icon caret Arrow Down Arrow Left Arrow Right Arrow Up Line Camera icon set icon set Ellipsis icon set Facebook Favorite Globe Hamburger List Mail Map Marker Map Microphone Minus PDF Play Print RSS Search Share Trash Crisiswatch Alerts and Trends Box - 1080/761 Copy Twitter Video Camera  copyview Youtube
ثمانية أيام في عدن، المدينة المنسية في الحرب اليمنية المنسية
ثمانية أيام في عدن، المدينة المنسية في الحرب اليمنية المنسية
صنعاء، مدينة تتسم بالكبرياء لكن تعاني من الجوع ومن حصار يحقق آثاراً عكسية
صنعاء، مدينة تتسم بالكبرياء لكن تعاني من الجوع ومن حصار يحقق آثاراً عكسية

ثمانية أيام في عدن، المدينة المنسية في الحرب اليمنية المنسية

بعد عامين ونصف العام من آخر  معركة رئيسية في عدن، المدينة الواقعة على الساحل الجنوبي لليمن، ورسمياً "عاصمته المؤقتة"، تشاهد مديرة مشروع شبه الجزيرة العربية في مجموعة الأزمات، إبريل لونغلي آلي، مجموعة متنوعة من القوات المسلحة المتنافسة، ومبانٍ مدمرة وخطوات فعلية تتخذها المجموعات السياسية نحو الحكم الذاتي، إن لم يكن الانفصال الصريح.

عدن، اليمن – في الوقت الراهن ليس هناك الكثير من القتال في مدينة عدن على الساحل الجنوبي لليمن. لكن ترتيب رحلتي هذه استغرقني أكثر من سنة. كل شيء أفعله للوصول إلى هناك يؤكد لي إلى أي حد أدّت ثلاث سنوات من الحرب إلى تحطيم وتقسيم هذا البلد.

أبدأ بطلب الحصول على  تأشيرة دخول في قنصلية تابعة للحكومة اليمنية برئاسة عبد ربه منصور هادي. لا يزال الطلب الذي تقدمت به في كانون الثاني/يناير 2017 يقبع في متاهات الإجراءات البيروقراطية. يقال لي بشكل غير رسمي بأن المدينة غير آمنة على الإطلاق بالنسبة لي.

أحاول الحصول على المساعدة من المستويات العليا في إدارة هادي والموجودين في معظمهم في المنفى في السعودية بعيداً عن تعقيدات الحياة في عدن. أحقق بعض التقدم لكن تلك التأشيرة تضيع في الفوضى البيروقراطية. وأخيراً، تثمر كل مكالماتي، واجتماعاتي ورسائلي، فيلصق دبلوماسي يمني تأشيرة الدخول على جواز سفري بينما كنت أزور الولايات المتحدة في أواخر خريف العام 2017.

.تشكل العقبات البيروقراطية والصعوبات التقنية عقبات متكررة في وجه المهمة التي أقوم بها لصالح مجموعة الأزمات والمتمثلة في

هذه الأهمية التي تعطى للرمز الرسمي للدولة اليمنية يتناقض بشكل صارخ بالطبع مع الواقع على الأرض. الواقع هو أن تحالفاً تقوده المملكة العربية السعودية وتدعمه الولايات المتحدة هو الداعم الرئيسي لحكومة هادي المعترف بها دولياً، والتي أطاح بها المتمردون الحوثيون وحلفاء الرئيس السابق علي عبد الله صالح وأخرجوها من العاصمة صنعاء في العام 2015.

بعد ثلاث سنوات من الحرب، باتت البلاد في الواقع مقسمة إلى عدة مراكز قوى متنافسة. يحتفظ الحوثيون بالسيطرة على الشمال الغربي، بما في ذلك صنعاء. وتسيطر مكونات حكومة هادي المتحالفة مع السعودية على مأرب، شرق صنعاء. القوى المتحالفة مع الإمارات العربية المتحدة تركز على أراضي اليمن الجنوبي السابق، والذي كان دولة مستقلة قبل العام 1990. التحالف الذي تقوده السعودية والمكوّن من كتلة واحدة رسمياً وحلفاؤه اليمنيون منقسمون في الواقع، حيث يسود الخلاف بين القوات الجنوبية المتحالفة مع الإمارات العربية المتحدة من جهة وحكومة هادي من جهة أخرى، خصوصاً حول السيطرة والنفوذ في عدن.

تشكل العقبات البيروقراطية والصعوبات التقنية عقبات متكررة في وجه المهمة التي أقوم بها لصالح مجموعة الأزمات والمتمثلة في إيجاد السبل لإنهاء حرب اليمن وتخفيف حدة الأثر الكارثي على سكان البلاد البالغ عددهم 27 مليون نسمة، ومحاولة إقناع الآخرين بذلك. كان ترتيب رحلتي الأخيرة إلى صنعاء التي يسيطر عليها الحوثيون في العام 2017 لا يقل صعوبة عن ترتيب هذه الرحلة. علمتني تلك الرحلة أن تكتيكات فرض العزلة، والجوع والحصار تفشل في كسب الحرب، وتفاقم الانقسامات في البلاد وتدفع اليمنيين الشماليين، والعديد منهم من منتقدي الحوثيين، إلى الاتحاد ضد التحالف الذي تدعمه الولايات المتحدة.

التحقق والتحقق من جديد

يعد الحصول على تأشيرة دخول من حكومة هادي مجرد خطوة واحدة في رحلتي إلى عدن. قبل السفر، أقوم بإبلاغ المسؤولين الإماراتيين برحلتي وأحصل على موافقة قوات الأمن اليمنية المتحالفة مع الإمارات والتي تسيطر على المطار ومعظم أجزاء المدينة. التحدي التالي بالنسبة لي هو حجز مقعد على شركة طيران "اليمنية"، وهي شركة الطيران الوحيدة التي تسيّر رحلات جوية إلى البلاد. وبالنظر إلى أن هناك رحلة أو رحلتين يومياً إما من القاهرة أو من عمان، فإن ثمة تنافساً شديداً على المقاعد. يقال للعديد من أصدقائي اليمنيين الذي يحاولون الوصول إلى عدن في ذلك الوقت بأن جميع الرحلات محجوزة، ويعتقد البعض أنه قد يكون عليهم أن يدفعوا رشى ليتجاوزا الدور. في حالتي، يتمكن أحد معارفي في عدن من القيام بالعمل المجهد لمتابعة عملية الحصول على البطاقة في مكاتب "اليمنية". وعندما تطلب شركة الطيران مني أن أدفع ألف دولار لهذه الرحلة القصيرة، فإني أدفع، فلا خيار لدي. عندما أصعد إلى الطائرة التابعة لشركة "اليمنية" في القاهرة في أواخر شباط/فبراير، أفاجأ بأن ثلث المقاعد فارغة، أشك بأن الأسعار المرتفعة جداً تمنع اليمنيين من السفر  إلا لحالات الطوارئ. العديد من الركاب المسافرين معي هم من العائدين إلى بلادهم بعد العلاج الطبي في الخارج. أرى شاباً كنت قد التقيته من قبل، كان قد اصطحب قريباً له إلى الهند لمعالجته من مشكلة صحية لم يكن من الممكن معالجتها في اليمن. لكن كان الأوان قد فات، فقد توفي. الأسرة عائدة إلى البلاد لقضاء فترة العزاء مع أقارب وأصدقاء آخرين.

تقلع طائرتنا إلى عدن بعد تأخر دام خمس ساعات، وهذا أمر معتاد بالنسبة للرحلات الجوية اليمنية من القاهرة، التي من المقرر أن تغادر في الصباح الباكر من كل يوم. أعصابي تضطرب. الطائرة في وضع مزرٍ. جميع المقاعد على مستويات مختلفة، ومقعدي منفصل عن المكان الذي يفترض أن يكون مثبتاً به. ولا يكترث أي من أفراد طاقم الطائرة لإعطاء تعليمات السلامة المعتادة.

البنادق، البنادق في كل مكان

تهبط الطائرة بأمان وأخرج لأرى عدن وقد تغيرت. لم أزرها منذ كانون الثاني/يناير 2015، قبل التدخل الذي قادته السعودية ببضعة أشهر. حينذاك، كان الجنوبيون يستعدون لصد الهجوم الوشيك للحوثيين، لكن حتى ذلك الحين لم تكن أية معارك قد اندلعت. أما الآن فهناك مبانٍ تعرضت للقصف في المطار وحوله وهناك شعور بالعسكرة في كل مكان. ثمة سياج ذو طابع عسكري مكوّن من أكياس كبيرة مملوءة بالرمل يتم بناؤه حول محيط المطار.

مبنى  المطار لا  يزال سليم ، ومكتب الجوازات مفتوح، ولو بعدد قليل من الموظفين بالنظر إلى العدد المحدود من الرحلات. ليس هناك أحد في الخارج في استقبالي، لأن البوابات مغلقة أمام مرور السيارات لأسباب أمنية. كان أحد الأصدقاء قد رتب لدخول البوابة، لكنه مُنع في اللحظة الأخيرة. وهكذا سرنا على طول مرآب السيارات الفارغ في الخارج. أحمل أنا وزملائي المسافرين حقائبنا إلى نقطة التفتيش، حيث نعبر إلى طريق ضيق ومزدحم بمسارين يشكل الآن الطريق الذي يوصل إلى المطار. وطبقاً لترتيب استهلك جهداً كبيراً، كان صديق أحد أصدقائي ينتظرنا. يقلني بالسيارة إلى المكان الذي سأقيم فيه.

من المقرر أن أقضي الجزء الأول من أيامي الثمانية في عدن في مديرية البريقة، وهي شبه جزيرة تقع على بعد 15 كم غرب المدينة، التي تشكل هي نفسها جزيرة تقريباً في خليج عدن. في الطريق إلى البريقة نمر عبر شريط صحراوي أجرد أقامت فيه قوات الأمن الإماراتية قاعدة لها. نتقاسم الطريق مع ناقلات جند مصفحة إما ذاهبة إلى ميناء البريقة أو ربما إلى جبهة الحرب في المخا، وهي مدينة على ساحل البحر الأحمر. هذه هي المرة الوحيدة التي أرى فيها قوات إماراتية. تتمتع الإمارات بسلطة كبيرة في عدن، لكن يبدو أن جنودها يظلون غالباً متمترسين في مجمعهم.

لا زال الطريق من المطار إلى البريقة، كالعديد من الطرق في عدن، مخرباً بسبب المعارك التي دارت لطرد الحوثيين قبل عامين ونصف العام. وبشكل لا ينسجم مع المشهد الكلي، هناك أيضاً لوحات جديدة لمّاعة على طول الطريق. إحداها صورة لعيدروس قاسم الزبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات، ونائبه، رجل الدين السلفي هاني بن بريك وصور أصغر لأعضاء المجلس الآخرين. لوحة أخرى تظهر قائد الكتلة السياسية المعارضة، الرئيس هادي. ثمة صور أخرى لجنوبيين قاتلوا الحوثيين، فقط ليقتلوا لاحقاً على يد القاعدة أو الفرع اليمني لتنظيم الدولة الإسلامية.

بالانتقال من المطار نحو مصفاة النفط الوحيدة في الجنوب،  وهي ايضاً في البريقة ، أمرّ عبر ست نقاط تفتيش تشغلها قوات الحزام الأمني التي شكلت بعد إخراج الحوثيين من عدن لحماية محيط المدينة من أي هجوم جديد. تتكون هذه القوات من جنوبيين متحالفين مع الزبيدي والمجلس الانتقالي الجنوبي. حكومة هادي تسميهم ميليشيات غير شرعية تدفع رواتبها الإمارات العربية المتحدة.

كان الإماراتيون هم الذين قادوا الحملة العسكرية التي أخرجت الحوثيين من عدن. وهم يدعمون ويمولون قوات الحزام الأمني، جزئياً لأنهم يعرفون أن كثيرين في المدينة يعتبرون هادي، المتحالف بشكل وثيق مع السعوديين، فاسداً وغير فعال. حكومة هادي تضم الحزب الإسلامي، الإصلاح، الذي يضم النسخة اليمنية من الإخوان المسلمين. الإمارات وحلفاؤها اليمنيون الجنوبيون ينظرون إلى حزب الإصلاح بتشكك كبير ويربطون الحزب بالتطرف السياسي والعنف. العديد من الجنوبيين يكرهون هادي وحزب الإصلاح، وتتمتع المجموعات المحلية المتحالفة مع الإمارات بالتفوق العسكري على الأرض.

كما أن هناك مكوناً إقليمياً في النزاعات الداخلية الجنوبية. بصرف النظر عن مدى صحة ذلك، فإن العديد من الأشخاص الذين تحدثت إليهم في عدن يعتقدون أن الإمارات تتحالف مع أشخاص من محافظتي الضالع ولحج ضد خصومهم التاريخيين من أبين، وهي محافظة الرئيس هادي. ثمة تصور بأن قوات الحزام الأمني في عدن تعتمد أكثر مما ينبغي على الأفراد الذين تجندهم من هذه المناطق وأن المجلس الانتقالي الجنوبي، ذي العضوية المتنوعة مناطقياً لا يمثل عدن بالشكل الكافي. آخرون ينكرون بقوة أهمية النزعة المناطقية. في حين أن الانقسامات الحالية ليست نسخة طبق الأصل عن تلك التي سادت في الماضي – حيث كانت مجموعات من محافظتي الضالع ولحج الحاليتين قاتلت في حرب أهلية وحشية دامت عشرة أيام ضد أبين وشبوة في العام 1986 – يبدو فعلاً أن للتاريخ صدى هنا.

.يبدو أن مسؤولي الحكومة اليمنية، وكثيرين في المجتمع بشكل عام، يعانون من نقص المعلومات حول ما تستطيع الإمارات العربية المتحدة فعله وما لا تستطيع فعله، أو حول ماهية الأهداف بعيدة المدى لهذا البلد الخليجي

اندلعت الاحتكاكات بين معسكري الإمارات وهادي وتطورت إلى اشتباكات مفتوحة في كانون الثاني/يناير 2018 واستمرت يومين أو ثلاثة أيام قبل أن تتدخل الإمارات والسعودية لفرض وقف لإطلاق النار ظل هشاً ومتوتراً. يبدو أن مسؤولي الحكومة اليمنية، وكثيرين في المجتمع بشكل عام، يعانون من نقص المعلومات حول ما تستطيع الإمارات العربية المتحدة فعله وما لا تستطيع فعله، أو حول ماهية الأهداف بعيدة المدى لهذا البلد الخليجي. إذا كانت الإمارات ترغب بتحقيق نفوذ أكبر، فإن عليها أن تعلن بشكل أفضل عن أهدافها العسكرية والسياسية وعن ماهية قدراتها.

صمدت هدنة كانون الثاني/يناير، لكن لم تتحقق مصالحة سياسية. بدلاً من ذلك حدثت بلقنة وشلل سياسي. في أجزاء من المدينة، على سبيل المثال قرب وزارة الداخلية، يسيطر أنصار هادي على المنطقة. في أمكنة أخرى، القوات المتحالفة مع المجلس الانتقالي الجنوبي هي المسيطرة. ثم هناك جيوب في المدينة تسيطر عليها قوات "مقاومة" محلية على مستوى الأحياء تقريباً لعبت دوراً في إخراج الحوثيين ولا تتحالف كلياً مع أي من الفصيلين.

إلا أن ما يفاجئني كثيراً هي البنادق. في اليمن الشمالي، خصوصاً في المناطق الريفية، البنادق موجودة في كل مكان، لكن لم يكن ذاك هو الحال في عدن. لا تحت الحكم الاستعماري البريطاني، ولا في ظل حكم الشيوعيين الذين حكموا الجنوب حين كان دولة مستقلة عام 1990، ولا في اليمن الموحد في ظل حكم نظام الرئيس صالح. أما اليوم فالبنادق في كل مكان، تحملها قوات الأمن في سيارات البيك آب حيث تنصب الرشاشات الثقيلة على ظهرها – بعضها يرتدي اللباس الموحد الرسمي، وآخرون يرتدون خليطاً محيراً من الثياب القبلية والعسكرية – وشباب على الدراجات النارية، بعضهم قد يكون جزءاً من قوات الأمن المنقسمة، وبعضهم ليسوا كذلك. بالنسبة لعدن، ليس هذا هو الوضع "الطبيعي" الذي كنت أعرفه.

في اليمن الشمالي، خصوصاً في المناطق الريفية، البنادق موجودة في كل مكان، لكن لم يكن ذاك هو الحال في عدن.

ثمة خطر آخر يغذي التوترات. منذ العام 2016، اغتال مهاجمون غير معروفين أكثر من عشرين رجل دين وداعية، معظمهم مرتبطين بحزب الإصلاح الإسلامي السني. لقد حُرق مقر الحزب ويشعر أعضاؤه بأنهم مستهدفين من قبل الأجهزة الأمنية المتحالفة مع الإمارات، والتي تشاطر الإمارات عداءها للحزب. القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية موجودان أيضاً وقد هاجما كلاهما أجهزة الأمن في المدينة ومسؤولي الحكومة. كل هذا العنف يستهدف أشخاصاً بعينهم طبعاً، لكن لا أريد أن أكون في المكان الخطأ في الوقت الخطأ. وهذا ما يجعل عدن مختلفة تماماً عن صنعاء، التي يدير فيها الحوثيون دولة  بوليسية آمنة نسبياً.

وبسبب انعدام الأمن، لا أتنقل كثيراً. معظم معارفي وأصدقائي يأتون لزيارتي في مكان إقامتي في البريقة، مع أسرة رجل أعمال لديه فيلا جميلة تطل على خليج جميل لصيد السمك. وعندما أخرج، أرتدي العباءة والنقاب دائماً – أي ثوباً أسود طويلاً وخماراً يغطي الوجه بأكمله. بهذه الطريقة لا ألفت الانتباه سواء على نقاط التفتيش أو في الأماكن العامة.

مدينة تحبس أنفاسها

بالتنقل في أنحاء المدينة، أصدم بحجم الدمار الذي خلفته الحرب في عدن. الطريق الرئيسي إلى المدينة من الشمال، حيث تقدم الحوثيون وتراجعوا، يبدو كشرق حلب. في عدن، دُمر كل فندق كبير تقريباً. في زياراتي السابقة، كنت أقيم في فندق ميركيور، على الشاطئ مباشرة. ميركيور ممزق تماماً الآن، ردهته باتت مكشوفة بالكامل على إثر غارة جوية استهدفت الحوثيين، الذين كانوا يحتلون المبنى حينذاك. فندق عدن القريب دُمر نتيجة الضربات الجوية للتحالف الذي تقوده السعودية. تنظيم الدولة الإسلامية فجر فندقاً ثالثاً بناه صالح. العديد من أجزاء المدينة مدمر. وقد حدث الكثير من عمليات النهب.

وسط هذا الدمار، لا يزال هناك الكثير من الحياة. يخرج صيادو السمك إلى خليج البريقة. ووقت الغداء، تكتظ أسواق الفواكه والخضار. لقد انتقل عدد من مؤسسات الدولة إلى عدن ما بعث الحياة في مدينة كانت نائمة ومهملة في عهد صالح. هنا، على عكس الحال في صنعاء، يتلقى الموظفون، والمدرسون، ومنظفو الشوارع والعاملون الطبيون رواتبهم في معظم الأحيان. الأشخاص الذين تلاحظهم أكثر من غيرهم هم أفراد قوات الحزام الأمني في الأسواق يشترون رزم القات، وهو نبات مخدر بشكل خفيف يمضغه عدد كبير من اليمنيين. الإمارات تدفع لهم رواتب جيدة وفي أوقاتها. سعر الريال اليمني الذي تستخدمه الحكومة في انخفاض مستمر، وبالتالي فإن تضاؤل القوة الشرائية يعد شكوى مستمرة. ولا يستطيع ضجيج النهار أن يخفي المشاكل الأعمق في عدن.

ألتقي بأشخاص من كل الفئات: مدنيين وعناصر أمن مدعومين إما من الإمارات العربية المتحدة أو من الرئيس هادي؛ مسؤولين حكوميين وسياسيين آخرين؛ سلفيين وعلمانيين، رجال ونساء؛ أطباء، صحفيين ونشطاء منظمات غير حكومية. كل من أتحدث إليه يؤكد على أن المدينة مشلولة، خصوصاً نتيجة المأزق السياسي بين هادي والقوات المدعومة من الإمارات، في صراع وطني يعطله تدخل إقليمي يضاف إلى نزاع محلي.

وزير داخلية هادي كان العضو الوحيد في الحكومة الموجود في عدن عندما كنت هناك. يعمل في موقع محصن خلف جدران اسمنتية في منطقة يحرسها مقاتلون موالون لهادي. يرفض مغادرة عدن، حتى بعد أن كشفت المعركة التي دارت في كانون الثاني/يناير عن عمق النزاع بين القوات المتحالفة مع هادي والمجموعات المدعومة من الإمارات والتي تأكدت فيها السيطرة العسكرية للأخيرة. رغم ذلك فإنه واثق من نفسه ويتطلع الى  رواية جانب الحكومة من القصة.

انعدام الحكم واضح في كل مكان.

الحكومة المحلية بالكاد تعمل. آخر محافظ عينه هادي لم يتسلم فعلياً مهام منصبه ولم يبقَ في المدينة أكثر من بضعة أشهر. نائب المحافظ يقوم بمهامه إلى أقصى درجة يستطيعها؛ لكن بالنظر إلى أن المحافظ شخص محوري لإنجاز الأمور محلياً، فإن الحكومة المحلية في عدن مجمدة. المدينة مأخوذة رهينة في لعبة شد حبال متداخلة: هناك أنصار حكومة هادي من جهة، وخصومهم في المجلس الجنوبي المؤقت من جهة أخرى. وثمة نزاع بين مصالح وطنية ومحلية متعارضة يسعى فيه الجميع للسيطرة على الموارد لكن ليس هناك قوة تحكم بشكل فعال.

انعدام الحكم واضح في كل مكان. صديق يعيش بالقرب من المطار اشتكى لي من أنه لم يكن بالإمكان فعل شيء عندما بدأ أحدهم مشروعاً إنشائياً قطع أنبوب الصرف الصحي المحلي الرئيسي، وباتت مياه الصرف الصحي الآن تتدفق إلى الشارع. يقول: "في مديريتي، البقاء للأقوى". رجل أعمال يشكو من كيف أن رجال مسلحين يحتلون أبنية لا علاقة لهم بها ويطردون مالكيها الحقيقيين. ويخبرني أن: "المقاتلين يقولون إنهم ضحوا بالدماء من أجل هذه الأبنية وهم يقاتلون الحوثيين، وقد أخذوها كغنائم حرب". يطلب رجل الأعمال المساعدة من المحاكم، ويقال له إن بوسعه التقدم بدعوى وكسبها، لكن لا أحد سينفذ حكم المحكمة. لا يستطيع أحد فعل شيء حيال هذا الوضع.

عائلات عدن التقليدية، والعديد منها في قطاع الأعمال، طالما شعرت بالإهمال أو سوء المعاملة من قبل الشماليين خلال سنوات حكم صالح ومن قبل مواطنيهم الجنوبيين الريفيين، الذين هيمنوا سياسياً خلال فترة حكم الاشتراكيين قبل العام 1990. يقولون إن التاريخ يكرر نفسه، حيث يتصارع المقاتلون الريفيون ضد بعضهم بعضاً على السلطة في عدن الآن وقد طرد الحوثيون منها. الجيل الشاب في عدن، وكثير منهم حملوا السلاح ضد الحوثيين، لا زالوا مسلحين. بعضهم متحالف مع المجلس الانتقالي الجنوبي، وبعضهم مع هادي، وهناك البعض لا مع هؤلاء ولا مع أولئك.

هناك الكثير من الغضب والإحباط من القوى الخارجية أيضاً. أرتب للقاء مع مجموعة كبيرة من النساء المتعلمات وصاحبات المهن. هناك محاميات وسيدات أعمال يشعرن بأنه لا حول لهن ولا قوة، وأنهن بيادق في لعبة يلعبها السعوديون، والإماراتيون، والأميركيون والبريطانيون. يقلن إن حياتهن تدمرت بسبب الحرب ضد الحوثيين لكن بشكل خاص بسبب استمرار الاقتتال الجانبي في الجنوب. إنهن يحبسن أنفاسهن ويتساءلن ما إذا كانت المرحلة القادمة ستكون أسوأ.

هؤلاء النساء صديقاتي. ألتقيهن دائماً عند أزور عدن. يخبرنني بما يجري في المجتمع، وهو ما لا أعرفه من المقابلات الرسمية، وهذا يساعدني على وضع السياسات المحلية في سياقها. أستمع لتفاصيل حول الفساد ما كنت لأعرفها بطريقة أخرى.

قبل الحرب، كنا نجتمع في نادي رياضي للنساء، لكننا لا نستطيع فعل ذلك هذه المرة لأن النادي تضرر بسبب الحرب وباتت النساء يعتبرن المنطقة التي يقع فيها غير آمنة بالنسبة لهن. وهكذا نجتمع هذه المرة في منزل إحدى النساء. تقول صديقاتي إن عليهن أن يجتمعن لأنه دون بعض الشعور بوجود حياة طبيعية سيصبن بالجنون. إحدى النساء تقول إنها كانت قد عانت من مشكلة صحية أسيء تشخصيها في عدن. أخضعت لعملية جراحية غير ضرورية، وتفاقم وضعها الصحي أكثر فأكثر. حصلت على الرعاية الطبية المناسبة فقط بعد أن تمكنت أخيراً من السفر إلى الهند، وهي رحلة صعبة بالنظر إلى تكاليفها والعدد المحدود من الرحلات.

تقول صديقاتي إن عليهن أن يجتمعن لأنه دون بعض الشعور بوجود حياة طبيعية سيصبن بالجنون.

بفضل ما ينفقه التحالف، فإن الوضع الاقتصادي في عدن ليس سيئاً بالدرجة التي توقعتها، وهو أفضل من الوضع في صنعاء. لكن القصص التي ترويها صديقاتي تبرز كلفة فشل الحكومة في إعادة الحياة الطبيعية. نعم، يشعر الناس بالارتياح حيال إخراج الحوثيين من المدينة. نعم، هناك ماء في المنازل أحياناً، على عكس العديد من البلدات الأخرى في اليمن. وأنا هناك، كانت الكهرباء تعمل، رغم أن الجميع قلقون من أن ارتفاع درجة الحرارة في الصيف سيرهق النظام الكهربائي. لكن بشكل عام، لا شيء يعمل بشكل سليم. ثمة درجة عالية من الإحباط، والسكان، المتلهفون للحكم السليم والأمن الشخصي والاقتصادي، لا يرون أملاً في التحالف الذي تقوده السعودية، ولا في الداعمين الخارجيين للتحالف، ولا في هادي أو خصومه المحليين.

تشعر عدن بأنها مهملة. بعد عامين ونصف العام من مغادرة آخر الحوثيين، لم تحدث عمليات إعادة إعمار تذكر. وليس هناك أية بعثات دبلوماسية عاملة. بدأ العدنيون بالشعور بالاستياء من عدم الاهتمام، من الإمارات العربية المتحدة بوجه خاص، التي يقول السكان إنها تركز بشكل مفرط على الأمن الضيق، خصوصاً على القضايا المتعلقة بمحاربة الإرهاب. في مرحلة ما كان ينظر إلى الإماراتيين على أنهم محررين، أما الآن فبات تعبير "الاحتلال" متداولاً. سمعت الكثير من هذا الحديث حتى من أشخاص لا يساندون حكومة هادي.

الوقائع على الأرض

بعد إقامتي في البريقة، انتقل إلى كريتر، الواقعة في صحن بركان قديم يحتضن مركز مدينة عدن القديمة. خلال إقامتي هناك، ألتقي شلال علي شايع، قائد شرطة عدن. إنه في مقدمة جهود محاربة الإرهاب. أرفض الذهاب إلى مقره، حيث كان هدفاً لمحاولات اغتيال. وكان الذهاب إلى منزله على الشاطئ في مديرية التواهي، الواقعة في شبه جزيرة خاصة بها، هي المرة الوحيدة التي أشعر فيها بتوتر حقيقي.

يقابلني شلال جزئياً لأني التقيته قبل عقد من الزمن عندما كان متمرداً جنوبياً لاجئاً يختبئ من حكومة صالح. يقول لي – كما يفعل آخرون في عدن – بأنه يقدّر كثيراً أن مجموعة الأزمات تتعاطف مع محنة الجنوبيين وتعكس ذلك في تقاريرها، حتى لو لم نكن إلى جانبهم سياسياً فيما يتعلق بقضية الانفصال. في العام 2007 تحدث عن حتمية انفصال الجنوب عن الشمال، والآن ها هو مسؤول عن قوة جنوبية مستقلة بحكم الأمر الواقع مدعومة من الإمارات العربية المتحدة. لا يبدو عليه أنه يشعر بالانتصار. الجنوبيون الذين على شاكلة شلال لا زالوا يريدون بلداً خاصاً بهم، لكنهم لم يعلنوا دولة جنوبية مستقلة في هذه المرحلة. لا زالوا يشيدون بهادي علناً ويرسلون المقاتلين لمحاربة الحوثيين.

إن تطور المسيرة المهنية لقائد الشرطة بحد ذاته يؤكد على مدى صعوبة توحد اليمن. وكذلك الأمر بالنسبة لبنية جهاز الأمن الجديد في اليمن. وحدات الجيش المتحالفة مع معسكر هادي ومختلف القوات الأمنية التي تقوم الإمارات ببنائها في عدن جنوبية 100%. باستثناء شمال محافظة حضرموت ، ليس هناك شماليين يحملون السلاح في الجنوب. قد يكون الجنوب منقسماً داخلياً، إلا أن معظم الفصائل تقول إنها تريد بناء مؤسسات دولة جنوبية. هذه هي الرواية المشتركة التي توحدهم، رغم صراعهم للسيطرة على كيفية الوصول إلى ذلك الهدف.

.وقد تنامت المشاعر الانفصالية

إذا كان من شيء آخذه معي وأنا أخرج من عدن، فإنه وعي جديد بخط التصدع المحوري هذا. وهو خط عميق. كان جنوب اليمن دولة اشتراكية مستقلة بين عامي 1967 و1990. وطوال الفترة التي توحد فيها مع الشمال، كان الجنوبيون يشعرون بالغضب مما يرون أنه هيمنة شمالية. حارب الانفصاليون الجنوبيون وخسروا في حرب قصيرة من أجل الاستقلال في العام 1994. حتى قبل الانتفاضة التي عمت البلاد في العام 2011 والتي أطاحت بصالح، سلف هادي، انتفض الجنوب ضد الحكومة المركزية، داعياً إلى الحصول على الحقوق الجنوبية، ولاحقاً إلى الاستقلال.

وقد تنامت المشاعر الانفصالية منذ ذلك الحين، من خلال الخطة الانتقالية لحقبة ما بعد صالح، والتي شابتها عيوب كثيرة، واستيلاء الحوثيين على صنعاء، والحرب الأهلية والتدخل الذي قادته السعودية لإعادة تنصيب هادي. الآن يبدو أن كل ما يحافظ على وحدة البلد هو العملة المحلية واقتصاد الحرب، لكن منذ العام 2016 وقيمة الريال في انخفاض مستمر تقريباً. وفي الوقت نفسه، فإن الصراعات الداخلية على السلطة داخل الجنوب واضحة للجميع وباتت فعلياً حرباً داخل حرب.

كل يوم في عدن يعزز شعوري بالنفوذ المحدود لحكومة هادي المعترف بها دولياً، وقناعتي بأن تركيز الأمم المتحدة سابقاً على محادثات السلام الثنائية كان غير واقعي وغير عقلاني. ليس من المنطقي أن يكون الحوثيون وحكومة هادي اللاعبان الوحيدان اللذان يمكن أن يتفاوضا على وقف لإطلاق النار أو الشروع بتسوية المشاكل الأكثر تعقيداً والتي أدت إلى الحرب الأهلية في المقام الأول. لكليهما دور، لكن هناك أيضاً دور لجملة واسعة من اللاعبين الجدد على الأرض، وكذلك لأطراف خارجية.

في طريق عودتي إلى المطار، أشعر مرة أخرى أنه من الجوهري التعامل مع اليمن كما هو على الأرض وفهم هذه التطلعات المحلية وهيكليات السلطة الجديدة. لقد أعطتني أكثر من 20 مقابلة معمقة أجريتها هناك أفكاراً جديدة حول كيفية تحسين الوضع فوراً. وهذه الأفكار تشمل الحاجة لإعادة تفعيل السلطات المحلية وأن تتفق الفصائل السياسية على تعيين محافظ يستطيع توحيد قوات أمن المدينة – والحكم.

وأنا أصعد إلى الطائرة عائدة إلى القاهرة، أجد أن ثلثي مقاعد الطائرة فقط مشغولة. أجلس بالقرب من أسرة، رجل أكبر سناً، وزوجته وشقيقتها الكبرى. لقد قاموا برحلة خطيرة مجهدة من صنعاء، رحلة من الشمال إلى الجنوب لم يعد يحاول القيام بها سوى المضطر أو الذي تحتم التزاماته عليه ذلك. يقولون إن الرحلة استغرقت 17 ساعة – بينما ينبغي أن تستغرق ست أو سبع ساعات – جزئياً لأنهم  كشماليين يواجهون الكثير من المشاكل على نقاط التفتيش. لكن لا خيار لديهم؛ حيث إن عدن وسيئون في حضرموت هما المدينتان الوحيدتان اللتان فيهما مطار يستطيع المدنيون من خلاله مغادرة البلاد.

من الجو أستطيع أن أتبين أماكن كنت في وقت سابق قد رأيت فيها علم دولة ما قبل العام 1990، والذي بات الآن رمزاً لاستقلال الجنوب، مرسوماً بالألوان على بقايا أبنية تعرضت للقصف. عندما أفكر بالأمر أجد أنه يبدو كما لو أن الجنوبيين يطبعون خاتمهم الذي يعبر عن حقهم في هذه المباني المدمرة: "قد تكون أنقاضاً، لكنها أنقاضنا".

Women walk on a bridge in the old quarter of Yemen's capital Sanaa, on 9 April 2016. REUTERS/Khaled Abdullah.

صنعاء، مدينة تتسم بالكبرياء لكن تعاني من الجوع ومن حصار يحقق آثاراً عكسية

Our Arabian Peninsula Senior Analyst April Longley Alley finds pride, resilience and an eagerness to end the conflict during field research and many conversations in Sanaa, Yemen’s capital. She concludes that isolating one side or making the famine and suffering worse will only prolong the war.

صنعاء، اليمن – يتمثل أحد الأوجه الأكثر إثارة للإحباط في العمل على الصراعات الدائرة في اليمن في مدى صعوبة زيارة البلاد. قضيت خمسة أشهر في الحصول على الموافقات والتصاريح الأمنية لزيارتي. الآن، في النهاية، أنا على متن رحلة للأمم المتحدة من عمان إلى صنعاء. هذه زيارتي الأولى للبلاد منذ غادرتها قبل أربعة أيام من شروع التحالف الذي تقوده السعودية، بدعم من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، بعمليات القصف التي  بدأتها في آذار/مارس 2015 لإعادة حكومة عبد ربه منصور هادي، التي كانت قد أطيح بها على يد المتمردين الحوثيين المتحالفين مع الرئيس السابق علي عبد الله صالح.

تتضح الأضرار التي تخلفها الحرب مع شروع الطائرة بالهبوط، حيث إن المطارين المدني والعسكري في صنعاء متجاوران وقد دُمر الجزء العسكري بشكل كامل تقريباً. نتجاوز هياكل المروحيات والطائرات الحربية ومن ثم البقايا المدمرة للطائرات المدنية التابعة لشركة الطيران اليمنية السابقة أريبيا فيليكس. ننتقل إلى مبنى البوابة الذي مزقته الشظايا وبات مهجوراً تماماً في مشهد يتناقض مع تقاطعات الطرق المزدحمة التي أذكرها. منذ انهارت محادثات السلام في آب/أغسطس 2016، فإنها وحدها الرحلات الجوية الإنسانية التي تنظمها الأمم المتحدة هي التي تصل إلى صنعاء كل أسبوع. يقترب باص وحيد ليفرغ حفنة من المسافرين في البوابة المهجورة. أنا، من جهتي، يرحب بي عضو من أنصار الله (أي التيار الحوثي) وممثل عن وزارة الخارجية في صنعاء حضرا للتأكد من عدم وجود مشاكل أمام دخول الزائرة الوحيد من أمريكا ومن منظمة دولية غير حكومية على الرحلة.

لا تزال المدينة نابضة بالحياة

لكن مع دخولي المدينة، فإني أجد مفاجأة بانتظاري. في البداية لم أرَ المعاناة الإنسانية التي أعرف أنها موجودة. على السطح، تبدو المدينة بنفس الشكل الذي تركتها به تقريباً يملؤها الزحام والضوضاء والحياة. هناك زحمة مرورية خاصة في ميدان التحرير – في مؤشر على أن الوقود يجد طريقه إلى المدينة. لا تزال مباني صنعاء الشهيرة، المرتفعة ذات الزخارف المعقدة المبنية من اللبن واقفة، كما لا تزال المدينة القديمة على حالها بشكل عام، رغم وجود كميات أكبر من النفايات في الشوارع وصور الشهداء وشعارات الحوثيين ملصقة في كل مكان. الناس يتابعون حياتهم اليومية؛ حيث تبدو الشوارع نابضة بالحياة، والمحلات التجارية مفتوحة، وهناك مواد غذائية على رفوفها. يخبرني سائق السيارة التي استقلها بأن المدينة أكثر ازدحاماً من المعتاد بسبب استيعابها للنازحين من مناطق القتال المحيطة بها. كل ما أراه يذكرني بشكل دائم بأن صنعاء عانت أقل من غيرها، مقارنة بمدن أخرى في الشمال، من عمليات القصف التي شنها التحالف الذي تقوده السعودية وكذلك من التهديد المتنامي الذي تشكله المجاعة. يخبرونني أن مدناً مثل الحديدة، وصعدة وحجة أسوأ حالاً بكثير.

.لا تتمثل المشكلة في عدم توافر الغذاء – على الأقل في صنعاء حتى الآن – بل بعدم امتلاك المال اللازم لشرائه

هناك شيئ آخر أيضاً. إنني أشعر بالأمان رغم أنني أتنقل بسيارة أجرة عادية. صحيح أنني أرتدي العباءة السوداء والنقاب الأسود التقليدي الذي يغطي الوجه، ما يعني أن لا أحد يستطيع أن يرى سوى عيني. لكن الملفت هو وجود عدد قليل من نقاط التفتيش في المدينة وقدر ضئيل من الوجود الأمني الصريح في الشوارع. أعود لأرى منزل صديق، حيث كنت أعيش، وأجد أن كل شيء لا يزال موجوداً، ولو كان مغطى بالغبار. لم ألمس من خلال أحاديثي حدوث عمليات نهب واسعة النطاق أو انتشار لانعدام القانون.

بل إن هناك جانب إيجابي للمصاعب التي يواجهها السكان؛ فقد ألهمت الانقطاعات الدائمة للكهرباء بإيجاد ابتكارات جديدة، وتحولت العديد من المنازل والشركات إلى الطاقة النظيفة. أرى عدداً أكبر من ألواح الطاقة الشمسية مما كان موجوداً على ما أذكر. لا تستطيع الحكومة أن توفر الكثير من الكهرباء، أو الكثير من أي شيء آخر، وهذا يجبر الناس على فعل كل ما بوسعهم ليبدعوا ويبتكروا.

لكن مع تعرفي أكثر على المكان والاتجاهات، أرى المباني التي قصفت وقد سويت بالأرض في كثير من الأحيان وسط بيئة حضرية مزدحمة. وهذه في معظمها مبانٍ حكومية أو مبانٍ سكنية تعود إلى الرئيس السابق صالح، أو عائلته أو المسؤولين في حزبه، المؤتمر الشعبي العام. الفجوة التي أحدثت الصدمة الأكبر عندي في المشهد الحضري كانت الإطار المعدني لما كان أكبر صالة اجتماعات في صنعاء، التي قال السعوديون أنهم قصفوها بالخطأ في 8 تشرين الأول/أكتوبر 2016، فقتلوا 140 شخصاً وجرحوا أكثر من 600 شخص كانوا يحضرون عزاءً.

أزور الموقع بعد عدة أيام من وصولي لأعاين الأضرار بشكل مباشر. أرى الصور التي بهتت لأولئك الذين قضوا نحبهم في جحيم ذلك اليوم وقد ألصقت في محيط الباب. أرى صورة أحد الأصدقاء، وهو قائد محلي يحظى بالاحترام، هو عبد القادر هلال. كان من أوائل الذين كنت سأراهم في هذه الزيارة لأعرف منه آفاق التوصل إلى تسوية. لكنه، مع كثيرين غيره ممن كنت أعتمد عليهم في الماضي لأخرج بفهم أفضل للأحداث، إما قتلوا، أو يعيشون في الخارج أو باتوا في أجزاء أخرى من هذا البلد المقسّم.

لا تشكل حقيقة أن التحالف يستهدف قوات الحوثي/صالح عزاءً يذكر لليمنيين الذين التقيهم؛ فمنازل مسؤولي حزب المؤتمر الشعبي العام التي تستهدفها الضربات الجوية موجودة في معظم الأحيان في أحياء سكنية ذات كثافة سكانية عالية، ما يجعل الأضرار الجانبية أمراً لا مفر منه. في كل مكان يحدثونني عن القتلى: عائلة من ستة أفراد في منزل مجاور قتل جميع أفرادها، فتاة شابة قتلت، أم أحرقت حتى الموت. يتحدث الناس عن "كوارث مزدوجة"؛ عندما يهرع المنقذون للمساعدة بعد غارة أولى، تلقي طائرات التحالف موجة ثانية من القنابل، فتقتل المنقذين وكل من قد يصادف وجوده في المكان. لم أسمع ولا مرة عن مسؤول كبير في المؤتمر الشعبي العام أو عن مسؤول حوثي قتل في مثل تلك الغارات.

خلال الأيام الستة التي قضيتها في المدينة لم تحدث أية غارات؛ لكن من وقت لآخر، أسمع الهدير البعيد لطائرات الاستطلاع. أصدقائي اليمنيون، الذين باتوا متنبهين تماماً لوجودها، يدلونني عليها. بعد بضعة أيام من مغادرتي، تقصف الطائرات من جديد، وتصيب، كما تفعل في معظم الأحيان، نفس المنشآت العسكرية في الجبال المحيطة بالمدينة.

جوع مخبأ

لا أرى طوابير من الناس يصطفون للحصول على الغذاء؛ حيث لا تزال الأفران والمطاعم مفتوحة، وهناك خضار وفواكه على البسطات. لكن هناك يأس كامن تحت السطح النابض بالحياة في صنعاء. لقد كان الفقر موجوداً دائماً في المدينة، لكن هناك أعداد أكبر بكثير من الناس مما أذكر في الماضي ينبشون أكوام القمامة بحثاً عن شيء يأكلونه أو يبيعونه.

لا تكمن المشكلة في عدم توافر الغذاء – على الأقل في صنعاء حتى الآن – بل بعدم امتلاك المال اللازم لشرائه. بعد عامين من الحرب، فإن الاقتصاد في حالة انهيار وأسهمت الأزمة بين الفصائل اليمنية المتصارعة على البنك المركزي إلى نشوء وضع لم تُدفع فيه رواتب موظفي الخدمة المدنية بشكل ثابت منذ آب/أغسطس 2016. كل من تحدثت إليه أشار إلى موضوع الصعوبات الاقتصادية: السياسيون، والأصدقاء، والحراس، وسائقو سيارات الأجرة، والعاملون في الفنادق، وكل من تعرفت عليهم بالصدفة.

April Longley Alley meets with Mohammed al-Dailimi, Executive Director of the Rehabilitation Fund and Care of Handicapped Persons, in Sanaa, Yemen, on 24 April 2017. CRISISGROUP/April Longley Alley

تتفاقم المعاناة الصامتة تحت واجهة الحياة الطبيعية. يتحدث الناس عن الإنفاق من مدخراتهم حتى استنزافها. ويقول مالكو المنازل إنهم لم يعودوا يجمعون أجرة منازلهم لأن المستأجرين لا يستطيعون الدفع. وبات الناس يعتمدون بشكل متزايد أكثر من أي وقت مضى على شبكات علاقاتهم الشخصية، حيث يتلقون الأموال من أقاربهم الذين يعيشون في الخارج عبر شركات تحويل الأموال.

النساء هن أول من يعاني، حيث إن العادات المحلية تجعل من الصعب عليهم الخروج وطلب المساعدة بأنفسهم. يخبرني أحد الأصدقاء عن جارة اختفى زوجها: لم تسمع شيئاً عن مصيره، ولم يكن لديها دخل، ولا عائلة ممتدة، وخياراتها محدودة جداً في إطعام ستة أطفال. في منزل آخر، التقيت أسرة مكونة من 14 امرأة وطفلاً في غرفتين. أجسادهم نحيلة بشكل مخيف، فقد غدوا جلداً على عظم. لكنهم يتسمون بالكبرياء، ولا يتحدثون كثيراً عن احتياجاتهم الملحة.

نحن وهم

قد يكون الشعور بالصمود والكبرياء هو أكثر ما يقلل التحالف الذي تقوده السعودية والمدعوم من الولايات المتحدة من شأنه. حتى الأشخاص الذين لا يعدون مؤيدين طبيعيين للتحالف القائم بين ميليشيا الحوثي والرئيس السابق صالح يشعرون بنوع من التضامن نتيجة الحرب، والحصار الذي فرض عليهم، والأضرار الأوسع التي ألحقها بهم القصف والحصار. لو شعر الناس أن المستهدفين كانوا فقط المقاتلين الحوثيين، فإنهم كانوا سيشعرون بشكل مختلف؛ لكن مقتل المدنيين، بمن فيهم النساء والأطفال، وتفاقم الصعوبات الاقتصادية يجعل الناس يشعرون أنهم جميعاً مستهدفون. وبالفعل، فإن أحد أقوى الانطباعات التي خرجت بها من زيارتي كان رؤية الغضب من الطريقة التي تدمر بها الحرب حياة الناس العاديين.

.إن عقلية ’نحن ضد هم‘ التي تضع صنعاء في مواجهة مع السعودية تنعكس داخل اليمن في عدد من الانقسامات الداخلية

هذا لا يعني عدم وجود إحباط أو غضب موجهين نحو الحوثيين، الذين يحمّلهم العديد من اليمنيين المسؤولية عن إطلاق دائرة العنف والآن جراء عدم قدرتهم على إدارة حكومة فعالة. إلا أن الجزء الأكبر من الغضب، وحتى الكراهية، موجه نحو السعودية، البلد الذي لليمنيين معه تاريخ طويل ومعقد من التنافس. رغم أن قوات الحوثي/صالح لا تمتلك سوى الأسلحة الخفيفة وتفتقر إلى القوى الجوية، فإن هذا يوجِد مقاومة عنيدة يمكن اختصارها بالآتي: "إذا كان الخيار هو: 'الاستسلام أو الموت جوعاً' فإننا سنحارب". أحد الشيوخ القبليين يخبرني أن "اليمنيين لن يكونوا عبيداً للسعودية". كما أن هناك كراهية متنامية وواسعة الانتشار للولايات المتحدة بسبب دعمها للحرب، وهو ما يجد اليمنيون صعوبة في فهمه. كأمريكية، فقد يكون السؤال الذي يطرح عليَّ بشكل أكثر تكراراً هو: "لماذا تهاجمنا الولايات المتحدة؟"

إن احتمال غزو تقوده السعودية لأهم الموانئ الشمالية، وهو ميناء الحديدة، يثير مشاعر معادية للسعودية والولايات المتحدة، وكذلك شعوراً بالتضامن في صنعاء. ثمة إجماع على فهم الهجوم على أنه محاولة لممارسة أقصى درجات الضغط الاقتصادي على الشمال لإجبار تحالف الحوثي/صالح على الاستسلام أو الموافقة على تسوية بشروط أقل ملاءمة لهم. وهذا ما يسمح لسياسيي الحوثي/صالح بالمزايدة حول القضية، والادعاء بأنهم مستعدون لبذل كل ما هو ضروري من الدماء دفاعاً عن الحديدة وتوسيع الحرب إلى الأراضي السعودية رداً على ذلك.

إن عقلية "نحن ضد هم" التي تضع صنعاء في مواجهة مع السعودية تنعكس داخل اليمن في عدد من الانقسامات الداخلية. في صنعاء، أرى تضامناً قوياً، رغم الاختلافات، ضد ما ينظر إليه على أنه "عدوان أجنبي". لكن في أجزاء أخرى من البلاد، تختلف رواية الحرب بشكل جذري. من خلال الأشخاص الذين أعرفهم في اليمن الجنوبي السابق، الذي كان دولة منفصلة قبل عام 1990 وحيث لا تزال الرغبة بالاستقلال قوية، أسمع أن جبهة الحوثي/صالح غزاة خارجيون وأن التحالف الذي تقوده السعودية محق في تدخله العسكري. في محافظة مأرب الشمالية، وهي منطقة قبلية سنية تاريخياً تتمتع بموارد نفطية وغازية كبيرة، يقف العديد ممن يرتبطون بالأيديولوجية الرئيسية لعدو الحوثيين المتمثل في حزب الإصلاح الإسلامي السني مع السعودية ويعملون بشكل مستقل عن صنعاء وأيضاً عن حكومة هادي المعترف بها دولياً. هادي نفسه يتخذ له مقراً رسمياً في عدن، لكنه يحظى بدعم أقل بكثير مما يحظى به القادة الانفصاليون المحليون. المناطق الخاضعة حالياً لسيطرة الحوثي/صالح تتقاطع في كثير من الأحيان مع المرتفعات الشمالية/الزيدية، مع استثناءات بارزة مثل ميناء الحديدة، وهو واقع قسم البلاد فعلياً على أساس طائفي.

سواء في صنعاء أو في عدن، فإن اليمنيين لديهم فكرة بأن المكان الآخر سيء وفوضوي، وهو ما يعمق الانقسام المفاهيمي في البلاد. لم أزر عدن مؤخراً، وبالتالي لا أستطيع أن أخبر أصدقائي في صنعاء بالمزيد عما يذكر من معدلات الحوادث المميتة الأعلى بكثير في مركز الخصم. في صنعاء، العديد من الناس مقتنعون بأن الوضع سيء في عدن إلى حد أنه مهما كانت مشاكلهم، فإنهم راضون عما يشعرون به أنه وضع أمني أفضل لديهم. يحبون أن يقولوا: "نحن لسنا 'كالمناطق المحررة'" (المناطق الواقعة اسمياً تحت سيطرة حكومة هادي).

يسارع أنصار الحوثي/صالح في صنعاء على تشجيعي على الاجتماع بطيف واسع من الأشخاص في العاصمة، أي مع يمنيين من سائر أنحاء البلاد ومن مختلف الأحزاب السياسية. باستثناء الإصلاح، الحزب الذي تقبع قيادته إما في السجن أو تحت المراقبة الوثيقة، أستطيع فعل هذا. لكنني أشعر بأن هذا التنوع والتسامح يتعرض لتهديد خطير. في حين أن قيادة الحوثي/صالح تريد تشجيع فكرة التنوع الذي لا يزال موجوداً في العاصمة، فإنهم يقوضون ذلك بحملة الاعتقالات التي يشنونها. في اجتماع التقيت فيه مجموعة متنوعة من ممثلي الأحزاب والنشطاء المستقلين، قال ممثل للحوثيين إن هناك احترام للآراء المختلفة في صنعاء. ضحك بعض الموجودين ومن ثم سرد أمثلة عن عمليات اعتقال غير قانونية وعن مضايقة للصحفيين. من المثير رؤية أن اليمنيين ما زالوا مستعدين للتعبير عما يجول في أذهانهم، لكن من الواضح أن الفضاء المتاح لذلك يتقلص باستمرار.

السلطة في صنعاء

في صنعاء، يبدو أن الحوثيين قد باتت لهم اليد العليا على صالح في المسائل العسكرية والأمنية. إلا أن قدرتهم في الميدان لا توازيها كفاءتهم في الحكم، وهي ديناميكية تعيد إحياء شعبية صالح وحزبه، حزب المؤتمر الشعبي العام، بل وتزيدها.

كان لقاء الزعيم اليمني الشهير أحد أبرز الأحداث غير المتوقعة في هذه الزيارة. بوصفه الهدف الأول للتحالف، لم أكن أخطط للمخاطرة بالاجتماع به. لكن وصول خبر زائر أجنبي نادر انتشر، ما جعله يعرّج على مكان كنت أزوره. ونحن نسير في فناء المبنى ونناقش الحرب، لاحظت أن طاقته لم تتراجع، وأنه لا يزال يطمح لإعادة حزبه، المؤتمر الشعبي العام، إلى السلطة في اليمن إذا استطاع إلى ذلك سبيلاً.

الحوثيون أنفسهم يعترفون بأن الحكم ليس إحدى نقاط قوتهم. في الواقع، فإنهم يديرون دولة بوليسية، ولا يجدون ضرورة لتبرير ذلك، يقول لي أحد زعمائهم: "نحن في حرب". ليس هناك نظام قضائي يعمل، ولا آلية فعالة للجوء إلى العدالة، ما ينتج عنه انتهاكات فظيعة لحقوق الإنسان. إذا اعتقد تحالف الحوثي/صالح أنك عدو، فأنت في خطر أن يزج بك في السجن. لقد تقلصت أعداد أعضاء حزب الإصلاح نتيجة الاعتقالات الجماعية. الناس ببساطة "يختفون"، بما في ذلك زعيم حزب الإصلاح محمد قحطان. الأسر لا تعرف بالتأكيد لماذا أو أين احتجز أقاربها. البهائيون، وهم طائفة انشقت عن التيار الرئيسي للإسلام، يتعرضون للقمع أيضاً. في أوقات متفرقة فقط تسمع عن حالات تنجح فيها العلاقات القبلية أو الشخصية مع الحوثيين بإطلاق سراح أحد الأشخاص. ثمة لازمة شائعة تسمعها من أولئك الذين يعارضون الحوثيين، بما في ذلك في أوساط حزب المؤتمر الشعبي العام بزعامة صالح، وهي أن الحرب تقوي الحوثيين وتطيل حياتهم السياسية، حيث لا يستطيع أحد تحديهم طالما ظلوا القوة الأساسية التي تحارب ضد "العدوان الخارجي".

خلال زيارتي القصيرة، لم أرى علامة ظاهرة في صنعاء على الدعم الإيراني الذي يعتقد البعض أنه يلعب دوراً جوهرياً في صمود الحوثيين. يتلقى الحوثيون دعماً دبلوماسياً وإعلامياً، إضافة إلى بعض المساعدة العسكرية من الإيرانيين، إلا أن أهمية ونطاق المساعدة العسكرية موضع تشكك. كدليل على الدعم السياسي، فإن السفارة الإيرانية هي إحدى البعثات الدبلوماسية القليلة التي ظلت مفتوحة. لكن مما رأيته، فإنها كانت أبعد ما تكون عن كونها مركزاً يعج بالنشاط. إنها محاطة بحواجز إسمنتية مرتفعة بعد تفجير بسيارة مفخخة تعرضت له في عام 2014 ويديرها قائم بأعمال السفير وعدد قليل من الموظفين.

.تصعب المبالغة بالأثر الذي يحدثه عزل تحالف الحوثي/صالح، وإلى أي حد أصبحت صنعاء تردد صدى هذا الأثر

الأحاديث في صنعاء تسخر من النفوذ الإيراني بقدر ما تسخر من السعودية. إحدى العبارات الشائعة التي يسمعها المرء رداً على اتهامات دول الخليج بالدعم القوي الذي تقدمه إيران للحرب هي: "أرونا جثة جندي واحد في الحرس الثوري الإيراني". القادة الحوثيون يقولون إنهم يتخذون قراراتهم بشكل مستقل عن المشورة الإيرانية، رغم إعجاب الكثيرين في التيار بالدور السياسي الإقليمي الذي تلعبه إيران ويتشاطرون مع المؤسسة السياسية الإيرانية عداءً عميقاً للوهابية (وهي تفسير صارم للمذهب الحنبلي في الفقه الإسلامي تطور في السعودية في أواسط القرن الثامن عشر). داعمو الحوثيين والمؤتمر الشعبي العام على حد سواء يقولون إن إيران لا تفي بالدعم المالي الذي وعدت به الحوثيين، وهي حصيلة تصيب التيار بالإحباط. عضو في المؤتمر الشعبي العام يقول إن على إيران "أن تدعم الحوثيون [مالياً] أو أن تصمت ... إيران تتحدث كثيراً، لكنها تعطي قليلاً". كل هذا لا يعني القول إن العديد من اليمنيين في صنعاء، خصوصاً أولئك الذين ينتقدون الحوثيين، لا يخشون انخراطاً إيرانياً أكبر وأيضاً أن يصبحوا عالقين على نحو أكبر في الخصومة السعودية – الإيرانية وضحايا لهذه الخصومة. إنهم يخشون ذلك فعلاً. لكن بصرف النظر عن أهمية ذلك، فإن الرواية التي يسمعها المرء في صنعاء مختلفة جداً عن الرواية التي يسمعها في الخليج، أو الولايات المتحدة أو المملكة المتحدة.

منذ انهيار محادثات السلام في آب/أغسطس 2016، بات حزب المؤتمر الشعبي العام والحوثيون يتعاونون بشكل غير مريح في حكومة إنقاذ وطني. رغم العزلة السياسية شبه الكاملة والافتقار إلى الموارد، فإن هذه الحكومة تحاول المحافظة على مظاهر الحكم. لا يزال وزير الخارجية يذهب إلى العمل في وزارته، رغم أن معظم أجزاء البناء مترامي الأطراف فارغة. النظام في حالة انعاش معلقة والمؤسسات في حالة انهيار فعلي. دون رواتب، فإن عدداً قليلاً من الموظفين مستعد للعمل، ولا أحد يقوم بصيانة المباني وتنمو الأعشاب بين شقوق الأبنية.

ثمة إحساس عميق بالعزلة. وزير الخارجية، غير المعترف به دولياً، مقاطَع، باستثناء الحضور الدبلوماسي لإيران، وروسيا وقلة من الدول الأخرى. الأجانب الوحيدون الآخرون في المدينة هم جميعاً من العاملين مع الأمم المتحدة.

كما التقيت برئيس البرلمان، وهو عضو في حزب المؤتمر الشعبي العام بزعامة صالح. يغتنم فرصة زيارة نادرة من قبل أجنبي ليملاً القاعة بالبرلمانيين والصحفيين. كالكثيرين في صنعاء، هو متشوق لإيصال رسائله حول الكلفة الإنسانية لاستمرار الصراع، والطريقة التي يفاقم بها الغرب من انقسامات اليمن من خلال الانحياز والاعتراف بالطرف الآخر للصراع بوصفه الحكومة "الشرعية".

تصعب المبالغة بالأثر الذي يحدثه عزل تحالف الحوثي/صالح، وإلى أي حد أصبحت صنعاء تردد صدى هذا الأثر. ما من شك في أن هذا التحالف يتمتع بشعبية كبيرة في صنعاء، وفي المناطق الخاضعة لسيطرته. لكن مع الحد الأدنى من الاتصالات الدبلوماسية أو انعدامها على الإطلاق، فإن الجسور بين الحكام الفعليين لشمال اليمن والعالم الخارجي محدودة  جداً. لقد عزز الحوثيون من عزلتهم باحتجاز الأجانب، خصوصاً الأمريكيين، وقد رفض الحوثيون وقوات صالح على حد سواء الاجتماع مع مفاوضي الأمم المتحدة و/أو منعوهم من الدخول.

April Longley Alley meets with the speaker of parliament Yahya Ali al-Raee in Sanaa, Yemen, on 22 April 2017. CRISISGROUP/April Longley Alley

من الواضح أن هذه العزلة تزيد من التشدد ضد المفاوضات والتسويات. كما أن إغلاق مطار صنعاء على نحو خاص يعزز عقلية الحصار هذه. على كل من يرغب بالمغادرة أن ينظم رحلة تدوم يوماً كاملاً ويتعرض للمخاطر عبر خطوط الجبهة إلى عدن، الواقعة تحت سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً. تستغرق الرحلة ضعف الوقت الذي كانت تستغرقه قبل الحرب؛ ويخضع المسافر للمضايقة على نقاط التفتيش العسكرية؛ ولا يمكن لأي شخص يعمل في السياسة أن يشعر بالأمان بأنه سيصل إلى مقصده. لم يعد الشماليون مرحباً بهم في الجنوب، والعديد من الأشخاص الذين تحدثت معهم في صنعاء تعرضوا للمضايقة و/أو الاحتجاز في الجنوب.

لسبب أو لآخر، فإن الناس في صنعاء محتجزون ولا يستطيعون المغادرة ما لم يشعروا بأنهم مجبرين على اتخاذ مخاطرة حقيقية، سواء للعلاج الطبي، أو لأسباب عائلية أو للدراسة. إذا كان هناك أمر واحد يريد كل من التقيته أن يراه، فإنه إعادة فتح المطار. إلا أن الناس لا يريدون الهرب بالضرورة. في الواقع، فإن كثيرين محتجزون في الخارج ويريدون العودة.

البحث عن السلام

بمرور الأيام بسرعة، أعود إلى طبيعتي إلى درجة أنني أخطئ في تاريخ مغادرتي. أحاول تمديد إقامتي إلا أن الإجراءات الإدارية المعقدة تجعل من هذا أمراً مستحيلاً. لا أريد المغادرة. أذكر كيف أن الحرب أجبرتني على الخروج من قبل، وأشعر بالقلق بأنه سيمر وقت طويل جداً قبل أن أتمكن من العودة.

زحام الاجتماعات والانطباعات تجعلني أشعر بأن النسيج الاجتماعي اليمني تعرض لضغط وتوتر كبيرين لكنه لم يتمزق بشكل كامل. المجتمعات المحلية تعمل معاً على المستوى المحلي لإطعام المحتاجين. فكرة تنوع الآراء والرغبة بها موجودة في صنعاء، رغم ضآلة التعددية في الوقت الراهن. النساء أيضاً يلعبن دوراً متزايد الأهمية، خصوصاً فيما يتعلق بالانقسام الخطير بين الحوثيين والإصلاح. نساء الإصلاح، على سبيل المثال، يقومون بالعمل الشاق المتمثل في متابعة حالات اختفاء أو سجن أعضاء حزب الإصلاح. لأن الناس يثقون بالنساء أكثر ويخافون منهن أقل، فإن مشاركتهن يمكن أن تخفف حدة التوترات. العديد من اليمنيين العاديين يسبحون ضد التيارات القوية المتمثلة بالطائفية والتشظي الاجتماعي الذي يحدق بالبلد والمنطقة.

يتوق اليمنيون لإيجاد مخرج من الحرب. وسيكون من الصعب العثور على حل للجانب الذي أسهم الانخراط الإقليمي في تشوشه واختلاطه، والذي ينبغي أن يعالج المخاوف والشواغل السياسية والأمنية السعودية وفي الوقت نفسه عدم الدوس على شرف اليمنيين أو تجاوز خطوطهم الحمراء المختلفة في السياسة أو الأمن. السعودية، كالكثير من اليمنيين، متخوفة من أن إيران تكتسب موطئ قدم في البلاد من خلال الحوثيين. كما أنهم قلقون من الوضع الأمني على حدودهم، ومن المرجح أنهم يرغبون بأن يكون لهم نفوذ كبير على أي حكومة جديدة في صنعاء. وكتلة الحوثي/صالح حساسة حيال أي حل يمكن أن يعتبر استسلاماً للسعودية أو لحكومة هادي. عليهم أن يعملوا مع المكونات المحلية التي تتشوق للانتقام من جارها الشمالي. ثم هناك القضية المنفصلة لكن ذات الصلة المتمثلة بالتوصل إلى تسوية بين مراكز القوى المتنافسة باليمن، وهو تحدٍ ينبغي أن يأخذ بعين الاعتبار الواقع الجديد في البلاد والمتمثل في اللامركزية والحكم الذاتي للأقاليم. في حين أن ثمة تحديات كبيرة تواجه المفاوضين، فإن أحاديثي في صنعاء دفعتني إلى الاعتقاد أن هناك على الأقل بعض التدابير العملية الممكنة. المتحدثون معي من الحوثيين والمؤتمر الشعبي العام يناقشون وسائل التوصل إلى تسوية لمنع امتداد الحرب إلى الحديدة، والعثور على حل لدفع الرواتب على مستوى البلاد وتحقيق تقدم في المحادثات السياسية. ثمة مجال سياسي لعمل المعنيين على الأرض، لكن إيجاد هذا الفضاء يتطلب انخراطاً مستمراً وأكثر اتساعاً، بما في ذلك في صنعاء.

في طريق عودتي إلى المطار المهشم والفارغ، أشعر بالحزن لقصر الوقت. كما أن رؤية ذلك المزيج من المعاناة، والعزلة والتحدي في صنعاء يجعلني أدرك مدى الحاجة للاستكشاف الفعال لكل طرف من أطراف المأساة اليمنية. إن عزل طرف أو آخر يعيق الدبلوماسيين أو منظمة تعمل على منع الصراعات، كالمنظمة التي أعمل فيها، من المساعدة على جسر بعض تلك الخلافات. قد يكون الجزء الأكثر إثارة للمشاعر في زيارتي ما حدث بعد هبوط الطائرة التي استقلها في الأردن؛ حيث وصلني سيل من الرسائل النصية من أصدقائي والأشخاص الذين تحدثت إليهم تخبرني – وأنا شخص لا أتمتع بأي سلطة لاتخاذ القرار – بأن زيارتي – "أحيت الآمال".

This commentary is part of Crisis Group’s series Our Journeys, giving behind the scenes access to our analysts’ field research.