمود والتوق لإنهاء الصراع؛ وتستنتج، استناداً إلى العديد من الحوارات التي أجرتها أن عزل جانب واحد في الصراع ومفاقمة المجاعة والمعاناة ستسهم فقط في إطالة أمد الحرب.

صنعاء، اليمن – يتمثل أحد الأوجه الأكثر إثارة للإحباط في العمل على الصراعات الدائرة في اليمن في مدى صعوبة زيارة البلاد. قضيت خمسة أشهر في الحصول على الموافقات والتصاريح الأمنية لزيارتي. الآن، في النهاية، أنا على متن رحلة للأمم المتحدة من عمان إلى صنعاء. هذه زيارتي الأولى للبلاد منذ غادرتها قبل أربعة أيام من شروع التحالف الذي تقوده السعودية، بدعم من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، بعمليات القصف التي  بدأتها في آذار/مارس 2015 لإعادة حكومة عبد ربه منصور هادي، التي كانت قد أطيح بها على يد المتمردين الحوثيين المتحالفين مع الرئيس السابق علي عبد الله صالح.

تتضح الأضرار التي تخلفها الحرب مع شروع الطائرة بالهبوط، حيث إن المطارين المدني والعسكري في صنعاء متجاوران وقد دُمر الجزء العسكري بشكل كامل تقريباً. نتجاوز هياكل المروحيات والطائرات الحربية ومن ثم البقايا المدمرة للطائرات المدنية التابعة لشركة الطيران اليمنية السابقة أريبيا فيليكس. ننتقل إلى مبنى البوابة الذي مزقته الشظايا وبات مهجوراً تماماً في مشهد يتناقض مع تقاطعات الطرق المزدحمة التي أذكرها. منذ انهارت محادثات السلام في آب/أغسطس 2016، فإنها وحدها الرحلات الجوية الإنسانية التي تنظمها الأمم المتحدة هي التي تصل إلى صنعاء كل أسبوع. يقترب باص وحيد ليفرغ حفنة من المسافرين في البوابة المهجورة. أنا، من جهتي، يرحب بي عضو من أنصار الله (أي التيار الحوثي) وممثل عن وزارة الخارجية في صنعاء حضرا للتأكد من عدم وجود مشاكل أمام دخول الزائرة الوحيد من أمريكا ومن منظمة دولية غير حكومية على الرحلة.

لا تزال المدينة نابضة بالحياة

لكن مع دخولي المدينة، فإني أجد مفاجأة بانتظاري. في البداية لم أرَ المعاناة الإنسانية التي أعرف أنها موجودة. على السطح، تبدو المدينة بنفس الشكل الذي تركتها به تقريباً يملؤها الزحام والضوضاء والحياة. هناك زحمة مرورية خاصة في ميدان التحرير – في مؤشر على أن الوقود يجد طريقه إلى المدينة. لا تزال مباني صنعاء الشهيرة، المرتفعة ذات الزخارف المعقدة المبنية من اللبن واقفة، كما لا تزال المدينة القديمة على حالها بشكل عام، رغم وجود كميات أكبر من النفايات في الشوارع وصور الشهداء وشعارات الحوثيين ملصقة في كل مكان. الناس يتابعون حياتهم اليومية؛ حيث تبدو الشوارع نابضة بالحياة، والمحلات التجارية مفتوحة، وهناك مواد غذائية على رفوفها. يخبرني سائق السيارة التي استقلها بأن المدينة أكثر ازدحاماً من المعتاد بسبب استيعابها للنازحين من مناطق القتال المحيطة بها. كل ما أراه يذكرني بشكل دائم بأن صنعاء عانت أقل من غيرها، مقارنة بمدن أخرى في الشمال، من عمليات القصف التي شنها التحالف الذي تقوده السعودية وكذلك من التهديد المتنامي الذي تشكله المجاعة. يخبرونني أن مدناً مثل الحديدة، وصعدة وحجة أسوأ حالاً بكثير.

.لا تتمثل المشكلة في عدم توافر الغذاء – على الأقل في صنعاء حتى الآن – بل بعدم امتلاك المال اللازم لشرائه

هناك شيئ آخر أيضاً. إنني أشعر بالأمان رغم أنني أتنقل بسيارة أجرة عادية. صحيح أنني أرتدي العباءة السوداء والنقاب الأسود التقليدي الذي يغطي الوجه، ما يعني أن لا أحد يستطيع أن يرى سوى عيني. لكن الملفت هو وجود عدد قليل من نقاط التفتيش في المدينة وقدر ضئيل من الوجود الأمني الصريح في الشوارع. أعود لأرى منزل صديق، حيث كنت أعيش، وأجد أن كل شيء لا يزال موجوداً، ولو كان مغطى بالغبار. لم ألمس من خلال أحاديثي حدوث عمليات نهب واسعة النطاق أو انتشار لانعدام القانون.

بل إن هناك جانب إيجابي للمصاعب التي يواجهها السكان؛ فقد ألهمت الانقطاعات الدائمة للكهرباء بإيجاد ابتكارات جديدة، وتحولت العديد من المنازل والشركات إلى الطاقة النظيفة. أرى عدداً أكبر من ألواح الطاقة الشمسية مما كان موجوداً على ما أذكر. لا تستطيع الحكومة أن توفر الكثير من الكهرباء، أو الكثير من أي شيء آخر، وهذا يجبر الناس على فعل كل ما بوسعهم ليبدعوا ويبتكروا.

لكن مع تعرفي أكثر على المكان والاتجاهات، أرى المباني التي قصفت وقد سويت بالأرض في كثير من الأحيان وسط بيئة حضرية مزدحمة. وهذه في معظمها مبانٍ حكومية أو مبانٍ سكنية تعود إلى الرئيس السابق صالح، أو عائلته أو المسؤولين في حزبه، المؤتمر الشعبي العام. الفجوة التي أحدثت الصدمة الأكبر عندي في المشهد الحضري كانت الإطار المعدني لما كان أكبر صالة اجتماعات في صنعاء، التي قال السعوديون أنهم قصفوها بالخطأ في 8 تشرين الأول/أكتوبر 2016، فقتلوا 140 شخصاً وجرحوا أكثر من 600 شخص كانوا يحضرون عزاءً.

أزور الموقع بعد عدة أيام من وصولي لأعاين الأضرار بشكل مباشر. أرى الصور التي بهتت لأولئك الذين قضوا نحبهم في جحيم ذلك اليوم وقد ألصقت في محيط الباب. أرى صورة أحد الأصدقاء، وهو قائد محلي يحظى بالاحترام، هو عبد القادر هلال. كان من أوائل الذين كنت سأراهم في هذه الزيارة لأعرف منه آفاق التوصل إلى تسوية. لكنه، مع كثيرين غيره ممن كنت أعتمد عليهم في الماضي لأخرج بفهم أفضل للأحداث، إما قتلوا، أو يعيشون في الخارج أو باتوا في أجزاء أخرى من هذا البلد المقسّم.

لا تشكل حقيقة أن التحالف يستهدف قوات الحوثي/صالح عزاءً يذكر لليمنيين الذين التقيهم؛ فمنازل مسؤولي حزب المؤتمر الشعبي العام التي تستهدفها الضربات الجوية موجودة في معظم الأحيان في أحياء سكنية ذات كثافة سكانية عالية، ما يجعل الأضرار الجانبية أمراً لا مفر منه. في كل مكان يحدثونني عن القتلى: عائلة من ستة أفراد في منزل مجاور قتل جميع أفرادها، فتاة شابة قتلت، أم أحرقت حتى الموت. يتحدث الناس عن "كوارث مزدوجة"؛ عندما يهرع المنقذون للمساعدة بعد غارة أولى، تلقي طائرات التحالف موجة ثانية من القنابل، فتقتل المنقذين وكل من قد يصادف وجوده في المكان. لم أسمع ولا مرة عن مسؤول كبير في المؤتمر الشعبي العام أو عن مسؤول حوثي قتل في مثل تلك الغارات.

خلال الأيام الستة التي قضيتها في المدينة لم تحدث أية غارات؛ لكن من وقت لآخر، أسمع الهدير البعيد لطائرات الاستطلاع. أصدقائي اليمنيون، الذين باتوا متنبهين تماماً لوجودها، يدلونني عليها. بعد بضعة أيام من مغادرتي، تقصف الطائرات من جديد، وتصيب، كما تفعل في معظم الأحيان، نفس المنشآت العسكرية في الجبال المحيطة بالمدينة.

جوع مخبأ

لا أرى طوابير من الناس يصطفون للحصول على الغذاء؛ حيث لا تزال الأفران والمطاعم مفتوحة، وهناك خضار وفواكه على البسطات. لكن هناك يأس كامن تحت السطح النابض بالحياة في صنعاء. لقد كان الفقر موجوداً دائماً في المدينة، لكن هناك أعداد أكبر بكثير من الناس مما أذكر في الماضي ينبشون أكوام القمامة بحثاً عن شيء يأكلونه أو يبيعونه.

لا تكمن المشكلة في عدم توافر الغذاء – على الأقل في صنعاء حتى الآن – بل بعدم امتلاك المال اللازم لشرائه. بعد عامين من الحرب، فإن الاقتصاد في حالة انهيار وأسهمت الأزمة بين الفصائل اليمنية المتصارعة على البنك المركزي إلى نشوء وضع لم تُدفع فيه رواتب موظفي الخدمة المدنية بشكل ثابت منذ آب/أغسطس 2016. كل من تحدثت إليه أشار إلى موضوع الصعوبات الاقتصادية: السياسيون، والأصدقاء، والحراس، وسائقو سيارات الأجرة، والعاملون في الفنادق، وكل من تعرفت عليهم بالصدفة.

April Longley Alley meets with Mohammed al-Dailimi, Executive Director of the Rehabilitation Fund and Care of Handicapped Persons, in Sanaa, Yemen, on 24 April 2017. CRISISGROUP/April Longley Alley

تتفاقم المعاناة الصامتة تحت واجهة الحياة الطبيعية. يتحدث الناس عن الإنفاق من مدخراتهم حتى استنزافها. ويقول مالكو المنازل إنهم لم يعودوا يجمعون أجرة منازلهم لأن المستأجرين لا يستطيعون الدفع. وبات الناس يعتمدون بشكل متزايد أكثر من أي وقت مضى على شبكات علاقاتهم الشخصية، حيث يتلقون الأموال من أقاربهم الذين يعيشون في الخارج عبر شركات تحويل الأموال.

النساء هن أول من يعاني، حيث إن العادات المحلية تجعل من الصعب عليهم الخروج وطلب المساعدة بأنفسهم. يخبرني أحد الأصدقاء عن جارة اختفى زوجها: لم تسمع شيئاً عن مصيره، ولم يكن لديها دخل، ولا عائلة ممتدة، وخياراتها محدودة جداً في إطعام ستة أطفال. في منزل آخر، التقيت أسرة مكونة من 14 امرأة وطفلاً في غرفتين. أجسادهم نحيلة بشكل مخيف، فقد غدوا جلداً على عظم. لكنهم يتسمون بالكبرياء، ولا يتحدثون كثيراً عن احتياجاتهم الملحة.

نحن وهم

قد يكون الشعور بالصمود والكبرياء هو أكثر ما يقلل التحالف الذي تقوده السعودية والمدعوم من الولايات المتحدة من شأنه. حتى الأشخاص الذين لا يعدون مؤيدين طبيعيين للتحالف القائم بين ميليشيا الحوثي والرئيس السابق صالح يشعرون بنوع من التضامن نتيجة الحرب، والحصار الذي فرض عليهم، والأضرار الأوسع التي ألحقها بهم القصف والحصار. لو شعر الناس أن المستهدفين كانوا فقط المقاتلين الحوثيين، فإنهم كانوا سيشعرون بشكل مختلف؛ لكن مقتل المدنيين، بمن فيهم النساء والأطفال، وتفاقم الصعوبات الاقتصادية يجعل الناس يشعرون أنهم جميعاً مستهدفون. وبالفعل، فإن أحد أقوى الانطباعات التي خرجت بها من زيارتي كان رؤية الغضب من الطريقة التي تدمر بها الحرب حياة الناس العاديين.

.إن عقلية ’نحن ضد هم‘ التي تضع صنعاء في مواجهة مع السعودية تنعكس داخل اليمن في عدد من الانقسامات الداخلية

هذا لا يعني عدم وجود إحباط أو غضب موجهين نحو الحوثيين، الذين يحمّلهم العديد من اليمنيين المسؤولية عن إطلاق دائرة العنف والآن جراء عدم قدرتهم على إدارة حكومة فعالة. إلا أن الجزء الأكبر من الغضب، وحتى الكراهية، موجه نحو السعودية، البلد الذي لليمنيين معه تاريخ طويل ومعقد من التنافس. رغم أن قوات الحوثي/صالح لا تمتلك سوى الأسلحة الخفيفة وتفتقر إلى القوى الجوية، فإن هذا يوجِد مقاومة عنيدة يمكن اختصارها بالآتي: "إذا كان الخيار هو: 'الاستسلام أو الموت جوعاً' فإننا سنحارب". أحد الشيوخ القبليين يخبرني أن "اليمنيين لن يكونوا عبيداً للسعودية". كما أن هناك كراهية متنامية وواسعة الانتشار للولايات المتحدة بسبب دعمها للحرب، وهو ما يجد اليمنيون صعوبة في فهمه. كأمريكية، فقد يكون السؤال الذي يطرح عليَّ بشكل أكثر تكراراً هو: "لماذا تهاجمنا الولايات المتحدة؟"

إن احتمال غزو تقوده السعودية لأهم الموانئ الشمالية، وهو ميناء الحديدة، يثير مشاعر معادية للسعودية والولايات المتحدة، وكذلك شعوراً بالتضامن في صنعاء. ثمة إجماع على فهم الهجوم على أنه محاولة لممارسة أقصى درجات الضغط الاقتصادي على الشمال لإجبار تحالف الحوثي/صالح على الاستسلام أو الموافقة على تسوية بشروط أقل ملاءمة لهم. وهذا ما يسمح لسياسيي الحوثي/صالح بالمزايدة حول القضية، والادعاء بأنهم مستعدون لبذل كل ما هو ضروري من الدماء دفاعاً عن الحديدة وتوسيع الحرب إلى الأراضي السعودية رداً على ذلك.

إن عقلية "نحن ضد هم" التي تضع صنعاء في مواجهة مع السعودية تنعكس داخل اليمن في عدد من الانقسامات الداخلية. في صنعاء، أرى تضامناً قوياً، رغم الاختلافات، ضد ما ينظر إليه على أنه "عدوان أجنبي". لكن في أجزاء أخرى من البلاد، تختلف رواية الحرب بشكل جذري. من خلال الأشخاص الذين أعرفهم في اليمن الجنوبي السابق، الذي كان دولة منفصلة قبل عام 1990 وحيث لا تزال الرغبة بالاستقلال قوية، أسمع أن جبهة الحوثي/صالح غزاة خارجيون وأن التحالف الذي تقوده السعودية محق في تدخله العسكري. في محافظة مأرب الشمالية، وهي منطقة قبلية سنية تاريخياً تتمتع بموارد نفطية وغازية كبيرة، يقف العديد ممن يرتبطون بالأيديولوجية الرئيسية لعدو الحوثيين المتمثل في حزب الإصلاح الإسلامي السني مع السعودية ويعملون بشكل مستقل عن صنعاء وأيضاً عن حكومة هادي المعترف بها دولياً. هادي نفسه يتخذ له مقراً رسمياً في عدن، لكنه يحظى بدعم أقل بكثير مما يحظى به القادة الانفصاليون المحليون. المناطق الخاضعة حالياً لسيطرة الحوثي/صالح تتقاطع في كثير من الأحيان مع المرتفعات الشمالية/الزيدية، مع استثناءات بارزة مثل ميناء الحديدة، وهو واقع قسم البلاد فعلياً على أساس طائفي.

سواء في صنعاء أو في عدن، فإن اليمنيين لديهم فكرة بأن المكان الآخر سيء وفوضوي، وهو ما يعمق الانقسام المفاهيمي في البلاد. لم أزر عدن مؤخراً، وبالتالي لا أستطيع أن أخبر أصدقائي في صنعاء بالمزيد عما يذكر من معدلات الحوادث المميتة الأعلى بكثير في مركز الخصم. في صنعاء، العديد من الناس مقتنعون بأن الوضع سيء في عدن إلى حد أنه مهما كانت مشاكلهم، فإنهم راضون عما يشعرون به أنه وضع أمني أفضل لديهم. يحبون أن يقولوا: "نحن لسنا 'كالمناطق المحررة'" (المناطق الواقعة اسمياً تحت سيطرة حكومة هادي).

يسارع أنصار الحوثي/صالح في صنعاء على تشجيعي على الاجتماع بطيف واسع من الأشخاص في العاصمة، أي مع يمنيين من سائر أنحاء البلاد ومن مختلف الأحزاب السياسية. باستثناء الإصلاح، الحزب الذي تقبع قيادته إما في السجن أو تحت المراقبة الوثيقة، أستطيع فعل هذا. لكنني أشعر بأن هذا التنوع والتسامح يتعرض لتهديد خطير. في حين أن قيادة الحوثي/صالح تريد تشجيع فكرة التنوع الذي لا يزال موجوداً في العاصمة، فإنهم يقوضون ذلك بحملة الاعتقالات التي يشنونها. في اجتماع التقيت فيه مجموعة متنوعة من ممثلي الأحزاب والنشطاء المستقلين، قال ممثل للحوثيين إن هناك احترام للآراء المختلفة في صنعاء. ضحك بعض الموجودين ومن ثم سرد أمثلة عن عمليات اعتقال غير قانونية وعن مضايقة للصحفيين. من المثير رؤية أن اليمنيين ما زالوا مستعدين للتعبير عما يجول في أذهانهم، لكن من الواضح أن الفضاء المتاح لذلك يتقلص باستمرار.

السلطة في صنعاء

في صنعاء، يبدو أن الحوثيين قد باتت لهم اليد العليا على صالح في المسائل العسكرية والأمنية. إلا أن قدرتهم في الميدان لا توازيها كفاءتهم في الحكم، وهي ديناميكية تعيد إحياء شعبية صالح وحزبه، حزب المؤتمر الشعبي العام، بل وتزيدها.

كان لقاء الزعيم اليمني الشهير أحد أبرز الأحداث غير المتوقعة في هذه الزيارة. بوصفه الهدف الأول للتحالف، لم أكن أخطط للمخاطرة بالاجتماع به. لكن وصول خبر زائر أجنبي نادر انتشر، ما جعله يعرّج على مكان كنت أزوره. ونحن نسير في فناء المبنى ونناقش الحرب، لاحظت أن طاقته لم تتراجع، وأنه لا يزال يطمح لإعادة حزبه، المؤتمر الشعبي العام، إلى السلطة في اليمن إذا استطاع إلى ذلك سبيلاً.

الحوثيون أنفسهم يعترفون بأن الحكم ليس إحدى نقاط قوتهم. في الواقع، فإنهم يديرون دولة بوليسية، ولا يجدون ضرورة لتبرير ذلك، يقول لي أحد زعمائهم: "نحن في حرب". ليس هناك نظام قضائي يعمل، ولا آلية فعالة للجوء إلى العدالة، ما ينتج عنه انتهاكات فظيعة لحقوق الإنسان. إذا اعتقد تحالف الحوثي/صالح أنك عدو، فأنت في خطر أن يزج بك في السجن. لقد تقلصت أعداد أعضاء حزب الإصلاح نتيجة الاعتقالات الجماعية. الناس ببساطة "يختفون"، بما في ذلك زعيم حزب الإصلاح محمد قحطان. الأسر لا تعرف بالتأكيد لماذا أو أين احتجز أقاربها. البهائيون، وهم طائفة انشقت عن التيار الرئيسي للإسلام، يتعرضون للقمع أيضاً. في أوقات متفرقة فقط تسمع عن حالات تنجح فيها العلاقات القبلية أو الشخصية مع الحوثيين بإطلاق سراح أحد الأشخاص. ثمة لازمة شائعة تسمعها من أولئك الذين يعارضون الحوثيين، بما في ذلك في أوساط حزب المؤتمر الشعبي العام بزعامة صالح، وهي أن الحرب تقوي الحوثيين وتطيل حياتهم السياسية، حيث لا يستطيع أحد تحديهم طالما ظلوا القوة الأساسية التي تحارب ضد "العدوان الخارجي".

خلال زيارتي القصيرة، لم أرى علامة ظاهرة في صنعاء على الدعم الإيراني الذي يعتقد البعض أنه يلعب دوراً جوهرياً في صمود الحوثيين. يتلقى الحوثيون دعماً دبلوماسياً وإعلامياً، إضافة إلى بعض المساعدة العسكرية من الإيرانيين، إلا أن أهمية ونطاق المساعدة العسكرية موضع تشكك. كدليل على الدعم السياسي، فإن السفارة الإيرانية هي إحدى البعثات الدبلوماسية القليلة التي ظلت مفتوحة. لكن مما رأيته، فإنها كانت أبعد ما تكون عن كونها مركزاً يعج بالنشاط. إنها محاطة بحواجز إسمنتية مرتفعة بعد تفجير بسيارة مفخخة تعرضت له في عام 2014 ويديرها قائم بأعمال السفير وعدد قليل من الموظفين.

.تصعب المبالغة بالأثر الذي يحدثه عزل تحالف الحوثي/صالح، وإلى أي حد أصبحت صنعاء تردد صدى هذا الأثر

الأحاديث في صنعاء تسخر من النفوذ الإيراني بقدر ما تسخر من السعودية. إحدى العبارات الشائعة التي يسمعها المرء رداً على اتهامات دول الخليج بالدعم القوي الذي تقدمه إيران للحرب هي: "أرونا جثة جندي واحد في الحرس الثوري الإيراني". القادة الحوثيون يقولون إنهم يتخذون قراراتهم بشكل مستقل عن المشورة الإيرانية، رغم إعجاب الكثيرين في التيار بالدور السياسي الإقليمي الذي تلعبه إيران ويتشاطرون مع المؤسسة السياسية الإيرانية عداءً عميقاً للوهابية (وهي تفسير صارم للمذهب الحنبلي في الفقه الإسلامي تطور في السعودية في أواسط القرن الثامن عشر). داعمو الحوثيين والمؤتمر الشعبي العام على حد سواء يقولون إن إيران لا تفي بالدعم المالي الذي وعدت به الحوثيين، وهي حصيلة تصيب التيار بالإحباط. عضو في المؤتمر الشعبي العام يقول إن على إيران "أن تدعم الحوثيون [مالياً] أو أن تصمت ... إيران تتحدث كثيراً، لكنها تعطي قليلاً". كل هذا لا يعني القول إن العديد من اليمنيين في صنعاء، خصوصاً أولئك الذين ينتقدون الحوثيين، لا يخشون انخراطاً إيرانياً أكبر وأيضاً أن يصبحوا عالقين على نحو أكبر في الخصومة السعودية – الإيرانية وضحايا لهذه الخصومة. إنهم يخشون ذلك فعلاً. لكن بصرف النظر عن أهمية ذلك، فإن الرواية التي يسمعها المرء في صنعاء مختلفة جداً عن الرواية التي يسمعها في الخليج، أو الولايات المتحدة أو المملكة المتحدة.

منذ انهيار محادثات السلام في آب/أغسطس 2016، بات حزب المؤتمر الشعبي العام والحوثيون يتعاونون بشكل غير مريح في حكومة إنقاذ وطني. رغم العزلة السياسية شبه الكاملة والافتقار إلى الموارد، فإن هذه الحكومة تحاول المحافظة على مظاهر الحكم. لا يزال وزير الخارجية يذهب إلى العمل في وزارته، رغم أن معظم أجزاء البناء مترامي الأطراف فارغة. النظام في حالة انعاش معلقة والمؤسسات في حالة انهيار فعلي. دون رواتب، فإن عدداً قليلاً من الموظفين مستعد للعمل، ولا أحد يقوم بصيانة المباني وتنمو الأعشاب بين شقوق الأبنية.

ثمة إحساس عميق بالعزلة. وزير الخارجية، غير المعترف به دولياً، مقاطَع، باستثناء الحضور الدبلوماسي لإيران، وروسيا وقلة من الدول الأخرى. الأجانب الوحيدون الآخرون في المدينة هم جميعاً من العاملين مع الأمم المتحدة.

كما التقيت برئيس البرلمان، وهو عضو في حزب المؤتمر الشعبي العام بزعامة صالح. يغتنم فرصة زيارة نادرة من قبل أجنبي ليملاً القاعة بالبرلمانيين والصحفيين. كالكثيرين في صنعاء، هو متشوق لإيصال رسائله حول الكلفة الإنسانية لاستمرار الصراع، والطريقة التي يفاقم بها الغرب من انقسامات اليمن من خلال الانحياز والاعتراف بالطرف الآخر للصراع بوصفه الحكومة "الشرعية".

تصعب المبالغة بالأثر الذي يحدثه عزل تحالف الحوثي/صالح، وإلى أي حد أصبحت صنعاء تردد صدى هذا الأثر. ما من شك في أن هذا التحالف يتمتع بشعبية كبيرة في صنعاء، وفي المناطق الخاضعة لسيطرته. لكن مع الحد الأدنى من الاتصالات الدبلوماسية أو انعدامها على الإطلاق، فإن الجسور بين الحكام الفعليين لشمال اليمن والعالم الخارجي محدودة  جداً. لقد عزز الحوثيون من عزلتهم باحتجاز الأجانب، خصوصاً الأمريكيين، وقد رفض الحوثيون وقوات صالح على حد سواء الاجتماع مع مفاوضي الأمم المتحدة و/أو منعوهم من الدخول.

April Longley Alley meets with the speaker of parliament Yahya Ali al-Raee in Sanaa, Yemen, on 22 April 2017. CRISISGROUP/April Longley Alley

من الواضح أن هذه العزلة تزيد من التشدد ضد المفاوضات والتسويات. كما أن إغلاق مطار صنعاء على نحو خاص يعزز عقلية الحصار هذه. على كل من يرغب بالمغادرة أن ينظم رحلة تدوم يوماً كاملاً ويتعرض للمخاطر عبر خطوط الجبهة إلى عدن، الواقعة تحت سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً. تستغرق الرحلة ضعف الوقت الذي كانت تستغرقه قبل الحرب؛ ويخضع المسافر للمضايقة على نقاط التفتيش العسكرية؛ ولا يمكن لأي شخص يعمل في السياسة أن يشعر بالأمان بأنه سيصل إلى مقصده. لم يعد الشماليون مرحباً بهم في الجنوب، والعديد من الأشخاص الذين تحدثت معهم في صنعاء تعرضوا للمضايقة و/أو الاحتجاز في الجنوب.

لسبب أو لآخر، فإن الناس في صنعاء محتجزون ولا يستطيعون المغادرة ما لم يشعروا بأنهم مجبرين على اتخاذ مخاطرة حقيقية، سواء للعلاج الطبي، أو لأسباب عائلية أو للدراسة. إذا كان هناك أمر واحد يريد كل من التقيته أن يراه، فإنه إعادة فتح المطار. إلا أن الناس لا يريدون الهرب بالضرورة. في الواقع، فإن كثيرين محتجزون في الخارج ويريدون العودة.

البحث عن السلام

بمرور الأيام بسرعة، أعود إلى طبيعتي إلى درجة أنني أخطئ في تاريخ مغادرتي. أحاول تمديد إقامتي إلا أن الإجراءات الإدارية المعقدة تجعل من هذا أمراً مستحيلاً. لا أريد المغادرة. أذكر كيف أن الحرب أجبرتني على الخروج من قبل، وأشعر بالقلق بأنه سيمر وقت طويل جداً قبل أن أتمكن من العودة.

زحام الاجتماعات والانطباعات تجعلني أشعر بأن النسيج الاجتماعي اليمني تعرض لضغط وتوتر كبيرين لكنه لم يتمزق بشكل كامل. المجتمعات المحلية تعمل معاً على المستوى المحلي لإطعام المحتاجين. فكرة تنوع الآراء والرغبة بها موجودة في صنعاء، رغم ضآلة التعددية في الوقت الراهن. النساء أيضاً يلعبن دوراً متزايد الأهمية، خصوصاً فيما يتعلق بالانقسام الخطير بين الحوثيين والإصلاح. نساء الإصلاح، على سبيل المثال، يقومون بالعمل الشاق المتمثل في متابعة حالات اختفاء أو سجن أعضاء حزب الإصلاح. لأن الناس يثقون بالنساء أكثر ويخافون منهن أقل، فإن مشاركتهن يمكن أن تخفف حدة التوترات. العديد من اليمنيين العاديين يسبحون ضد التيارات القوية المتمثلة بالطائفية والتشظي الاجتماعي الذي يحدق بالبلد والمنطقة.

يتوق اليمنيون لإيجاد مخرج من الحرب. وسيكون من الصعب العثور على حل للجانب الذي أسهم الانخراط الإقليمي في تشوشه واختلاطه، والذي ينبغي أن يعالج المخاوف والشواغل السياسية والأمنية السعودية وفي الوقت نفسه عدم الدوس على شرف اليمنيين أو تجاوز خطوطهم الحمراء المختلفة في السياسة أو الأمن. السعودية، كالكثير من اليمنيين، متخوفة من أن إيران تكتسب موطئ قدم في البلاد من خلال الحوثيين. كما أنهم قلقون من الوضع الأمني على حدودهم، ومن المرجح أنهم يرغبون بأن يكون لهم نفوذ كبير على أي حكومة جديدة في صنعاء. وكتلة الحوثي/صالح حساسة حيال أي حل يمكن أن يعتبر استسلاماً للسعودية أو لحكومة هادي. عليهم أن يعملوا مع المكونات المحلية التي تتشوق للانتقام من جارها الشمالي. ثم هناك القضية المنفصلة لكن ذات الصلة المتمثلة بالتوصل إلى تسوية بين مراكز القوى المتنافسة باليمن، وهو تحدٍ ينبغي أن يأخذ بعين الاعتبار الواقع الجديد في البلاد والمتمثل في اللامركزية والحكم الذاتي للأقاليم. في حين أن ثمة تحديات كبيرة تواجه المفاوضين، فإن أحاديثي في صنعاء دفعتني إلى الاعتقاد أن هناك على الأقل بعض التدابير العملية الممكنة. المتحدثون معي من الحوثيين والمؤتمر الشعبي العام يناقشون وسائل التوصل إلى تسوية لمنع امتداد الحرب إلى الحديدة، والعثور على حل لدفع الرواتب على مستوى البلاد وتحقيق تقدم في المحادثات السياسية. ثمة مجال سياسي لعمل المعنيين على الأرض، لكن إيجاد هذا الفضاء يتطلب انخراطاً مستمراً وأكثر اتساعاً، بما في ذلك في صنعاء.

في طريق عودتي إلى المطار المهشم والفارغ، أشعر بالحزن لقصر الوقت. كما أن رؤية ذلك المزيج من المعاناة، والعزلة والتحدي في صنعاء يجعلني أدرك مدى الحاجة للاستكشاف الفعال لكل طرف من أطراف المأساة اليمنية. إن عزل طرف أو آخر يعيق الدبلوماسيين أو منظمة تعمل على منع الصراعات، كالمنظمة التي أعمل فيها، من المساعدة على جسر بعض تلك الخلافات. قد يكون الجزء الأكثر إثارة للمشاعر في زيارتي ما حدث بعد هبوط الطائرة التي استقلها في الأردن؛ حيث وصلني سيل من الرسائل النصية من أصدقائي والأشخاص الذين تحدثت إليهم تخبرني – وأنا شخص لا أتمتع بأي سلطة لاتخاذ القرار – بأن زيارتي – "أحيت الآمال".

A boy carries a sack of recyclable items he collected at a camp for internally displaced people in Dharawan, near Sanaa, Yemen, on 28 February 2017. REUTERS/Khaled Abdullah

أدوات الألم (I): الصراع والمجاعة في اليمن

War is denying Yemenis food to eat. This special briefing, the first of four examining the famine threats there and in South Sudan, Nigeria and Somalia, urges the Saudi-led coalition not to assault Yemen’s most important port, Hodeida, and both sides to immediately resolve deadlock over the Central Bank.

  • Share
  • Save
  • Print
  • Download PDF Full Report
لمحة عامة

اليمنيون يتضورون جوعاً بسبب الحرب. ليس هناك كارثة طبيعة مسؤولة عن هذا، ولا يمكن لأي قدر من المساعدات الإنسانية أن يحل المشكلة الكامنة وراء هذه المأساة. ما لم يحدث تغيير فوري وكبير في مسار الأحداث، فإن أجزاء من البلاد، في القرن الحادي والعشرين وتحت أعين مجلس الأمن، من المرجح أن تدخل في مجاعة. إن الكارثة المتوقعة ما هي إلا إحدى التبعات المباشرة لقرارات الأطراف المتحاربة بتحويل الاقتصاد إلى سلاح، إضافة إلى لا مبالاة المجتمع الدولي، وأحياناً قيامه بلعب دور ميسر، بما في ذلك أعضاء رئيسيين في مجلس الأمن مثل الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة وفرنسا.

إن تجنب حدوث مجاعة، إذا كان هذا لا يزال ممكناً، يتطلب قيام التحالف الذي تقوده السعودية، الذي يدعم حكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي ضد المتمردين الحوثيين والمقاتلين المتحالفين مع الرئيس السابق علي عبد الله صالح، بوقف ما يتوعد بأن يكون معركة دموية للاستيلاء على أهم موانئ اليمن، ميناء الحديدة. كما يتطلب ذلك اجراءات فورية من قبل الطرفين لوضع خلافاتهما جانباً وتمكين موظفي البنك المركزي من معالجة مشكلة السيولة، ودفع رواتب موظفي القطاع العام على مستوى البلاد ووضع ضوابط للريال. وكي تكون هذه الإجراءات مستدامة، فإن اليمنيين بحاجة لوقف لإطلاق النار وتسوية سياسية دائمة كي تتاح لهم الفرصة لإعادة بناء الاقتصاد المهشم.

المجاعة والصراع

بالأرقام، يعاني اليمن من أكبر أزمة غذاء في العالم. طبقاً للأمم المتحدة[fn]لقد أصدرت الأمم المتحدة تحذيراً من حدوث مجاعة وشيكة في أربع دول: اليمن، وجنوب السودان، والصومال وأجزاء من نيجيريا. “USG/ERC Stephen O’Brien Statement to the Security Council on Missions to Yemen, South Sudan, Somalia and Kenya and an Update on the Oslo Conference on Nigeria and the Lake Chad Region”, UN Office for the Coordination of Humanitarian Affairs (OCHA), 10 March 2017. تشكل هذه الاحاطة الحلقة الأولى في سلسلة ستصدرها مجموعة الأزمات حول الأوضاع في البلدان الأربعة. “Instruments of Pain: Conflict and Famine”, 13 April 2017. لقد وضعت مجموعة الأزمات تقارير شاملة حول اليمن منذ عام 2003. لمراجعة آخر تحليلاتها، انظر تقرير مجموعة الأزمات رقم 174، "القاعدة في اليمن: توسيع القاعدة،" 2 شباط/فبراير 2017؛ وتحذير من مخاطر الصراع، "ثمة مخاطرة في أن تؤدي أزمة البنك المركزي اليمني إلى مجاعة في البلاد،" 29 أيلول/سبتمبر 2016؛ والتقرير رقم 167، "اليمن: هل السلام ممكن؟"، 9 شباط/فبراير 2016؛ وإحاطة حول الشرق الأوسط رقم 45، "اليمن في حالة حرب"، 27 آذار/مارس 2015.Hide Footnote ، فإن ما يقدر بـ 17 مليون شخص، أي 60% من السكان وبزيادة ثلاثة ملايين شخص عن عدد أولئك الذين كانوا يعانون من هذه الأزمة في بداية العام، يعانون من انعدام الأمن الغذائي ويتطلبون مساعدة إنسانية عاجلة لإنقاذ حياتهم. سبع من محافظات البلد الاثنتين والعشرين هي في المرحلة الرابعة من مستوى انعدام الأمن الغذائي، وتفصلها خطوة واحدة عن المرحلة الخامسة، أي المجاعة. تشمل المناطق المتأثرة المحافظات التي تسيطر عليها الحكومة وقوات الحوثي/صالح على حد سواء. تذكر اليونيسيف أن 460,000 نسمة يعانون من سوء تغذية حاد وشديد.[fn]Yemen: IPC Analysis – Summary of Findings, Acute Food Insecurity Current Situation Overview, March-July 2017”, IPCinfo, 1 March 2017. Yemen Humanitarian Snap­shot (March 2015-March 2017), UNICEF.Hide Footnote

لأزمة الجوع المتفاقمة جانب عرض وجانب طلب، حيث إن سمة مميزة للصراع هي أن المتحاربين منخرطون بالحرب بكل الوسائل دون الاكتراث لمصير السكان. طبقاً لرائد أعمال يمني بارز، فإن "القصة الحقيقية للأزمة الإنسانية تتمثل في أن قوات الحوثي/صالح والأشخاص الفاسدين المحيطين بالرئيس هادي جميعهم يستفيدون من اقتصاد الحرب بينما الشعب اليمني يعاني".[fn]مقابلة أجرتها مجموعة الأزمات، آذار/مارس 2017.Hide Footnote

Crisis Group interview, March 2017.Hide Footnote

The evolving hunger crisis has both a supply and demand side, with an underlying motif of combatants pursuing war by any means with little to no regard for the population.

على جانب العرض، فإن قوات الحوثي/صالح وحكومة هادي وحلفاؤها في التحالف الذي تقوده السعودية أعاقوا بشكل متكرر نقل المساعدات والسلع التجارية إلى السكان. انتهاكات الحوثي/صالح هي الأكثر فظاعة في مدينة تعز، حيث فرض مقاتلوهم حصاراً كاملاً أو جزئياً منذ عام 2015، وهو ما كان له تبعات إنسانية مدمرة. إنهم يتدخلون بشكل روتيني بعمل العاملين في المجال الإنساني، وفي بعض الأحيان يطلبون تحويل مسار المساعدات ليحصلوا عليها هم أنفسهم أو منع العاملين في مجال المساعدات من الوصول إلى السكان المحتاجين إليها، وإلغاء تأشيرات دخولهم أو حتى احتجازهم.[fn]بيان أمام مجلس الأمن حول اليمن، وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ، ستيفن أوبراين، 31 تشرين الأول/أكتوبر 2016. مقابلات أجرتها مجموعة الأزمات مع ممثلين عن المنظمات الإنسانية العاملة في اليمن، آذار/مارس 2017.Hide Footnote  إنهم يفرضون ضرائب كبيرة على جميع المستوردات إلى مناطقهم جزئياً لتمويل المجهود الحربي وأيضاً لإدارة سوق سوداء في الوقود، وإثراء النخب العسكرية في الوقت الذي يرفعون فيه أسعار نقل السلع الحيوية.[fn]إذا نقلت السلع من عدن إلى صنعاء، فإنها تخضع للضرائب مرتين، مرة في ميناء عدن من قبل الحكومة اليمنية ومرة أخرى عندما تدخل مناطق الحوثي/صالح. يؤكد المستوردون ورجال الأعمال أنه لا ميناء الحديدة ولا ميناء عدن يعملان بشكل سليم، حيث يستشري الفساد في كليهما. على الطرقات، تفرض الميليشيات في المناطق التي تسيطر عليها قوات الحوثي/صالح والحكومة على حد سواء رسوماً على حركة السلع. مقابلات أجرتها مجموعة الأزمات، آذار/مارس، نيسان/أبريل 2017.Hide Footnote

لقد خنق التحالف الذي تقوده السعودية تدفق السلع إلى أكبر وأهم موانئ البلاد، وهو ميناء الحديدة، الواقع تحت سيطرة قوات الحوثي/صالح. يعتمد اليمن بأكثر من نسبة 90% على استيراد السلع الأساسية مثل القمح والأرز؛ وتقدر الأمم المتحدة أن 80% من جميع واردات الشمال تمر حالياً عبر الحديدة.[fn]Yemen on the ‘brink of famine’ as more than one third of the population faces starvation, UN warns”, ABC News, 24 February 2017  تحت غطاء قرار مجلس الأمن رقم 2216 (نيسان/أبريل 2015)، الذي دعا إلى فرض حظر للأسلحة على قوات الحوثي/صالح، فإن التحالف الذي تقوده السعودية فرض حصاراً بحرياً بالقوة خلال السنة الأولى من الحرب. بعد التدخل العسكري لهذه القوات بثلاثة أشهر، كان 15% فقط من واردات ما قبل الحرب تدخل إلى البلاد، ما دفع الوكالات الإنسانية التابعة للأمم المتحدة إلى إصدار تحذيرات أولية من حدوث مجاعة. بعد التأخيرات البيروقراطية من قبل مجلس الأمن، والتحالف والحكومة اليمنية، تم حل المشكلة جزئياً في أيار/مايو 2016 من خلال آلية التحقق والتفتيش في الأمم المتحدة التي أدت إلى تخفيف القيود، لكن بحلول ذلك الوقت كانت الضربات الجوية للتحالف قد ألحقت ضرراً بقدرة الميناء على استقبال المواد، ما أسهم في قدر كبير من التأخير وطوابير الانتظار.[fn]In Hindsight: The story of the UN Verification and Inspection Mechanism in Yemen”, Security Council Report, 1 September 2016. The major air damage was done already in August 2015.Hide Footnote

يتوقع أن يصبح الوضع أسوأ بكثير، حيث يبدو التحالف مصمماً على كسر المأزق العسكري الذي استمر منذ أيلول/سبتمبر 2015 وذلك بمحاولة الاستيلاء على ساحل البحر الأحمر، بما فيه الحديدة. يقول التحالف إن الاستيلاء على الميناء ضروري لوقف تدفق الأسلحة لمقاتلي الحوثي/صالح وإحضارهم إلى طاولة المفاوضات. هذا المنطق مشكوك بنجاعته، حيث إن حكومة هادي المدعومة من السعودية، وليس كتلة الحوثي/صالح، هي التي رفضت رسمياً آخر مبادرة سلام طرحها المبعوث الخاص للأمم المتحدة، كما أن أسطول التحالف وآلية الأمم المتحدة للتحقق والتفتيش تقوم أصلاً بمراقبة الميناء، ولو بشكل غير مثالي.

If the city is attacked and the [Hodeida] port closed, it will become the most important choke point in what already is a massive hunger challenge.

في كل الأحوال، فإن المخاطر الإنسانية التي تنطوي عليها الحملة واضحة. على عكس عدن والمناطق الواقعة في الجنوب، فإن قوات التحالف لن يرحب بها على أنها قوات تحرير، وسيكون لدى مقاتلي الحوثي/صالح الوقت الكافي لتجهيز مواقعهم الدفاعية. من المرجح أن يطول أمد المعركة وأن تؤدي إلى إغلاق هذا الميناء وإلحاق المزيد من الأضرار به. حتى لو تمكن التحالف من تأمين المدينة، فإنه ليس من الواضح أبداً ما إذا كانت لديه الإرادة أو القدرة على ضمان عبور الواردات من خلال خطوط المعارك إلى المناطق التي تسيطر عليها قوات الحوثي/صالح في الشمال، حيث يقطن الجزء الأكبر من سكان اليمن. في الواقع، ثمة اتفاق على نطاق واسع بين اليمنيين على أن حكومة هادي ستستخدم السيطرة على الميناء لفرض المزيد من الضغوط على المناطق التي تسيطر عليها قوات الحوثي/صالح اقتصادياً في محاولة لكسر ذلك التحالف أو إعادة إشعال انتفاضة داخلية ضده، وهي حصيلة طالما توقعها التحالف الذي تقوده السعودية.[fn]مقابلات أجرتها مجموعة الأزمات مع ثلاثة أعضاء بارزين في حزب المؤتمر الشعبي العام بقيادة صالح، ومع أربع رجال أعمال يمنيين، وصحفي عدني، ومسؤول في حكومة هادي، ومحلل يمني من تعز، آذار/مارس 2017.Hide Footnote  سيقع الثمن الباهظ لهذه الاستراتيجية بشكل غير متناسب على كاهل السكان المدنيين، حيث إن مقاتلي الحوثي/صالح سيكونون آخر من سيجوع.

يقول العاملون في الشأن الإنساني إنه ما من بديل عن استخدام الحديدة، بالنظر إلى موقعه وبنيته التحتية، حتى بطاقته الاستيعابية المتقلصة.[fn]Statement on behalf of the Humanitarian Country Team in Yemen, on the Critical Importance to Maintain Al Hudaydah Port Open”, Relief Web, 4 April 2017.Hide Footnote  إذا هوجمت المدينة وأغلق ميناؤها، فإنها ستصبح أكثر نقاط الاختناق أهمية فيما يشكل أصلاً تحدياً هائلاً يفرضه الجوع.

إلا أن المشكلة الأكثر حدة تكمن في جانب الطلب. رغم التحديات المتزايدة، لا يزال الغذاء موجوداً على نطاق واسع في الأسواق، بما في ذلك في صنعاء. إلا أن اليمنيين في سائر أنحاء البلاد باتوا غير قادرين على نحو متزايد على شرائه. بعد عامين من المعارك البرية والقصف الجوي، بات الاقتصاد في حالة يرثى لها. أصبحت الأسر والمجتمعات على حافة الانكسار، بعدما باعت أصولها، وأنفقت مدخراتها واستنفدت شبكات الدعم الواسعة. الوضع في أكثر أشكاله حدة بالنسبة لأكثر من ثلاثة ملايين نازح وبالنسبة لسكان محافظات مثل الحديدة، الذين كانوا الأفقر قبل الصراع. كما يحدث أثراً بالغ القسوة بشكل خاص على النساء والفتيات، وهن آخر من يأكل وشكلن في كانون الأول/ديسمبر 2016، 62% من الأربعة ملايين نسمة الذين يعانون من سوء التغذية الحاد.[fn]في الوقت نفسه، فإن زواج الأطفال يزداد حيث يستخدمه الأهل للحصول على المال. كما تتحمل النساء أعباء أثقل؛ حيث إن 30% من النساء النازحات يعلن أسرهن. Fact-sheet, Gender Snapshot, Yemen, Care International, December 2016.Hide Footnote

يتمثل أحد المكونات الحرجة في أزمة القوة الشرائية في عدم قدرة البنك المركزي على دفع رواتب موظفي القطاع العام بشكل منتظم منذ آب/أغسطس 2016. وقد نجم هذا عن تضاؤل أموال الدولة، وأزمة سيولة حادة وعدم قدرة البنك على نقل الموارد المالية بين المناطق التي تسيطر عليها الأطراف المتصارعة. لقد أصبحت القضية مسيسة للغاية. قبل القرار الذي اتخذه الرئيس هادي في 19 أيلول/سبتمبر بنقل البنك المركزي من صنعاء إلى عدن، كان هناك اتفاق ضمني بين الطرفين المتحاربين بالسماح للمؤسسة بالعمل بشكل يخلو نسبياً من التدخل. يتفق الدبلوماسيون والاقتصاديون على نطاق واسع على أن البنك ظل حيادياً إلى حد بعيد، وكان ييسر استيراد مجموعة كانت تتضاءل على نحو متزايد من السلع الأساسية، ويحمي قيمة الريال ويدفع رواتب موظفي القطاع العام على مستوى البلاد في ظل ظروف اقتصادية تزداد صعوبة. لكن ذلك لم يدم. دون عائدات النفط والغاز، التي كانت تشكل حوالي نصف موازنة الحكومة عام 2014، أو دعم الجهات المانحة، فإن الملاءة المالية والسيولة الفورية تعرضتا لضغط هائل.[fn]تحذير مجموعة الأزمات "ثمة مخاطرة في أن تؤدي أزمة البنك المركزي اليمني إلى مجاعة في البلاد"، 29 أيلول/سبتمبر 2016.Hide Footnote

جادلت الحكومة أن بوسعها، من خلال نقل البنك، أن تمنع كتلة الحوثي/صالح من استخدام أموال البنك المركزي في مجهودها الحربي، بينما تسمح للمصرف بدفع رواتب موظفي القطاع العام على مستوى البلاد وتحقيق الاستقرار في الاقتصاد. لقد طبع البنك في عدن العملة التي ثمة حاجة ماسة إليها لمعالجة أزمة السيولة (وهو إجراء كانت حكومة هادي قد منعته عندما كان البنك في صنعاء)؛ تم تسليم 160 مليار ريال يمني على الأقل (حوالي 640 مليون دولار) إلى عدن كجزء من طلب لطباعة 400 مليار ريال (1.6 مليار دولار) من شركة طباعة نقود روسية.[fn]مقابلة أجرتها مجموعة الأزمات مع موظف في البنك المركزي اليمني ومع دبلوماسي غربي، نيسان/أبريل 2017.Hide Footnote  إلا أنه ليس هناك شفافية تذكر حول الكيفية التي تم بها دفع الأموال. علاوة على ذلك، ومنذ نقل البنك، باتت بعض الرواتب تدفع في الجنوب لكن رواتب أقل بكثير تدفع في الشمال، وأصبح النظام المصرفي في حالة شبه انهيار، ما وضع ضغوطاً إضافية على جانب العرض، حيث لم يعد بوسع مستوردي السلع الحصول على رسائل اعتماد.[fn]تبلغ الفاتورة الإجمالية لرواتب القطاع العام استناداً إلى قوائم العام 2014 (قبل الحرب) حوالي 75 مليار ريال يمني (300 مليون دولار) شهرياً. وبالتالي، فإن كمية الريالات التي تم تسليمها مؤخراً أقل بكثير من الكمية اللازمة لدفع الرواتب المتأخرة لموظفي القطاع العام منذ أيلول/سبتمبر 2016. يذكر أن البنك المركزي في عدن دفع رواتب موظفي القطاع العام عن شهر كانون الأول/ديسمبر 2016 في جميع المناطق الواقعة تحت سيطرته، لكنه دفع جزءاً صغيراً من الرواتب في المناطق التي تسيطر عليها قوات الحوثي/صالح لنفس الشهر. ويذكر أن سبب عدم دفع الرواتب يتمثل في عدم إمكانية الوصول إلى قوائم موثوقة بأسماء الموظفين في تلك المناطق (التي تقول الحكومة إن الحوثيين يرفضون تسليمها، وهو اتهام ترفضه سلطات الحوثي/صالح)، إضافة إلى الصعوبة والمخاطر المرتبطة بنقل الأموال إلى المناطق التي تسيطر عليها قوات الحوثي/صالح وعدم استعداد سلطات الحوثي/صالح لإيداع الضرائب المحلية وعائدات الاستيراد في البنك المركزي في عدن. مقابلة أجرتها مجموعة الأزمات مع موظف في البنك المركزي، نيسان/أبريل 2017.Hide Footnote

الأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن الحكومة لم تستلم دفعة من النقد الأجنبي هي في أمس الحاجة إليها توقع أنصار هادي تلقيها من الداعمين الخليجيين حال انتقال البنك. والمبلغ الصغير من العائدات المحلية التي يتم توليدها لا يتم إيداعه في حسابات البنك المركزي، حيث تتصرف مختلف المراكز الإدارية في البلاد بشكل مستقل. لا المناطق التي تسيطر عليها قوات الحوثي/صالح ولا محافظة مآرب، الخاضعة تقنياً لسيطرة حكومة هادي والمنتج الرئيسي للنفط والغاز اللازمين للاستهلاك الداخلي في اليمن، تولد عائدات تودع في البنك المركزي في عدن. كما أن حكومة هادي لا تودع عائدات تصدير النفط من حوض المسيلة في حضرموت، الذي عاد إلى الإنتاج في آب/أغسطس 2016، وتستخدم بدلاً من ذلك حساباً خارجياً في السعودية دون مراقبة لعمليات الإنفاق.[fn]مقابلات أجرتها مجموعة الأزمات مع دبلوماسي غربي، ورجل أعمال عدني، نيسان/أبريل 2017. رسالة من وزارة الخارجية اليمنية في صنعاء قدمت إلى صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، والاتحاد الأوروبي، والاتحاد الروسي، والمبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، 31 آذار/مارس 2017، محفوظة نسخة منها لدى مجموعة الأزمات. موظف في البنك المركزي قال إن سبب فتح حساب خارجي في السعودية تقني بحت. البنك المركزي في عدن يفتقر إلى نظام سويفت فعال (وهي مشكلة يقول البنك إنها ستتم تسويتها قريباً)، ويفتقر إلى القدرة على التفاعل مع المصارف المراسلة والوصول إلى حساباتها الدولية. وهكذا فتحت الحكومة الحساب الخارجي بحيث تستطيع الحصول على الأموال اللازمة لعمليات الإنفاق المتعلقة، على سبيل المثال، بالاستئناف التدريجي لتمويل بعض الديون. مقابلة أجرتها مجموعة الأزمات، نيسان/أبريل 2017.Hide Footnote  في ظل غياب الوصول إلى العملة الأجنبية، فإن ضخ المزيد من الريالات في السوق سيؤدي إلى ظهور ضغوط تضخمية.

يحمّل كل طرف المسؤولية للطرف الآخر عن الكارثة الاقتصادية. الحكومة تقول إنها لا تستطيع دفع الرواتب في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثي/صالح إلى أن تقوم هذه السلطات بتحويل الضرائب وغيرها من عائدات الاستيراد إلى البنك في عدن (وقد بلغت هذه الايرادات على مستوى البلاد حوالي 30% من دخل الحكومة قبل الحرب). أما سلطات الحوثي/صالح فتتهم الحكومة بمحاولة تجويع الشمال وترفض الاعتراف بالبنك في عدن أو مشاركة الحسابات معه. وبينما يتشاحن الطرفان، يتضور اليمنيون جوعاً في سائر أنحاء البلاد.

المطلوب

تمثل معالجة المجاعة التي تلوح في الأفق تحدياً معقداً يتطلب فعلاً فورياً لمنع تفاقم الوضع ولتقديم مساعدات من شأنها إنقاذ حياة أولئك الذين هم في أمس الحاجة إليها. يتوقع أن يتضور اليمنيون جوعاً نتيجة التبعات المالية للحرب، لكن لا يزال من الممكن وقف هذه النزعة بل حتى عكسها إذا اختار اللاعبون السياسيون فعل ذلك. وثمة حاجة لاتخاذ الخطوات العاجلة الآتية:

  • على التحالف الذي تقوده السعودية أن يوقف خطط غزو ميناء الحديدة.
  • على سلطات الحوثي/صالح، والحكومة اليمنية والتحالف الذي تقوده السعودية العمل مع مبعوث الأمم المتحدة من أجل التوصل إلى اتفاق يسمح لموظفي البنك المركزي في عدن وصنعاء بوضع خطط لاستئناف دفع رواتب موظفي القطاع العام على مستوى البلاد، ودفع مخصصات الضمان الاجتماعي النقدية لليمنيين الأكثر فقراً والقيام بالوظائف المصرفية الأساسية دون تدخلات سياسية إلى أن يتم التوصل إلى تسوية سياسية شاملة. كما ينبغي أن تحتوي هذه التسوية على عدة عناصر منها:
     
    • التعاون بين البنك المركزي في عدن وفرعه في صنعاء، حيث لا تزال توجد أغلبية موظفي البنك وبنيته التحتية؛
    • الاتفاق بين قوات الحوثي/صالح والحكومة على عدم التدخل في القرارات التي يتخذها موظفو البنك المركزي، وعدم تحويل دفوعات السيولة التي يمتلكها البنك لأغراض أخرى؛
    • التزام جميع الأطراف بضمان أن يتم إيداع عائدات النفط والغاز، والجمارك والعائدات الضريبية وتسجيلها بدقة في نظام البنك المركزي الوطني، وتمكين البنك المركزي من الوصول على الأقل إلى بعض المصارف التجارية وإلى المصارف المركزية الأجنبية التي يودع فيها احتياطياته. (حساباته حالياً مغلقة، جزئياً نتيجة شعور المصارف المركزية الأجنبية بانعدام اليقين حيال الانتقال من صنعاء إلى عدن وتعيين إدارة جديدة للمصرف من قبل الرئيس هادي)؛
    • الاتفاق على دفع رواتب موظفي القطاع العام على مستوى البلاد استناداً إلى قوائم الرواتب التي تعود إلى عام 2014 (وهذه تستثني أية إضافات أجرتها سلطات الحوثي منذ انقلاب شباط/فبراير 2015)؛
    • على السعودية والإمارات العربية المتحدة الموافقة، إضافة إلى البنك الدولي والجهات المانحة الأخرى، على دفع حوالي 500 مليون دولار لازمة لتمويل عمليات التحويل النقدي العاجلة إلى اليمنيين الأكثر فقراً لعام واحد باستخدام قوائم الضمان الاجتماعي التي تعود إلى عام 2014.

كي تكون هذه الإجراءات المؤقتة ناجحة، ينبغي أن يضاف إليها في النهاية وأن يدعمها وقف إطلاق نار واتفاق سلام يتيح لليمنيين الفرصة لإعادة بناء مؤسسات الدولة والاقتصاد. ولفعل ذلك:

  • على سلطات الحوثي/صالح والحكومة العودة إلى الانخراط فوراً مع المبعوث الخاص للأمم المتحدة لضمان وقف لإطلاق النار واستئناف المحادثات استناداً إلى خريطة طريق مبعوث الأمم المتحدة؛
  • على مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة أن يتخذ إجراءً فورياً بإعادة إحياء المسار السياسي وذلك بإصدار قرار كان ينبغي إصداره منذ وقت طويل تحت السلطة الإجبارية للفصل السابع يطالب بوقف إطلاق نار فوري، والوصول غير المقيد للمساعدات الإنسانية والعودة إلى المفاوضات استناداً إلى خريطة طريق الأمم المتحدة الحالية، التي تتطلب تنازلات من قبل الطرفين.

بروكسل، 13 نيسان/أبريل 2017

آلملحق آ. خريطة اليمن
Map of Yemen. International Crisis Group/KO/February 2016. Based on UN map no.3847/Rev.4 (January 2004)