icon caret Arrow Down Arrow Left Arrow Right Arrow Up Line Camera icon set icon set Ellipsis icon set Facebook Favorite Globe Hamburger List Mail Map Marker Map Microphone Minus PDF Play Print RSS Search Share Trash Crisiswatch Alerts and Trends Box - 1080/761 Copy Twitter Video Camera  copyview Whatsapp Youtube
الأزمة في مأرب: تجنب سلسلة من ردود الأفعال في اليمن
الأزمة في مأرب: تجنب سلسلة من ردود الأفعال في اليمن
Smoke billows during clashes between forces loyal to Yemen's Saudi-backed government and Huthi rebel fighters in al-Jadaan area about 50 kilometres northwest of Marib in central Yemen on 11 February 2021. Yemen's Iran-backed Huthis rebels have resumed an AFP

الأزمة في مأرب: تجنب سلسلة من ردود الأفعال في اليمن

ثمة معركة تلوح في الأفق في مأرب في شمال اليمن، التي يقطنها حوالي ثلاثة ملايين نسمة بالإضافة إلى احتوائها على منشآت نفط وغاز رئيسية. ينبغي على الجهات الفاعلة الدولية تجنب وقوع كارثة إنسانية، كما فعلت في الحديدة عام 2018، ثم التوجه نحو التوسط لتسوية أوسع.

في أوائل شباط/فبراير، أعادت حركة الحوثيين المتمردة (المعروفة أيضاً باسم أنصار الله) تفعيل هجومها على محافظة مأرب شمال اليمن والذي كان قد استمر لمدة عام، وشنت هجوماً مكثفاً وحققت مكاسب من حيث سيطرتها على الأراضي ومكاسب استراتيجية في غرب المحافظة. يذكر أن القوات الحوثية باتت الآن على بعد 30 كيلومتراً من مدينة مأرب، آخر المعاقل الرئيسية للحكومة المخلوعة في الشمال​​، وعاصمة المحافظة التي تضاعف عدد سكانها الأصلي البالغ 300 ألف نسمة بسبب المهجرين داخلياً إلى نحو ثلاثة ملايين. أشار الحوثيون إلى نيتهم الواضحة بالمضي قدماً، مع غياب هدنة على مستوى البلاد توقف الضربات الجوية السعودية، وتسمح لهم بإعادة فتح المطار في العاصمة اليمنية، صنعاء، وبنقل البضائع بسهولة أكبر عبر الحديدة، الميناء الذي يسيطرون عليه على البحر الأحمر. إذا وصل القتال إلى أطراف مدينة مأرب ومنشآت النفط والغاز القريبة منها، فقد يؤدي ذلك إلى نزوح على نطاق غير مسبوق في تاريخ اليمن المعاصر. وقد يتبع ذلك ما هو أسوأ إذا استولى الحوثيون على مأرب ثم تحركوا لتوسيع سيطرتهم على مناطق أخرى. ساعدت الجهات الفاعلة الدولية في تجنب مواجهة كارثية في الحديدة عام 2018. وينبغي عليها الآن بذل جهد مماثل للتوسط في وقف إطلاق النار على مستوى البلاد ومن ثم الضغط من أجل التوصل إلى ترتيب سياسي وأمني مؤقت بانتظار إجراء مفاوضات طويلة المدى حول مستقبل البلاد.

كارثة إنسانية

قد تؤدي معركة للسيطرة على مدينة مأرب إلى تفاقم الوضع الإنساني اليمني المتردي أصلاً بعدة أشكال. أولاً، من شأن هجوم على مأرب أن يعرّض ما يقدّر بثلاثة ملايين مدني يعيشون هناك لخطر الموت أو النزوح. ومن المرجح أن يتقدم الحوثيون باتجاه المدينة من الغرب وأن يستهدفوا منشآت إنتاج النفط والغاز إلى الشرق منها. ومن المحتمل أن يؤدي القتال إلى قطع معظم الطرق الرئيسية التي تربط مأرب بالمناطق التي تسيطر عليها الحكومة، مما يترك طريقاً واحداً معبداً باتجاه الجنوب متاحاً للمدنيين الفارين. قد يقطع الحوثيون هذا الطريق أيضاً أثناء تقدمهم من مواقع في جنوب المحافظة. على فرض بقاء هذا الطريق مفتوحاً، فإن أولئك الذين يستخدمونه للاندفاع بحثاً عن الأمان سيكونون في مرمى نيران القوات الحوثية وسيتعين عليهم الانتقال عبر محافظة شبوة إلى الجنوب الشرقي، حيث ليس للمنظمات الإنسانية سوى وجود ضئيل. وتقول وكالات المساعدات إنها ليست مستعدة للتعامل مع التنقلات السريعة لمئات آلاف الناس إلى شبوة والمحافظات الأخرى التي تسيطر عليها حكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي حيث قد يلجأ النازحون الجدد.

قد تؤدي معركة للسيطرة على مدينة مأرب إلى تفاقم الوضع الإنساني اليمني المتردي أصلاً بعدة أشكال.

ثانياً، ستؤدي مثل هذه المعركة إلى تفاقم الأزمة الغذائية الهائلة أصلاً في اليمن. في إحاطة قدمها لمجلس الأمن الدولي في 18 شباط/فبراير، حذر مارك لوكوك، منسق الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة، من "أسوأ مجاعة يشهدها العالم منذ عقود"، مشيراً إلى أن معدلات سوء التغذية في اليمن بلغت مستويات قياسية، حيث يعاني 400 ألف طفل دون سن الخامسة من سوء التغذية الحاد ويعيشون "الأسابيع والأشهر الأخيرة من حياتهم". ما يدفع أزمة الجوع هذه ليس فقط الصراع المباشر، بل أيضاً الفقر المتزايد وارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية. مأرب مركز تجاري يتم من خلاله نقل كميات كبيرة من المواد الغذائية والسلع الأساسية الأخرى إلى المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون؛ ومن شأن قتال مطول هناك أن يعطل شريان الحياة الأساسي هذا.

ثالثاً، مأرب هي أيضاً مصدر صغير ولكنه مهم للوقود، الذي غالباً ما يكون شحيحاً في اليمن. وإذا سقطت مأرب، من المرجح أن يصل القتال إلى منشآت إنتاج وتكرير النفط والغاز التي تملكها الدولة. وقد حذر البعض في معسكر الحكومة من أنه قد يجري تدمير المنشآت لمنع الحوثيين من الاستيلاء عليها، لكن الحكومة اليمنية تنكر وجود أي نية لتدمير المنشآت. بصرف النظر، إذا وصل القتال إلى المنشآت، من المرجح أن تكون الأضرار كبيرة. ويمكن أن يكون لذلك تداعيات كبيرة؛ إذ تنتج مصفاة النفط الموجودة في هذه المرافق كل الإنتاج المحلي للوقود تقريباً، حيث توفر نحو 8 بالمئة من البنزين والديزل وأنواع الوقود الأخرى في البلاد (يستورد اليمن نحو 90 بالمائة من وقوده) ونحو 90 بالمائة من الغاز المسال، وهو مصدر أساسي للطاقة في معظم المنازل اليمنية. لقد ارتفعت تكلفة النفط والغاز أصلاً على مدار الحرب بسبب تقلبات سعر الصرف وانقطاع الإمدادات، ما أدى بدوره إلى ارتفاع أسعار السلع الأساسية مثل مياه الشرب (التي يتعين على معظم اليمنيين شراؤها بسبب ندرتها، ويتم استخراجها من باطن الأرض باستخدام المضخات العاملة على الديزل بشكل أساسي) والمواد الغذائية (التي يتم نقلها بالشاحنات عبر البلاد). إذا تم تعطيل أو تدمير منشآت مأرب بسبب القتال، فإن أسعار الوقود والغاز المسال، وبالتالي أسعار الغذاء والماء، يمكن أن تستمر في الارتفاع.

سيكون نقص الوقود الناتج أكثر حدة بسبب استمرار العوائق المفروضة على الواردات إلى ميناء الحديدة الذي يسيطر عليه الحوثيون من قبل حكومة هادي والتحالف الذي تقوده السعودية والذي يسيطر على المجال الجوي والممرات المائية في اليمن. وكجزء من نزاع حول استخدام الحوثيين للعائدات التي يتم تحصيلها في الحديدة والجهود الحكومية الأوسع لفرض السيطرة على تدفقات الواردات، فقد تأخرت واردات الوقود عبر الحديدة بشكل كبير في الأشهر الأخيرة.

سلسلة من ردود الأفعال

لن تكون معركة السيطرة على مأرب طويلة ومدمرة فحسب، بل ستزيد أيضاً من خطر انتشار العنف أو تكثيفه في أماكن أخرى في اليمن. وبالفعل، دعا طارق صالح، قائد القوات المناهضة للحوثيين على الساحل اليمني للبحر الأحمر، حكومة هادي إلى الانسحاب من اتفاقية ستوكهولم لعام 2018 التي توسطت فيها الأمم المتحدة، والتي وضعت حداً للقتال حول الحديدة. يريد صالح متابعة الحرب على جميع الجبهات الرئيسية، من أجل تشتيت قوات الحوثيين. من شأن مثل هذه الخطوة أن تشتت انتباه الجهات الفاعلة الدولية، التي سيتعين عليها العمل للحفاظ على وقف إطلاق النار في الحديدة بينما تحاول معالجة الأزمة في مأرب. كما أن تجدد القتال حول الحديدة من شأنه أن يزيد من تفاقم الكارثة الإنسانية في اليمن.

علاوة على ذلك، إذا انتصر الحوثيون في مأرب، فمن المرجح أن يسعوا لتحقيق مكاسب أوسع من خلال السيطرة على المزيد من المناطق، ربما في شبوة، التي من المرجح أن تنسحب إليها القوات الموالية للحكومة. لكن، في محاولتهم السيطرة على مأرب والتوسع في المناطق القبلية المجاورة حيث يعارض السكان وجودهم بشدة، من المرجح أيضاً أن يجد الحوثيون أنفسهم يقاتلون ضد عدة حركات تمرد محلية.

ومن المرجح أيضاً أن يؤدي تدفق القوات الموالية للحكومة إلى شبوة إلى توترات بين الحلفاء المحليين للرئيس هادي والمجلس الانتقالي الجنوبي المؤيد للاستقلال. يطمح المجلس، الذي يسيطر أصلاً على محافظات لحج، والضالع، وعدن الجنوبية، إلى توسيع نطاق سيطرته على جميع أراضي جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية؛ فبين عامي 1967 و1990، كانت هذه الدولة المستقلة تضم شبوة بالإضافة إلى أبين التي تسيطر عليها الحكومة وتقع بين شبوة وعدن التي يسيطر عليها المجلس الانتقالي الجنوبي. حتى إن بعض قادة المجلس الانتقالي الجنوبي يرون أن إبرام صفقة مع الحوثيين من شأنه أن يعزز احتمالات استعادة استقلال الجنوب - الخطوة التي من شأنها أن تشكل كارثة لهادي - وهي احتمالات يفضلونها على البقاء في حكومة الوحدة الوطنية غير المستقرة التي شكلوها مع الرئيس في كانون الأول/ديسمبر 2020. من المرجح أن يتنامى هذا الشعور إذا سقطت الحكومة في مأرب وسعت إلى تعزيز موقعها في الجنوب.

تحدي وقف إطلاق النار

حتى وقت قريب، كان المسؤولون السعوديون واليمنيون يأملون في أن يحولوا اتجاه الحرب لصالحهم من خلال إقناع الولايات المتحدة بزيادة دعمها العسكري واللوجستي والدبلوماسي. لكن زيادة التدخل العسكري من قبل الولايات المتحدة أو قوى خارجية أخرى لم يكن مرجحاً حتى في ظل إدارة ترامب، مع الأخذ بعين الاعتبار الآراء السائدة بشأن حرب اليمن​ بين الديموقراطيين والجمهوريين في الكونغرس، وبالنظر إلى التقييمات الأميركية للقوة البشرية والموارد العسكرية المطلوبة لكسبها.

في الأسابيع الأولى من توليه منصبه، أوضح الرئيس جو بايدن أن هذا الدعم غير وارد بالنسبة لإدارته. وفي مطلع شباط/فبراير، أعلن وقفاً كاملاً للدعم الهجومي للحرب وتجميداً مؤقتاً لمبيعات الأسلحة للسعودية والإمارات، الشريك الرئيسي للسعوديين في التحالف الذي تشكل عام 2015 لدعم هادي. ألغى وزير الخارجية الأميركي توني بلينكين تصنيف الحوثيين كمجموعة إرهابية، وهو التصنيف الذي كانت إدارة ترامب قد أعلنته في أيامها الأخيرة​​، مشيراً إلى الضرر الإنساني المتوقع للتصنيف.

الولايات المتحدة حاسمة الآن في إعلانها أن الحرب لا يمكن أن تنتهي إلا من خلال تسوية تفاوضية.

الولايات المتحدة حاسمة الآن في إعلانها أن الحرب لا يمكن أن تنتهي إلا من خلال تسوية تفاوضية. ولهذه الغاية، عيّن بايدن مبعوثاً خاصاً هو الدبلوماسي المخضرم تيموثي ليندركينغ، لدعم جهود الوساطة التي يبذلها مبعوث الأمم المتحدة الخاص مارتن غريفيث. لا يرى المسؤولون الأميركيون والأمميون خياراً سوى تجديد هذه الجهود التي تهدف إلى تسهيل وقف إطلاق النار وكذلك الإجراءات الاقتصادية مثل تخفيف قيود الاستيراد لبناء قدر من الثقة بين حكومة هادي والحوثيين، قبل الانتقال إلى استئناف المحادثات السياسية الوطنية. لكن إيجاد حل وسط بين الحوثيين والحكومة، وكسب تأييد السعودية لمثل هذا الحل، ما يزالان يمثلان تحديين كبيرين.

وتتمثل العقبة الأساسية أمام غريفيث وليندركينغ في التغلب على عدم التوافق بين الموقف التفاوضي للحوثيين وموقف حكومة هادي. أمضت الأمم المتحدة معظم عام 2020 في محاولة للتفاوض على هدنة والعودة إلى السياسة، وهو جهد دفعه استيلاء الحوثيين على الحزم، عاصمة محافظة الجوف، إلى الغرب من مأرب، واندفاعتهم الأولية نحو مدينة مأرب. يزعم الطرفان أنهما قبلا شروط مبادرة الأمم المتحدة ويتهمان خصومهما بعرقلة التقدم، لكن لكليهما أسبابهما في التأخير.

يبدو أن الحوثيين، من جانبهم، يتصورون أنهم في وضع رابح في كلا الحالتين. فإذا استولوا على مأرب، سيكونون قد فازوا بجائزة استراتيجية، وإنهاء الحرب فعلياً في الشمال، وإضعاف حكومة هادي بشكل قاتل في نظر الأطراف الخارجية وتعزيز الكيان الذي يشبه الدولة الذي دأبوا على بنائه من خلال استغلال ثروة مأرب من النفط والغاز. وإذا قرروا، بدلاً من ذلك، وقف تقدمهم نحو مأرب، فسيتوقعون إبرام صفقة تُنهي بموجبها المملكة العربية السعودية ما يصفونه بـ "الحصار" على مناطقهم - إغلاق مطار صنعاء أمام الرحلات الجوية التجارية والقيود المفروضة على وصول البضائع إلى ميناء الحديدة - و"العدوان" الذي يتخذ شكل الغارات الجوية. مهدت هذه الأخيرة الطريق أمام هجوم التحالف المناهض للحوثيين على الحديدة، وشكلت مؤخراً العائق الرئيسي أمام اجتياح المتمردين لمأرب. يبدو أن الحوثيين يسعون للحصول على أفضل نسخة ممكنة من اتفاق وقف إطلاق النار لصالحهم، أي اتفاق يوقف جميع الضربات الجوية ويرفع القيود تماماً عن الموانئ والمطارات الخاضعة لسيطرتهم.

أما حكومة هادي فهي في مأزق. يقول المسؤولون إنهم يرون في هجوم الحوثيين على مأرب محاولة، على حد تعبير أحدهم، "لإلغاء الحكومة من المعادلة [السياسية]" في اليمن من خلال الاستيلاء على آخر معقل لها في الشمال. إنهم يفضلون تصعيد الدعم الدولي لصد الحوثيين عسكرياً أو أن تكون الهدنة محددة زمنياً لاختبار صدق الحوثيين. تخشى الحكومة من أن يرى الحوثيون في وقف إطلاق النار مناورة لإنهاء الضربات الجوية السعودية لفترة كافية تمكنهم من شن هجوم نهائي على مأرب. كما تنظر إلى محاولة الحوثيين إعادة فتح مطار صنعاء والسماح بالتدفق الحر للواردات إلى الحديدة كتكتيك لترسيخ مكانتهم كحكام فعليين لشمال اليمن وحرمان الحكومة من نفوذها الضئيل أصلاً في المفاوضات. كما يشعر هؤلاء المسؤولون بالقلق من أن المفاوضات السياسية المتسرعة لإنهاء الحرب بأي ثمن ستؤدي إلى صفقة تعكس ميزان القوة الحالي الذي يميل لصالح الحوثيين.

لكن حتى الآن، كان الدعم الجوي السعودي الوثيق، مصحوباً بدفاع محلي شرس عن الأرض، كافياً لإبطاء تقدم الحوثيين وحسب، وليس لإيقافه. على هذه الخلفية، من المرجح أن يكون وقف إطلاق النار هو الخيار الأفضل لكل من الرياض وهادي.

كيف يمكن للجهات الفاعلة الدولية المساعدة

لقد عملت الضغوط الدولية من قبل للمساعدة على منع حدوث هجوم كارثي في اليمن. في عام 2018، التقى مجلس الأمن والاتحاد الأوروبي والعديد من اللاعبين الدوليين الآخرين في الإجماع على معارضتهم لهجوم عسكري شامل على الحديدة بسبب مخاوف من التأثير الكارثي للقتال في المناطق الحضرية على المدينة. كان مصدر القلق الرئيسي هو أن تصبح الحديدة والموانئ المجاورة لها غير صالحة للعمل، مما يؤدي إلى قطع الإمدادات الغذائية عن 18 مليون نسمة في الشمال.

لكن الوضع في عام 2018 كان مختلفاً من بعض الجوانب المهمة. كان للقوى الخارجية نفوذ أكبر مما لديها اليوم. ثم إن الإمارات العربية المتحدة كانت تدفع الحملة العسكرية نيابة عن التحالف الذي تقوده السعودية. بمجرد وصول المعارضة الدولية للهجوم إلى ذروتها، استخدمت الولايات المتحدة نفوذها لدى الرياض وأبو ظبي للضغط عليهما لوقف القتال والموافقة على صفقة لنزع السلاح من الحديدة. اغتنمت الأمم المتحدة بدورها الفرصة لتأمين وقف إطلاق النار والتوصل إلى تسوية في اللحظة الأخيرة.

اليوم، للحوثيين اليد العليا. إنهم يتلقون دعماً من إيران، التي تستضيف سفيرهم في طهران كممثل دبلوماسي رسمي لليمن، وأرسلت سفيرها إلى صنعاء. على الرغم من أن طهران تقول إنها تريد المساعدة في إنهاء الحرب، فلا أحد متأكد مما إذا كانت ستستجيب لمناشدات الأمم المتحدة لاستعمال نفوذها على الحوثيين أو ما إذا كان لديها ما يكفي من النفوذ لإقناع المتمردين بوقف تقدمهم. علاوة على ذلك، قد تكون طهران أو لا تكون صادقة في قولها إنها تريد إنهاء حرب تورط فيها اثنان من خصومها الجيو-استراتيجيين، المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة.

رغم كل التحديات التي ستترتب على ذلك، فإن اندفاعة دبلوماسية متجددة تركز على وقف معركة مأرب ضرورية بسبب الرهانات الإنسانية وعاجلة لأن فرص وقف الحرب تتضاءل إذا نجح الحوثيون في دخول المدينة. إذا حدث ذلك، من المرجح أن يؤدي إلى حرب حضرية طويلة ومعارك جديدة في أماكن أخرى من البلاد.

بعد أن ألزمت نفسها بالعمل للتوصل إلى حل دبلوماسي، ينبغي على الولايات المتحدة إقناع الرياض وحكومة هادي بتقديم تنازلات يمكن أن تمهد الطريق لوقف إطلاق النار مع الحوثيين.

بعد أن ألزمت نفسها بالعمل للتوصل إلى حل دبلوماسي، ينبغي على الولايات المتحدة إقناع الرياض وحكومة هادي بتقديم تنازلات يمكن أن تمهد الطريق لوقف إطلاق النار مع الحوثيين. وهذا يعني رفعاً مؤقتاً على الأقل لبعض القيود المفروضة على ميناء الحديدة واستئناف بعض الرحلات الجوية التجارية على الأقل إلى مطار صنعاء، مع وضع آلية إشراف مشتركة على كليهما لتهدئة الحكومة وإبلاغ الحوثيين بأن الصفقة لا تعني مجرد تدعيم وضعهم كحكام فعليين للشمال.

من غير المرجح أن يشعر السعوديون أو معسكر هادي بالرضا، لكن يمكن لواشنطن أن تشير بحق إلى أن هذه الإجراءات ثمن يستحق الدفع لمنع خسارة آخر موطئ قدم لهم في شمال اليمن والمخاطر التي يمكن أن يتعرض لها التحالف المناهض للحوثيين في شبوة. كما سيكون من المفيد أن توضح الولايات المتحدة والأمم المتحدة أن هذه الخطوات قابلة للعكس ولن ترقى إلى مستوى نقل السيادة الوطنية إلى الحوثيين في نظر واشنطن أو العالم بأسره.

في الوقت نفسه، ينبغي على واشنطن والعديد من الشركاء الذين يمكن أن تجمعهم إلى جانبها إقناع الحوثيين بأنهم إذا اندفعوا نحو السيطرة على مأرب فإنهم سيواجهون عقوبات محددة تهدف إلى تعطيل الشبكات الاقتصادية التي دعمت جهودهم الحربية وأثرت كبار قادتهم. لقد حذرت الولايات المتحدة بالفعل من أنها قد تفرض عقوبات جديدة. عندما أعلن وزير الخارجية الأميركي بلينكين عن إلغاء تصنيف الحركة تنظيماً إرهابياً في 12 شباط/فبراير،  لاحظ أنه يفعل ذلك لأسباب إنسانية بحتة، وفي إشارة إلى العقوبات الأميركية الحالية على قادة الحوثيين، قال إن الولايات المتحدة "تحدد أهدافاً إضافية لتصنيفها". من جانبها، ينبغي على طهران، التي عرضت في مناقشات مع غريفيث في وقت سابق من شهر شباط/فبراير "دعم أي دور فعال تلعبه الأمم المتحدة في تسوية الأزمة"، أن تحث حلفاءها الحوثيين على عدم التصعيد.

في سياق العمل على التوسط في وقف إطلاق النار وتحديد ما سيحدث بعد ذلك، يمكن للولايات المتحدة والأمم المتحدة وشركائهما تعلّم دروس مفيدة من تجربة الحديدة في عام 2018. في حين أنهى اتفاق ستوكهولم القتال حول المدينة الساحلية، فإن ​نصه لم يكن دقيقاً. تُركت للأطراف حرية تقديم تفسيراتها الخاصة لمعناه، لا سيما فيما يتعلق بمن سيؤمن الميناء وكيف ستدار الإيرادات، مما تسبب في توقف التنفيذ وتعثره. لم ينتج عن الاتفاق سوى وقف إطلاق نار محدود جغرافياً. لم يستطع وقف الحرب الأوسع أو تسهيل استئناف سريع للمحادثات السياسية، كما كانت الأمم المتحدة تأمل. سرعان ما انصرف الانتباه إلى أمكنة أخرى بمجرد انحسار التهديد بالقتال، وتبدد التركيز الدولي المطلوب على مطالبة الأطراف بتنفيذ التزاماتها.

ينبغي ألا تكرر جهود وقف هجوم مأرب هذه الأخطاء. وبالنظر إلى أن لا الحكومة ولا الحوثيين لهم أي مصلحة في وقف إطلاق نار محدود، يجب أن يكون الهدف هدنة على مستوى البلاد وليس هدنة محلية. إذا نجحت الولايات المتحدة والأمم المتحدة وشركاءهما في التوسط في وقف إطلاق النار، فستكون الخطوة التالية العمل بشكل مكثف لجعل الهدنة مستدامة وجمع الأطراف معاً لصياغة ترتيبات سياسية وأمنية مؤقتة تسمح بتطبيع الاقتصاد، في انتظار ما من المرجح أن تكون مفاوضات سياسية مطولة حول مستقبل البلاد.

لتحقيق هذه الأهداف، ستكون هناك حاجة إلى عمل دولي منسق. أولاً، مع تجديد واشنطن لالتزامها بإنهاء الصراع، وبالنظر إلى أنها تتولى رئاسة مجلس الأمن الدولي في آذار/مارس، عليها أن تضغط على المجلس ليوضح أن هجوم الحوثيين على مأرب يجب أن يتوقف، وأن يحذر من تبعات، مثل العقوبات المستهدفة، إذا مضى الهجوم قدماً. ثانياً، حتى إذا منعها بعض أعضاء المجلس من اتخاذ مثل هذا الإجراء، ينبغي على الولايات المتحدة أن تأخذ زمام المبادرة في الجمع بين أكبر عدد من الأعضاء الخمسة الدائمين المستعدين للمشاركة، والاتحاد الأوروبي وآخرين لتشكيل مجموعة عمل أو مجموعة اتصال لتنسيق الدعم لـلمبعوث الخاص غريفيث، كما فعلوا في الماضي. يمكن أن تتكون المجموعة الجديدة من الدول الخمس دائمة العضوية، وأعضاء مجلس التعاون الخليجي (وبشكل أساسي الكويت، وعمان، والمملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة)، والاتحاد الأوروبي. ينبغي أن تتعاون هذه المجموعة مع غريفيث، ومع العديد من الفصائل السياسية والمسلحة في اليمن، للتوسط في وقف إطلاق النار على مستوى البلاد، والضغط على الأطراف للحفاظ على استمراره، وإدارة القضايا المعقدة مثل عائدات المطار والميناء. إضافة إلى ذلك، سيترتب على أعضاء المجموعة الذين لديهم نفوذ على الأطراف إقناعها بالعودة إلى طاولة المفاوضات لإجراء محادثات حول الترتيبات المؤقتة، وفي نهاية المطاف، المفاوضات السياسية الشاملة التي توفر سلاماً مستداماً.

سيكون من الصعب وقف الهجوم على مأرب وإعادة توجيه اليمن نحو مسار أكثر سلاماً. لكن المهمة لا يمكن أن تنتظر. إذا فشلت القوى الخارجية في العمل لوقف القتال الآن، فإن ذلك سيجعل أي جهد لاحق أكثر صعوبة، حيث سيتردى اليمن في أعماق الهاوية أكثر من أي وقت مضى.